القرآن الكريم فيه مخارج كثيرة لمن تمعن في كلماته. أرسل لي شخص أو «شخصة» رسالة في جوالي يقول فيها: «بتقدر تديني 20 جنيهاً لعلاج بدون ما تعرف أنا منو لأني بتحرج منك؟ رد». وربما تكون هذه الرسالة أو مثلها قد أرسلت إليكم، فعنصر المباغتة فيها يمثل نوعاً جديداً من الطلب وربما تستجيبون له بالإيجاب ولكن لأن عنصر الاستغفال والنصب فيها متوافر خاصة إذا أرسلت لعدد كبير من الناس فإني قد بعثت لراسلها أو راسلتها برد أقول فيه:«لا أقدر لأني متحرج منك فالله سبحانه وتعالى يقول: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً»، فربما تكون أحد السفهاء.. اعتذر. ولعله يجدر بنا ونحن نستقبل هذه الجمعة المباركة أن نستدعي شيئاً من قصص التراث التي تدل على سرعة البديهة وحسن الاقتباس. يقال إن امرأة فائقة الجمال مرت برجل نظر إليها وقلبه ينفطر شغفاً بجمالها ثم تقدم منها وأراد أن يناجزها بألفاظ القرآن عله يمتلك إيمانها ودار بينهما الحوار الآتي: الرجل: «وزيّناها للناظرين». المرأة: «وحفظناها من كل شيطان رجيم». الرجل: «بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون». المرأة: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب». الرجل: «نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا». المرأة: «لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا». الرجل: «وإن كان ذو عسرة». المرأة: «حتى يغنيهم الله من فضله». الرجل: و«الذين لا يجدون ما ينفقون». المرأة: «أولئك عنها مبعدون». عندها احمر وجه الرجل غيظاً وقال: «ألا لعنة الله على نساء الأرض أجمعين!!» فأجابته المرأة: «للذكر مثل حظ الأنثيين». من الذي يمتلك مثل هذه البلاغة التي أساسها القرآن الذي أحدث فصاحة عميقة الأغوار في لسان العرب؟. يقول عبد الله بن المبارك: بينما أنا سائر في الطريق، إذا بسواد، فمررت به، وإذا هي عجوز عليها درع من صوف، وخمار من صوف، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقالت: « سلام قولاً من رب رحيم». فقلت لها: يرحمك الله تعالى، ما تصنعين في هذا المكان؟ فقالت: «ومن يضلل الله فلا هادي له». ففهمت أنها ضالة عن الطريق، فقلت: أين تريدين؟ فقالت: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى». فعلمت أنها قضت حجها وتريد بيت المقدس، فقلت: أنت مذ كم في هذا المكان؟ فقالت: «ثلاث ليال سويا». فقلت: ما أرى معك طعاماً؟! فقالت: «ثم أتموا الصيام إلى الليل». فقلت لها: ليس هذا شهر رمضان؟! فقالت : «ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم». فقلت لها: قد أبيح لنا الإفطار في السفر؟! فقالت: «وإن تصوموا خيراً لكم». فقلت لها: لم لا تكلميني مثلما أكلمك به؟ فقالت: «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد». فقلت لها: من أي الناس أنت؟. فقالت: «ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً». فقلت لها: قد أخطأت، فاجعلينى في حل. فقالت: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم». قلت لها: هل لك أن أحملك على ناقتي وتلحقي القافلة ؟! قالت: «وما تفعلوا من خير يعلمه الله». فأنخت مطيتي لها. فقالت: «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم». فغضضت بصري عنها، فقلت اركبي. فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة بها، ومزقت ثيابها. فقالت: «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم». فقلت لها: اصبري حتى أعقلها. فقالت: «ففهمناها سليمان». فشددت لها الناقة، وقلت لها: اركبي. فلما ركبت قالت: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون». وقد علم عبد الله بن المبارك أن تلك المرأة ظلت أربعين عاماً لا تتحدث إلا بالقرآن. ولعلي أورد هنا شيئاً من جهالة أصبت بها في جاهليتي واستغفر الله منها. وكعادة الأخوات السودانيات فإنهن مولعات مغرمات بشراء الأواني المنزلية التي يطلقن عليها لفظ «العدة» .. ماشين نشتري عدة مويات رمضان، جايين من سوق العدة وهكذا.. كذلك كانت زوجتي تشتري العدة وخاصة تلك الكرتونة التي بها «99» شيئاً من العدة وأركانها المختلفة. ولما ضقت ذرعاً بذلك، قلت لها: يا مرة جننتينا بالعدة.. العدة.. إنت ما سمعتي ربنا قال شنو في كتابه العزيز؟ ربنا مش قال: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة يكون في فنجان ما في ولا كباية انكسرت؟ ومن يومها وهي قد أقلعت عن تلك العادة المغروسة في جينات أية امرأة سودانية. ولاحقاً وجدت أنني قد حرفت الكلم عن موضعه فاستغفر الله وأتوب إليه إنه لا يغفر الذنوب إلا هو التواب الرحيم. وجمعتكم مباركة بعدة أو بدون عدة.