مؤتمر الحوار الاعلامي الذي تعتزم وزارة الاعلام السودانية تنظيمه لمناقشة قضايا الحريات الاعلامية والثوابت الوطنية بالبلاد، يحمل العديد من الدلالات لتزامنه مع توجه الدولة نحو الحوار حول القضايا الوطنية بما فيها الدستور والانتخابات القادمة. وابرز الدلالات تلك التي وصفها الخبير الاستراتيجي د. محمد حسين ابو صالح ب «المترابطة السياسية الاعلامية» لارتباط الاحداث السياسية مع الاعلام والتي لا تنفك عن قضايا الحوار التي دعا لها النظام الحاكم ، وقال خلال حديثه للصحيفة إن المرجعية التي ينبغي ان تتحكم في تقييم الاداء هي المصالح الوطنية للدولة، وبالتالي اي نشاط يضر بهذه المصالح غير مطلوب. واستدرك ابو صالح بقوله ان مشكلة السودان تكمن في عدم احتكامه إلى وثيقة تحدد هذه المصالح ومنظوماته، مما يؤدي الى حدوث اللغط المتعلق بالصحافة والاعلام، واشار الى ان السودان يختلف كثيراً عن الدول التي استطاعت تأسيس اعلام حر وقيم توافقية تعبر عن الدولة وليس النظام الحاكم، وبالتالي أصبح الاعلام منضبطاً تحت ظل هذه المصالح والقيم، مشيراً الى ان السودان بحاجة الى تأسيس الوعي الوطني والاحساس بالمسؤولية عبر تمكين الاعلام وتحديد القيم الوطنية الحاسمة. وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه العمل الصحفي، الا ان المشكلة ليست في التشريعات الصحفية بقدر تمثلها في ممارسة تطبيق نصوص القوانين المحددة للعمل الاعلامي، اضافة الى التقاطعات الموجودة في القوانين المتصلة بصورة مباشرة او غير مباشرة بالعمل الاعلامي، والتي تتضح جلياً في قانون جهاز الأمن والمخابرات الوطني والقانون الجنائي، اضافة الى قانون البيئة وحماية المستهلك وتقاطعاتها مع العمل الاعلامي، مما يضع الاعلامي تحت طائلة تجاوز هذه القوانين اما لعدم الاهتمام بها او لتعارض نصوصها مع مهنية العمل الاعلامي. وهذا الوضع يحدو بكثير من المراقبين الى القول بضرورة ان يركز مؤتمر الاعلام المزمع عقده على هذه القضايا، بحيث ينظر الى كيفية معالجة مخرجات هذه القوانين بطريقة لا تؤثر في الاداء المهني للاعلام في السودان، وهذا يتطلب توازناً في الرؤية وفي التنظير والممارسة. وهي الرؤية التي أكدها المحلل السياسي د. الطاهر عبد القادر الفادني بتأكيده ان المؤتمر تزامن مع الوقت المناسب لاطروحة الحزب الحاكم بالحوار الوطني لمناقشة الاوضاع السياسية الراهنة والحريات والقوانين المقيدة للإعلام، وقال انها متجانسة مع روح قضايا الحوار الوطني، مشدداً على ضرورة ان يضع رؤى قاطعة في قضايا الاعلام في ظل انفتاح السودان على مدخل الحريات المفتوحة والمقيدة، وتتطلب ان تصبح السلطة الرابعة موجهاً قوياً بعد ان اثرت في السودان العديد من القضايا، قاطعاً بأنه المحك الحقيقي لوضع الخط الرئيس بين الحرية المقيدة والاخلاق. وبين مؤتمر الحوار حول قضايا الاعلام في عام 1990م والى الآن مرت سنوات ساهم فيها الاعلام سلباً وإيجاباً في التحولات التي شهدتها الساحة السياسية السودانية، والذي قدم فيه اوراق عمل متعددة ، شملت كل ما يختص بقضايا سياسات وتجارب الاعلام، وحددت صعوبات الاعلام وتحدياته وحلولها، وخرج المؤتمر بمجلس اعلى للاعلام ومجلس الصحافة والمطبوعات، وايضاً صدور قانون الصحافة السوداني عام 1993م، ووضع استراتيجية اعلامية للدولة وخطط تفصيلية لتنفيذها على صعيد الوزارة ومؤسساتها، الا ان الصعوبات الجمة التي تمر بها الصحافة السودانية والاشكالات المعقدة بسبب العوامل السياسية والاقتصادية والمهنية التي تجعلها على حافة الخطر الحقيقي كما وصفها رئيس المجلس القومي للصحافة والمطبوعات البروفيسور علي شمو في حديث سابق وتدخلات الاجهزة الامنية، تجعل المجلس بلا قيمة.. وهنا تكمن الأزمة. يقول الصحافي المعروف محجوب محمد صالح: «متى ما انتقصت حرية التعبير فأنت بذلك وضعت مهنية الصحافة في محك».. ومن هذا المنطلق نجد ان الاعلام السوداني مازال رهينا لخطوط حمراء تحددها الاجهزة الرسمية تحت عناوين ومسميات مختلفة، وبالتالي لا يستطيع وفقاً للمقاييس المهنية المتبعة صحفياً ومهنياً في العالم الاقتراب او التصوير من ملفات الفساد التي تتداولها مجالس المدينة او التحقق منها او حول غيرها من القضايا المباشرة للجماهير، ولذلك فإن اي حديث عن الديمقراطية او التحول الديمقراطي بمعزل عن اطلاق حرية الاعلام لا معنى له، لهذا تصبو الامنيات عبر هذا الملتقى للوصول الى صحافة حرة لا تمتلكها الحكومة عبر مؤسسات صحفية تمول من الإعلان وصناعات الإعلام الجانبية، وإن كان ذلك التمني ضرباً من ضروب الأحلام المعلقة في سراب الأماني.