ثمة جوانب في الشخصية الروسية يصعب فهمها وقد نحتت تصرفات بعض الشخصيات السياسية الروسية، خاصة في الحقبة السوفيتية، عميقاً في الذاكرة والتاريخ البشري المعاصر. ففي حقبة الحرب الباردة برز نجم خرتشوف حينما تحدى الإمبريالية وضرب طاولة الأممالمتحدة بحذائه مهدداً بزوالها. أو عندما رأى غزارة إنتاج الولاياتالمتحدة من الذرة الشامية، أراد أن تنتجها روسيا أيضاً، فأمر بزراعتها، ناسياً عوامل المناخ ففشل وجلب السخرية فيه. وهنالك مفهوم الشجاعة في بعدها الروسي أيضاً. إذ يعد شجاعاً من يعب من الفودكا غير المخففة من القدح أو القارورة مباشرة ومن دون إظهار أي مشاعر تنم عن الألم، أو محاولة تخفيف حدة الكحول على الحلق بتناول أي شيء كقطعة لحم باردة، بعض شحم الخنزير المدخن أو خبز الجودار الأسمر، كما يفعل الروس عادة عندما يحتسون المشروبات الروحية. ثمة موقع في موسكو يرتبط بعوالم مشاهير الروس والشيوعيين والمبدعين منهم في حقب مختلفة، سبقت الثورة البلشفية وقد تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي. جنوبموسكو وعند منحنى نهر موسكفا، (أي نهر موسكو)، بنى الأمير الروسي فاسيلي الثالث الكبير دير الرهبان نوفوديفتش في عام 1524م. وذلك في الذكرى العاشرة لحصار مدينة إسمولنسك في عام 1514، وكان القصد منه أن يكون حصناً أوجزءاً مهماً من الحزام الدفاعي الجنوبي للعاصمة. وقد تطورت المنطقة مع مرور الوقت لتضم عدداً من القرى، ولتكون مأوى لعلية القوم من نبلاء روسيا في حقب مختلفة. ما يميز هذا الدير الذي يضم كاتدرائية رائعة البناء ذات قباب ذهبية وفضية وجدران ناصعة البياض وايقونات ولوحات، رسمها فنانون روس بارعون في عصور مختلفة، لا يستثنى منها عصر الباروك، أنه لم تطاله الحملة الإلحادية الاستالينية ضد المجمعات الكنسية الأرثودوكسية إذ هدم إستالين مئات الكنائس والأديرة أو حول ما سلم منها إلى متاحف أومساكن. كما أن هذا الدير والمجمع الكنسي تلحق بهما مقبرة تضم جثامين كثير من الشخصيات الروسية، الإبداعية مثل العلماء والسياسين وشخصية شيوعية أجنبية واحدة على الأقل هو ناظم حكمت الشيوعى التركي الرومانسي. ففي مقبرة نوفوديفتش يرقد نيكيتيا خرشوف، انطون تشيخوف فنان الإيجاز في القصة القصيرة في القرن التاسع عشر وصاحب الروائع المسرحية مثل «بستان الكرز» و«العم فانيا» ويرقد أيضاً مصمم الطائرات الروسي الأشهر اليوشن والمهندس توبلوف مصمم الطائرة المدنية العسكرية المشهورة التي تحمل اسمه، وقوقل الكاتب الروسي أستاذ السخرية السوداء في القرن التاسع عشر وروايته الشهيرة (الأرواوح الميتة). والرفيق أندريه قروميكو الشهير بالسيد لا (Mr. No)، الذي كان وزير خارجية الاتحاد السوفيتي السابق والذي تولى المنصب لعدة عقود وكان صلب المواقف. بيد أن هنالك مقبرة تضم شخصية طبقت شهرتها الآفاق لجرأتها التي تصل حد التهور وأفكارها الغريبة يومئذ. اليكساندرا كلنتاي (Alexandra Kollontai). والتي يزين قبرها تمثالاً لها، يصورها وهي جالسة، وتنم ملامحها وخاصة شفتاها عن التصميم، أكثر من اتقاد عيونها على أي نحو يشيء بذكاء نادر أو عبقرية. بيد أن سيرتها جرت على الألسن، في بداية القرن العشرين ومع انتصار الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر عام 1917م. ولدت كلنتاي لأسرة محافظة ولم تشأ والدتها أن تدعها تتأثر بالفكر السياسي على اختلاف مشاربه يومئذ. ولذا دفعت بها لأن تصبح معلمة. ولكن حذر الأم ذاك لم يدرأ عنها الوقوع في براثن البلاشفة، إذ انضمت إليهم واصبحت مفوضة شعب(Peoples Commissar) . وأصبحت نشطة في قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي بعد انتصار الثورة. وبدأت تتكشف ملامح أفكارها الجريئة والصادمة يومئذ والتي أصبحت تنشرها بلا هوادة حيث أصبحت الشيوعية الأولى التي دعت إلى التحرر الجنسي خاصة فيما يخص المرأة. فقد دعت إلى «حرية الحب» ورأت أن الزواج والأسرة من أفكار الماضي الرجعية، وكانت تؤمن أن الأسرة سوف تذري مثلما ستذري الدولة. وأن الزواج والأسرة التقليدية من ميراث الماضي الأناني القمعي المبني على أساس حق الامتلاك (الملكية الخاصة). كانت أفكار كلنتاي صادمة حتى بالنسبة للتقدميين من رفاقها البلاشفة وحتى أسلوبها في التبرج وقصات شعرها لم تجد القبول إلا بعد وفاتها بنصف قرن أو يزيد، إذ أنها لم تعد غريبة في نهاية القرن العشرين وفي عصرنا الحالي. إلا أن أغرب أفكارها جاءت في رؤيتها لما ينتج عن علاقات «الحب الحر» الذي دعت إليه. فقد رأت أن الأطفال الذين يولدون عن ذلك الحب، يجب أن تنهض الدولة بتربيتهم وتنشئتهم تنشئة شيوعية، كمسؤولية تقع على عاتق المجتمع وليس الأسرة. وقد اقتبس منها قولها: «على الأم العاملة ألا تفرق بين ابنها وابن غيرها، عليها أن تتذكر أن هنالك أطفالنا فقط، أبناء العمال الشيوعيين الروس». ولم تسلم كلنتاي من أن تجري سيرتها على كل لسان وكسبت كثيراً من الكراهية والإعجاب في نفس الوقت، وحصلت على ميداليات منها أعلى ميدالية تقديرية لمملكة النرويج يومئذ، حيث كانت أول امرأة تتولى منصب سفير لبلادها هناك. وقد أضاف المجتمع الروسي «توابل» كثيرة لذلك الحساء العجيب الذي أعدته كلنتاي. فنسج حولها الأساطير والحكايات والطرائف. ولحقت بمن طالت سيرتهم الأساطير من مشاهير روسيا مثل كاثرين (يكترينا) الأمبراطورة الروسية ابنة بطرس الأكبر. والتي تقول الأسطورة أنها سألت مستشاراً لها عن كيفية تطوير البلاد والاقتصاد، فخرج عليها بفكرة فتح أعداد كبيرة من «المواخير» المغرية التي تدفع الرجال للعمل بجد من أجل كسب المال، والذي يضمن لهم توفير المتعة والإنفاق عليها وبالتالي تتحرك عجلة الاقتصاد. كما طالت الأساطير سيرة راسبوتن الدجال، عشيق زوجة القيصر الكسندر الثاني، وكذلك وزير النساء بيريا وزير داخلية استالين. عقب الحرب العالمية الثانية ابتدعت الطبقة الاستقراطية البريطانية منهج ترف فكري يقوم على إدعاء اعتناق الماركسية، أو الإعجاب بالأفكار الشيوعية. وكانت تلك الطبقة تبحث عما يميزها. وقد وجدت ضالتها في أعمال الكسندرا كلنتاي، كما أنها كانت موضوعاً لأفلام غربية تحكي عن سيرتها، أشهرها فيلم «نينوتشكا» من بطولة الممثلة العالمية الشهيرة قريتا قاربو 0193. لم تكُ كلنتاي ذات جمال أخاذ من حيث الملامح والقوام، بيد أنها ابتدعت أسلوب الشعر القصير الذي يشبه تسريحة الرجل، وتصرفت على نحو يصعب تفسيره خارج نطاق التصرفات غير المتوقعة لبعض الشخصيات الروسية. فقد صنعت لها «ميني جوب» أي «تنورة قصيرة» «حارة» تكشف عن فخذيها من فراء القط «المسكينة». وأبدت مفاتنها من خلال ذلك الأسلوب الشيوعي Communist style لامرأة غريبة الأطوار، نادت وبعاطفة مشبوبة، بتحرر المرأة جنسياً لأنها رأت أن الجنس مثل الماء والهواء ضروري للإنسان. «يا عمال العالم انستروا».