الهلال .. للصدارة عنوان    نموذج ذكاء اصطناعي يكشف مضاعفات الحمل الخطيرة    ألقت رضيعها بالقمامة فنهشته الكلاب أمامها…جريمة تشغل الليبيين    دواء جديد يقلل خطر وفيات سرطان المبيض 60%    محمد إمام يخوض صراعاً مع أشقائه خارج إطار القانون في "الكينج"    لاعب ليفربول لجماهير الفريق: جهزوا "المناديل".. صلاح راحل    لا وألف لا للتراجع عن تنفيذ صيانة الكوبري    أسرار السحب وبصمة اللسان وعسل النحل.. حقائق علمية ستدهشك    يارا السكري: الجمهور ينتظرني مع أحمد العوضي    بعد اتهامها بشراء لجان إلكترونية لحسابات هندية.. مي عمر: شغل رخيص    أول تسريب لشكل هاتف غالاكسي زد فولد وايد منافس آيفون فولد    الصين تطلق أول دوري عالمي لقتال الروبوتات بجائزة 1.44 مليون دولار    بريطانيا تفجّرها: 10 دول متورّطة في توريد الأسلحة في حرب السودان    قرار مهم لمركزي السودان بشأن بنك شهير    نادي العروبة يهنئ الانيق بالمحافظة على موقعه بالممتاز    (تأهلنا.. وتصدرنا ولكن؟)    إبراهيم شقلاوي يكتب: بين الفوضى وإعادة التأسيس    الهلال يهزم سانت لوبوبو ويتأهل متصدراً مجموعته    شاهد بالصورة.. فنانة تشكيلية تعرض لوحة للفنان الراحل محمود عبد العزيز للبيع بمبلغ 5 مليار جنيه وساخرون: (إلا يشتريها مأمون لزوجته حنين)    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    ليفربول يحسم أمره ويقرر عرض محمد صلاح للبيع    السلطانة هدى عربي توجه رسالة لخصومها بصور ملفتة: (اصلوا ما تحاولوا تشوهوا صورتنا لي ناس الدنيا ضيقة)    وزير الصحة يؤكد دعم غرب كردفان واستمرار الخدمات الصحية رغم التحديات    بنك الخرطوم يصدر توضيحا مهما    تبادل إطلاق نار في الخرطوم    إطلاق سراح 100 من نزلاء السجون الغارمين بكسلا    تفاصيل بشأن خطة تأهيل جسري شمبات والحلفايا    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    أئمة يدعون إلى النار    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تاريخ عشر ساعات
نشر في النيلين يوم 09 - 10 - 2017

والآن ما ينطلق فيه مشروع هدم الإنقاذ المسلمة هو رسم صورة تجعلها (خمارة).. وبعد رفع العقوبات يجعلونها لينة تبيع الدين والدنيا.
وهذه هي صورة لساعات عشر فقط. في تاريخ الإنقاذ (ساعات معركة الميل أربعين).
وكل سطر فيها هو حقيقي تماماً.. وكل الأسماء والأحداث كلهم يرسم الإنقاذ.. ورجالها.
والسطور هذه هي جزء من رواية نكتبها عام (1420ه) عن المعركة هذه
والرواية القصيرة .. لعلنا نعيد نشرها في صفحات داخلية.
أمام معسكر الميل أربعين
أفراد الدورية حول المعسكر سقطوا على وجوههم في غبشة الفجر يستعدون لمعركة مفاجئة يائسة في السهل المكشوف حيث فاجأتهم زخات الرشاش.
لكن المجاهدين الخمسة تبينوا بعد لحظة أن من يربض خلف الرشاش لم يكن يريد قتلهم بل كان واضحاً أن الرشاش الدقيق التصويب يسوقهم عائدين إلى المعسكر.
من مكانه في المعسكر كان علي عبد الفتاح يتابع مع الآخرين السلسلة المتتابعة من الرشاشات الجديدة التي تحيط بالمعسكر.
كانت ارتال الدبابات قد احاطت بالمعسكر ثم توقفت صامتة تنتظر شيئاً دون عجلة ترقب ما تفعله الرشاشات.
وظل المعسكر صامتاً وهو يتلقى سيول النيران.. الأسرى من العدو قالوا بعد ذلك إنهم أصابتهم الحيرة والقلق عندما استمر صمت المعسكر المقاتل.
… حتى بعد أن أخذت الراجمات ترسل سحائب الحمم وبعد أن التف المعسكر تحت حرائق مساكن القش ظل المعسكر رابضاً في صمت.
كان المعسكر ينفذ خطة أميره علي عبد الفتاح التي وضعت مساء أمس.
لا أحد يطلق طلقة واحدة حتى تصبح الدبابات قريبة جداً.. قريبة لدرجة لا تسمح لها بالهروب أو المناورة وحتى تصبح المعركة التحاماً لا يسمح بالحياة إلا لواحد فقط من الجانبين.
في السابعة صمتت الراجمات وتقدمت الدبابات.. كانت شيئاً مثل الانهيار الجبلي وهي تقتحم كل شيء أمامها، وكان المعسكر لا يزيد قطره على مئتي متر.
من خندقه كان علي عبد الفتاح ينظر شرقاً.
طالب كلية التربية علي الذي يؤم المجاهدين في الصلاة وثم فجأة كأنه كان مدفوناً في الأرض. ومدفعه في يده وهو يطلق صرخة ثاقبة.. حتى وهو في مكانه كان علي عبد الفتاح يرى عروق رقبته المتوترة.
علي قال في غيط
: أنا ما قلت تنتظروا لحد ما تلمسوا الدبابات بايديكم؟ كان ممكن نضرب من بعيد!
لم يكن واضحاً أيهم اطلق النار لكن الانفجار كان يلف الدبابة والفتى القصير القامة يطير وهو مغطى باللهب والدوي والارتطام المحطم.
كان المعركة قد بدأت
ثلاث دبابات من الجهة اليمنى كانت تتخطى الخنادق وتتوقف داخل المعسكر المشتعل وهي تطلق الحمم.. ناصر كان مصاباً وملقى على وجهه. مرتضى كان يصرخ بشيء ليسن وهو يسحب مصطفى حميدة
داخل الملجأ لما سقط هو أيضاً.. من الخندق الجنوبي كانت رشاشات عديدة تحصد مشاة العدو الذين ظلوا يحاولون اقتحام المعسكر.. وكانت الرشاشات تحصدهم كل مرة.
خلف الخندق كان أمير الزبير المحاسب بشركة الإطارات راكعاً في هدوء ومدفعه في يده لكنه كان يتابع مشهداً غريباً امامه.
معاوية الطيب رضوان وثالث آخر كانوا يجرون في جنون الى جانب دبابة.
علي عبد الفتاح الذي كان يراقب المشهد قال لنفسه: كأنهم عايزنها تقيف توصلهم.
دوي مزلزل جعل علي عبد الفتاح يلتفت غرباً.. كانت هناك دبابة تنفجر وكان الشاب عطية مهندس الالكترونات يطير في الهواء وهو يشتعل ناراً.. عطية كان قد سكب جالوناً من الوقود داخل الدبابة ثم اشعل النار.
جهاز راديو صغير كان ملقى وسط المعسكر.. لا بد أنه سقط من جيب احدهم وان السقطة جعلته يعمل.. كان يقدم نشيداً طفولياً وكان مرتفع الصوت.
خلف الخنادق الجنوبية كانت تصلصل معركة بالرشاشات.. لا بد أن بعض المجاهدين تسللوا الى هناك يقطعوا الطريق على الذين يحاولون الدخول.. ثم الذين يحاولون الخروج أيضاً.
كان واضحاً أن مسار المعركة قد أخذ يتبدل وكانت الدبابات التي اقتحمت المعسكر منذ نصف ساعة تحاول الآن الخروج.
حين التفت علي ببصره الى الجهة الشمالية كان طاقم الدبابة هناك يقفزون من على ظهرها مثل ثعابين الماء ثم يجرون في جنون.. لكن رشاشاً من الجهة الأخرى كان يحصدهم.
حول المعسكر كانت مجموعة ممن يرتدون قبعات من السعف يحاولون دفع المقاتلين على التقدم نحو المعسكر. كان هؤلاء قد أصبحوا يلتصقون بالأرض بشدة.
لم يطلق علي عبد الفتاح طلقة منذ بداية المعركة كان يرقب مسار المعركة.. ابو بكر حمزة كان يجري تحت النيران والقذائف يدير المعركة من كل الجهات.
قال علي لنفسه وهو ينظر إلى المعلم الذي جاء من دنقلا: يا لك من دنقلاوي نجيض.
كانت تلك هي اللحظة التي أصيب فيها علي عبد الفتاح .. اهتز للحظة.. كل شيء غاص فجأة في ظلمة مفاجئة.. ثم عاد يطفو بطيئاً الى الشمس.
الراديو الملقى قريباً منه كان في تلك اللحظة يقدم أغنية رقيقة تتحدث عن السحب البيضاء والحب واللوعة.. أدهشه انه يرى نفسه كأنه ينظر اليها من الخارج وانه لا يجد ألماً.. صوت المعركة الذي انقطع عن سمعه فجأة عاد يهدر الآن.. الأشجار حوله أخذت تدور في دائرة خضراء لينة كأنها تسيل.. صوت المعركة عاد يبتعد يغرق في النوم.. النوم الأخضر الناعم الهادئ.
صوت الراديو كان يأتي من النافذة
الطفلة إشراقة طفلة الجيران كانت تستمع إلى الأغنية وهي تمشي أمام البيت الطيني في الدروشاب.. بيت حاجة آمنة والدة علي عبد الفتاح.. الأغنية المنطلقة كانت تتحدث عن السحب البيضاء والحب واللوعة. الحاجة آمنة كانت تستمع دون انتباه وهي منهمكة في غسل ملابسها.. كأنه من الأغنية الرقيقة انطلق فجأة أطفال عراة يصطخبون تحت شلال من الماء النضير اللين الناعم وشلال من الضوء الحلو والدعاش والضحكات الرهيفة. الأغنية كأنها أصبحت فجأة أغنية عروس وسيرة ودلوكة وروائح وبخور وغبار وخيول تنطلق منها رائحة عرق الخيول الشابة والعطور والدم الساخن. مثل من ينهض من النوم وهو يموج في نعاس ناعم الحاجة آمنة والدة علي عبد الفتاح لم تفهم لكنها أحست بطرب موجع هائل ينتظمها.. طرب له طعم عناق الأطفال والضحك والعزة والبكاء.. كل الأشياء المشتهاة التي لا عقل لها والتي تحول الإنسان طفلاً طروباً كانت تئز في صدرها وجسدها. الحاجة آمنة دون أن تعرف لماذا أطلت من الباب ثم خرجت.. ثم ركعت على ركبيتها ثم احتضنت الطفلة إشراقة.. احتضنتها بقوة.. بهيجة موجعة وباستغراق مثل الاستغراق في لحظة الميلاد.. ثم أخذت تقبلها وتقبلها.. ودموع غزيرة تتدفق. الحاجة آمنة غرست جبينها في صدر الطفلة ثم انطلقت تبكي بعنف.. كانت تلك هي اللحظة التي غرس فيها علي عبد الفتاح جبينه على حافة الخندق بعد لحظات من إصابته. .. كان يشعر أن أحداً يقبله ويقبله.. كان يعلم أن شخصاً واحداً في الدنيا تحمل قبلاته هذا المذاق. جهاز الراديو في أرض المعركة كان يقدم نشرة الأنباء.. كابيلا فلسطين رواندا.. مصر تعلن أن مشكلة السودان... تسعة أشهر كان على هشام أن يقضيها بين الحيطان المتآكلة في المستشفى القديم في القاهرة قبل أن ينال شهادة تخرجه طبيباً. هناء.. التي كان يراها تجري دائماً على السلالم بأنفاس مقطعة كانت مريضة لم يعينها أحد لتعمل هناك ولا هي تتلقى مرتباً من أحد.. قالوا كانت مريضة هنا.. لعل عربة أصابتها في الطريق .. ولعل أحدهم جاء بها ولعلها خشيت بعد شفائها أن ينقطع اهتمام الناس بها.. هكذا صارت تنطلق لتغسل العنابر وملابس الممرضات وسياج السلالم الخشبية القديمة والزجاج المكسور في النوافذ وتنطلق رسولاً للمرضى والممرضات والأطباء ثم تقضي اليوم إلى جانب مريض يسعل وهي تدعو بالدعوات ثم تتلقى وجبة الطعام من مطبخ المستشفى في خجل خائف.. وحين يسألها أحد عن أهلها كانت نظراتها تذهب بعيداً .. ثم تتذكر شيئاً وتنطلق إليه. على سلالم المستشفى المعتمة شاهد دكتور هشام أرواحاً كثيرة تسيل وتسعل وصابوناً ورغوة ودموعاً مسكينة واقداماً ترتجف.. من الحمى وهي تصعد كأنها لا تدري ما تفعل ووعوداً وشهقات وأصابع ناحلة تجمع خروق الجلباب وشاهد عناقاً متلفتاً.. لكن حكاية دكتورة مرمر.. الحكاية الصغيرة تلك كان هي ما بقي في ذهنه. الدكتورة مرمر التي كانت تدعو لإباحية مطلقة وحارقة كانت الصحف تلتهب بمقالاتها التي لا تنقطع وكانت طبيبة عظام ناجحة ناضجة. دكتور هشام فوجئ يوماً بإحدى قريباتها تصل من قريتها هاربة من القتل.. كانت قد سقطت السقطة القديمة مع خطيبها. الفتاة أمام الطبيبة كانت تحكي وشهقاتها تمزق الحكاية لكن ما أدهش هشام كان هو بكاء الطبيبة. البكاء العنيف الذي انخرطت فيه دكتورة مرمر جعل هشام يطل صامتاً.. كان واضحاً أنها تبكي حسرة على الفتاة المسكينة.. لكن دكتورة مرمر رفعت رأسها في اليوم الثالث لتقول لدكتور هشام في حسرة هالعة. : لكن أنا.. لم يبق عندي من أهلي أحد ليذبحني.. بعد السقوط .. دكتور هشام من فراشه في طرف المعسكر تحول ليحكي الحكاية هذه لجاره السليط اللسان لكن هذا كان قد نام. الراديو الملقى على الأرض حين انقطع صوته للحظات غطى الميدان صمت مخيف.. ظلال داخنة الحريق بدت كأنها من وراء زجاج. كانت آخر الدبابات المتراجعة تهز مؤخرتها مثل الأرنب ثم تختفي في بطن الوادي أمام الميل أربعين. كان الوقت منتصف النهار.. المعركة استمرت ست ساعات في ذهول وكأنهم يمشون في نومهم كان كثير من المجاهدين ينهضون من مرابضهم كأنهم يخوضون مياهاً عميقة كانوا يمشون ببطء وعيونهم تبتلع ما حولهم الحرائق وأعمدة الدخان الملتوية والسحب وجثث القتلى في كل مكان. بعد ساعة كاملة سوف يفهمون أن المعركة توقفت وأن المهاجمين هربوا. مثل الخروج من الإغماء كان الفهم مترنحاً وهو يحاول أن يستقيم ويمشي في نفوسهم.. كان كل شيء كان يطفو في مياه الحلم. : كل واحد منهم كان ينظر إلى الآخرين بدهشة.. كان يدهشه أنه مازال حياً.. وأن هناك آخرين مازالوا أحياء.. القذائف التي مزقت المعسكر كانت الواحدة منها تدمر كل شيء في دائرة قطرها خمسون متراً.. المعسكر الذي لا يزيد قطره على مئتي متر تلقى انهماراً لا ينتهي على مدى الساعات الست الماضية.. كل شيء فيه تلقى طوفاناً من الرصاص والانفجار.. وحين تلوب سحابة من الدخان كان ظلها مثل ظل الغيمة يسقط على الجثث.. كثيرون كانوا يرقدون ووجوهم إلى أعلى كأنهم يهتمون بمتابعة أقواس الدخان.. وجثث ترقد على جنبها كأنها تنصت للصمت والسكون الغريب وتتنهد. عبد الحميد طه عامل البنا من الشريق كانت قدمه اليمنى داخل القش المشتعل.. قال هشام كنت أجذبه حين سقط رأسه مدلى من عنق لينة وبدأ كأنه ينظر في وجهي.. عطية السائق كان ملتفاً على نفسه وكانت الرصاصة قد أصابت بطنه في أول المعركة لمحته وهو يجمع مجموعة للاختراق.. في الخندق الجنوبي وراء شجرة التك كان عبد الرحيم عيسى وخالد رمضان الذي جاء من تلشي سقطوا بعضهم فوق بعض.. ثلاثتهم كانوا دائماً تحت هذه الشجرة.. يصلون ويطبخون ويذيعون مباريات وهمية غريبة.. عيسى أمير كان متكئاً بظهره على ساق الشجرة من الناحية الأخرى كأن الأمر لا يهمه.. كانت ساقه اليسرى ممتدة أمامه ومدفعه يرقد على فخذه.. عيونه لم تكن مغلقة .. عيسى أمير كان علي عبد الفتاح قد ذهب الى بورتسودان ليأتي به ومعه هيكل وبشارة عبيد. عبد الرحيم سليمان طالب الجزيرة الشديد الحياء ظل دائماً يتبع علي عبد الفتاح يشرب كلماته ثم يذهب ويحكيها للآخرين.. عبد الرحيم لا بد أنه يعلم الآن أن جثمانه حين سقط كان يرقد قريباً من جثمان علي عبد الفتاح.. إنهم هناك يعرفون كل شيء. كثيرون تناثروا في السهل خارج الخنادق.. حين اقتحمت الدبابات المعسكر اندفع البعض أمامها ليوقف تقدمها.. وآخرون التفوا خلفها ليشتبكوا مع المشاة الذين كانوا يحتمون بها. وهكذا كانت جثث كثير من المجاهدين راقدة بين جثث الجنود اليوغنديين.. أزياء اليوغنديين الرمادية الزرقاء كانت تغطي مساحة أكبر. مجموعة من سبعة منهم كانوا متراكمين بالقرب من دبابة تحترق.. كان هؤلاء قد حاولوا الاختباء تحت الدبابة حين بدأ ميزان المعركة في التحول. جندي يوغندي صغير السن كان يدفن وجهه في كفيه.. وآخر يحمل علامات غريبة كان يحترق وسط لهيب القش.. الجثث التي تناثرت في جدول قريب من الناحية الغربية يذكر عطا أنهم كانوا قد اندفعوا فجأة منهمرين كأنهم فقدوا كل أمل ومأوى.. كان موج المعركة الأعمى المجنون هو الذي يحملهم.. وبعضهم كان يجري دون أن يطلق النار حتى سقط. قال عطا يس طالب الطب بجامعة الخرطوم. : جمعنا الجثث وسط المعسكر.. كان الوقت منتصف النهار.. إسماعيل مغاربة رفع قبضته وصاح : ندفنهم هنا.. حتى يشهد لهم كل شيء يوم القيامة. بعد قليل صاح : وكل مجموعة تدفن الشهداء بتاعينها هنا لحد ما يستشهد آخر واحد وما يلقى حد يدفنه ونعتذر لله. كان بعضنا قد انسحب إلى المعسكر المجاور وكنا نعلم أن الكمائن التي نصبها العدو لمعركة الإبادة لن تسمح لشيء بالوصول إلينا .. وكنا نعلم أن التقارب الشديد بين خطوطنا والعدو يجعل تدخل الطيران أو المدفعية مستحيلاً. كنا نعلم أن علينا أن نقاتل وحدنا. نقاتل حشد الدبابات الحديثة بأسلحة شخصية خفيفة. وما لم نكن نعلمه هو أن سقوط موقعنا كان يعني سقوط مدينة جوبا وقيام دولة أنانيا.. لكن الحكومة كانت تعلم هذا.. وكانت جوبا تمور في قلق وهي تتلقى أخبار المعركة. قال معاوية: عرفت فجأة ونحن ننظر إلى المعسكر بعد المعركة لماذا أشار علي عبد الفتاح أمس إلى خمسة مجاهدين يخلفونه في القيادة واحداً واحداً.. كان الفتى يتوقع معركة عجيبة طاحنة يسقط فيها واحد بعد واحد. وعرفت معنى العربة التي جاءت قبل يومين.. علي عبد الفتاح ظل النهار كله يردد حديثاً عن معركة طاحنة.. ثم كان يحدثنا في رقة عن الرخص وعن أصحاب الأعذار وأن الدين يسر.. لم أفهم إلا الآن أنه كان يشير من طرف خفي إلى الذين يريدون الانسحاب من معركة لا يطيقونها.. كان هو الذي أمر بإحضار العربة لتحمل المرضى كما قال إلى جوبا وتحمل كل من له حاجة عاجلة هناك. رجل واحد في الخمسين اقترب من العربة ثم استحيا: لعله: وتظاهر بأنه ينظر في جوفها ثم استدار ورجع.. وذهبت العربة فارغة حتى عطا المنان الذي كان مصاباً بالملاريا لم يذهب.. في حمى المعركة حين لمحت الرجل يقاتل التفت هو فرآني أنظر إليه.. الرجل رفع رشاشه يهزه مبتهجاً كأنه يقول لي : أنا هنا.. لم أذهب.. حتى بعد أن قذفت به شحنة الرصاص التي أصابته أدار وجهه ناحيتي وهو يمسح خده بالأرض كأنه يؤكد لي أنه هنا وأنه لم يذهب. ما أحزنني هو أنني لم أكن أعرفه ولا واحد منا يعرفه، كان قد لحق بنا منذ يوم واحد.. عند الساعة الثالثة سمعنا تكبيراً، كانت هناك دبابتان تقتربان.. اشتعل الفرح.. لا بد أن النجدة استطاعت اختراق الحصار والوصول إلينا. خمسة منا كانوا يجرون بهمة لاستقبال الدبابتين.. حين حصدهم الرصاص من رشاشات الدبابتين. كانت معركة العصر تبدأ بخدعة. كانت معركة العصر التي امتدت لأربع ساعات هي المعركة الحقيقية. السادة الذين يتهمون الإسلاميين.. هذه هي عشر ساعات فقط من عمر الإنقاذ.إسحق فضل الله الانتباهة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.