شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدرديري محمد احمد: القراران الأمميان.. قراءة أكثر تعمقا في بعض جوانبهما الخلافية
نشر في النيلين يوم 11 - 06 - 2020

احال لي احد الاخوة من كبار القانونين نقاطا خمس تتعلق بمقالي الأخير حول القرارين الأمميين، قال انها ملاحظات لأحد شبابنا في المنظمات الدولية. وقد توليت الرد عليها في رسالة خاصة. وحيث ان ثلاثاً من هذه النقاط تصلح للتناول العام،رأيت ان اقدمها هنا، بعد تشذيب وتوضيح يزيل عنها فنيات التخصص، فتمثل اضاءة جديدة على الجوانب الخلافية في القرارين، تكون أكثر عمقا من إضاءتنا الأولى. عليه أرجو من القارئ المحترم ان يصبر قليلا على بعض (لولوة) القانون، وأعده إن فعل بأن يظفر في النهاية بصيد وفير.
ونبدأ بالنقطة الأولى التي هي: هل يمكن لقرار غير صادر تحت الفصل السابع (كما هو الحال بالنسبة للقرار رقم 2524 المنشئ للبعثة الجديدة) ان يرتب التزامات على السودان؟ وما دام القرار المنشئ للبعثة الجديدة (القرار رقم 2524) لم يصدر تحت الفصل السابع، فهل يعتبر أنه صادر تحت الفصل السادس؟ وهل لصدور قرار تحت الفصل السادس (ان كان ذلك كذلك) مزية تجعله جديرا بالاحتفاء؟
للإجابة على الأسئلة أعلاه نحتاج أن نطلع اولا على قواعد تفسير قرارات مجلس الأمن التي اقرتها محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر عام 1971 بشأن قضية ناميبيا. غير اننا نحتاج قبل ذلك للإشارة لخطأ في الترجمة العربية الرسمية للمادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة لابد من التنبيه له إذا أردنا فهم ذلك الرأي الاستشاري. واليك عزيزي القارئ النصين الانجليزي والعربي لهذه المادة القصيرة:
The Members of the United Nations agree to accept and carry out the decisions of the Security Council in accordance with the present Charter.
"يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق".
وكما تلاحظ فإن كلمة "decisions" في اللغة الانجليزية قد ترجمت في العربية الى "قرارت". وبسبب ان كلمة "قرارات" هي التي تستخدم ايضا للإشارة الى الكلمة الانجليزية resolutions، التي يشار بها لقرارات مجلس الأمن، ادى ذلك الى خلط كبير لدى قراء العربية جعلهم يظنون ان المادة 25 من الميثاق تلزم الدول الأعضاء بكل قرارات مجلس الأمن. في واقع الأمر لا تلزم تلك المادة الدول الأعضاء الا "بالمقررات" أي decisions التي يصدرها المجلس وفقا للميثاق. والتفريق بين كلمتي "قرارات" و"مُقرَّرات" في العربية من ابداعات مترجمي العربية فيالإتحاد الأفريقي. إذ خصصوا كلمة قرار للإشارة الىresolution وابتكروا كلمة مقرر للإشارة الى decision. غير ان ذلك التمييز لم يدخل ادبيات الأمم المتحدة بعد. (ربما يعود السبب في ذلك الى ان كلمة resolution لم ترد في ميثاق الامم المتحدة، ولهذا لم تظهر الحاجة عند ترجمة الميثاق الى التفريقبينها وبين مفردة decision). الآن بعد أن تبينا أن المادة 25 من الميثاق تلزم الدول الأعضاء بتنفيذ مقررات مجلس الأمن وليس قراراته، ننظر في القواعد الخاصة بتفسير قرارات مجلس الأمن التي قال بها الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولية.
أوضحت محكمة العدل أنه يتعين علينا عند النظر في قرار لمجلس الأمن ان نتبين أولا ما إذا كان ذلك القرار يتضمن مقررا واجب التنفيذ تحت المادة 25 من الميثاق ام لا. ولبلوغ هذه الغاية فانه يتعين علينا، بحسب المحكمة، أن نطرح جانبا القواعد المستقرة لتفسير المعاهدات كونها صممت لتفسير نص يمثل وحدة واحدة، هو المعاهدة، ونتخذ قواعد أنسب لتفسير القرارات، تضع في الاعتبار ان القرار لا يمثل وحدة واحدة. فبينما تكون كل مواد المعاهدة متحدة في الغرضومتساوية في القوة والإلزام، فإن فقرات القرار تتباين في ذلك كله. ذلك انه من الجائز ان يكون لكل فقرة من فقرات القرار غرض مختلف، وجاز ان تكون بعض الفقرات ملزمة وبعضها غير ملزم؛ وذلك بحسب ما اذا كانتالفقرة تتضمن مقررا بمفهوم المادة 25 من الميثاق ام لا. ثم انصب الرأي الاستشاري للمحكمة على توضيح القواعد التي ينبغي إعمالها لتبين ما إذا كان القرار يتضمن مقررات أم لا. فقالت المحكمة هناك ثلاث مسائل يتوجب النظر اليها هي (أ) نصوص القرار (ب) النقاش الذي قاد إلى تبنيه (ج) نصوص الميثاق التي أشير اليها. ويلاحظ ان المحكمة لم تذكر ضمن قواعد تحديد المقررات ما إذا كان قرار مجلس الأمن قد صدر تحت الفصل السابع أم لا. بل أوضحت المحكمة ان صدور القرار تحت الفصل السابع من عدمه ليس له علاقة بمسألة إحتوائه علي مقررات. فقالت: "المادة 25 ليست قاصرة على المقررات المتعلقة بالتدابير القسرية (أي التي تصدر تحت الفصل السابع) وإنما تنطبق على كل مقررات مجلس الأمن التي يتم اتخاذها وفقا للميثاق".
ماذا يعني هذا بالنسبة لنا؟ إنه يعني إن العمدة فيما إذا كان القرار المعين لمجلس الأمن يلزم السودان أم لا يلزمه ليس هو صدوره تحت الفصل السابع، وإنما هو ما إذا كان القرار يتضمن مقررات ملزمة تحت المادة 25 من الميثاق أم لا. فهل يتضمن القرار رقم 2524 المنشئ للبعثة الجديدة "مقررات" تلزم السودان تحت المادة المذكورة؟
لتطبيق المعايير التي وضعها الرأي الاستشاري لمحكمة العدل على القرار رقم 2524 المنشئ للبعثة الجديدة يمكننا ان نسترشد بالكيفية التي طُبقت بها تلك المعايير على قرار مجلس الأمن رقم 2334 (2016) الخاص بمطالبة اسرائيل بوقف المستوطنات. اذ أثار ذلك القرار جدلا لايقل عما اثاره قبله قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر عام 1967 بصدد انسحاب إسرائيل من "أراض محتله" الذي اشرنا اليه في مقالنا السابق. وقد انصب الجدال الذي دار في الأوساط الأكاديمية بشأن نصوص قرار مجلس الأمن رقم 2334 (2016) حول ما اذا كان يمكن القول ان ذلك القرار، الذي لم يصدر تحت الفصل السابع، يتضمن "مقررا" يلزم إسرائيل بإيقاف بناء المستوطنات أم لا. وقد تركز النقاش على المفردات الاستهلالية الواردة في صدر فقرات القرار، والتي هي "يدعو" و"يؤكد" و"يكرر" و"يشدد" و"يهيب"، الخ. وقد لوحظ انه غابت عن فقرات القرار مفردتا "يطلب" و "يقرر". فكان السؤال الذي طُرح هو هل ترتب الفقرات التي تُستهل بمثل هذه المفردات التشجيعية exhortatory التزامات على اسرائيل تحت المادة 25 من الميثاق، تماما مثلما تفعل الفقرات التي تبدأ بكلمات آمرةmandatory من شاكلة "يطلب" أو "يقرر"؟ وقد خلص الثقات من رجال القانون المشاركين في ذلك الجدل الى ان إعمال منهج التفسير الذي بينته محكمة العدل يقتضي ان هناك فرق بين الفقرات التي يجيئ فيها الالتزام بصيغة "يطلب" أو "يقرر" وبينتلك التي تستهل بأي من المفردات التشجيعية أعلاه. وقيل عن كلمة يطلب، تحديدا، انها "تستخدم بواسطة المجلس لتوجيه امر للمخاطب يطالبه بالوفاء بالتزاماته القائمة على نحو مستقل بموجب القانون الدولي." وهكذا مثلما نجت اسرائيل عام 1967 من القرار 242، الذي تمسكت بانه لايلزمها بالانسحاب من كامل الأراضي المحتلة، فانها نجت عام 2016 من القرار 2334 الذي فسرت خلو فقراته من كلمة "يطلب" أو "يقرر" بأنه يعني انه لا يتضمن "مقررا" تحت المادة 25 من الميثاق يلزمها بايقاف بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة التي لاتزال تحت سيطرتها. (لمتابعة هذا النقاش الذي لا يزال محتدما انظر مدونة المجلة الأوروبية للقانون الدولي EJIL Talk, Blog of the European Journal of International Law, Jan 9, 2017 .
عند النظر في قرار مجلس الأمن رقم 2524 المنشئ للبعثة الجديدة نلاحظ انه تحاشى تماما استهلال فقراته بمفردات الحث والتشجيع exhortatory وحرص ان تجيئ كل الفقرات مصدّرة بالمفردات الآمرة. هل تصدق أن كلمة "يطلب" قد وردت إثنتي عشرة مرة في فقرات القرار السبعة عشر! وهل تصدق ان بقية الفقرات التي لم ترد فيها كلمة يطلب استخدمت فيها كلمة "يقرر" فوردت أربع مرات! عليه فإنه اذا كان القرار 2334 الخاص بالمستوطنات الإسرائيلية يخلو تماما من أي "مقررات" تلزم إسرائيل بوقف المستوطنات، ففي المقابل يحتشد القرار 2524 المنشئ للبعثة الأممية الجديدة في السودان بالمقررات. فهل تساءل اللذين يقولون ان السودان "جزء من الأمم المتحدة"، ومن ثم لاتثريب عليه حين يلجأ لها، هل تساءلوا لماذا خلا القرار الصادر بشأن إسرائيل من أي مقررات بينما فاض بها القرار المتعلق بالسودان؟ وهكذا رغم عدم صدور القرار الجديد تحت الفصل السابع فإنه أثقل كاهل السودان بالمقررات التي يتعين على السودان تحت المادة 25 من الميثاق أن يقبلها وينفذها. ولو جاء ذلك الإثقال بسبب ان المجتمع الدولي هو الذي سعى للتضيق على السودان، فنجح السودان في توقي شرور الفصل السابع بقبوله الفصل السادس لتفهمنا الأمر. اما ان تُثقل دولة، بناء على رغبتها واختيارها، بالمقررات الأممية المتعلقة بمسائل مما كان يُعد، وفقا لنص المادة 2(7) من الميثاق، "من صميم السلطان الداخلي للدولة"، مثل دستورها، وشئون قواتها، واحلال السلام فيها، واجراء الانتخابات، فانه مما يستغرب ولاينبغي لدولة ان ترضى وقوعه، تحت الفصل السادس او غيره، فضلا عن ان تطلبه.
ننتقل الآن لذلك الجزء من المسألة الخاص بما إذا كان القرار الجديد قد صدر بالفعل تحت الفصل السادس. وقد لاحظت حرص الكثيرين من المؤيدين للبعثة الأممية على تأكيدذلك. ففي خبر، لم يتجاوز المائة كلمة، بالصفحة الأولى لإحدى الصحف المتحمسة للقرار، وردت الإشارة ثلاث مرات إلى ان القرار الجديد صدر تحت الفصل السادس. وفي هذا تضليل للرأي العام لا ينسجم وشعار "ثورة الوعي" المرفوع. اذ لم يصدر القرار الجديد تحت الفصل السادس، ولا ينبغي ذلك لأي قرار منشئ لبعثة اممية. وقد أوضحتُ في مقال لي نشرته بتاريخ 12 فبراير الماضي أنه لم يحدث ولا مرة واحدة في تاريخ الأمم المتحدة ان صدر قرار بإنشاء بعثة أممية تحت الفصل السادس. ذلك انه، وكما سبق ان قلت، "عندما يُنشئ مجلس الأمن بعثة سياسية او حتى بعثة لحفظ السلام فانه لا يشير الى فصل معين تنشأ تحته تلك البعثة. هذا رغم انه تتم الإشارة احيانا الى الفصل السابع في حالة تفويض مجلس الأمن البعثة سلطات محددة تتعلق غالبا باستخدام القوة دفاعا عن النفس او حماية للمدنيين". اما القول ان أي قرار لم يصدر تحت الفصل السابع يعتبر تلقائيا صادر تحت الفصل السادس فهو لايجيئ الا ممن أراد القاء الكلام على عواهنه. اذ جاز لقرار غير صادر تحت الفصل السابع ان يكون صادرا تحت الفصل الثامن، إذا كان يتضمن تعاون الأمم المتحدة مع منظمة من المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي. بل جاز للمجلس ان يصدر لاحقا قرارا يضيف لبعثة لم تنشأ تحت الفصل السابع اختصاصات تحت الفصل السابع. وذلك مما هو محتمل ان يؤول اليه أمر بعثتنا الجديدة. ومن ثم فإن صح القول ان القرار المنشئ للبعثة الجديدة لم يتضمن (حتى الآن) تفويضا لهذه البعثة تحت الفصل السابع، فانه لايجوز القول، إلا تغبيشاً، ان ذلك القرار قد صدر تحت الفصل السادس.
ننتقل الآن للنقطة الثانية التي هي: هل هناك فرق، من حيث الأثر القانوني، بين قرار لمجلس الأمن يرد في اوله انه يصدر كله تحت الفصل السابع (كما هو الحال في القرار الجديد رقم 2525 الذي مدد ليوناميد)، وقرار لا يتصرف فيه مجلس الامن تحت الفصل السابع الا لغرض فقرة واحدة (كما كان عليه الحال في القرار الذي أنشأ يوناميد عام 2007 والذي لم تصدر فيه تحت الفصل السابع الا الفقرة 15)؟
بدءًا نذكر القارئ بأن كل قرارات مجلس الأمن السابقة التي أنشأت بعثات في السودان كانت لا تتضمن أي إشارة للفصل السابع الا في فقرة واحدة ترد في آخر القرار تتعلق بحماية المدنيين وحق البعثة في حماية نفسها. كان ذلك هو الحال بشأن يوناميد وكذلك بشأن بعثتي يوناميس ويونيسفا. لكن منذ ان جاءت هذه الحكومة عَدَل (بل عَوَج)مجلس الأمن عن ذلك وصار يشير الى الفصل السابع في صدر القرارات الخاصة بالسودان فيجعل كل فقرات القرارتحت الفصل السابع. حدث ذلك حين أصدر المجلس القرار رقم 2495 للعام 2019 الذي مدد ليوناميد حتي نهاية اكتوبر، وهاهو يفعلها مجددا في القرار 2525 الذي يمدد مرة أخري ليوناميد حتى نهاية العام الحالي. وكما أوضحت في مقالي السابق فإن الغرض من القرار 2525 ليس مجرد التمديد ليوناميد وإنما هو اعادة ولادتها من جديد. فيوناميد الجديدة لا تشبه يوناميد القديمة الا في الاسم، اذ قد أعيدت صياغتها وبدلت أولوياتها تبديلا. وحتي يتم ذلك فقد كان مطلوبا ان يصدر القرار الجديد كله تحت الفصل السابع. لكن ما هو الفرق بين قرار يصدر كله تحت الفصل السابع وقرار لا يشار فيه للفصل السابع الا في فقرة؟
أوضحنا فيما سبق ان الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تلتزم تحت المادة 25 من الميثاق بتنفيذ المقررات التي يصدرها مجلس الأمن وفقا للميثاق. لكن هل يمثل ذلك كامل الالتزامات المترتبة على الدول الأعضاء إزاء قرارات مجلس الأمن؟ كلا. فإذا كانت المادة 25 تبين قواعد عامة لالتزامات الدول تجاه قرارات مجلس الأمن غير قاصرة علي فصل معين من فصول الميثاق، فإن المادتين 48 و49 من الميثاق تنصان على الالتزامات المترتبة على الدول الاعضاء حين يصدر المجلس قراراته تحت الفصل السابع. فإذا كان مجلس الأمن يطالب الدول الأعضاء بتنفيذ المقررات غير الصادرة تحت الفصل السابع طوعا، فإنه حين يتعلق الأمر بالفصل السابع يتعين على الدول الأعضاء ووكالات الأمم المتحدة وفقا للمادتين 48 و49 من الميثاق تنفيذ المقررات قسرا كتدابير منع أو قمع. ومن ثم فهناك فرق كبير بين قرار مجلس الأمن الجديد رقم 2525 الصادر كله تحت الفصل السابع وبين القرار المنشئ ليوناميد الصادر عام 2007 والذي لا يتضمن الا فقرة واحدة تحت الفصل السابع. فبينما يلتزم السودان تحت القرار المنشئ ليوناميد بتنفيذ المقررات التي تثبت تحت المادة 25 من الميثاق طوعا (بإستثناء ماورد تحتالفقرة 15)، فإن السودان ملزم تحت القرار 2525 بتنفيذ كل ما جاء في هذا القرار قسرا تحت المادتين الأخطر في الميثاق48 و49. وهذا يجعلنا نتبين ان القصد من العدول على هذا النحو الجوهري عن النسق القديم الذي صدر به القرار المنشئ ليوناميد ليس مجرد التمديد لشهرين، وإنما أن هناك نية مبطنة لاستمرار يوناميد بثوبها الجديد لما بعد ديسمبر 2020.
النقطة الثالثة والاخيرة هي ما اذا كان يوم 29 يونيو 2020 يعد موعدا مضروبا للانسحاب النهائي ليوناميد بموجب قرار مجلس الأمن رقم ،2363 او ان ذلك التاريخ كان مجرد موعد تأشيري لم يتضمنه القرار، ومن ثم لم تضع على السودان فرصة كانت ثابتة لانسحاب يوناميد .
بالرغم من ان القرار 2363 لم يحدد تاريخا بالخروج النهائي، لكنه تضمن "استراتيجية الخروج" التي تم بموجبها تعيين موعد نهائي لانسحاب يوناميد هو 29 يونيو 2020. وقد تأكد ذلك في الاجتماع رفيع المستوى الذي عقد بنيويورك في27 سبتمبر 2018. وقد اشار السفير القدير عمر دهب مندوبنا الدائم في نيويورك في تلك الأيام الى ذلك في مقال له نشرته السوداني مؤخرا، حين قال: "وأصبح الاتفاق من حيث تحديد تاريخ تنفيذ ما سمي (باستراتيجية الخروج) محدداً غير انه تم التوافق على أن يكون هذا الخروج مُمرحلاً ومتدرجاً وتم إِيداع ذلك في قرارين لمجلس الأمن تحت ذات الفصل السابع، القرار2363 لعام 2017 والقرار 2495 للعام2019. النتيجة هي اكتمال خروج كل مكونات "يوناميد" من عسكريين وشرطيين ومدنيين في 29 يونيو 2020. على أن تتم تصفية ما تبقى من معدات وآليات وغيرها بنهاية العام". وبسبب ذلك التحديد القطعي، فانه حين دعا حمدوك الامم المتحدة للتمديد ليوناميد عاما كاملا في خطابه الصادر للأمين العام في 22 اكتوبر2019، لم تجد الامم المتحدة، حين قررت الاستجابة له، بدا من اصدار قرار جديد ينص صراحة على "تمديد" موعد الانسحاب. وهكذا صدر القرار 2495 للعام 2019 الذي نصت الفقرة الأولى منه على ان مجلس الامن "يقرر ان يمدد حتى 31 اكتوبر 2020 ولاية العملية المختلطة للاتحاد الافريقي والامم المتحدة في دارفور".
فاذا لم يكن قد حدد تاريخ نهائي للخروج بموجب استراتيجية الخروج التي نص عليها القرار 2363 فلماذا يحتاج التمديد لقرار جديد من المجلس. ثم اذا لم يحدد القرار 2363 موعدا نهائيا للخروج، فهل لم يحدد القرار 2495 موعدا نهائيا له؟ عليه لا ينبغي لأحد ان يماري في ان هاتين فرصتين ثابتتين لاحتا للسودان للخروج نهائيا من الفصل السابع، في نهاية يونيو ثم نهاية اكتوبر، اهدرهما حمدوك. فاهدر الاولى بخطابه الصادر في 22 أكتوبر 2019، واهدر الثانية بخطابه الصادر في 27 يناير 2020.
الدكتور الدرديري محمد احمد
السوداني
11 يونيو 2020


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.