البرهان يوجه خطابا للأمة السودانية بمناسبة عيد الفطر المبارك    السيسي يهاتف البرهان    ظهور سمكة كروية مخيفة على شواطئ كاليفورنيا    بيان حول تجدد حوادث القتل وسفك الدماء في ذكري مجزرة فض الإعتصام    اليوم العالمي للتمريض: كيف نجا طاقم الرعاية الصحية من الوباء؟    فضيل: خالص التعازي للأُسر المكلومة بفقد فلذات أكبادها في ذكرى فض الإعتصام    عمر الدقير يكتب: جاء العيد بثيابٍ مبقعةٍ بالدم    مجلس الوزراء السوداني يقرر إتخاذ إجراءات عاجلة    آلاف الثوار يشيعون الشهيد عثمان بمقابر البكري    حاكم دارفور : يطالب بإنزال عقاب شديد على الجناة بجريمة الاغتصاب الجماعي التي هزت السودان    بحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين السودان واليابان    تفاصيل جلسات مؤتمر باريس المرتقب لدعم السودان    بروتوكول عابر القارات: ما بين ارتباك الأطباء وحيرة المرضي .. رسالة فى بريد مجلس الصمغ العربي السوداني .. بقلم: د. أحمد آدم حسن    بيرني ساندرز يصدع بكلمة الحق والجامعة العربية والحكام العرب مازالوا يناضلون بالإدانة والشجب !! .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 12 مايو 2021 في السوق السوداء    ضبط كميات من العملات الأجنبية بالسوق العربي    براءة أجنبي من تهمة خيانة الأمانة    من قاموس أغنية الحقيبة: الخُنتيلة اسم للمشية أم صفة للموصوف؟ .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    حِلِيل الزمان، محمد أحمد الحِبَيِّب & معاوية المقل!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    التسامح وتطهير الروح .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    فى رحاب التصوف: الاستدلال على وجود الله .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه/باريس    محلل اقتصادي يدعو لإعداد سجل جيد لأداء السياسات الاقتصادية المالية    "شروط واتس أب" الجديدة التي أثارت الجدل.. ماذا سيحدث إذا لم توافق عليها؟    رونالدو في عزلة بغرفة ملابس يوفنتوس لهذا السبب    خطر يهدد صحتك.. احذر تناول المشروبات المخزنة في علب الألمنيوم    هل اقترب راموس من الرحيل عن ريال مدريد؟    المريخ يخوض تجربتين في يوم واحد .    الأمانة العامة بنادي الهلال تُصدر بياناً تؤكد فيه عدم صحة حرمان النادي من التسجيلات    الشعر والموسيقى على تلفزيون السودان اليوم    إخراج عدد خيالي من القطع المعدنية والمغناطيس من بطن رضيعة    تغيير يفرح مستخدمي واتساب ويب    سعر بيع وشراء الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 12 مايو 2021 في بنك السودان المركزي    الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم وزوجته    الخارجية تدعو لوقف التصعيد الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني    لا تغفلي عنها.. نصائح تجنبك المشاكل الصحية في أول أيام العيد    المجلس الاعلي للشباب و الرياضة بطلا لدورة المؤسسات الرمضانية لكرة القدم بالقضارف    النيل الأبيض تجدد عزمها لتوفير إمداد مائي مستقر لجميع المحليات    صندوق النقد الدولي يقرّ خطة تمويل لتخفيف ديون السودان    مرض "غريب" يطارد أثرياء العالم.. قائمة تضم 5 مليارديرات    في ذكرى فض الاعتصام ..    نتنياهو يتوعد الفصائل الفلسطينية بأن "تدفع ثمنا باهظا، وحماس "مستعدة" للتصعيد الإسرائيلي    ليستر سيتي يهدي لقب الدوري الإنجليزي لمانشستر سيتي بعد بالفوز على مانشستر يونايتد    مباحث شرطة ولاية الخرطوم توقف شبكة إجرامية تخصصت في السرقات و تسترد مسروقات قيمتها اكثر من 115مليارجنيه    صور دعاء اليوم 30 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم الثلاثين من شهر رمضان    محمد رمضان يرد بصورة على أنباء انفصاله عن زوجته    فنانة سعودية تعلق على مشهد مع زوجها في مسلسل"ممنوع التجول"..    شرطة ولاية الخرطوم تنهي مغامرات شبكتين لتزوير المستندات الرسمية والسرقات النهارية    برشلونة يغلق أول صفقات الصيف    حزب التحرير في ولاية السودان: تهنئة بحلول عيد الفطر المبارك    قصص قصيرة .. بقلم: حامد فضل الله /برلين    الصاروخ الصيني والكيد الغربي .. بقلم: نورالدين مدني    نتنياهو يتوعد حماس بهجمات لم تتوقعها والمقاومة ترد بأكبر ضربة صاروخية    فيفا يعلن مواعيد تصفيات بطولة كأس العرب و السودان يواجه ليبيا    ختام فعاليات أسبوع المرور العربي بالنيل الأزرق    كورونا تؤخر وصول شركة تدوير النفايات الأمريكية للجزيرة    الكشف عن حقيقة انتشار"السلالة الهندية" في مصر    توقيف أخطر شبكة متابعة بالعمارات    لنا آلهة كما لهم آلهة ..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





إسقاط النظام... أم صناعة البديل؟ نحو بناء دولة المواطنة السودانية ( 1 -2 )
نشر في النيلين يوم 14 - 06 - 2012

تنشر «الصحافة» فيما يلي الورقة التي قدمها الدكتور الواثق كمير في اللقاء التفاكري حول مآل الاوضاع في السودان الذي نظمه المركزي العربي للابحاث ودراسة السياسات بالدوحة مؤخراً، وقال كمير انها تهدف لتقديم تحليل موضوعى ونقدى يستكشف جذور وأبعاد الأزمة الوطنية السودانية المزمنة واستشراف مستقبل البلاد، خاصة فى ظل تداعيات وتبعات انفصال جنوب السودان وتأسيس دولته المستقلة.
مقدمة
سبق الشعب السُّوداني الشعوب العربية الأخرى -الربيع العربي- بتحقيقيه لثورتين/انتفاضتين شعبيَّتين أسقطتا نظامين عسكريَّين استبداديَّين، في الستينات «1964» والثمانيات «1985» من القرن المنصرم. والشاهدٌ، أن الحرب الأهليَّة فى جنوب السودان ألقت بظلالٍ كثيفة على أسباب ودوافع الانتفاضة الشعبيَّة في شمال السُّودان الجغرافي. ولكن، لم تبلغ الثورة، في التجربتين، هدفها الرئيس في تأسيس واستدامة نظام حكم ديمقراطي حقيقي، يلبِّي طموحات قوى التغيير، بل ارتدَّت على أعقابها، ليعود حُكمُ الفرد أو الحزب الواحد، ويتعثَّر بناء دولة المواطنة والديمقراطية، المستوعبة لتعدُّد وتنوُّع مكوِّنات السُّودان السياسيَّة والإثنيَّة والدينيَّة والثقافيَّة، والفشل في معالجة كافة أشكال الإقصاء والتهميش لشعوبه. كما يرجع فشل الثورة فى تحقيق أهدافها، أيضا جزئيا، لإخفاق القوى الثورية، خاصة النقابية، من تحويل نفسها إلى كتلة سياسية منظمة ويعتد بها. وبالرغم من أن بعض الدارسين والمُحلِّلين يُرجِعون أزمة البلاد السياسيَّة إلى هذه -الدورة الخبيثة-، إلاَّ أن هذا الوصف يمثل مجرَّد أحد أعراض الأزمة الحقيقيَّة، الكامنة في تماثُل عقليَّة الطبقة السياسيَّة، خاصة النُّخب الحاكمة، سواءً جاءت بزي عسكري أو لباس مدني. فقد افتقرت هذه النُّخب للقيادة المُبصرة للرؤية الثاقبة، لبناء دولة المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات المتساوية لكل السُّودانيين.
ولكن، يظل انقلاب يونيو 1989 مختلفاً نوعياً وكيفياً عن ما حدث في المرَّتين السابقتين، فلم يكن انقلاباً عسكرياً مجرَّداً، أي مُتَّبعاً النمط التقليدي والمعهود للانقلاب عندما استولى الجيش على السلطة باسمه في 1958، وانقلاب نميرى في 1969، رغم ميوله الأيديولوجيَّة اليساريَّة. أما في 1989، فقد كان الانقلاب أيديولوجياً بحتاً للجبهة الإسلاميَّة القوميَّة كحزبٍ سياسيٍ له أيديولوجيته ورؤيته للمجتمع، جسَّدها نظام -الإنقاذ- في مشروعه -الحضاري-، الذي اتَّسم بالأحاديَّة والإقصائيَّة، وتقديم الحزب على الوطن، وشعار «إعادة صوغ الإنسان السودانى» الذى عبرت عنه سياسات «التمكين» والهيمنة التامة على مؤسَّسات الدولة السياسية والأمنية والخدمية والعدلية والاقتصادية، بما في ذلك القوَّات المسلَّحة، وما رافقها من شعارات الأسلمة والجهاد، مع تفشي الفساد وتجيير السياسات والممارسات الاقتصادية لصالح الشرائح والفئات الاجتماعية المرتبطة بالنظام. كما يقف نظام الإنقاذ كمسئولٍ مباشر في تسعير حدَّة الحرب، بتحويلها إلى حربٍ دينيَّة للمرَّة الأولى في تاريخ النزاع بين الشمال والجنوب، مع إشعال الحرب في دارفور وما صاحبها من معاناة إنسانيَّة، لحد إدانة رئيس الجمهورية من قبل محكمة الجنايات الدولية، وإهانة المرأة «خاصة فى مناطق الحرب»، إضافة إلى تصعيده لحملات تحُضُّ على التمييز العرقي والثقافي ضد غير المسلمين والمُنتمين لأصولٍ أفريقيَّة، وتبنى الدولة لخطاب سياسى إقصائى وإستعلائى. تتفق مع هذا الطرح قطاعات واسعة وسط الإسلاميين أنفسهم وفى داخل المؤتمر الوطنى، كما عبرت عنه مذكراتهم المتتالية وكتاباتهم الصحفية.
تهدف هذه المساهمة المتواضعة إلى تقديم تحليل موضوعى ونقدى يستكشف جذور وأبعاد الأزمة الوطنية السودانية المزمنة واستشراف مستقبل البلاد، خاصة فى ظل تداعيات وتبعات انفصال جنوب السودان وتأسيس دولته المستقلة.
اتفاقية السلام الشامل: الفرصة المُهدرة
قاد فشل التجمُّع الوطني الديمقراطي فى -اقتلاع النظام من الجذور-، بواسطة الوسائل العسكرية، لاختياره هدفاً واقعياً يرمي إلى -تفكيك- النظام من الداخل عن طريق التحوُّل الديمقراطي، والتوصُّل لتسوية النزاع سلمياً عن طريق التفاوُض، وإن اتخذ مسارات متعدِّدة «نيفاشا، أسمرا، أبوجا، القاهرة». وبالرغم من الثقوب والثغرات التي شابت -اتفاقيَّة السلام الشامل-، خاصة كونها ثنائيَّة بحُكم أنها مُبرَمَة بين طرفين، إلاَّ أنها شكَّلت علامة فارقة في تاريخ السُّودان السياسي المعاصر. فالاتفاقيَّة التي تمثل نهاية لجمهورية السُّودان الأولى، أنتجت واقعاً دستورياً جديداً للانتقال من الشموليَّة وحُكم الحزب الواحد إلى الديمقراطية التعددية. ولا حاجة لي بأن أردِّد مقولة أصبحت في حكم البديهيات وهي أن جميع القوى السياسية المعارضة لنظام -الإنقاذ- قبل توقيع الاتفاقية، خصوصاً تلك التي كانت تعمل تحت مظلة التجمُّع الوطني الديمقراطي، اتفقت على إضافة الحلِّ السياسي المُتفاوض عليه كإحدى آليات التغيير والتحوُّل الديمقراطي، بجانب الانتفاضة الشعبية والعمل المسلح. فبالرغم من أن الاتفاقية تعد بمثابة -توافق- سياسي بين الحركة الشعبية لتحرير السُّودان والمؤتمر الوطني، إلا أنها وفَّرت الإطار المطلوب لمواصلة النضال من أجل بناء دولة المواطنة السُّودانيَّة، القائمة على المُساواة في الحقوق والواجبات، عن طريق العمل السياسي البحت، عوضاً عن الوسائل العسكرية والسياسية لمرحلة ما قبل الاتفاقية. وقد وصفها الزعيم الراحل للحركة ب-السُّودان الجديد في حدِّه الأدنى-. فهي لا تعدو أن تكون آليَّة للانتقال والتحوُّل قد تقود إلى أحد احتمالين، أولهما: أن تُفلح جميع القوى السياسيَّة، بما فيها الحركة الشعبيَّة، ولو بدرجاتٍ متفاوتة من المسؤوليَّة، في استخدام هذا الوضع لتعميق القواسم المشتركة بين السُّودانيين، ومن ثمَّ الانتقال به نحو بناء سُودان ديمقراطي مُوحَّد «-السودان الجديد-». وثانيهما: أن تُخفق هذه القوى في تحقيق هذا الهدف ممَّا يسمح للأوضاع بالانحدار نحو الانفصال. وهذا هو ما حدث بالضبط، فقد أهدر شريكا الحكم، وباقى القوى السياسية، هذه الفرصة الثمينة، فانشطر الوطن وأضحى ما تبقى من السُّودان مهدداً بالتشظي في ظلِّ تركة مثقلة من القضايا العالقة وقضايا ما بعد الانفصال، ويُغيِّم عليه شبح الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بل وبينه وبين دولة جنوب السُّودان الناشئة.
يظل المؤتمر الوطني، بوصفه الحزب الحاكم والماسك بمفاصل السلطة ومؤسسات الدولة، هو المسئول الأول عن هذا الوضع، بمُماطلته في التنفيذ الصادق والأمين لاتفاقيَّة السلام كضمانٍ وحيد للانتقال لدولة المواطنة الحقيقيَّة، وبالتالي المحافظة على وحدة البلاد، ممَّا من شأنه تبديد مخاوف أهل الجنوب، وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور، من التبعيَّة المستمرَّة، والتهميش، والحرمان من الحقوق، وضمان حريتهم، وتحقيق المساواة، والعدالة. ومن جهة أخرى، فإن الاتفاقية لا تراهن على مجرَّد الثقة في المؤتمر الوطني، بل تقوم على وجود الحركة الشعبية كشريك أصيل، يتساوى مع الشريك الآخر في حقوق وواجبات تنفيذ الاتفاقيَّة. فمن الصعب إعفاء الحركة عن مسئوليتها في عدم المثابرة في متابعة القضايا المتعلقة بالتحوُّل الديمقراطي، الذي نحسبه مفاعلاً رئيساً في الحفاظ على وحدة السُّودان، وإعادة هيكلة الدولة، وإنهاء التهميش الاقتصادي عبر القُطر، وتحقيق الوحدة الوطنية. ولا شك في أن انهماك قيادات الحركة، رغم إدراكنا لأسبابه وتفهُّمِنا لدواعيه ومُبرِّراته، في قضايا الجنوب مع شبه إغفال لقضايا الوطن الأخرى التي أولتها الاتفاقية حقها من الاهتمام، هو من بين الأسباب التي مكَّنت المؤتمر الوطني من الإغضاء عن تلك القضايا، وهو سعيدٌ بذلك. وحملت الممارسة السياسية الفعلية للحركة بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، خاصة بعد رحيل زعيمها التاريخي في أواخر يوليو 2005، العديد من المؤشِّرات الدالة على تراجُع الحركة عن مشروع -السودان الجديد- الذي ظلت تبشِّر به لأكثر من عقدين من الزمان، بل وتخليها عن النضال من أجل هدفها الرئيس لتحقيق وحدة البلاد على أسُسٍ جديدة، وتفضيلها للانفصال وإقامة دولة الجنوب المستقلة. وأيضاً للقوى السياسيَّة الأخرى، خاصة تلك التي كانت منضوية تحت مظلة التجمُّع الوطني الديمقراطي، نصيبٌ من المسئولية. فقد شغلت قوى المعارضة نفسها بالترتيبات الانتقالية لتقاسُم السلطة بين الشريكين، بدلاً عن تركيزها على استغلال مساحة الحريات التى أتاحتها الاتفاقية لتحقيق هدف التجمُّع الرئيس في التحوُّل الديمقراطى وترسيخ وحدة البلاد. بل قنعت هذه القوى بلعب دور المتفرِّج أو الحَكَم، عِوَضاً عن انخراطها الإيجابى كلاعبٍ فاعلٍ في عملية تنفيذ الاتفاقيَّة، وتحديد مواقفها بوضوح من القضايا المصيرية التي تواثقوا عليها في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة «1995»، خاصة علاقة الدين والدولة، في سياق بناء دولة المواطنة السُّودانية. إضافة إلى أن العمل تحت الأرض أو خارج السُّودان قد أفقد هذه الأحزاب التواصُل مع قواعدها، كما أنها منقسمة على نفسها إلى أفخاذ وبطون، وتفتقر للديمقراطية بداخلها، ما أضعف دورها ومساهمتها فى إثراء الساحة السياسية. ومع أن أحداث كثيرة تنبئ بضلوع المؤتمر الوطني في محاولات لاستمالة بعض قيادات وشق صفوف هذه بدون استثناء، طالت حتى شريكه في الحُكم، إلا أن هذا لا يعني تجاهُل، بل يجب الاعتراف بأن تماسُك أي حزب سياسي أو تعرُّضه للانقسام تظل في المقام الأول مسئولية الحزب نفسه وقياداته! أيضا، تجدُرُ الإشارة هنا إلى أن الجهات المانحة الدولية لعبت أيضاً دوراً في خلق بيئة مواتية لتقسيم البلاد
تداعيات انفصال الجنوب: جدوى العنف السياسي
من ناحية أخرى، لم تفلح اتفاقية السلام الشامل، سواءً في التنفيذ أو التصميم، في معالجة كافة التحديات وأسباب الصراع في جبال النوبة، والأنقسنا، فضلاً عن سكان المناطق المُهمَّشة الأخرى في السُّودان، خاصة دارفور. هذا هو السبب الرئيسي وراء عودة العنف والتهديد بحرب أهلية جديدة، وربما صراع دولي بين السُّودان وجنوب السُّودان. إن كلا شريكي الاتفاقية يتحمَّلان المسئوليَّة عن هذه النتيجة المخيِّبة للآمال، ولو بدرجاتٍ متفاوتة. فوفقاً لشروط اتفاق الترتيبات الأمنيَّة، تمَّ تعريف الجيش الشعبي، بشكل لا لبس فيه، ككلٍ لا يتجزأ يتبع إلى جنوب السُّودان، بدون تحديد هوية وأصل المقاتلين، أي ما إذا كانوا ينحدرون من ولاية جنوب كردفان أو النيل الأزرق. في الواقع، المادة «20-2» من مرفق «1»، وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية ووسائل التنفيذ والملاحق، تقرأ: «إذا أتت نتيجة الاستفتاء لصالح انفصال الجنوب عن الشمال، يتعيَّن حلِّ الوحدات المشتركة/المُدمجة «JIUS» بعودة كل وحدة إلى قواتها المسلحة الأم لتمهيد الطريق لتشكيل قوات مسلحة منفصلة للدولتين اللتين سوف تتشكلان». لذا، كان الاتفاق صامتاً تماماً، وخلا من أي إشارة إلى مصير الآلاف من مقاتلي المنطقتين خارج الوحدات المشتركة المدمجة والمتمركزة مع وحداتهم الأم بالجيش الشعبي في جنوب السُّودان. في ضوء تفسيرات الشريكين المتعارضة لمعنى ومضمون مفهوم -المشورة الشعبيَّة- وغموض العملية السياسيَّة التي ينطوي عليها، كان ممَّا لا شكَّ فيه أن الانفصال المتوقع للجنوب سوف يُعجِّل بانفجار الأوضاع في المنطقتين. ومع ذلك، تمَّ إغفال وتجاهل دعواتنا المستمرَّة لقيادة الحركة الشعبية لعقد مجلس التحرير القومى، وضرورة حوار جاد وصريح حول هذه القضايا قبل حلول الاستفتاء. فقد تم الاعتقاد، خطأ، من قبل البعض فى قيادة الحركة الشعبية أن عقد اجتماع المجلس قد يقود إلى الانقسام داخل صفوف الحركة بسبب الانقسام في الرأي حول الانفصال بين الشماليين والجنوبيين. ولكن، خلافاً لهذا الفهم، لم نقصد بضرورة عقد الاجتماع، بأي حال من الأحوال، الوقوف ضد خيار ابناء الجنوب للانفصال، ولكن للمناقشة الصريحة لكيفية الإعداد للتعامُل مع التفجُّر المتوقع للأوضاع في جنوب كردفان والنيل الأزرق في ضوء اتفاق الترتيبات الأمنية المتعثر وغموض عملية المشورة الشعبية.
ومن المسلَّم به على نطاقٍ واسع، أنه تمَّ فرض الحرب على الحركة الشعبية-شمال في المنطقتين. فالقتال للدفاع عن النفس قد يصعُبُ تفاديه، كما أن الاستسلام ليس بخيارٍ خارج اتفاق الترتيبات الأمنية التي حددتها اتفاقية السلام بسقوفها الزمنيَّة. وفي حين لا يشكِّك أحد في أن الظلم والتهميش يُبرِّر ويُضفي الشرعيَّة على اللجوء إلى الكفاح المسلَّح، فإن الحرب مكلفة مادياً وبشرياً، وليست بفعلٍ للتبجُّح أو الاستعراض. كما أنى لا أميل للإعتقاد بأن نموذج الحركة الشعبية/الجيش الشعبى يمكن إعادة إنتاجه أو إستنساخ تجربة قيادتها الأسطورية والتى وجدت تجاوبا من كل السودانيين بمختلف أطيافهم السياسية، فلا الظرف والزمان يتشابهان.
إضافة إلى أن اعتماد خيار النضال المسلح كوسيلة أساسيَّة للتغيير يفرض على الحركات المُتبنية له أن تحدِّد أولاً الهدف من المقاومة المسلَّحة، والنتيجة المتوقعة، وآفاق وسيناريوهات المفاوضات. فهل تهدف إلى تحطيم القوَّات المُسلَّحة السُّودانية، وفي سياق هذه العمليَّة، تقوم بالاستعاضة عنها بالجيش الذي يناسب خصوصيات السُّودان الذي تسعى لبنائه؟ كانت هذه هي الأطروحة الأصلية للدكتور جون قرنق. ولكن، مع تطوُّر الصراع ضد نظام -الإنقاذ- تبيَّن له أن هذا الأمر غير واقعي ولا يمكن تحقيقه، ممَّا جعله يتراجع عنه، مفضلاً التسوية السياسية المُتفاوض عليها. وبالتالي دعت -اتفاقية السلام الشامل- إلى تشكيل الوحدات المشتركة المُدمجة، كآليَّة لدمج الجيش الشعبي والقوات المسلحة السُّودانية، لتكون بمثابة نواة لجيش السُّودان القومي في حالة اختيار الجنوبيين لوحدة السُّودان. وكان موقف الدكتور جون قرنق المبدئي، منذ عام 1972، يشدِّد على أن أي حلٍ في إطار -السُّودان الجديد- المُوحَّد يجب، أولاً وقبل كل شيء، أن يعترف بالأنيانيا، والجيش الشعبي في وقتٍ لاحق، كجيش مشروع لشعب جنوب السُّودان، وهو موقف عبر عنه بوضوح فى رسالته إلى القائد العام لقوات الأنيانيا وزعيم حركة تحرير جنوب السودان في العام 1972م، هذا هو بالضبط ما جرى التأكيد عليه في اتفاقية السلام الشامل. فقد كان المنطق الأساسي هو ضمان أن يكون لجنوب السُّودان -جيشٌ وطني- في حال إن اختار الجنوبيون الانفصال. وفي رأيي أن د. جون قرنق، من واقع معرفتي اللصيقة به، كان يسعى للوحدة وكأنه يعيش أبداً، بينما يعمل للانفصال وكأنه يموت غداً!. هذا هو أيضاً بالضبط ما تبيَّن في نهاية المطاف. ولذلك، كانت الرؤية مقنعة وثاقبة، والهدف من الكفاح المُسلَّح مُحدَّداً بدقة ووضوح. ولكن، يظل هذا النهج غير قابل للتطبيق على الوضع في المنطقتين، إلا إذا كان الهدف النهائي هو توحيد جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور في دولة فدراليَّة جديدة، وهذا أمرٌ يصعُبُ تحقيقه على أرض الواقع، ولم تدعُ له أي من الحركات المُسلَّحة، على الأقل حتى الآن.
وإلاَّ، فهل يهدف العمل المُسلَّح، على شكل حرب عصابات، إلى ممارسة ضغوط متواصلة، جنباً إلى جنب مع جهود المعارضة السِلميَّة لبقيَّة القوى السياسيَّة السُّودانية، من أجل إسقاط النظام في الخرطوم، أو ارغامه على الاستجابة للتغيير؟ إذا كان هذا هو الحال، يظل من المهم التطرُّق لعددٍ من الأسئلة التي تبحث عن إجابات، ومخاطبة بعض التخوُّفات، أذكر هنا بعض منها:
* في ضوء النظام المؤسسي الهش للدولة السُّودانية، مع وجود القوَّات المسلحة السُّودانية كقوة مهيمنة، وكقوة وحيدة متماسكة، يفصل خط رفيع بين إسقاط النظام، الذي لم يبذل مجهودا لتعريفه بدقة، وانهيار الدولة السُّودانية نفسها. فحتى التجانس الإثنى واللغوى والدينى لم يعصم الصومال من السقوط فى عالم الدول.
* هناك حاجة لقياس مدى استجابة الناس في المناطق المتأثرة بالحرب، والرأي العام في البلد كله، فيما يتعلق بالمقاومة المسلحة وما يترتب عليها من عواقب وخيمة.
* ألن يتحوَّل تصاعُد الصراع المسلح في المنطقتين في نهاية المطاف إلى حرب شاملة بين دولتي جنوب السُّودان والسُّودان، ممَّا يُعَدُّ نذير شؤمٍ بالنسبة للشعب في كلا البلدين؟ وعلاوة على ذلك، فإن اندلاع هذه الحرب سيكون بمثابة هدية مجانية لحزب المؤتمر الوطني، وهو المشهود له بالبراعة في التعبئة السياسيَّة والعسكريَّة وإضفاء الشرعية على الحرب بحُجَّة توحيد وتعزيز -الجبهة الداخلية-. وهذه التعبئة لن تكون فقط ضد الجنوب، ولكن سيتم استخدامها لإسكات وترهيب أعضاء ومؤيِّدي الحركات المُسلَّحة، بل وجميع محبي السلام في البلاد. وبالفعل، فقد بدأت هذه الحملة في أعقاب الأحداث الأخيرة في هجليج. لا شكَّ أن ذلك سيكون يوم عيد ل-منبر السلام العادل- البغيض، ويشكل أرضاً خصبة للأصوليين والمتطرِّفين. وبعبارة أخرى، فإن استمرار النزاع المسلح يؤثر سلباً على آفاق التحوُّل الديمقراطي، وسوف يقلل كثيراً من احتمال حدوث انتفاضة شعبية في السُّودان.
* ليس سراً أن توفير قاعدة لوجستية خلفية، والدعم السياسي والدبلوماسي من الدول المجاورة، ضرورة لنجاح أي حركة مسلحة ضد النظام الحاكم في كل التجارب الأفريقية. فلولا توفر هذه العوامل، وتأييد المنطقة ككل، والمجتمع الدولي لمطلب الجنوبيين فى حق تقرير المصير، خلال الثمانينات والتسعينات، لما تمكَّنت الحركة الشعبية والجيش الشعبي من المحافظة على حرب عصابات طويلة الأمد. أما الآن، فقد تغيَّر المشهد الإقليمي والدولي بشكل كبير، ويبدو أن العالم قد نفذ صبره وسئم من الحروب والاقتتال، مفضلاً التسوية السياسية عن طريق التفاوض. إلى جانب ذلك، وضع انفصال الجنوب، قبل حلِّ القضايا السياسية العالقة لاتفاقية السلام الشامل واستكمال عملية فك الارتباط مع الجيش الشعبي والحركة الشعبية-شمال، وكذلك الحركات المنطلقة من دارفور، الدولة الجديدة في موقف حرج سياسياً وأخلاقياً فيما يتصل بتعاطفها ومساندتها لهذه الحركات. ولذلك، المشروع أن نسأل: هل جنوب السُّودان، في ضوء التحديات الهائلة الخاصة لبناء الدولة، والأمن، ومشاكل الإدارة السياسيَّة والاقتصاديَّة، والتناقضات الداخليَّة، بالإضافة إلى الضغوط الإقليميَّة والدوليَّة، قادر على تقديم الدعم المستمر لهذه الحركات؟
* إن الحرب، أو حتى مجرَّد العلاقات المتوترة بين البلدين، قد وضعت الحركات المسلحة في وضع صعب، وذلك لأن الإعلان عن أي عملية عسكرية سيُنظرُ إليها على أنها فعلٌ من أفعال التواطؤ مع دولة أجنبية معتدية، وبالتالي تشويه صورة هذه الحركات بما يلقي بظلالٍ كثيفة من الشك على مصداقيتها. حقاً، فالتصوُّرات غالباً ما تكون أقوى من الحقائق. الى جانب ذلك، فإن العالم الغربي يشعر الآن بأن الحركة الشعبية-شمال، على وجه الخصوص، تستخدم الحرب لخلق مأزق المساعدات الإنسانيَّة التي تدعو في نهاية المطاف إلى، وتضفي الشرعية على التدخُّل الأجنبي. وفوق كل ذلك، سيؤدي استمرار الحرب في نهاية الأمر لاستنزاف وتدمير قاعدة الموارد البشريَّة، وبالتالي مستقبلاً قاتماً للشعوب التي تقاتل هذه الحركات لحماية مصالحها.
من ناحية أخرى، لا يمكن للنضال المسلح أن يحقق هدفه المتمثل في الإطاحة بالنظام بدون دعمٍ سياسيٍ من كل القوى السياسية العازمة على التغيير، بما في ذلك الإسلاميين بمختلف اطيافهم. يفترض إسقاط النظام، من واقع التجربة السُّودانية في 1964 و1985، توافُق وإجماع كل القوى السياسيَّة. ففي عام 1995، عندما تمَّ التوقيع على إعلان أسمرا للقضايا المصيريَّة، توحَّدت تقريباً كل القوى السياسيَّة السُّودانية في الدعوة إلى -اقتلاع- النظام. وبالمِثل، ما كان للحركة الشعبية أن تدرك استقلال جنوب السُّودان بدون الحصول على دعم جميع القوى السياسيَّة السُّودانية للعمل المُسلَّح وحق تقرير المصير.
ومع ذلك، فإن تشكيل -الجبهة الثورية السُّودانية- ينُمُّ عن السعي لبناء تحالفٍ من -القوميات المُهمَّشة- التي يمثلها حاملو السلاح، في حين تدعو الجبهة كل القوى السياسيَّة السُّودانية للانضمام إلى صفوفها، و»رفض مسار التسوية السياسيَّة الجزئيَّة مع نظام حزب المؤتمر الوطني، واعتماد نهج شاملٍ لتغيير النظام في مركز السلطة بالخرطوم». ولكن، في ظلِّ الوضع السياسي الراهن، لا يوجد توافُقٍ في الآراء بين القوى السياسيَّة السُّودانية على هدف -إسقاط النظام- من خلال العمل المسلح، من جهة، وافتقار الجبهة الثوريَّة لوضوح الرؤية والنهج بشأن التعامُل والتحاوُر مع هذه القوى في ضوء الاختلاف في الرأي حول طرق التغيير. فباستثناء التصريحات المعمَّمة عن ضرورة التعامُل مع القوى السياسيَّة المعارضة، لم يتم تحديد آليات بعينها لهذا الغرض، أو تحقيق نتائج ملموسة حتى الآن. كما أن قرار بعض الشخصيات المعارضة للانضمام إلى الجبهة لا يبدو أنه قد أتى بقيمة مضافة أو غيَّر صورة الجبهة في أعيُن كثير من الناس، إذ لا يزال يُنظَرُ إليها كمنبر حصري للمُهمَّشين على أساس عرقي وإثني، أي أنه يعبِّر عن -متلازمة الجنوب الجديد-. أما بخصوص وسائل التغيير، فقد أعلنت الجبهة الثوريَّة عن التزامها بتكامُل النضال المسلَّح مع العمل السياسي والمدني. ولكن، منذ أيام التجمُّع الوطني الديمقراطي، فقد ظلَّ هذا التكامُل مجرَّد شعار وهدف بعيد المنال، يفتقر إلى المنهجيَّة الواقعيَّة، أو آليَّة للتنفيذ على أرض الواقع. فالجبهة لم تكشف النقاب عن أي استراتيجيَّة واضحة في هذا الصدد. ومنذ تشكيل الحركة الشعبيَّة في عام 1983، كان هناك حوار حول الحاجة لجمع الشعوب المُهمَّشة في منبرٍ واحد، ولكن ليس بالضرورة في شكل تحالفٍ منظم، مبني على أسُسٍ عرقيَّة أو إثنيَّة، يتبنى الكفاح المسلح. في رأيي، من المهم إعادة النظر في مفهوم -التهميش- بهدف تجاوز التعريف الضيِّق له على أساس العرق أو الإثنيَّة، الذي يتجاهل الطبيعة المعقدة للمفهوم ومضامينه الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، وبالتالي يستبعد الفئات المُهمَّشة الأخرى، بما في ذلك العمَّال والمزارعين والمستأجرين الزراعيين والرعاة والمهنيين... إلخ، في المجتمع السُّوداني. إلى جانب ذلك، هناك قوى سياسيَّة أخرى من المناطق والقوميات المُهمَّشة لا تنتمي أو تؤيد الجبهة، أو أي من الحركات المُكوِّنة لها، وهذا بدوره يطرح السؤال: كيف يتم النظر إلى، والتعامُل مع هذه القوى، وما هو شكل التواصل المقترح معها؟ أم سيتم صرف النظر عن هذه القوى ونبذها باعتبارهم مجرَّد أتباع موالين للمؤتمر الوطني؟ ومن المهم هنا الإشارة إلى أنه في مرحلة ما بعد استقلال جنوب السودان، على سبيل المثال، يبدو أن الحكومة التي تقودها الحركة الشعبية قد وجدت أنه من الضروري أن تستوعب شخصيات بارزة من مجموعات -السلام من الداخل-، أعداء الحركة بالأمس، بل وبعض منهم كانوا من الوزراء الاتحاديين وأعضاء في حزب المؤتمر الوطني نفسه.
تقرير: د. الواثق كمير


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.