الإمارات تدعو الاطراف السودانية لتجنب التصعيد    هشام السوباط : نبارك للاعبين والطاقم الفني وجماهيرنا الوفية التأهل والعبور المستحق إلى دور المجموعات    اعتقال التعايشي، والأصم، وماهر أبوالجوخ    البرهان يعلن حالة الطوارئ في كل السودان وحل مجلسي السيادة والوزراء    عاجل: صلاح مناع: من خطط الانقلاب لا علاقة له بالشعب السوداني ولا بالسياسة    قائمة بأسماء الوزراء والقياديين المدنيين الذين اعتقلهم الجيش السوداني فجر اليوم    الهلال يعبر لمرحلة المجموعات    تحقق الأهم والغريق قدام    تبًا للعسكر..انقلاب عسكري فى السودان واعتقالات واسعة وانقطاع الانترنت..    رويترز: الجيش السوداني يقيد حركة المدنيين في العاصمة الخرطوم    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الإثنين 25 أكتوبر 2021    إبراهيم الشيخ يرد على أبو هاجة : لسنا في حاجة لاجترار تاريخ البرهان الغارق في الدماء و الانتهاكات    بالفيديو: مطربة سودانية تهاجم عائشة الجبل وتتحدث بلهجة مستفذة .. شاهد ماذا قالت عنها    في (الكامب نو) .. ريال مدريد يسقط برشلونة بثنائية    مانشستر يونايتد يتلقى خسارة مزلة من نده ليفربول بخماسية على ملعبة    ياسر مزمل يقود الهلال إلى مجموعات الأبطال    وزير التجارة: منحنا تراخيص لاستيراد 800 ألف طن من السكر    اكتمال ترتيبات افتتاح مُستشفى الخرطوم    محافظ مشروع الجزيرة يكشف عن مساعٍ لتوفير تمويل زراعة القمح    السودان يشارك في مؤتمر تغيّر المناخ ببريطانيا مطلع نوفمبر    تذبذب أسعار المحاصيل بأسواق القضارف    الاستئنافات ترفض طعونا ضد شداد وبرقو    السودان يحصد ميدالية ذهبية في سباق (50) متر سباحة ب"أبو ظبي"    بعد أيام معدودة.. انتبه "واتساب" سيتوقف عن هذه الأجهزة    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الإثنين 25 أكتوبر 2021    مُدير هيئة الطب العدلي : العيار الناري وقع على بُعد بوصات من مجلسنا    أخطاء في الطهي تؤذي صحتك    السودان يقرر وقف دخول سفن الوقود إلى مياهه الإقليمية    الخرطوم..مباحثات لتنظيم المنتدى الاقتصادي السوداني الفرنسي    أنجلينا جولي تنشر صورًا حديثة عن الأهرامات بتعليق مفاجأة    كشف عن تزايُد مُخيف في الإصابات بالمِلاريا وأكثر من 75 ألف حالة خلال الأشهُر المَاضية    شاهد بالصورة والفيديو.. راقصة أنيقة تشعل حفل طمبور سوداني وتصيب الجمهور والمتابعين بالذهول برقصاتها الرائعة وتحركاتها المبهرة    سادوا ثم بادوا فنانون في المشهد السوداني .. أين هم الآن؟    أطلق عليها (مواكب الحب) النصري خلال حفله الجماهيري الاخير يبعث رسالة لجمهوره ورفيقه الراحل ابوهريرة حسين    سباق هجن عصر اليوم ضمن فعاليات مهرجان عرس الزين    (زولو) الى القاهرة للمشاركة في مهرجان الجاز    بسبب الوضع الاقتصادي المتردي.. عودة الحمير في لبنان كوسيلة نقل رخيصة الثمن    وزير التجارة : ترتيبات لفتح الصادر عبر كافة الموانئ البديلة حال تأخر فتح الشرق    رددوا (يا كوز اطلع برا) طرد مذيع من المنصة أثناء تقديمه حفل النصري    إغلاق الطرق يؤجل محاكمة زوجة الرئيس المخلوع    صالات الأفراح … وبدع الأعراس الإنسان خُلق بطبعه كائن اجتماعي    شرطة جبل أولياء تضبط عقاقير طبية متداولة خارج المجال الطبي    الخبز هو حبي    موظف سابق في فيسبوك يبدأ الحديث عن المسكوت عنه    السعودية لإعادة التدوير للعربية: التحول عن المرادم سيوفر 120 مليار ريال    دار الإفتاء في مصر: لا يجوز للمرأة ارتداء البنطال في 3 حالات    النيابة المصرية تتسلم التحريات الأولية حول انتحار سودانية ببولاق الدكرور    كوبي الايطالية تحتفل باليوم الدولي لغسل الأيدي بشمال دارفور    مصر.. العثور على عروس مقتولة بعد 72 ساعة من زفافها .. والزوج يوجه "اتهامات" للجن    تركيا تحذر: الاتفاق العسكري الفرنسي اليوناني يضر بالناتو ويقوض الثقة    مدير مستشفى البان جديد : المعدات الطبية فقدت صلاحيتها    في وداع حسن حنفي    وجهان للجهاد أوليفر روى (أوليفييه Olivier Roy)    اليوم التالي: رفض واسع لقرار إغلاق سوق السمك المركزي بالخرطوم    مصرع نازحة بطلق ناري في محلية قريضة بجنوب دارفور    قال إنه محمي من العساكر .. مناع: مدير الجمارك لديه بلاغين تزوير بالنيابة و لم تتحرك الإجراءات    مولد خير البرية سيدنا محمد ابن عبد الله (صلوات الله عليه وسلم)    عثمان جلال يكتب: في ذكرى مولده(ص ) وفي التاريخ فكرة وثورة ومنهاج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكرى رحيله : سرور هو الحقيبة والحقيبة هي سرور:
نشر في الراكوبة يوم 13 - 06 - 2011

في ذكرى رحيله في 13/6/1946: سرور هو الحقيبة والحقيبة هي سرور:
بقلم ا.د. احمد عبدالرحمن
(قدمت نسخة أولية في ندوة عن تاريخ الحقيبة أقامتها جمعية الفنون السودانية الكويت في 19يوليو 2010)
لم أكن أعد نفسي ناقداً أو مؤرخاً فنياً أو شخصاً ذا صلة بالحقيبة، ولذا فوجئت عندما طلب مني د. بكري طنون رئيس الجمعية أن أشارك في هذه الندوة \"كوني من أم درمان\". ولم أشأ أن أرده خائباً كونها باكورة نشاطهم فقلت \"سأفكر في الأمر\" ممهداً بذلك للإعتذار لاحقاً. وعندما بدأت أفكر في الأمر اتضح لي ن صلتي بالحقيبة أعمق مما كنت أتصور. تذكرت أنني عرفت عن قرب بعض من شهد ,أو شارك على الأصح، في إطلاق الحقيبة. أقصد هنا عمي المرحوم محمد أحمد محمد نور المعروف ب )ودحجة( الذي كان أحد أثنين من الطنابرة أعضاء الفرقة اللذين وقفا إلى جانب عضو الفرقة الآخر (سرور) في تلك الليلة المشهودة طبقاً لرواية الشاعر سيد عبد العزيز لمجلة هنا أم درمان (سنعود لذلك لاحقاً). كذلك تربطني صلة قربى بالإذاعي الكبير صلاح أحمد (مد الله في أيامه) الذي أعاد إطلاق الحقيبة ونشرها من خلال المذياع وأعطاها ذلك الاسم. بالاضافة إلى أنني نشأت في حي مجاور للحي الذي كان يسكن فيه سرور (حي ودأور) وكنت كثيراً ما أسمع الأعمام والكبار يذكرون اسمه.كذلك في المستقبل وعندما كنت عضواً في مجالس دار النشر جامعة الخرطوم، كنت عند زياراتي للأخ المرحوم بروفسير علي المك دائماً ما أجد عنده – اضافة إلى عبد العزيز محمد داود- بعض كبار رجال الحقيبة كالفريق إبراهيم عبد الكريم و
الشاعر عتيق. في أحد المرات وأنا أغادر مكتبه طُلب إلي أن اصطحب معي الشاعر الكبير عمر البنا وأوصله إلى مقصده في أم درمان، وفي الطريق حكى لي الشاعر(اي البنا) عن كيف أن عمي المرحوم حاول أن يصلح ذات البين بين أهل الحقيبة عندما انقسموا إلى معسكرين وجمعهم في وليمة كيبرة بمنزله بحي ود البنا . كذ لك ذهلت عندما علمت منه أنه أي البنا مازال نشطاً وأن له فرقة غنائية على استعداد لإحياء الأفراح بل وعمل قصيدة خاصة للعريس إذا دعينا الفرقة لتحيي حفلاً لنا. كان ذلك في عام 1979 لكني نسيت الأمر وأضعت تلك الفرصة عندما تزوجت بعد عام من ذلك.
هذه الأفكار جعلتني أقترب من موضوع تاريخ الحقيبة بشغف ومن ثم هرعت إلى مكتبتي الصغيرة ووجدت أنه تجمعت لدي عدة كتب وكتيبات ودواوين من الحقيبة فشرعت أنهل منها. حقيقة تاريخ الحقيبة تاريخ ساحر إذا غصت فيه لن تجد منه فكاكاً.
بعد هذه المقدمة دعني أقول أنني عندما أزعم أن سرور هو الحقيبة لا أقصد أنه لم يكن هناك أحد غيره ولكني أعنيها مثلما تقول \"علم النفس الفرويدي\" و\"الاقتصاد الكينزي\" بمعنى أن ذلك الشخص شق طرياً سار فيه الآخرون وأحدث ثورة وفتحاً في مجاله تراكمت من بعده إضافات المفسرين وتنقيحات المطورين. فسرور هو ربان الحقيبة والآخرون ملاحوها شعراء كانوا أم ملحنين ومغنين.
أنا هنا لا أطلق القول على عواهنه بل سأدعمه وذلك بالنظر في تاريخ الفن الغنائي السوداني الحديث وبالمقارنة بما قبل سرور وما بعده وأكاد أجزم أن ما كان قبله لم يكن شيئاً مذكوراَ، وأنه هو الذي رفع الغناء إلى مرتبة الفن فهو الذي أطلق الثورة وسار من خلفه الآخرون.
بداية دعنا نوضح ماذا نعني بالحقيبة. الحقيبة في رأيي هي: \"غناء القصائد الطويلة الجزلة الرصينة التي تتغنى لا بالحب والجمال فحسب، بل بالطبيعة والخصال النبيلة الملأى بالحكم والأمثال والتي سادت فيما بين الحربين\".
فن الغناء ما قبل سرور:
لا يعرف الكثير عن فن الغناء في العهد التركي بيد أن الأستاذ الكابلي أخرج لنا أغنية \"أنت كان زعلان.\" أما في المهدية فالغناء كان محرماً شرعاً كما وُضِع بعض المغنين قيد الأسر كشريفة بنت بلال التي كانت تغني في بيوت الأفراح. الغناء عموماً كان شيئاً جانبياً تكتمل به الأفراح وتؤديه فئات من النساء ذوات وضع اجتماعي متدن. أما الكلمات \"باستثناء أغاني الحماسة\" فهي كلمات \"أي كلام\" مثل أغاني البنات عموماً. من الجانب الآخر كانت هناك أغاني الطنبور التي يؤديها الرجال وهي أيضا لا ترقى إلي مرتبة الفن وتعتمد على ترديد مقاطع معينة واستخراج أصوات من الحلق لكنها لم تكن جيدة من حيث النص. كان هنالك أيضا الدوبيت الذي يؤديه الرجال بشكل انفرادي. من حيث الغناء إذن لم يكن هنالك شيئاً يعد فناً. لم يكن هنالك ما يطرب لا كلمات ولا ألحان ولا أداء.
إذن أين كان الشعراء ومن أين أتى هؤلاء ؟!
نعم كان هنالك شعراء متمكنون وواعدون لكن في ماذا يقولون شعرهم ومن سيغني ذلك الشعر ؟! لم يكن هنالك وعاء يستوعب شاعريتهم ولذا لم يشعروا بل بذلوا قريحتهم في المجاراة والتنافس فيما بينهم لإظهار قدراتهم كأن يقول يوسف حسب الله :
(فريع البان مِنو يا حبان أنا تعبان ) يجاريه أبو عثمان جقود ثم يجاريه محمد علي بدري ويجاريه العبادي...وهكذا (طارق شريف ساتي: سرور سايق الفيات.. 2000بدون ناشر .) أو كما قال الشاعر عمر البنا في كتابه: \"كان الشعر محصوراً في الرميات وفي الدوبيت ... وكانت كل الأشعار في ذلك الوقت مربوطة باللزوميات أي لزوم ما لايلزم وذلك كشرط أساسي للشاعر واعتماده كشاعر. \"(عمر البنا: الجوهر الناضر في الماضي والحاضر. دار جامعة الخرطوم للنشر 1983).
وكان النشاط طبقاً للكاتب هو إقامة الندوات الشعرية التي تتم فيها المجاراة بين الشعراء مع وجود اديب ذواقة يقوم بدور الحكم.
هكذا كان الوضع قبل سرور: الغناء نشاط جانبي في المجتمع تقوم به فئات ذات وضع إجتماعي متدن ، بضاعتهم ذات نص ضعيف، الحان بدائية واداء ركيك. من الجانب الأخر كان هناك شعراء متمكنون من صنعتهم ولكن تنقصهم المواضيع. وليس أمامهم وعاء يستوعب كلماتهم ويحلق بها. فليس هنالك شيء يحفزهم إذن ليأتوا بالقصائد الجميلة. والأمر كذلك ظلت قدراتهم كامنة وحبيسة في انتظار من يطلقها ويهيء لها الوعاء الملائم.
وهنا يظهر سرور:
قبل الدخول في كيف أحدث سرور هذه الثورة يجدر بنا أن نذكر شيئاً عن سيرته كما سجلها طارق شريف في كتابه. \"ولد سرور عام 1901 بقرية ود المجذوب شمال ود مدني ولابد أن الطبيعة العذراء في القرية تركت أثرها نفسه. ودرس سرور القرآن بخلاوي ود المجذوب ولابد أن لغة القرآن وترتيله شذبتا حاسته اللغوية والفنية وهيأتاه لما بعد. وفي سن السابعة إنتقل سرور مع اسرته إلى ودمدني وهنالك تعلم مهنة الميكانيكا وعندما إنتقل إلى الخرطوم عمل سائقاً بشركة الفيات (السايق الفيات) بالصباح وفي المساء يذهب إلى ليالي الطرب ويعود ويردد أغاني الطنابرة.\" وفي رأينا ان خلفيته اللغوية من قراءة القرآن وملكته الشعرية (نعم كان شاعراً) , لابد جعلتاه يشعر بفجاجة ما يقدمه الطنابرة لكنه مع ذلك انضم إليهم فقد كانوا ملوك الساحة. ومع ذلك كان يتوق إلى غناء نص جيد وينتظر الفرصة ويتغنى لنفسه ببعض ما يحفظه من الشعر ويتربص الفرص ليفضي بمكنونه.
أما كيف بدأ ومتى تم اطلاق الحقيبة فهناك روايتان الأولى يرويها الفريق ابراهيم عبد الكريم عن عبد الله الماحي أنه في حفل في بري عام 1923 \"طلب من أهل الحي أن يسمح لشابين أن يقدما فاصلاً غنائياً فسمح لهما وكانت طريقتهما جديدة في الغناء وقد طرب لها أهل الحفل طرباً شديداً فقرر لحظتها أن يترك أغاني الطنبور وأن ينتهج هذا اللون من الغناء. أما الشابان فقد كانا محمد أحمد سرور والأمين برهان\".
تلك الحادثة لابد كانت بروفة لما حدث في الرواية الثانية. الرواية الثانية هي التي رواها الشاعر سيد عبد العزيز لمجلة هنا أم درمان (وأكدها سامي سيد عبد العزيز في ديوان والده) وكيف أنه في حفل زفاف بحي السماسرة بأم درمان كانت تحييه فرقة الطنابرة التي سرور عضو فيها وكان دور سرور المفترض هو أن ينشد \"الرمية\" ثم ينسحب ليواصل الطنابرة أداءهم. بيد أنه في تلك الليلة أصر سرور على أن يواصل معهم لكن لأن صوته كان جهورياً يغطي على أصواتهم, رفضوا أن يصاحبهم وأصروا عليه أن يغادر العنقريب .وهنا حصل خلاف وجدل وهرج ومرج في الحفل. وفي النهاية سمح له أهل الحفل أن يواصل الغناء رغم أن الطنابرة قاطعوه ما عدا ودحجة وأبو كدوك (ويضيف إليهم سامي سيد عبد العزيز الأمين برهان في الديوان المشار اليه ادناه.) لكن تلك كانت نهاية دولتهم ومن ثم أحتضنه العبادي الذي تنبأ أن سيكون لسرور شأن عظيم. نجاح هذه المحاولة: غناء الشعر بدلاً من ترديد أصوات الحلق مع الكلمات الركيكة أو كما ذكر أسامة سيد عبد العزيز في ديباجة لديوان والده:\"نجاح هذه المحاولة الرائعة دفع بعضاً من الشعراء على تأليف قصائد تتناسب وثورته التي رفعت من القيمة الشعرية في الشركة الغنائية\".
أذن كما قلنا غناء سرور هو الذي أوجد وعاء يستوعب ويستفز الشعراء حتى يسمون بشعرهم من الرميات والدوبيت إلى القصيدة الكاملة.
حقيقة كان سرور هو معيار الذهب ومثلما كان المعري يسمي المتنبي \"الشاعر\" فسرور هو \"الحقيبة\". وأكاد أن أجزم أن أكثر اسمين علمين يترددان في الحقيبة هما سرور وأم درمان إذ يذكره الشعراء على أنه مضرب المثل فالعبادي يقول في (يا سايق الفيات):
انزل يا(سرور) وشوف يد القدرة وشوف حسن البداوة الما لمس بدره
أما سيد عبد العزيز فيقول:
صباح وسعادة بكل سرور جماله يغني عليه سرور
أما عبيد عبد الرحمن فيقول:
أفرح وأقول ياليل وأشرح وأحاكي سرور
أما ود الرضى فأهداه قصيدة كاملة لحنها وغناها كرومة في حفل استقبال لسرور وهو عائد من الحج كان مطلعها:
ليالي العودة نعيم وسرور الحج مقبول مبرور يا سرور
ومع أنه لم يكن متاحاً لنا النظر في دواوين شعراء حقيبة آخرين، أتوقع أن له حظاً في شعرهم، بل أن الشعراء كانوا يتمنون أن يكون لهم حظاً في غنائه. وقد أحصى الأستاذ طارق ساتي أكثر من ثلاثين شاعراً غنى لهم سرور.
سرور إذن هو الذي أوجد هذا الفن الذي نسميه الحقيبة.
سرور ومكانة الغناء كفن:
سرور ارتفع بالغناء إلى مراتب فنية عالية إذ رفعه من أرض أصوات الحلق والنص الضعيف إلى سماء الفن الراقي. لم يفعل ذلك فحسب بل رفع مكانة المغنين الاجتماعية. كان الغناء مجال وضيعي المكانة والصياع ومربوط في الأذهان بالميوعة. وهنا يأتي مغني لا شك في رجولته، فهو مثلا لا يحتاج إلى حماية من مثيري الشغب في الحفلات بل يردعهم بيديه وقد أودع السجن بسبب ذلك مرة. كما أنه رجل متزن الخلق حج بيت الله بل هو (حمش) معايير ذاك الزمن، ومحافظ إلى درجة أن قاطع الإذاعة التي كان هو أول من غنى فيها، لأنها سمحت لامرأة (عائشة الفلاتية) أن تغني من خلالها.
ارتقى سرور بمكانة الغناء من جهة أخرى أيضاً. الغناء كما ذكرنا كان شيئاً جانبياً تكتمل به الأفراح ولم يكن مقصوداً لذاته. أما سرور فقد كان أعلن انحيازه للمسرح ودعا لتأسيس مسرح غنائي خاص وكان أول فنان يغني على المسرح وبذلك جعل فن الغناء هدفاً مقصوداً لذاته يقصد الناس المسرح للإستماع إليه مقابل رسم دخول، لا كما كان عادة، شيئاً تصادفه اذا كنت في حفل زفاف وقد يأتيك الصوت من بعيد مع كل الأصوات المتداخلة الأخرى.
سرور في حقيقة الأمر حمل فنه ونشره في مصر وألتقى كبار الفنانين وحمل فنه إلى طبرق ليرفه عن الجندي السوداني وحمل فنه إلى الشاشة الفضية ليراه جمهور اكبر وفي كل هذا كان هو الأول والسباق مثلما كان هو أول من غنى من الإذاعة وغنى للسودان والوطن.
سرور أيضاً كان أول من أدخل الآلات الموسيقية في الغناء مثل القربة والصاجات والمثلث والاكورديون والكمان. حقيقة هنالك فكرة خاطئة عند البعض مفادها أن فن الحقيبة لا تصاحبه آلة سوى الرق والدلوكة وذلك ليس صحيحاً فكان هناك وهبة (بمزيكته اتحكرا) والسر عبد الله بصفارته وكلاهما كان عضواً في الفرقة التي أنشأها سرور. نعم ازداد استعمال الموسيقى فيما يسمى \"الفن الحديث\"، ولكن في نفس الوقت تدهور النص والكلمة مع الفن الحديث. وبرأيي أن فن الحقيبة كان يخاطب ويختص \"بالوجدان\" ككل أما الفن \"الحديث\" فيكاد يكون أقتصر على \"الوجد\".
وعندما اختار الإذاعي صلاح أحمد محمد صالح اسم \"الحقيبة\" كان فقط يختار اسماً ليميز برنامجه عن الآخرين لكن التسمية لصقت واكتسبت معنى في اللغة الدارجة بمعنى \"جيل سابق\" أو \"دقة قديمة\".
ربما كان الإنصاف يقتضي أن يُسمى برنامجه:\"من الأغاني السرورية\".
تقديرنا لسرور: ما دفعني للكتابة عن سرور هو شعوري أن سرور لم يجد التقدير الذي يستحقه. لو سألت من هو سيجيب الكثيرون العارفون بعض الشيء أنه أحد فناني الحقيبة. المتنورون أكثر سيقولون أنه أحد أهم فناني الحقيبة وآخرون سيقولون أنه أحد الرواد. سرور ليس أحد أهم فناني الحقيبة بل هو الأهم وهو ليس أحد الرواد بل هو الرائد الأول والأوحد.
حقيقة كنت امتعض حينما أجد البعض يقارن بينه وكرومة بل يذهب البعض لتفضيل كرومة في الألحان ولكن ليس من العدل أن نقارن الأستاذ بتلميذه علماً بأن العلاقة بينهما كانت حميمة وقد ضم سرور كرومة إلى فرقته التي كونها سروربعد أن انفصل من الطنابرة وبدأ الموجة الجديدة. تقليلنا من شأن سرور يظهر في أن بعض المفترض فيهم المعرفة يتحدثون عن الشقاق الذي حدث بين رجال الحقيبة وكأنما هي معركة بين الشعراء أدواتها كرومة وسرور. بينما أصل الشقاق هو في حقيقة الأمر كان بين سرور وأبو صلاح فحواه أن سرور غنى قصيدة لشاعر آخر غير أبي صلاح في الوقت الذي كان أبو صلاح قد سلمه قصيدة وعندما سأله أبو صلاح لماذا لحن وغنى قصيدة الشاعر الآخر قبل قصيدة أبي صلاح، أجابه سرور بكل بساطة لأن القصيدة الأخرى أعجبته أكثر ولم يتقبل أبو صلاح منه ذلك وأعلن الحرب عليه. تسمية المعركة وكأنها بين الشعراء فيها انتقاص لدور سرور. في حين أن دلالة القصة هي أن كل شاعر كان يسعى لأن يردد سرور كلماته لأنه المعيار الذهبي كما ذكرنا. وكون أن قصيدة واحدة لأبي صلاح لم تعجب سرور لا ينتقص من عبقرية أبي صلاح ودوره الأساسي في بناء صرح الحقيقة. وقد تردد أن لأبي صلاح ذات (أنا) ضخمة، وهو مر لا نملك له نفياً ولا اثباتاً غير ما رواه أبناء الشاعر مسعد حنفي لجريدة الخرطوم قبل سنوات عن كيف أن الشاعر أبا صلاح قدم قصيدة أو اثنين من تأليف مسعد حنفي لأحد المطربين على أساس أنها من تأليف أبي صلاح وذلك لتجد قبولاً عند ذاك المغني على ان يكشف عن مؤلفهما لاحقا ولكن أبا صلاح خاف أن كشف عن ذلك لاحقاً فقد يضر بأسمه فلم يفعل. مع العلم بأننا لم نعثر على سندٍ يعضد هذه الرواية أو ينفيها.
أخيراً لقي كثير من فنانينا احتفاءاً أو تقديراً لهم، أحياء أو أموات وهم يستحقون ذلك عن جدارة، وسرور أكثر من يستحق ذلك لم يجد شيئاً. لا احتفاء، لا شارع باسمه لا ولا استديو صغير في الإذاعةن بينما يرقد جثمانه في بلد غير البلد الذي غنى له!!
ملحوظة: اغلب المعلومات عن سيرة سرور استقيناها من كتاب شريف ساتي المذكور اعلاه اما الاراء الواردة فهي من اجتهادنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.