في جلسته برئاسة البروفيسور كامل إدريس .. مجلس الوزراء يُناقش جملة من القضايا    المريخ يهزم الثغر بدوري بورتسودان    سؤال إلى الأمن الاقتصادي بجهاز المخابرات العامة    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    المريخ كسلا يحدد موعد جمعيته العمومية    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    جوادريولا يفقد البوصلة وارتيتا يفعل بند الفوز بأي ثمن    سلاح المهندسين يسلم إدارة المتاحف والآثار مقتنيات تاريخية وكنوزا أثرية نهبتها مليشيا آل دقلو المتمردة وتم استردادها    عدوان وثأر، بين رائعين وأشرار !!    الصادق الرزيقي يكتب: الخلاف بين موسى هلال وحميدتي لماذا وكيف (3)    هري بورتور    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (شاهد يحسم)    هجوم مسلّح في جنوب السودان    مجلس الوزراء يُجيز الخطة الخمسية لحكومة الأمل 2026 – 2030م    الناطق الرسمي للقوات الخاصة يكشف تعليمات بشأن التصوير    صاحب لقطة شهيرة مع مورينيو.. من هو ساكرامنتو مساعد محمد وهبي مدرب المغرب الجديد؟    الصحة تحذر : الفيلر والبوتكس والخيوط تجرى تحت إشراف استشاري    اكتشاف 37 بروتينًا لإبطاء الشيخوخة لدى المُعمرين    بسبب الأعلى مشاهدة.. حرب باردة بين عمرو سعد والمخرج محمد سامي    أربيلوا يعترف : الأجواء في ريال مدريد "ليست إيجابية"    خلايا الأسنان اللبنية تُعالج الشلل الدماغي    عثمان ميرغني يكتب: أين أخطأت إيران؟    شاهد بالفيديو.. أغرب قصة يمكن سماعها.. سيدة سودانية تقع في غرام شاب بعد نزوحها من الخرطوم وقبل الإرتباط به اكتشفت أنه إبنها    شاهد بالفيديو.. لماذا تدعم الإمارات مليشيا الدعم السريع؟ إعلامي مصري شهير يكشف الأسباب!!    بالصورة.. بعد أن أذاقها مرارة الظلم والإتهامات.. شاهد أول تصريح من الفنانة إيمان الشريف بعد إلقاء القبض على التيكتوكر "بارود" وإيداعه في السجن    شاهد بالصورة والفيديو.. جنود بالجيش السوداني يصنعون "العصيدة" بنفس حماسهم في القتال    بالصورة.. التمديد للجنة تسيير المريخ بقيادة مجاهد سهل لعام آخر واضافة أسطورة النادي للقائمة    التربح من تيك توك بين الحلال والحرام.. علي جمعة يوضح    روسيا تدق ناقوس الخطر: حرب إيران قد تدمر الاستقرار العالمي    تحركات ملحوظة في سعر الريال السعودي    البرهان يمتدح الأدوار العظيمة للقيادة الجوالة في تعزيز انتصارات حرب الكرامة    بعثة نادي الهلال تتوجه للمغرب لمواجهة نهضة بركان    هند صبري: دوري في "مناعة" يحمل مناطق رمادية وتناقضات إنسانية    عاجل.. قطر تعلن عن تهديد وتطالب المواطنين بالبقاء في المنازل    الدولار يواصل الصعود والذهب يرتفع    دراسة : التعرض لضجيج المرور ولو ليلة واحدة يضر بالقلب    بودرة التلك تُسبّب سرطانات الرئة والمبيض    (60) مليار دولار خسائر القطاع الصناعي في السودان جراء الحرب    بيان مهم للطاقة في السودان بشأن الوقود    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    الحرب الإيرانية وارتداداتها المحتملة على السودان    هلال كوستي يواصل تألقه الثقافي في ليالي رمضان.. وأغاني الغربة والحنين تشعل دار النادي    تواصل ارتفاع اسعار محصول الذرة بالقضارف    تعطيل الشحن..أسعار النفط تقفز إلى مستويات عالية    وزير الصحة يشيد بجهود الصليب الأحمر في دعم الخدمات الطبية بالسودان    "شركات الفكة" في الواجهة... اتهامات بتجاوزات في تصاديق استيراد الوقود بالسودان    فرق الإنقاذ البري بقوات الدفاع المدني ولاية الجزيرة تنتشل جثماناً من بئر بمستشفى الكلي في أبو عشر بعد عملية دقيقة معقدة    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    السودان.. مباحث مكافحة سرقة السيارات تطلق تحذيرًا    جديد واقعة بدلة الرقص في مصر.. أقوال الفتاة وإحالة المتهمين للجنايات    بالصورة.. الفنان مأمون سوار الدهب يكتب عن علاقته بشيخ الأمين ويتحدث عن الصورة المثيرة لشيخه مع المطربة هدى عربي    ألقت رضيعها بالقمامة فنهشته الكلاب أمامها…جريمة تشغل الليبيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبدالناصر لكأنك ملفوف بوشاح بلادك آت توا من حطين
نشر في الراكوبة يوم 29 - 09 - 2011


- جريدة الاحداث
[email protected]
هل كان انور السادات محقا عندما وصف نفسه و جمال عبدالناصر بانهما اخر الفراعنة وان الدساتير محض اوراق لم توضع لاجلهما انما لمن يأتي خلفهما لانهم على حد تعبير السادات في حديثه مع الكاتب الصحفي احمد بهاء الدين الذي نشرها في كتابه \"محاوراتي مع السادات\" بانه عندما اكثر في مجادلة السادات بشأن وثيقة الدستور وضع السادات حدا حاسما للمجادلة بطريقة اثارت دهشة بهاء الدين قائلا\" يااحمد انا وعبدالناصر اخر الفراعنة و الدستور ده مش لينا ده لليجي بعدينا لانهم سيكونون ناس عاديين علي وعمر وغيرهم يحتاجون للورق ده عشان يمشوا شغلهم\".
ربما فالشعب استقيظ على حاكم بلون طمي النيل تميز بقامة مديدة تشبه (هرقل) او (هيركليز) بالاساطير الاغريقية الرجل الذي صار تجسيدا لحلم امة بعد ان استحال من رمز عادي لبطل ملحمي . فأحبته الجماهير , واحتضنت بدفء صورته , حتى في الأقطار التي لم يكن له عليها من سلطان , بل ربما كان نظامها السياسي يحاربه بطريقة أو أخرى كالسعودية التي تآذى ملكها فيصل كثيرا من اندفاع جماهير شعبه لمصافحة عبدالناصر عند زيارته جدة في منتصف الستينات .
لان عبدالناصر عبّر بصدق عن هوية الوطن الصغير , وعبّر بإيمان عن هوية الأمة الكبيرة،وتحول إلى رمز للحركة الوطنية المعاصرة , والذي رأت الجماهير في صورته ,صورتها، ويرى الكاتب الإنجليزى جون جونتر :\" إن مصدر قوة عبد الناصر الرئيسى هو أنه يرمز إلى تحرير وتقدم الجماهير ، فقد أعطى شعبه ما لم يكن يملكه هذا الشعب من قبل : الأمل\".
فالرجل الذي ولد من صبرها ومن حلو ايامها ومرها وقمحها وارضها ونيلها ونخيلها , ويشبهها , تقدم ليقودها ويلوح هذا الامل جليا في اشعار صلاح جاهين والابنودي واحمد فؤاد نجم ونزار قباني ومحمود درويش وسميح القاسم و مظفر النواب ومحمد مفتاح الفيتوري وغيرهم وفي الحان بليغ والموجي والطويل وفي اغنيات ام كلثوم وعبدالحليم ومحمد وردي ومارسيل خليفة وسواهم .
حتى عندما مات رثاه الشعراء كما ينبغي للعظماء من الابطال الملحميين فنجد الفيتورى على سبيل المثال ينشد \"لكأنك ملفوف بوشاح بلادك آت توا من حطين وكأنك أرهقت فنمت لتصحو بعد سنين أو أنت عرابى الواقف تحت الراية ذو الصوت الآمر أو أنت الراية يا عبد الناصر؟ أو أنت الثورة والشعب الثائر؟\".
ويقول ايضا \"يا من يتجسد وهو شموخ، فى قلب المأساة ياعطر الأيام الحبلى بعذابات التكوين يا من هو كل المهمومين وكل المظلومين إنى أصغى لصدى خطواتك فى أرض فلسطين أو أنت القادم عند الفجر فى أرض فلسطين؟! عليك سلام الله.. عليك سلام الله\".
(1)
يقال ان احد اسرار جاذبية جمال عبدالناصر انه اتي في الزمن الصحيح ظهر حيثما طلبه الناس ووقف حيثما ارادوه ان يقف وبدا الرجل منحازا على الدوام للطبقات الفقيرة التي خرج من ثناياها وفي احدى خطاباته يقول ساخرا من دعاوى البعض بان الفقراء سيرثون الجنة ويتساءل \"والفقراء دول ما لهمش نصيب في الدنيا نصيبهم بس في الاخرة\".
فالفقراء كانوا في عصب الرجل وتحت ناظريه ولعل ابلغ دليل قانون الاصلاح الزراعي الذي سمح للمرة الاولى في تاريخ مصر الحديثة والقديمة ان يحوز الفلاح ارضه وفي فيلم \"المواطن مصري\" الذي جسده بطولته على الشاشة الفضية النجم العالمي عمرالشريف وعزت العلايلي وصفية العمري يظهر العلايلي في لقطة مصورة مع الرئيس عبدالناصر يقوم بمنحه صك ملكية ارضه ويعلق على الصورة قائلا\" عبدالناصر اداني الارض وكأنوا بيقولي حافظ عليها ولا افرط فيها مهما حصل\". وتشهد على قوة صلة الرجل بجماهير شعبه وامته الاستفتاء غير المسبوق الذي رسمته خطى الجماهير في عدة مناسبات ابرزها وهجا ما تبدى في العدوان الثلاثي في 1956م وفي خطاب التنحي عقب نكسة 1967م واخيرا عند رحيله الى الدارالاخرة في 28 سبتمبر 1970م.
وكان يعمل اكثر من (18) ساعة يوميا وهنالك امران عجز كل الاطباء الذين اشرفوا على علاجه من الامراض التي انهكت جسده ابتداء بالسكر وانتهاء بالقلب وهما تقليل ساعات العمل والتخلي عن التدخين وكان يقول عندما يطلبون منه ذلك انه يحس كلما اراد اطفاء سجارته الاخيرة كأنه يودع صديقا عزيزا على قلبه.
اما ساعات العمل فكما يروي محمد حسنين هيكل في كتابه الموسوم \"الانفجار\" ان صلة عبدالناصر بالجماهير كان اشبه ب(الاعراض المتلازمة) وان عبدالناصر كثيرا مايعود من لقاءاته الجماهيرية وقد امتلأت عينيه بالدموع من شدة التأثر وكان يردد بانه يشعر كأنه يذوب وان كلما قدمه قليل ازاء ما تنظره الجماهير منه. لقد كان يعمل كثيرا ولاينام قبل الثانية صباحا. كل ذلك كان من اجل الاخرين سأله \"سيروس سولز برجر\" مراسل \"النيويورك تايمز\" في مارس 1969م عن الامنية التي يود ان تتحقق بعد 25 عاما فيجيب \"ليست لي امنية شخصية وليس لي شأن شخصي ولا حياة شخصية\".
وقال ايضا :\" لقد قضيت الأيام الأخيرة كلها أفكر ، وكنت بمشاعرى مع شعبنا العظيم فى كل مكان ، فى القرى وفى المصانع ، وفى الجامعات وفى المعامل ، وفى المواقع الأمامية فى خط النار المواجهة للعدو مع جنودنا وفى البيوت الصغيرة المضيئة بالأمل فى مستقبل أفضل ، كنت مع هؤلاء جميعا ، مع الفلاحين ومع العمال والمثقفين والضباط والجنود ، أحاول أن اتحسس وأن أتتفاعل بفكرى مع فكرهم ، كانت أصابعى على نبض هذه الأمة صانعة الحضارة ، صانعة التاريخ ، صانعة المستقبل ، وكانت أذناى على دقات قلبها الذى ينبض دائما بالحق والخير والسلام . \"
(2)
صلته بالسودان بدأت منذ وقت طويل من وصوله السلطة وبالتحديد فى عام ١٩٣٩ عندما طلب جمال عبد الناصر نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم و بالتحديد في حامية الجيش المصري فى جبل الأولياء، وهناك قابل زكريا محيى الدين وعبد الحكيم عامر و بدأ التخطيط لفكرة تنظيم الضباط الاحرار فيها كما ذكر العديد من رفاقه في التنظيم، ومن الطرائف ان الرصاصات التي أطلقت عليه في الاسكندرية عند محاولة اغتياله في 1954م كادت ان تصيب وزير الري السوداني المهندس ميرغني حمزة الذي صادف حضور الاحتفال .
ويروي شهود عيان من معاصريه اوان خدمته بحامية الجيش المصري بجبل اوليا بأن عبدالناصر كان وثيق الصلة بمواطني المنطقة وكان يقوم بجلب الحطب الى احد خلاوى القرآن القريبة من الحامية.
وبعد وصوله الى السلطة عارض عبدالناصر ضم السودان بالقوة إلى مصر، ويرى محمد فائق وزير الاعلام في عهد عبدالناصر ان بالرغم من سعى مصر للوحدة مع السودان وبذلها كل المستطاع لتحقيق ذلك إلا أن إصرار السودانيين على الاستقلال جعل عبد الناصر يوافق ، وتكون مصر أول الدول التى تعترف باستقلال السودان، وكما يقول فائق كان لهذا القرار أثر هائل على صورة مصر فى أفريقيا لأنها رفضت حق الفتح ومنحت السودانيين حقهم فى تقرير مصيرهم، كما قرر عبد الناصر استمرار عمل المؤسسات التعليمية والثقافية المصرية فى السودان، كما ترك أسلحة الجيش المصرى هدية للجيش السودانى.
و بعد نكسة 1967 تم نقل الكلية الحربية إلى الخرطوم وأنشأت القيادة المصرية مطاراً هناك، وهو ما يعني أن السودان ظل هو العمق الاستراتيجي لأمن مصر. وقد اشتركت كتائب الجيش السوداني بفعالية في حرب الاستنزاف وفي اكتوبر 1973م .
وتعتبر زيارة عبدالناصر للخرطوم في 29 اغسطس 1967م احدى العلامات المائزة في مسيرة عبدالناصر فالزيارة تجئ بعد اقل من ثلاثة اشهر من نكسة يونيو 1967م كما مثلت اول اختبار عملي لعبدالناصر خارج نطاق سلطة دولته وكان اعدائه وانصاره معا قد اعدوا العدة لينظروا كيف سيتم استقباله من جماهير امته بعد الهزيمة المروعة.
لكن الجماهير السودانية قلبت المشهد رأسا على عقب وجرى استقبال الرجل استقبالا اسطوريا قل نظيره وكادت الجماهير المدفوعة بصدقها ووعيها ان ترفع السيارة التي اقلته من مطار الخرطوم الى مقر اقامته بفندق \"السودان\" من الارض من شدة تدافعه نحو موكبه وكانت مراسم الاستقبال الحدث الابرز لمؤتمر القمة العربية الذي كني فيما بعد بمؤتمر اللاءات الثلاثة (لاللصلح، لا للتفاوض، وللاعتراف) وبلغ الحدث شأوا عظيما ان جعلته مجلة \"نيوزويك\" الامريكية الشهيرة على صدر غلافها وعلقت عليه قائلة \"انها المرة الاولى في التاريخ التي يستقبل فيها قائد مهزوم باكاليل الغار من جماهير امته\".
واهدت الحادثة لعبدالناصر موقفا متميزا في كواليس القمة مقابل المواقف العسكرية المهتزة لجيشه الذي مني بهزيمة مذلة على يد جيش الدفاع الاسرائيلي واعطى ماحدث شكلا جديدا للمقاومة في مواجهة موجات الانكسار النفسي للشارع العربي تلك الايام .
وعلى هامش الزيارة تحقق نجاح اخر لعبدالناصر اذ تمكن رئيس وزراء السودان محمد احمد محجوب من وضع خارطة الطريقة للمصالحة بين عبدالناصر والملك فيصل وافلح المحجوب في جمع الرجلين في جلسة (قهوة) تحت شجرة المانجو الشهيرة في صحن منزله بالخرطوم (2) منهيا قطيعة امتدت لسنوات طوال.
ومن القصص الطريفة التي تروى عن صلة عبدالناصر بالسودان، يحكي الفنان عبدالكريم الكابلي انه غنى في حفل على خشبة المسرح القومي بامدرمان على شرف زيارة عبدالناصر للخرطوم وبالحفل شدا الكابلي باغنية تقول مطلعها \"قم صلاح الدين واشهد بعثنا في لقاء القائد المنتصر.. شعبنا الاسمر من فرحته يزرع الدرب بحب اخضر\" وفي احدى مقاطع الاغنية يقول \"انت ياناصر في ارضي هنا ليست بالضيف ولا المغترب\" فماكان من اللواء طلعت فريد احد رجال عهد عبود الا ان استدعاه وعنفه بقوله \" تقول ليهو انت ياناصر في ارضي هنا ليست بالضيف ولا المغترب ليه؟ انت ناصر ده اصلوا جعلي ولا دنقلاوي؟.
(3)
حرص عبدالناصر على ابعاد عشيرته الاقربين عن السلطة ومباجها التي تفتحت اعينهم عليها بعد الثورة وعلى سبيل المثال عرض المليونير المعروف عبد اللطيف أبورجيلة على والد جمال عبد الناصر أن يعينه بمرتب كبير عضواً في مجلس إدارة إحدى شركاته للأوتوبيس، ولما علم عبد الناصر بهذا العرض قال لوالده: يا والدي دول عايزينك عضو مجلس إدارة.. إزاي وإنت راجل بتاع بوستة وتلغراف؟! دول عايزين يشتروني من خلالك.. ورفض الرئيس هذا العرض كما رفضه والده عبد الناصر حسين.
وقد قال جمال عبد الناصر لشقيقه شوقي: “أنا ما عنديش مانع أن مستواكم المادي ينمو ويتحسّن، بس مع نمو المستوى الاقتصادي للبلد كلها، وبشرط أن تعتمدوا على أنفسكم.. يعني الناس كلها مستواها ينمو وإنتم كمان مستواكم يتحسن علشان إنتم مش مميزين عن بقية الناس.. وبصراحة شديدة لو حد منكم فكر إنه يستغل اسمي أنا مش حاأرحمه".
وفي حضور عبد الناصر وجميع الاخوة وحديث عن المصاهرة والزواج للعائلة قال لهم جمال : “أنا ما عنديش مانع تناسبوا أي شخص بس بشرط ما يكونش إقطاعي ولا مفروض عليه الحراسة ولا من الأسماء الرنانة.. دي محظورات ثلاثة أرجوكم أن تفهموها كويس".
في العام 1968 قررت العائلة إتمام زواج الأخت غير الشقيقة لجمال عبد الناصر، وقد حضروا إلى منشية البكري لإبلاغه بالموعد المقترح ودعوته للمشاركة في هذه المناسبة، فكان رد الرئيس: “ مبروك على هذه الزيجة.. بس أنا مش حأقدر أحضر الحفل في الوقت اللي فيه شهيد في كل بيت مصري"، وطلب منهم ان يكون الفرح على أضيق نطاق، وكان والده يستخدم المواصلات العادية في تنقلاته حتى العام 1958 حيث اشترى له ابنه الرئيس سيارة صغيرة بالتقسيط.
ويقول احد رجال المخابرات الامريكية \"الممل في عبدالناصر كونه لاعيب فيه فلا تستطيع شرائه او اغرائه اوتهديده. كنا نبغضه من الصميم، لكننا لم نكن نقوى على ايذائه لانه كان نظيفا جدا\".
وقد بعث اليه الرئيس الامريكي ايزنهاور بمبلغ (30) مليون دولار بحجة ان الرئيس يحتاج الى اموال خارج الميزانية لتسيير بعض الامور. وفكر عبدالناصر في رفض الاموال لكنه اعاد التفكير مرة اخرى وقبل المبلغ وبعث بحسن التهامي احد الضباط الاحرار لاستلام المبلغ من السفير الامريكي بالقاهرة الغريب ان التهامي تشاجر مع السفير لانه وجد المبلغ ناقص (15) دولار.
المهم ان عبدالناصر رأى توظيف المبلغ في بناء برج القاهرة الماثل حاليا ليكون عبرة للاستخبارات الامريكية انهم لايستطيعون شراء اي شخص.
(4)
وتظل عمليات التعذيب بالسجون والمعتقلات نقطة سوداء الذي صبغت عصرا بكامله ورسمت على حنياها رتوشا سوداء وهناك أفلام عبرت عن هذا الحقبة المظلمة الظالمة، وإن لم تذكر الأسماء صراحة، مثل فيلم \"البريء\"، وفيلم \"الكرنك\". وهناك أفلام عبرت عن هذا الحقبة المظلمة الظالمة، وإن لم تذكر الأسماء صراحة، مثل فيلم \"البريء\"، وفيلم \"الكرنك\". و\"احنا بتوع الاتوبيس \" وقد وقع التعذيب في معظم الاحيان على الشيوعيون والاخوان المسلمين وقد غفر الكثيرون من الشيوعيين لعبدالناصر مافعله بهم على النقيض تماما من الاخوان الذين اكتست قلوبهم بالاحقاد على الرجل وعهد وقد بلغت مبلغا رفض حتى المشاركة في الصلاة عليه وفي هذا يروي الدكتور يوسف القرضاوي قائلا في مذكراته \"جاء التوجيه في قطر إلى خطباء المساجد أن يصلوا صلاة الجنازة -صلاة الغائب- على عبد الناصر، وفي جامع الشيوخ (الجامع الكبير) وقف المصلون جميعا خلف الإمام ليصلوا ما عدا واحدا، رفض القيام والمشاركة في الصلاة، هو أخونا الكريم الشيخ مصطفى جبر رحمه الله، قال: أنا لا أصلي على ظالم وطاغية! وكان الشيخ مصطفى موظفا في وزارة التربية. فأمر وزيرها الشيخ قاسم بن حمد آل ثاني رحمه الله حين بلغه ذلك بإيقافه عن العمل! وقد توسطنا له عند الوزير، فرفع عنه العقوبة\".
ويغالي كارهو الرجل بالدرجة التي يرون ثورته انها كانت وبالا على مصر والعرب، وعهده كان شرا وبلاء على المصريين والعرب والمسلمين. و هؤلاء يتمنون كما يقول – القرضاوي- العودة إلى عهد الملكية قائلين: إن عهد الملك فاروق -على ما كان به من فساد وانحراف- لم ترتكب فيه من المظالم والشرور ما ارتكب في عهد عبد الناصر.
و مهما حاولنا في الدفاع عن عصرعبد الناصر لكننا لا نستطيع انكار ان بعض عصره اصطبغ بالخوف وسادت الوحشة بين جموع المعارضين وطارت القلوب هلعا من مفاجآت «زوار الفجر» وهو اللقب الذي أطلق على رجال المخابرات ومباحث أمن الدولة آنذاك حيث كانت الاعتقالات والمداهمات تجري في ساعات الفجر الاولى. وساهمت حملات التعذيب في السجون والمعتقلات في صنع حالة من اللامبالاة بين الناس وأصبح شعارهم «مفيش فايدة» على حد تعبير الزعيم المصري الشهير سعد زغلول. ويروي مصطفى امين في كتابه \"سنة ثانية سجن\" مشهدا شديد القساوة لشاب يجره جلاده بسلسلة من رقبته ويتجول داخل الزنزانة على اربع كالبهائم وكيف تبول الشاب على نفسه من وطأة التعذيب وعندما استبد به العطش من فرط التعذيب حاول الارتماء على الارض ليشرب بقايا ماتناثر من بوله على ارضية الزنزانة لكن جلاده منعه حتى من ذلك.
وقد لخص الروائي العالمي نجيب محفوظ في رواية «أولاد حارتنا» شيئا من تلك الصورة اذا يقول في بعض ثنايا روايته عندما استبد الظلم بالحارة وغاب العدل «ولجأ الاقوياء الى الارهاب والضعفاء الى التسول والجميع الى المخدرات». وهذا في نظر الكثيرون مهد الى الهزيمة النكراء في 1967م وانها اصطنعت من الداخل ولم تأت من الخارج . بل يذهب البعض في طريق أشد وعورة من هذا اذ يقولون بأن الهزيمة ساهمت في كسر الظلم وكفت ايدي أصحاب السلطة والصولجان عن أذى الناس!!.
بعد أن بلغ الذل بالمعارضين والذين تجرأوا على قول « لا» بطريقة لم يسبق لها مثيل. ولعل أبلغ دليل ماقيل عن أن الشيخ محمد متولي الشعراوي سجد لله شكرا بعد النكسة .
وكما اصطنع الظلم الهزيمة أنتج التكفير فالثابت أن النواة الاولى للجماعات التكفيرية تشكلت داخل السجون والمعتقلات فالاخوان المسلمون الذين ناصبهم نظام الحكم العداء بدأوا يفكرون أن حاكما يعذب بتلك الطريقة لايمكن أن يكون مسلما بل كافرا وجب قتاله وفي تلك الاجواء أسس شكري مصطفى وهو أحد كوادر الاخوان ماعرف ب»جماعة التكفير والهجرة» والتي نفذت عملية خطف الشيخ الذهبي وقتله بعد حين، ومن جماعته افرخت كل الجماعات المتطرفة على طريقة «الاميبا» لاتموت ولا تتوقف عن الانقسام وإحداها وتسمى «الناجون من النار» خرجت مجموعة خالد الاسلامبولي التي نفذت عملية اغتيال الرئيس السادات في يعرف ب\"حادثة المنصة\" في 6 اكتوبر1981م.
ولعل اصلح مايمكن ان يلخص به عصر عبدالناصر مقالة لكاتب الصحفي رشاد كامل صدر بها احدى كتبه \"الى ثورة يوليو بكل مافعلته لنا وبكل مافعلته بنا\".
ولعل الاخطاء ضريبة الامم التي تريد التقدم لكن ان تعلمت من اخطائها كما يؤكد عبدالناصر نفسه في جزء مجهول لايبث من خطاب التنحي \"ان الالام العظيمة تبني امما عظيمة اذا وعت وتعلمت. ان نارالمحنة لاتحرقها انما تساعد على نضوجها. والصدمة لا تحطمها لكن تكسر اغلالها وتحررها ومن وسط الظلام الكثيف ينبثق شعاع الامل\". \"ايها الاخوة المواطنون فلنفتح صدورنا لشعاع الامل ولتكن ثقتنا في النفس غير مترددة فان الثقة في النفس على الحق هي الثقة بالله صاحب كل حق وناصره و ليكن رضا الله رحمة تحيط بكل شهدائنا لتكن روحه القدسية عزما يشد عزم ابطالنا ولتكن لنا من لدنه شجاعة العقل وشجاعة القلب لنقرر ما لابد ان نقرره ونتحمل ما لا بد ان نتحمله\".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.