تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لقد جاء شيئاً إدَّا : حواشي المغرِّدين على أثافي غازي صلاح الدين
نشر في الراكوبة يوم 10 - 06 - 2013

أعترف أنني ظللت في حيرة من أمري مع الدكتور غازي صلاح الدين منذ أن سطع نجمه في سماء الإنقاذ، ومصدر حيرتي ليس فكره، ولا نشاطه السياسي، ولا تصريحاته النارية يوم أن كان ناطقاً رسمياً للحكومة أيام عتوَّها، مصدر حيرتي هو ذلك التعبير في وجه الرجل، ثمة صرامة في الوجه تقرب من الغضب إن لم نقل القسوة، ونظرة حادة تشعرك أنك متهم، وأنه القاضي وأن لا منجاة لك اليوم! مع أنه جاء في الحديث الشريف (وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة) ولكن كم من الأحاديث الشريفة ركلها رجال الإنقاذ،وتلك قصة أخرى.
في يوم 19/9/2013 نشر الدكتور غازي صلاح الدين مقالاً حسن المظهر، سيئ المخبر، تماماً كالمؤتمر الوطني التي يمثل هو أحد قادته. لبس الدكتور مسوح الحكماء وكبار السياسيين المخضرمين (بينما بقى وجهه الصارم على حاله) وأرسل نصائحه ذات اليمين وذات الشمال بمناسبة تصريح رئيسنا المفدّى بأنه زاهد في السلطة (أي والله..) ولا ينوي الترشح لولاية ثالثة. صاغ الدكتور غازي مقاله بحذرٍ شديد، متذكراً مصير (قوش)، وأن الليالي من الإنقاذ حبالى (بالحلال وعلى سنة رسول الله). تذكر ذلك فألقى، بحذر، حجارته في بركة المؤتمر الوطني الآسنة، مما أثار حفيظة الكثيرين، من داخل (حظيرة) الإنقاذ ومن خارجها.
يقول دكتور غازي: (والآن يسود السودان وضع مشابه لسابقة عصر نميري في السبعينات والثمانينات.. وقد فاقم تلك الحالة مفاجأة رئيس الجمهورية للطبقة السياسية المسترخية بإعلان نيته عدم الترشح لرئاسة أخرى.. يقول (فاجأ) بمعنى أنه لا الرئيس ولا الطبقة السياسية المسترضية كانا يتوقعان عدم الترشح لولاية ثالثة، وهي (مفاجأة) قد تسر البعض وتسوء آخرين،وتلك سنة الله في خلقه أقول كفى بالنظام إزدراءً أن يشبهه أحد قادته بعهد النميري، إن مجرد تشبيه الوضع الحالي في السودان بالوضع في عهد النميري في السبعينات والثمانيات فيه إدانة كافية لعهد افتتحه غازي وصحبه (الأبرار)، ببيوت الأشباح ، والتمكين ، والرغبة في إعادة صياغة المجتمع السوداني، ومازال العرض مستمراً حتى بعد أن انفض السامر واستبعد الزعيم، غير أن (الأفعال أعلى صوتاً من الأقوال)، ذلك أن الوضع الحالي أسوأ بما لا يقارن من عهد النميري، وليس (شبيهاً به) فقط. لقد تقلّب د. غازي في مناصب حزبية وتنفيذية وشورية، ولم نشهد له إنجازاً يقيه، أو يقى عهد المؤتمر بفرعيه (وطني وشعبي) من التشبيه بعهد النميري، فكيف إذا جاء بالتشبيه (شاهد من أهلها .) ؟ يقول د. غازي: (كانت السياسة في السودان- ولاتزال- تبنى على الشخصيات أكثر من أن تبنى على النظم والتقاليد والمؤسسات) . نحمد للدكتور عودة وعيه أخيراً، فقد لبث مع جماعة الترابي لست وثلاثين عاماً (من 1964 إلى 2000م عام المفاصلة الشهيرة) ولبث مع البشير أربعاً وعشرين عاماً، دون أن (يفطن) إلى أن سياسة الزعيمين (الترابي والبشير) بنيت على شخصيتهما، ولم تُبْنَ (على النظم والتقاليد والمؤسسات) فما الذي أعاد إليه وعيه فجأة، بعد إعلان الرئيس عدم رغبته في فترة رئاسية ثالثة؟ الإجابة تكمن - والله تعالى أعلم- في أن الدكتور ربما كان يبيت النية للترشح للرئاسة، ولم لا؟ فهو دكتور، وهو (غاز)، وهو صارم القسمات شأن رؤساء الأنظمة الشمولية، وهو قد تقلّب في السياسة ردحاً من الزمن (منذ أن كان طالباً يافعاً بالجامعة)، كما قال، وهو من (أعلام الموقعين) على مذكرة العشرة، وهو يأكل طعام معاوية ويصلي خلف علي، وهو كان على وشك الانضمام لفصيل الترابي قبل تكوين المؤتمر الشعبي متردداً بين الطعام والصلاة، لولا أن أعشى بصره شعاع السلطة.. هذه هي مؤهلات ودوافع الرجل، فكان لابد أن ينتفض وهو يرى مفاجأة الرئيس بيضاء تسر الناظرين، وأن الرئاسة القادمة في صحن الدار، بينما غريمه (الحوار الذي غلب شيخه) يتربص بالمنصب تحت سمع وبصر نافع وعبد الرحيم (as stakeholders).
أما ثالثة الأثافي فهي وصف الدكتور عملية الاستخلاف الرئاسية بأنها (عملية محدودة الرؤى والخيارات)، مما جعله يرى فيها (تكراراً مملاً لذات الوجوه وذات السادة .) أكاد لا أصدق! هذه عودة وعي أخرى لقد ظل الشيخ الترابي على سدة جبهة الميثاق الإسلامي، بتنويعاتها المختلفة حتى (المؤتمر الشعبي) لتسع وأربعين عاماً حسوماً- ولايزال- ولكن دكتور غازي لم يَرَ في ذلك (تكراراً مملاً لذات الوجه وذات السيّد)، إلا عندما برق بارق الرئاسة وقال (هيت لك)، فعاد إليه وعيه بقدرة قادر و(فطن) إلى (التكرار الممل لذات الوجوه وذات السادة). وللإنصاف نقول ما كان لغازي أن (يفطن) لذلك الملال والتكرار، فهذه سمة سودانية- وإن شئت عربية- أصيلة، فكم من رؤساء الأحزاب السودانية (نجا) من التكرار الممل للفترات الرئاسية، يميناً ويساراً، الإمام الهادي حتى لقي حتفه، والحبيب الإمام الصادق المهدي وهو على أبواب الثمانين لديه رئاسة الحزب فقط، أما رئاسة الوزراء (فلو وجدها لما قال لا)، والميرغني مايزال صامداً دون حاجة لمؤتمرات تعيد انتخابه، والنميري حتى أُنتزعت منه انتزاعاً، وما انفك يحلم بها حتى فقد ذاكرته والترابي يغير مسمى الحزب خمس مرات ولايتزحزح قيد أنملة عن سدة الرئاسة، وعبد الخالق حتى استشهد، ومحمد إبراهيم نقد حتى انتقاله إلى (الرفيق) الأعلى... كيف فات كل ذلك على الدكتور غازي؟ رابعة الأثافي أن دكتور غازي (يفكر من داخل الصندوق) كما تقول الفرنجة.
لقد فات على فطنته، وعلى وعيه العائد مؤخراً، أن الأمر ظل شورى بينهم، وليس بين السودانيين بمختلف أطيافهم. وبالنسبة لغمار الناس من أمثالنا، فلا يهمنا من يكون الرئيس القادم مادامت الشُّورة - وليس الشورى- لم تشملنا، وما دام الرئيس القادم، سواء كان البشير (إذا صدقنا تحليل ثروت قاسم القائل بأن البشير باقٍ في سدة الرئاسة لما بعد 2020) أو كان أي من المتربصين (ثلاثة قروءٍ أو أكثر) - if you see what i mean- مادام الرئيس القادم سيكون (حُكماً) من الحزب الحاكم، الأمر الذي سيسقط كل دعاوى الدكتور التجديدية من أن (تجديد القيادة يجب أن يستهدف بصدقٍ، وجدٍّ، إجراء أكبر عملية تنقية وتنخيل، (يقصد غربلة) من بين مواهب الأمة ممن يملكون مواهب القيادة). لاحظ قوله: (مواهب الأمة)، وهو بالطبع يقصد (مواهب المؤتمر الوطني) التي خبرناها، تلك هي أمته، أما الأمة السودانية الحقيقية فقد انفصل ثلثها عن الوطن الأم، بينما تستعر الحرب في أكثر من ثلثي ما تبقى منها. والدكتور سيد العارفين أن الأحزاب (الكرتونية) التي (ارتدفها)- كما يقول الصادق المهدي- المؤتمر الوطني خلفه، فهي لا تحل ولا تربط ، وليس بين قادتها (من يملك مقومات القيادة) التي يبحث عنها الدكتور.
أما خامسة الأثافي في مقال الدكتور فهي زعمه (وحيث أننا - كما يرى البعض على الأقل- كنا سباقين إلى ابتدار ثورة الربيع العربي في نهاية القرن الماضي، فمن الواجب علينا أن نلزم أنفسنا بهذا المبدأ، ولا نبعث به تحت أي ظرف. إن هذا أدعى لتأكيد المصداقية) المصداقية قال. المصداقية يا سيدي ذبحت يوم ذهب أحدهما إلى كوبر حبيساً بينما ذهب الآخر للقصر رئيساً. أما
(المبدأ) الذي يتحدث عنه الدكتور غازي، ويدعو (للتمسك به وعدم العبث به تحت أي ظرف) وأكاد أرى وجهه يزداد صرامة، فهو التمسك بالنظام الأساسي لحزب المؤتمر الوطني . مرة أخرى تخون الدكتور فطنته ووعيه العائد، إذا فات عليه أن جماعته إنقلبت على الدستور نفسه (وليس النظام الأساسي لحزب ما) وأخذت الحكم بحد السيف في انقلاب أبيض (لاحظ المفارقة)، وكأنما عزّ عليها بياض الانقلاب (الثورة فيما بعد)، فما كاد ينقضي عام ونيف حتى أزهقت أرواح تسعٍ وعشرين ضابطاً في نهار رمضان، غير أن الدكتور( يرى أن هذا المبدأ الجوهري- مبدأ الاحتكام للنظام الأساسي، أصبح العالم برمته يسلّم به)، على رسلك يا دكتور (فالنظام الأساسي) و(النظام) ذاته ملك لهم ويمكن أن (يعبثوا به) حسب تعبيرك في أي لحظة إذا ما عاد الرئيس عن تصريحه، وما أكثر ما عاد الرئيس عن تصريحاته، بل وعن قراراته، لكن لا ضير فالرجوع للحق (أي للرئاسة في هذه
الحالة) فضيلة، والثورة تراجع ولا تتراجع كما قال سلفه الدكتاتور السابق، لكن الدكتور يطيب له أن يحلم، ولتكن أحلامه أحلام منام لا أحلام يقظة.
أما زعم غازي بأنهم (كانوا سباقين إلى ابتدار ثورة الربيع العربي، فتكذبه حقيقة أن تلك الثورات قامت بها شعوب تلك البلدان، ولم تجئ عن طريق إنقلاب عسكري قُح، زعم في وقت لاحق أنه ثورة ذات توجه حضاري، بالمناسبة أين التوجه الحضاري؟ أم أنه (لِحِقْ) خط هيثرو؟ سادسة الأثافي (تضحك ربات الخدور البواكيا). يدعو الدكتور غازي صلاح الدين العتباني لأن (يكون الترشيح عملية حقيقية، لا صورية)، كأنما ترشيح رئيسنا المفدى في الفترتين الرئاستين السابقتين، كان (حقيقياً لا صورياً)!
أو حتى أن عملية ترشيح النميري (ذاته) كان حقيقية لا صورية.. أين كانت هذه النصائح الثمينة - وأنت شاهد عيان (حتى لا نقول شاهد زور)- في الانتخابات.. كل الانتخابات السابقة، أم أنها (عودة وعي أخرى)؟ سابعة الأثافي تجعلك تطلق ساقيك للريح من هول سذاجتها، أنظر قول الدكتور: (إن مجرد ظهور إسم من يرغب في المنافسة في القائمة الطويلة للمرشحين كفيل بأن يزيل الغبن عنه، وعمّن يرتبطون به).لا يا سيدي فإن مجرد ظهور الاسم في قائمة التنافس لا يزيل غبن المرشحين (الآخرين)، فهم يعرفون سلفاً أن النتيجة محسومة (pre-emptively) حتى قبل أن يبدأ التنافس ذته. إن زعم حرية التنافس هذا يذكرنا بتنافس السباح كيجاب مع النميري أو البشير (لا فرق) في رئاسة الجمهورية! صدقت يا دكتور، ما أشبه الليلة بالبارحة.
من بين تلك الأثافي فقد أعجبني (تخويف) الدكتور للرئيس (ناسياً أن الرئيس جعلي)، فيما لو فكّر في الحكم لفترة أطول، وأعجبني بصفة خاصة أن التخويف صيغ ب (أدب إسلامي رفيع) - لا تنس أن الرجل من قادة الإسلاميين.
قال الدكتور: (وربما حدّق الرئيس في الأفق، ونظر في أقاصيص الزمان، فأدرك أن التاريخ سيكون أرأف به في أحكامه لو أنه أحسن توقيت تنازله. وربما نظر الرئيس إلى أحكام التاريخ على حكام آخرين لم يَعوا دروس الوقت، فاستبرأ من أن يستن بسنتهم .. إلخ). (كذا فليجِل الخطبُ وليفدح الأمر وليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر) كما قال الشاعر.
هذا، ولم نكد نستملح طرفة الدكتور وتخويفه الرئيس حتى (عادت العرجاء لمراحها)، وعاد الرجل إلى أثافيه في نهاية المقال عند حديثه عن (الإصلاح) إذا قال: (إن أمام الرئيس فرصة ليربح التاريخ ويربح الآخرة). أنظر لهذا القول الفادح، أما ربحه للتاريخ فقد خبرنا الرئيس وخبره دكتور غازي لمدة أربع وعشرين عاماً ولم نر غير الخسران المبين، وأما (ربحه للآخرة) فليس من علم الدكتور في شيء ، بالنظر إلى أن (ربح الآخرة) يؤسس له بعمل الدنيا لا بأماني السياسيين وكلنا، بما فينا غازي - على الأقل مؤخراً- يدري (عمايل) الرئيس، وعما إذا كان فيها ما يؤهل ل (ربح الآخرة).
يرى دكتور غازي أن ربح الرئيس للتاريخ وربحه للآخرة رهين بأن يقود الرئيس البلاد فيما تبقى له من ولاية (نحو إصلاح سياسي جذري) ويضيف (لكن أي إصلاح لابد أن يحقق بضعة أهداف ضرورية، من بينها إجماعية (كذا في الأصل) القرار السياسي، المستند إلى إرادة وطنية عامة، وإعادة بناء أدبيات العمل العام وأخلاقياته، وتهيئة مناخ التنافس العادل، وإعادة بناء صيغ الحكم بتحريرها من الانحيازات والعصبيات). يا إلهي ختام مقال الدكتور مسك! هل حدث هذا التدهور فعلاً في السودان تحت ظل حكم إسلامي (رشيد) أكد على رؤوس الأشهاد أن أمريكا (قد دنا عذابها) وأنها وروسيا تحت حذائه؟ بعد ربع قرن كامل، بدأ ب(مجلس الصحابة) كما نعته طارق البشرى، تحتاج البلاد إلى (إصلاح سياسي جذري)؟ خاتمة المقال، خاتمة الأثافي، تلخيص واف وبليغ لما آل إليه الحال في السودان. إن (الأهداف الضرورية للإصلاح) التي إرتآها الدكتور هي أحد وجهي العملة، الوجه الآخر هو الحاجة التي أنشأت تلك الضرورات، وبعبارات آخر:
- لم تكن ثمة (إجماعية) في القرار الرئاسي، ولم يكن يستند إلى إرادة وطنية عامة، مما جعل ذلك أحد ضرورات الإصلاح التي لم يناد بها الدكتور من قبل وقد كان في أروقة السلطة الحزبية والتنفيذية والشورية ردحاً من الزمان، لكن عين الرضا عن كل سخط كليلة.
- إنهيار أدبيات العمل العام وأخلاقياته مما استدعى (إعادة بنائها). كيف يجرؤ الدكتور على هذا الزعم، وأمام مجلس وزراء العصبة المنقذة تقبع لافتة
تقول: (إن لله عباداً اختصهم بقضاء حوائج الناس)؟ من قال إن أدبيات العمل العام وأخلاقياته إنهارت؟ ماتزال التحقيقات جارية في خط هيثرو، ومشروع الجزيرة، وخزان مروي، والنقل النهري، والميكانيكي، والسكة حديد..إلخ وتقارير المراجع العام في الحفظ والصون لمن أراد الاطلاع عليها.
- يقول الدكتور بملء فيه : (لم يكن هناك مناخ للتنافس العادل !) إتق الله يا دكتور فقد جئت شيئاً إدا.. دعني أذكرك بما قبل الإنقاذ، فقد كان هناك تنافس حر وعادل، وفي انتخابات 1986 نال حزبكم عدداً مقدراً من مقاعد البرلمان، ولكنكم لحكمة رأيتموها أنتم دون سواكم، إنقلبتم على الحكم، وسميتم الانقلاب ثورة، وأوجدتم للثورة توجهاً حضارياً، وتعاليتم على خلق الله، وأخذتكم العزة بالحكم فأخذتم بتلابيب الوطن، ونفذتم مشروع التمكين) وعينتم سعداً وعطلتم سعيداً).. ولما استتب لكم الأمر ماجت الأرض تحت أقدامكم، واكتشفتم أن الأمر (يحتاج لإصلاح سياسي جذري.)
- أصبحت صيغ الحكم قائمة على الانحيازات والعصبيات، مما جعلها هدفاً لإعادة البناء)، أما انحياز الحكم لفئة ما، فذلك من المعروف عن الحكم بالضرورة، أياً كان نوع الحكم، على مدار التاريخ وفي ال context) الإسلامي منذ يوم السقيفة حتى اليوم! وأما العصبيات فإن سياسة (أولى لك فأولى) وأن (الدولة الإسلامية لا يبنيها إلا الإسلاميون) التي انتهجتها العصبة المنقذة، فإنها سياسة زعماء القبائل لا رجال دولة في القرن الحادي والعشرين، فإذا كنت- أخي الكريم- من القبائل الثلاث المشهورة فلتنعم بعصبيات العصبة المنقذة، وإن كنت من غيرها، فدونك السلاح، قالها الرئيس ومن بعده نافع.
لقد فات على فطنتك يا دكتور أن تلك (أي الحاجات التي أنشأت ضرورات الإصلاح السياسي الجذري) هي بعض ثمرات النظام (الذي بلوت المر من ثمره،) مؤخراً لحسن حظك، لكن لسان حال غمار الناس يقول ما يحتاج للإصلاح وإعادة البناء كثير، أكثر من أن يحصى.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.