السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    لجنة (الجاز).. المريخ (هوَ اللي بيطلع جاز)..!!    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    المنصوري يتعهد بتقديم الدعم لتنمية الثروة الحيوانية بمحلية الحصاحيصا وجامعة الجزيرة    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    مان سيتي يسرق الفوز من ليفربول    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأستاذ مصطفى البطل يتساءل حول موقف الدكتور محمد محمود 1-2
نشر في الراكوبة يوم 26 - 01 - 2013


[email protected]
سلام يا كرام:
بيني وبين صديقي الأثيري الأثير والكاتب الكبير مصطفى عبد العزيز البطل مجادعات ايميلية متفرقة، سألني في إحداها مؤخراً عن رأيي في مقال صديقي الآخر الدكتور محمد أحمد محمود الذي مجّد فيه ابنتنا الأستاذة نهلة محمود وتصريحاتها عبر القناة البريطانية الرابعة، تلك التي عرفت خلالها نفسها بأنها مسلمة سابقة، وهاجمت فيها الإسلام والشريعة، على حد قوله. وعلق صديقي الأستاذ مصطفى البطل بأنه يرى بأن هذا المقال سيضر بالدكتور محمد محمود ضرراً شديداً. فقد كانت أفكاره من زمان قديم واضحة، ولكنها كانت محصورة في دوائر نخبوية، وحينها ظهرت كطروحات راقية ومحترمة في اطارها الاكاديمي والنخبوي ذاك، ولكن ان ينزل بها الآن إلى الشارع ويمجد ابنتنا الأستاذة نهلة محمود ويشجعها ويصف تصريحاتها بأنها شجاعة، فهذا كلام غير مقبول في هذه الحالة، ويرقى لدرجة المجاهرة بالردة، ويشجع غيره من شباب السودانيين علي الردة عن الاسلام وتحقيره كما فعلت ابنتنا الأستاذة نهلة محمود، فما رأيك؟
وقد أجبته موضحاً رأيي في الرسالة أدناه:
سلام يا أستاذ مصطفى:
وأجيبك بموافقتي على ما تفضلت به من خطورة طرح صديقي الدكتور محمد أحمد محمود لرأيه ورأي ابنتنا الأستاذة نهلة محمود بهذه الطريقة التي تتحدث عنها باعتبارها مسلمة سابقة، وللأسباب التي أوضحاها، لأن فيه إشكالات كثيرة، كنت أتوقع، بل أتمنى، منه أن يعالجها ويجيب عنها جميعها بما أجاب وفصل الأستاذ محمود محمد طه، خاصة وهو مدرك تماماً لأطروحاته المستنيرة التي تجيب على كل ما سبب القلق للأستاذة نهلة، وأفقدها صوابها، ودفعها لأن تصرح بما صرحت، من هول ما سمعت، وما قرأت وخبرت من عنت دعاة الفهم السلفي للإسلام الذي احتوت عليه الشريعة. فقد ذكر لي الدكتور محمد محمود بأنه كان يوماً في سالف عصره جمهورياً ملتزماً للفكرة الجمهورية، ولهذا فأنا لا أشك مطلقاً بأنه يعلم بأن في طرح الأستاذ محمود ما يلبي حاجات إبنتنا الأستاذة نهلة محمود من حفظ لكرامتها وصون لحقوقها كاملة غير منقوصة، ويؤمنها لها تأميناً كاملاً فلا يحوجها لأن تغادر ساحة دينها الاسلامي الرحبة، والتي ليس هناك من سبيل غيرها لتحقيق كرامة البشر، مطلق البشر، من رجال ونساء وأطفال. على أن ذلك لن يكون إلا في مستوى الاسلام العلمي الانساني، في مستوى سنته، وليس في مستوى شريعته، تلك التي اعترضت عليها محقة إبنتنا الأستاذة نهلة محمود. ذلك لأن الشريعة الاسلامية لا تحتوي على الحقوق الكاملة للمرأة العصرية في زماننا هذا، لأنها قد نزلت لتلبي حاجة المسلمين في القرن السابع، فهي بذلك المدخل على الاسلام وليست كلمته الأخيرة. هذا هو ما فصله الأستاذ محمود كثيراً في عشرات الكتب والمحاضرات والمقالات، وفصله كذلك تلاميذه في المئات من الكتب والمقالات والمحاضرات وأركان النقاش، ولا يزالوا يفعلون كلما أتيحت لهم الفرصة، كما أحاول أن أفعل أنا الآن في رسالتي هذه.
فعلى سبيل المثال كتب الأستاذ محمود في كتابه (تطوير شريعة الأحوال الشخصية)، والذي أوصيك وأوصي جميع المهتمين بهذا الموضوع بقراءته على هذه الوصلة:
http://www.alfikra.org/chapter_view_...3&chapter_id=7
يقول الأستاذ محمود:
ثم إن توضيح مقدرة الشريعة الإسلامية على التطور من مستواها السلفي في القرن السابع إلى مستوى مجتمع القرن العشرين، حتى تستوعب حاجاته، وتوجه طاقاته، هو، في ذاته، يكون الدعوة إلى الإسلام وإلى بعث ((لا إله إلا الله)) من جديد، لنأخذ، من مستواها الجديد الذي تبعث فيه، تشريعنا الجديد، الذي يوفق في سياق واحد، بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة.. هذا التشريع هو التشريع الدستوري الذي لم تظفر البشرية به إلى اليوم، وهو، هو، حاجتها.. لأن به دخولها عهد عدلها، ورخائها، وكرامتها، وسلامها.. ومن ههنا تجيء قيمة الإسلام التي لا تجاريه فيها فلسفة اجتماعية من الفلسفات التي يفتن بها المثقفون عندنا الآن.. ومن ههنا أيضا يجيء نظر الإسلام، في حقيقته، لا في شريعته السلفية، إلى المرأة كإنسان، لا كجنس.. قال تعالى: (( ولهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)).. هذا يعني أن لهن من الحقوق بقدر ما عليهن من الواجبات، سواء بسواء.. قوله ((بِالْمَعْرُوفِ)).. يعني ((بِالْمَعْرُوفِ)) ما تواضع عليه المجتمع، في تطوره المستمر نحو كمالاته المبتغاة، بشرط واحد، هو ألا يكون المعروف المتواضع عليه مخلا بغرض من أغراض الدين.. وأغراض الدين جماعها تكريم الإنسان، من رجل وامرأة.. فإذا بلغ تطور المجتمع بالمرأة أن تتولى المناصب الرفيعة بجدارة فإن حقها من الحرية يكون مكافئا لمقدرتها على أداء هذا الواجب الرفيع.. فإذا كانت تؤديه كما يؤديه الرجل فقد اصبح حقها في الحرية مكافئا لحقه فيها.. ذلك لسبب واحد بسيط هو أن واجبها قد كان مكافئا لواجبه.. تكافآ في الواجبات، فأصبح، من مبادئ العدالة، أن يتكافآ في الحقوق - ((الأجر المتساوي للعمل المتساوي)) - كما يقال، في وقتنا الحاضر.. وإن كان ما يقال يقتصر على المكافأة المادية فقط.. ((وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)) لا تعني، بالطبع، أن لمطلق رجل درجة على مطلق امرأة.. هذا يؤكده الواقع المعاش، والسير الموروثة.. وبهذا الفهم ينفتح طريق مساواة الرجال والنساء، في الحقوق، والواجبات، في تشريعنا الإسلامي الجديد.. ولا تقع درجات التفاوت ولا التفاضل إلا في منطقة الأخلاق.. لا في منطقة القانون..
ومضى ليفصل أكثر في هذا بقوله:
ذلك بأن حكمة التشريع تقتضي التدريج.. فإن الناس لا يعيشون في الفراغ.. والمجتمعات لا تقفز عبر الفضاء، وإنما هي تتطور تطورا وئيدا، وعلى مكث.. فوجب على التشريع إذن أن يأخذ في اعتباره طاقة المجتمع على التطور، وحاجته الراهنة فيجدد قديمه، ويرسم خط تطوره، ويحفزه على السير في المراقي.. وهذا ما فعله التشريع الإسلامي.. فإنه قد احتفظ بتعدد الزوجات، ولكنه حصره في أربع، مراعيا، في ذلك، أمرين حكيمين. هما إعزاز المرأة، وحكم الوقت.. فأما حكم الوقت فإنه قد كانت المرأة تعيش في المستوى الذي أسلفنا ذكره، وما كانت إذن لتستطيع أن تمارس حقها في المساواة، بين عشية وضحاها.. وإنما كانت لا بد لها من فترة إنتقال، تتهيأ خلالها لتنزل منزلة عزتها، وكرامتها، كاملة، غير منقوصة.. ومن حكم الوقت أيضا أن كان عدد النساء أكبر من عدد الرجال، وذلك لما تأكل الحروب منهم، فرأى الشارع الحكيم: أنه أن يكن للمرأة ربع رجل، يعفها، ويصونها، ويغذوها، خير من أن تكون متعنسة، بغير رجل.. وكذلك سمح بالتعدد إلى أربع.. فقال: ((فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)) وقال، في موضع آخر: ((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)).. فهو ليصل إلى شريعته هذه المتمشية مع حكم الوقت، تنزل عن أصله، وتجاوز عن العدل التام، وسمح ببعض الميل، فقال: ((فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ..(( مع أنه، لولا حكم الوقت، لم يكن ليسمح إلا بالعدل التام.. وهو، في أصول الدين، لا يتجاوز عن بعض الميل.. وفي أمر المال فإنه أشرك الأنثى في الميراث، ولكنه جعلها على النصف من الرجل، فقال،: ((لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)).. وأدخلها في عدالة الشهادة، ولكنه جعلها على النصف من الرجل أيضا، فقال: ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى)).. إن هذه الشريعة السلفية عادلة، وحكيمة، إذا اعتبر حكم الوقت.. ولكن، يجب أن يكون واضحا، فإنها ليست الكلمة الأخيرة للدين.. وإنما هي تنظيم للمرحلة، يتهيأ بها، وخلال وقتها، المجتمع، برجاله ونسائه، لدخول عهد شريعة الإنسان، ويتخلص من عقابيل شريعة الغابة، خلاصا يكاد يكون تاماً.. ويومئذ تعامل المرأة، في المجتمع، كإنسان.. لا كأنثى.. ذلك هو يوم عزها المدخر لها في أصول الدين..
وقال أيضاً:
بينا أن الشريعة الإسلامية، حيث قامت على آيات الفروع، فقد قامت على عهد الوصاية وهو عهد لا بد أن يكون مرحلياً فإنه، إلا يكن كذلك، تكن آيات الأصول، وهي قمة ديننا منسوخة، وإلى الأبد بآيات الفروع، وهي دونها بما لا يقاس.. ومعنى هذا أن يقدم المفضول على الفاضل، وهذا ما لا يكون لأنه يتنافى مع الحكمة.. فلم يبق إلا أن نسخ الفاضل بالمفضول هو نسخ مؤقت.. والحكمة وراءه إنما هي نقل المجتمع المتخلف، في المراقي، ليستعد ليستأهل آيات الأصول.. وحيث كانت الأمة قاصرة، وكان النبي وصياً حتى على الرجال، فإن الرجال، بدورهم، وعلى قصورهم قد جعلوا أوصياء على النساء.. وذلك لمكان قصورهن الكبير، الذي ورثنه من العهد الجاهلي..
وقال مفصلاً:
والآية التي تقوم عليها وصاية الرجال على النساء، هي آية: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)).. قوله: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء)).. يعني أوصياء عليهن، لهم عليهن حق الطاعة.. السبب؟؟ ((بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ..((.. والفضيلة، ههنا، هي، في المكان الأول، فضيلة جسدية.. هي قوة الساعد، وقوة الاحتمال، والمقدرة على الانتصار في مآزق الحروب، أو مضانك كسب العيش.. فإن الفضائل تختلف اختلافا كبيرا من مجتمع لآخر، فما هو فضيلة في مجتمع بعينه، قد لا يكون فضيلة في مجتمع آخر.. فإنك أنت اليوم في مدينة أم درمان، حيث حكومة القانون قائمة، وحيث رجال الأمن ساهرون، فليس من الفضيلة أن تسير في الشوارع وأنت تحمل سلاحا، سيفا كان، أو حربة، أو بندقية، ابتغاء أن تعتدي على من قد يعتدي عليك.. ولكن الفضيلة في أن تطمئن إلى القانون وأن تحترم القانون فلا تأخذه في يدك، وإنما تحرك دولابه ليقتص هو لك ممن اعتدى عليك.. ثم أن صنيعك هذا الذي اعتبر فضيلة في مدينة أم درمان لا يعتبر فضيلة في بادية الكبابيش، أو في جبال البحر الأحمر، أو في أحراش الجنوب، وإنما تكون الفضيلة في هذه المواطن أن تسير وأنت تحمل من السلاح ما تردع به من عسى تحدثه نفسه بالتعرض لك بالمكروه، أو، على أيسر تقدير، ما ترهبه به.. هذا هو اختلاف الفضيلة بين مجتمع المدينة مثلا ومجتمع الغابة.. وعلى نحو من هذا الأساس تقاس الفضيلة في قوله: ((بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)).. وبسبيل من هذا تجيء المقدرة على كسب الأرزاق، وإحراز الأموال.. ومن ثم: ((وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)).. فكأن المرأة، لمكان ضعفها الجسدي، وضعفها الوظيفي، في معترك الفضيلة فيه، في أغلب الأحيان، لقوة الساعد، ولفرصة الخلو من الموانع التي تعوق الكدح، والسعي، قد أصبحت محتاجة إلى من يغذوها، ومن يحميها.. ومن ثم، فقد اضطرت، فدفعت قسطا كبيرا من حريتها ثمناً تحرز به حمايتها، وغذاءها.. لعمري!! ليس الأمر بهذه الغلظة، ولا هو بهذا الجفاف!! ولكن، لا ضير! فإن ما ذكر يعطي صورة، عن قاعدة التعامل، في بداياتها، على وجه العموم..
يتضح من هذا الاستقراء اليسير، أن قانون الإنسان كلما أديل من قانون الغابة، تصبح المرأة مستغنية عن حماية الرجل.. فلا تكون مضطرة، من أجل الحماية، أن تنزل عن قسط كبير جدا من حريتها كثمن لها.. ذلك بأن الحماية - حماية الرجل، وحماية المرأة - ستحال على القانون، كما رأينا في المثل الذي ضربناه.. ويومئذ تنتقل الفضيلة، من قوة العضل، إلى قوة العقل، وقوة الخلق، ولن يكون حظ المرأة، في هذا الميدان، حظا منقوصا، وإنما هي فيه مؤهلة لتبز كثيراً من الرجال.. وما يقال عن الحماية يقال عن النفقة التي هي سبب القوامة الثاني: ((وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)).. فإنه، في المجتمع الذي تكون فيه الفضيلة لقوة العقل، وقوة الخلق، تتيسر المكاسب للضعاف، كما تتيسر للأقوياء، أو تكاد.. وفي القرآن آية عتيدة، هي أس الرجاء لمستقبل المرأة.. ((وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ))..
ونواصل في الجزء الثاني من المقال.
سلام سلام سلام


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.