"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كلمة في حفل تدشين مذكرات السفير مصطفى مدني كمال الجزولي
نشر في الراكوبة يوم 10 - 02 - 2013


بسم الله
أيها الجمع الكريم
شرف لي، بلا شك، أن أقف أمامكم، في هذه الأمسية، مشاركاً في تدشين مذكرات أستاذي وصديقي سعادة السفير العتيد مصطفى مدني. وقد تَعجبون حين تعلمون أنني، في الحقيقة، ظللت، طوال الثلاثين سنة الماضية، أتحيَّن سانحة كهذي لأقول لهذا الرجل الكبير: شكراً، إنني ممنون لك، لنبلك، وحدبك، وشجاعتك! ولكم وددت، بهذه المناسبة، لو أن صديقينا المشتركين المرحومين حسن النور عثمان، المساعد السابق للأمين العام للجامعة العربية، وسيد احمد الحردلو، السفير السابق بوزارة الخارجية، كانا حاضرين بيننا، الآن، ليسمعاني وأنا أقولها، سوى أن الأعمار بيد الله، ولكل أجل كتاب، عليهما واسع الرحمة، ولهما موفور المغفرة. وموضوع هذا الشكر قصة لعلها من القصص التي أشار صديقي الشاعر والسفير محمد المكي إبراهيم، في مقدمته الضافية للكتاب، إلى أن السيد مصطفى قد استبعدها من مذكراته، كونه يرى في إيرادها نوعاً من المنِّ والأذى لا يليق بالرجل الكريم (ص 19). لكنني أرى أن إيرادها في مثل هذه المناسبات يليق، دون ريب، بمن امتدت إليهم أياديه البيضاء، بل ويتوجب عليهم ذلك من كل بُد.
وأصل الحكاية أننا، المرحوم حسن وشخصي، كنا قد تخصصنا، أوائل سبعينات القرن المنصرم، في القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة كييف. على أن تأهيلنا ذاك لم يشفع لنا حين تدخلت عوامل ذلك الزمان السياسية المعلومة لتحول دون التحاقنا بوزارة الخارجية. فكان أن صارع حسن حتى التحق بالجامعة العربية، أما أنا فقد أخذتها من قصير، والتحقت بسلك المحاماة لمحبتي، أيضاً، لها.
كان السيد مصطفى صديقاً لآل النور عثمان الذين ربطتني بهم، أنا أيضاً، علائق وطيدة بحكم صداقتي بالمرحوم حسن، فالتقينا على مودة صافية تحت سقف عشرتهم الرائقة العبقة، وفي ظلال أخوانياتهم الأم درمانية الهفهافة. وكان السيد مصطفى والمرحوم حسن دائِبَي المراجعة لي، إذا كانا يريان، برغم احترامهما للمحاماة، أن المهنة التي تكافئ المؤهِّل هي حق ينبغي على المرء ألا يتنازل عنه. فما زالا يحثانني حتى تقدمت، أواخر العام1982م أو مطالع العام 1983م، على ما أذكر، بطلب للالتحاق بالجامعة العربية التي أبدت موافقتها المبدئية، لكنها، وكما كنا نتوقع، طلبت استكمال أوراقي بالمستند الوحيد الذي لم يكن ثمة سبيل أمامي إليه، ألا وهو عدم ممانعة حكومة السودان، أو ما يُعرف بال none – objection!
كان السيد مصطفى قد صار، أيامها، وزير دولة بالخارجية، من سنخ الوزراء الذين تحملهم إلى مثل هذه المناصب مهنيَّتهم القحة، وليس ولاؤهم، بالضرورة، للنظام الحاكم. فقام صديقي المرحوم سيد احمد الحاردلو، وكان يشغل وقتها منصب مدير الإدارة العربية في الوزارة، بإعداد المستند المطلوب، وتبقى، قبل توقيع السيد مصطفى، اجتياز عقبة كؤود تمثلت، وقتها، في موافقة جهاز أمن جعفر نميري! لكن ذلك الفارس النبيل طلب وضع المستند أمامه للتوقيع، مباشرة، دون انتظار إجراء كان متيقناً من كونه محض باب لكيد حزبي لا مصلحة للوطن فيه!
ما حدث بعد ذلك أشعرني بحرج بالغ؛ فقد كان على السيد مصطفى أن يحضر، ذات صباح باكر، اجتماعاً طارئاً خارج الوزارة، ولم يكن قد وقَّع، بعد، على المستند المحجوز لديه بالمكتب، بل وداخل حقيبة أوراقه التي كان يظنُّ أن فتحَها غيرُ ممكن إلا بأرقام لا يعلمها غيره! لكنه، عندما عاد من الاجتماع فوجئ بأن الحقيبة قد فتحت، وأن المستندات قد أخذت، ثم ما لبث مكتبه أن استلم، في آخر اليوم، خطاباً سرياً من الجهاز، يرجون فيه، بنبرة لزجة التهذيب، ألا تصدر الوزارة أيَّ مستند بخصوص استخدام أيِّ مواطن في منظمة إقليمية أو دولية، قبل أخذ رأيهم!
قلقت أيَّما قلق عندما تصوَّرت إمكانية ألا يقف الأمر عند ذلك الحد، وأن يتطور إلى ما لا تحمد عقباه، بأن يمسَّ، بسببي، هذه القامة السامقة، لكن ما أدهشني، حقاً، هو صلابة السيد مصطفى الذي أبدى، في ذلك الموقف، من عزة النفس وقوة الشكيمة الكثير، فلم يعط الأمر أدنى وزن يتجاوز محض أسفه النبيل على ضياع فرصتي تلك. أما في ما عدا ذلك فقد اكتفى بالسخرية اللاذعة من هاتيك البهلوانيات الغبية، بينما الابتسامة الرباطابية الذكية تكاد لا تفارق محياه الوضئ!
شكراً، مرة أخرى، أستاذي وأخي وصديقي سعادة السفير مصطفى مدني، فقد كان لا بُدَّ، وإن طال الزمن، من أن أعبِّر لك، هكذا علانية، عن مدى امتناني لنبلك، وحدبك، وشجاعتك، وللجميل الذي طوَّقتني به، آنذاك، بلغ الغاية مسعاك، في سبيلي، أم لم يبلغها!
أما بعد،
أيُّها الحضور الكريم،
نادرة هي الكتب التي نأوي إليها أوَّل المساء، فلا نُطيق عنها فَكاكاً حتى نفرغَ من قراءتها مع شقشقات الصباح الأولى؛ ويقيناً إن كتاب السيد مصطفى مدني الذي ندشن، اليوم، صدوره لمن هذا الصنف. ورغم الاختلاف المنهجي بينه وبين كتاب "تاريخ حياتي" للشيخ الجليل بابكر بدري، والذي نعده مرجعاً معيارياً في ما يتصل بكتابة المذكرات، إلا أن كتاب السيد مصطفى جاء، على طريقته، سفراً متميِّزاً يذخر بالكثير من الأحداث، والمعلومات، والانطباعات التي ربما تنشر، على الملأ، لأول مرة، والتي تراوح بين التجربة الإنسانية الفريدة، والخبرة المهنية الثرية، فضلاً عن جزالة لغته، وسلاسة أسلوبه، ورصانة صياغاته، فلا تدري أفي خانة التاريخ تصنفه، أم السياسة، أم الاجتماع، أم الأدب. ولأن مشمولاته مما يجلُّ على الاختزال في كلمة قصيرة، فقد اخترت أن أضئ منها، هنا، مسألتين على قدر من الأهمية الخاصة، وذلك على النحو الآتي:
المسألة الأوَّلى: في التكوين الشخصي:
لقد أورد المؤلف، ضمن كلمته التمهيدية، أن واشياً "هماماً" بوزارة الخارجية كتب، ذات يوم بعيد، تقريراً سرِّيَّاً غمز فيه على السيد مصطفى بأنه "فتى الخارجية المدلل"، فاستنكف شيخ شعراء الشعب، محمد المهدي المجذوب، أن يرى ذلك البصَّاص غرابة ما في الأمر، فوصفه بأنه ".. شخص لا يميز بين الناس .. وعليه أن يتذكر أن صديقنا مصطفى مدني .. أتاحت له ظروف التحصيل العلمي التنقل بين الثقافات والحضارات المختلفة، فتفاعل معها .. فكان من الطبيعي أن يكون موضع اهتمام الخارجية" (ص 9 10). واليوم، لو جاز لي أن أضيف إلى كلمات المجذوب، بعد أن أزاح السيد مصطفى الستار، في مذكراته، عن الكثير المثير مما كان خافياً من الوقائع والأحداث، لقلت: ليس التحصيلَ العلميَّ وحده هو ما شكل شخصية الرجل، بل لا بد من الأخذ في الاعتبار، أيضاً، بذلك الأفقِ المعرفيِّ شديدِ الاتساع، متعددِ الألوانِ، مما أتيح له أن يرتع في جنبات سوحه، وأن يتبحبح في أكناف مقاصده، ومن ذلك:
(1) الأحاجي التربوية ثريةِ الخيال، عميقةِ المغزى، والتي لطالما كانت أمُّه زينب محمد نور تهدهد بها طفولته (ص 27 28)، فضلاً عن الزيارات الدورية، كلَّ عيد، إلى كرري، بصحبة والده وعمه عوض الكريم، يصلون ركعتين، ويقرأون الفاتحة على أرواح الشهداء، ويستذكرون طرفاً من قصص الثورة، وبعضاً من رسائل الإمام، ويصف عمُّه المسالك بين القبور بالصراط المستقيم الذي يقود الأجداد الشهداء رأساً إلى الجنة، ثم يعود ثلاثتهم ليؤدوا صلاة العيد في جامع الإمام عبد الرحمن بود نوباوي، حيث يوضع الصغير في الصف الأمامي، ليرى ويسمع الإمام يتلو "إذا جاء نصرُ الله والفتح"، والدمع يسحُّ على وجهه ولحيته المهيبة، فتسري في عروق ابن السادسة قشعريرةُ التقوى الباكرة (ص 31)؛ فليس من عجب، إذن، أن يتنشأ على فضائل هذا الدين بتلك التربية التي درج عليها غالب المستعربين المسلمين في بلادنا لأبنائهم وبناتهم، والتي غرست في نفوس أكثرهم قيم الإسلام الحقة القائمة في محبةَ الطهر، والعفة، والأمانة، والشجاعة، ونظافة اليد، والصدق في المعاملة، والإخلاص في العمل، من جهة، ومن جهة أخرى في كراهة الظلم، والفساد، والغش، والكذب، والنفاق، والجبن، وأكل أموال الناس بالباطل.
(2) ذكريات ألعاب الطفولة بشارع العرضة شديد الاتساع والنظافة، أوان ذاك، بدءاً بكرة الشراب في الأصائل الدبقة، وانتهاءً ب "شليل" في الليالي المقمرة، تُحدِق بهم بيوت أهلهم الرباطاب (ص 31 32)، في مدينة لما تزل، بعد، منذ نشأتها الأولى، محضَ فكرة في ذهن الإمام وخليفته، ركل الثوار لأجلها مدينة الترك، وتدافعوا يعمِّرون أحياء البقعة على مبدأ سلاسة التعارف، تأسيساً لوحدة الجيش في احترام تنوُّع الرايات، وكل راية تمثل تكويناً قومياً متميِّزاً.
(3) انتماء السيد مصطفى الباكر إلى الحركة الشيوعية السودانية، وهي في طور "حستو" أوان ذاك، حيث رسبت عميقاً، في عقله ووجدانه، أفضل مبادئها، وعلائقها، حتى بعد مغادرته صفوفها، ويستطيع حتى المتصفح العجول للكتاب أن يلتقط صوراً من تأثره بتلك المبادئ، ووفائه لتلك العلائق، وذلك من خلال تثمينه العالي لنضالات تلك الحركة، وتقديره الرفيع لقادتها التاريخيين، كعبد الخالق، والتجاني، والوسيلة، وقاسم، وكامل محجوب، وإبراهيم زكريا، وغيرهم (ص 50 51).
(4) الأحداث الجسام التي أحاطت بدراسته الجامعية نفسها، قبل استقراره بكيمبردج، وذلك نتيجة لنزعته اليسارية المتمردة منذ صباه الباكر، والتي رفضته، بسببها، جامعة بلاده "كلية غردون"، وطردته الجامعة الأمريكية ببيروت، بل وتعرض هناك للاعتقال، فشكلت تجربة الدراسة، ثم السجن، مع بعض عتاة الثوريين، كجورج حبش وشفيق الحوت، ليس فقط إحدى مغامراته اليسارية، بل إحدى أهمِّ المحطات التعليمية عبر مسيرته الإنسانية، والفكرية، والمهنية (ص 57 70).
(5) شغفه بالأدب عموماً، وبالشعر خصوصاً. وواضح من تجاربه الشعرية الباكرة في نظم القريض على أيام الطلب بمدارس الأحفاد أن ذلك الشغف لم يقتصر على التذوق، فحسب (ص 41 50). وعلى العموم فإن المزاوجة بين الأدب والشعر، من ناحية، وبين العمل الدبلوماسي من ناحية أخرى ظلت، دائماً، هي ديدن الرموز الكبيرة في الدبلوماسية السودانية، ابتداء من مؤسسها الأوَّل محمد احمد محجوب، مروراً بيوسف مصطفى التني، وجمال محمد احمد، ومن أعقبهم بإحسان، كسيد احمد الحاردلو، ومحمد المكي إبراهيم، وصلاح احمد إبراهيم، وعبد الهادي صديق، وجمال محمد إبراهيم، وغيرهم. ولعل أوَّل ما تلتقط العين، من محض نظرة عجلى إلى صفحات الكتاب، كثرة المقاطع الشعرية المبثوثة بين فقراته، حيث تتردد إلى جانب الشعراء السودانيين مقاطع من قصائد شعراء عالميين وعرب، كنيرودا، والمعري، والجارم، وأبي ريشة، ونزار، ودرويش، وغيرهم. ولأن الثقافة، في قول جمال محمد احمد الذي يستشهد به المؤلف، هي "الدواء الناجع لكل قنوط السياسة"، كما وأن "السفير ليس مجرد ممثل سياسي لبلاده، وإنما رسول لكل ما تحمل من تاريخ وثقافة"، فقد سجل السيد مصطفى ببيروت، أوان عمله سفيراً هناك، حضوراً في كل أوساط ودوائر الأدباء، والشعراء، والمفكرين، والفنانين، والصحفيين، تعينه على ذلك طبيعة العهد الديموقراطي الثاني (أكتوبر1965م مايو 1969م) الذي أكسب ذلك الحضور حيوية دافقة (ص142).
المسألة الثانية: في الكشوف الثاقبة:
للسيد مصطفى، أيضاً، احتفاءٌ كبير بالانتباهات والتحليلات السديدة، مثلما بالكشوف الثاقبة، وبالتنبُّؤات القبْلية لاتجاهات الأحداث السياسية ومساراتها المستقبلية، سواء صدر ذلك منه شخصيَّاً، أو من أيِّ مصدر آخر. ومن نماذج ذلك في الكتاب:
(1) ملاحظته الصائبة أن "وزارة الخارجية هي الوزارة الوحيدة التي أسسها السودانيون بأنفسهم دون الوزارات الأخرى التي ورثها الحكم الوطني عن الحقبة الاستعمارية البريطانية" ص (73)، وما انعكس بسبب ذلك تلقائياً، وبالضرورة، على الدبلوماسية السودانية، في عهود الديموقراطية بالأخص، من ميزات الفرادة والأصالة والخصوصية.
(2) إشارته المدهشة إلى أن الإرهاص بمسألة "الحقيقة والمصالحة"، عظم ظهر "العدالة الانتقالية" كمنهج أساسي للتسوية التاريخية في جنوب أفريقيا، أواسط تسعينات القرن المنصرم، إنما تعود بأصلها إلى مؤتمر أكرا عام 1958م، حيث قال الأفارقة، منذ ذلك الوقت الباكر، "إننا حين نحصل على استقلالنا فلن نعامل قادة الفصل العنصري بأثر رجعي" (ص 83)
(3) إبرازه، بوجه خاص، لمسألة العلاقات الأردنية الفلسطينية، من بين كل وقائع حديثه المطوَّل مع القائد الفلسطيني جورج حبش الذي كان رافقه بالسجن، وقبل ذلك بالجامعة الأمريكية ببيروت، أيام دراسته قصيرة العمر فيها أواخر أربعينات وأوائل خمسينات القرن المنصرم، والذي جاء يزوره بالفندق عندما تم تعيينه، أواخر الستينات، سفيراً للسودان في لبنان وسوريا والأردن، مقيماً بلبنان. يومها، وعلى الرغم من رأي "الحكيم"، وذاك لقب حبش، بأن الطريق لتحرير فلسطين إنما يمر عبر تحرير عمَّان، مثلها مثل غيرها من العواصم العربية الرجعية، إلا أنه لم يتردد في أن يحمِّل السيد مصطفى رسالة إلى ياسر عرفات، زعيم منظمة "فتح"، وصديق السيد مصطفى الذي كان موجوداً بعمَّان، كي يوجِّه شبابه بالكفِّ عن السلوك الخطر وكأنهم دولة داخل الدولة، مما سيفقدهم تعاطف الشعب الأردني، بل وسيدفع الملك للاستعانة عليهم بأنصاره من البدو في الجيش الأردني. وبالفعل، ما هي إلا أشهر قلائل حتى حشد الملك جيشه ليشنَّ، في سبتمبر 1970م، مواجهة أشبه بالمذبحة ضد المقاومة الفلسطينية، وضد عرفات شخصياً (ص 162 165).
(4) تحليله لعوامل انهيار الوحدة بين مصر وسوريا (1958م 1961م)، حيث عزا أهمها، برأيه، وبمنطق شديد الإقناع، إلى الحالة النفسية الناجمة في الشارع السوري باتجاهين في غاية الخطورة: فمن ناحية عكف بعض المثقفين هناك على إبراز الجوانب السلبية للتواجد المصري في سوريا، وترديدهم الحديث عن التفاوت بين الثقافتين حتى في الدعابة المصرية التي روَّجوا لكونها لا تلقى استجابة في الأذن السورية! أما من الناحية الأخرى فقد شاع في سوريا التوقع الخاطئ بأن يكون كل مصري يجئ إلى دمشق صورة طبق الأصل من عبد الناصر الذي جعلوا من شخصيته الكارزمية مقياساً للشخصية المصرية (!) ولما كان ذلك مستحيلاً فقد وقعت خيبة الأمل التي مهدت لانهيار الوحدة (ص 122).
أخيراً: أؤكد، مرة أخرى، استحالة اختزال سفر كهذا في مثل هذه الكلمة القصيرة، وكل ما رميت إليه هو أن أحني هامتي، من خلال هذا الاحتفال البهي، تحية لسعادة السفير مصطفى مدني، وتقديراً لعمله القيِّم هذا، والذي أكاد أبصر من وراء حُجُب الزمن القادم أنه سيكون، بإذن الله، كتاباً لكل الأجيال، ولن يكون ثمة غنى عنه لأيِّ دبلوماسي، أو مؤرخ، أو باحث، أو أديب، أو شاعر، أو صحفي.
أشكركم لحسن الاستماع، والسلام عليكم.
***


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.