العراق ثامن المنتخبات العربية في المونديال    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    5 تصرفات تتسبب فى تدمير العلاقة العاطفية.. أخطرها سؤال أنت فين دلوقتى؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    ميسي ورونالدو على رأس أساطير التهديف في الدوري الإسباني    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هوامش حول قضية التهميش (حالة دارفور) (1 – 4)
نشر في الراكوبة يوم 21 - 04 - 2014

ازمة دارفور فى جوهرها ازمة اقتصادية/سياسية/بيئية/اثنية/اجتماعية/ثقافية. لا يمكن تبسيطها بارجاعها لعامل وحيد، مهما عظم شأنه وكبر تأثيره. فالتهميش مثلا شكل سببا اساسيا وعاملا فعالا فى تفجير الازمة، ولكنه ،وحده، لا يقدم تفسيرا كاملا لكل ما حدث، خاصة وان قضايا ومشاكل دارفور معقدة اصلا ، وتعقدت اكثر بمرور الزمن وتداخل عدة عوامل مع بعضها البعض فى تفاعل مركز. لا نعتقد بان اى نظرية احادية الجانب تساعد فى تقديم حلول واقعية تعالج جذور ازمة بحجم ازمة دارفور، خاصة اذا علمنا ان دارفور هى سودان مصغر فى كبر حجمها ( حوالى خمس السودان) وتعدد قبائلها وتنوع بيئاتها الطبيعية وانشطتها البشرية بالاضافة لمجاورتها لاربعة اقطار. ولان للازمة جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية فان اى محاولة لمعالجتها عن طريق الحل العسكرى سيكون مصيرها الفشل التام. وحتى اذا تم هزيمة الحركات المسلحة عسكريا وبقيت جذور الازمة، فانها ستؤدى للانفجار مرة اخرى، وربما بشكل اكثر عنفا. كما نعتقد بان الحلول الثنائية لن تؤدى الا لتعميق الازمة واستمرار معاناة الملايين من البسطاء وزيادة الانقسامات القبلية التى اتخذت طابعا تناحريا، يهدد بشكل دائم ، لا رجعة فيه، التعايش السلمى الذى اشتهر به ابناء دارفور لعدة قرون.
نعيد ، بلا ملل، وسنكرر باستمرار بان ازمة دارفور هى تجلى للازمة السودانية العامة، وحتى وان اتخذت طابعا دارفوريا مميزا. فمعظم الاسباب والعوامل التى فجرت الازمة فى دارفور فجرت ازمات فى اجزاء اخرى من الوطن. فبلادنا تواجه مفترق الطرق وازمات مستحكمة تهدد وجودها كدولة مما يستدعى مشاركة كافة قواها السياسية ومنظماتها المدنية وقواتها النظامية فى الجلوس سويا لايجاد حل قبل ان يتشظى الوطن ويتم صوملته بشكل كامل.
هذه المقال ليس دراسة كاملة ، كما قلنا، لازمة دارفور، ولا ينبغى له ادعاء ذلك. انما هو محاولة لابراز العوامل الاساسية التى فجرت الازمة ومحاولة للنظر اليها فى اطارها التاريخى. وهو محاولة للاسهام فى توضيح بعض جوانب المسألة الدارفورية ، وهو يتكامل مع الجهود الثرة التى بذلها العديد من ابناء الوطن وبعض المهتمين بالشان السودانى من الاجانب. كما ان هذا المقال هو محاولة لحفز الاخرين على شحذ اذهانهم والتصدى الجاد لدراسة وتقييم كل محاولات تشخيص ازمة دارفور والاسهامات المحلية والدولية لحلها وتبادل الرأى حول ما تراكم من معلومات ومقترحات خلال المفاوضات التى تمت (حتى الان). كل تلك الجهود للتداول حول الخروج برؤية شاملة تستفيد من قصور تجارب الماضى وللتعلم من الايجابى فى تلك التجارب لتصميم وبناء تصور جديد يستهدف الحل الشامل والعادل للازمة فى اطار وطنى شامل.
ووضعا للمسألة فى اطارها التاريخى العام، قمنا بحصر العوامل المتعددة التى فجرت الازمة ،ثم قمنا بتبويبها وترقيمها حتى تعطى القارئ الصورة العامة المجملة. وننبه هنا ان تلك العوامل ليست كتلا صماء تتحرك لوحدها فى خط مستقيم وموازى للاخريات. وانما هى عوامل متداخلة، تؤثر وتتأثر وتتفاعل وتعمق اثار بعضها البعض، وقد نتج بعضها عن عوامل سبقته واثرت ، هى بدورها، فى عوامل لاحقة. ونرى الا يفهم هذا التقسيم الا فى اطار النظرة الكلية الشاملة للازمة الدارفورية. ومن الطبيعى ان تتكرر بعض النقاط او الاحداث فى اكثر من عامل، وهذا يرجع كما ذكرنا من قبل، لتداخل المسببات والنتائج.
فى راينا ان العوامل/الاسباب التى ادت لتفجر الازمة فى دارفور هى:
(1) قضية التهميش الاقتصادى والاجتماعى
(2) الصراع حول الارض
(3) موجات الجفاف والتصحر
(4) سياسات الحكومات المركزية المتعاقبة
(5) سياسات السودان الخارجية ( منذ الاستقلال وحتى الان)
(6) توفر السلاح الحديث
(7) تشجيع ودعم القبلية
(8) اهمال قضايا المنتج الصغير
(9) تطور الوعى السياسى وفقدان الثقة فى احزاب المركز
(10) حل الادارة الاهلية واهمال قرارات مؤتمرات الصلح القبلى
(11) انعدام الديمقراطية ( على كل المستويات السياسية)
(12) الحرب الاهلية فى الجنوب
(13) الدور السلبى لبعض المتعلمين
( 1) التهميش الاقتصادى والاجتماعى
التهميش هو احد التعابير التى ترسخت ، مؤخرا، فى ادبنا السياسى. وبدون الاغراق فى لجة التعريفات والمصطلحات نقول ان فهمنا للتهميش ، فى اطاره العام، هو ابعاد او عزل او حرمان او تخفيض مستحقات اوتجميد وضع منطقة او مناطق او مجموعات فى داخل قطر ما مما يجعلها فى وضع اسوا من بقية المناطق او المجموعات الاخرى. والتهميش يمكن ان يكون سياسيا او جغرافيا او اقليميا او اجتماعيا. وللتهميش اشكال متعددة تشمل تهميش اقليم او لغة او دين او ثقافة او مجموعة اثنية او جماعة ايدولوجية او طبقة اجتماعية. بل ويمكن ان يشمل التهميش شعبا باكمله وهو مانجده فى الانظمة العسكرية التى تحرم شعبا كاملا من حق اختيار الحكومة التى تقوده. وفى الاطار السودانى تعددت الاجتهادات فى تعريف المناطق المهمشة واكثرها استخداما تلك التى عرفت مناطق الهامش بانها المناطق خارج مناطق الوسط النيلية التى نالت معظم المشاريع التنموية والخدمات الاجتماعية.
اضحت قوى الهامش ، كما تم التعارف عليها ، احدى القوى الاجتماعية التى فرضت وجودها السياسى والعسكرى فى الصراع من اجل التغيير فى السودان. وقوى الهامش تطور طبيعى للقوى الاقليمية التى ظهرت بعد ثورة اكتوبر 1964 واهمها جبهة نهضة دارفور واتحاد عام جبال النوبة ومؤتمر البجا واتحاد ابناء المسيرية واتحاد ابناء دنقلا والتى لعبت دورا مقدرا فى نشر الوعى الديمقراطى فى مناطقها. كما انها امتداد لتضامن قوى الريف التى ظهرت فى الساحة السياسية بعد انتصار الانتفاضة فى 1985 وكانت لها مواقف مشهودة فى الدفاع عن قضايا الريف ودعم الخط السياسى للحركة الشعبية لتحرير السودان. ووجدت العديد من قوى الهامش سندا سياسيا و ايدولوجيا فى اطروحات قرنق حول السودان الجديد. وهكذا هى قوى مؤثرة فى الساحة السياسية السودانية وتعبير اصيل عن الظلامات التاريخية التى عانى منها العديد من ابناء هذا الوطن. وقبل ان نواصل مناقشة قضية التهميش يجدر بنا ان نقدم خلقية تاريخية بما نقصده بتهميش غرب السودان عامة ودارفور خاصة.
بعد استتباب الامر للجيش الاستعمارى الغازى وعند اكتمال ارساء البنيات الاساسية لجهاز دولته، بدات الادارة الاستعمارية فى التخطيط لتنفيذ بعض العوامل التى ادت لغزو السودان ، تحت الشعار الخادع باعادة ممتلكات مصر لمصر. كما هو موثق ، تم غزو السودان لاسباب استراتيجية واخرى اقتصادية. الاسباب الاستراتيجية ،التى اسرعت بالغزو، تمت فى اطار السباق الانجليزى الفرنسى الملهوف للحصول على مستعمرات فى افريقيا ونجاح فرنسا فى احتلال فشودة. بالاضافة لحلم بريطانيا القديم بانشاء امبراطورية استعمارية فى افريقيا ، تمتد من الاسكندرية الى راس الرجاء الصالح.
اهم الاسباب الاقتصادية هى خلق سوق للمنتجات البريطانية وتوفير المواد الخام التى تحتاجها الصناعة الانجليزية. فى ذلك الحين كانت صناعة النسيج، فى لانكشير، هى احدى اهم الصناعات وذات احتياج مستمر للقطن. وتصادف ان مناخ السودان يصلح لانتاج القطن طويل التيلة ، افضل اصناف القطن. اجرت الادارة الاستعمارية المسوحات الاولية والتجارب فوقع الاختيار على الجزيرة لصلاحية وخصوبة تربتها وتوفر مياه الرى الدائم ولوضعها الطبوغرافى الذى يسهل الرى الانسيابى وقربها من الميناء الوحيد. نزعت اراضى المواطنين باسعار اسمية زهيدة وانشا خزان سنار ومدت الخطوط الحديدية وارغم المزارع على زراعة القطن. وهكذا تم الحاق الاقتصاد السودانى بالسوق الراسمالى العالمى واصبح القطن يشكل العمود الفقرى لاقتصادنا القومى.
اصبحت الجزيرة هى البقرة الحلوب للادارة الاستعمارية وهكذا بذلت كل جهودها لانجاح وازدهار زراعة القطن بها. انجاح الزراعة وتقليل المصروفات يستدعى تدريب سودانيين لشغل المناصب الدنيا فى ادارة المشروع وادارة جهاز الدولة. لذلك قامت الادارة الاستعمارية وادارة مشروع الجزيرة بتوفير الخدمات الاجتماعية بحدها الادنى ، وهو وضع رغم تدنيه لم يتوفر لبقية اجزاء السودان، التى حسب التقدير الاستعمارى لا فائدة اقتصادية منها فتجاهلها تماما. اضافة لان معظم تلك الخدمات تم الصرف عليها من اموال المزارعين ، حيث كانت تخصم 2% من الحساب المشترك لمال الخدمات الاجتماعية.
ادى التوسع فى السوق العالمى للقطن والمنسوجات لاضافة مشاريع جديدة فى النيل الابيض والنيل الازرق لانتاج المزيد من القطن. وهكذا ازدهر وسط السودان اقتصاديا فى اطار تلبيته لاحتياجات السوق الراسمالى العالمى. ولكن هذه المشاريع المروية الكبيرة تحتاج لايدى عاملة، خاصة فى موسم جنى القطن. هنا تذكر الاستعمار غرب السودان وامكانية توفير الايدى العاملة الرخيصة منه، خاصة وان موسم لقيط القطن لا يتعارض مع حصاد المحاصيل الغذائية بغرب السودان. بذلت الدولة جهودا لجلب العمالة الرخيصة الموسمية من الغرب لمشاريع القطن بوسط السودان، وهكذا الحق الغرب، جزئيا، بالاقتصاد النقدى. ومنذ ذلك الحين اجتهدت الدولة لتوفير وترحيل الايدى العاملة الرخيصة من غرب السودان وحتى من نيجريا للعمل فى مشاريع القطن المروية. تم ذلك مع الاهمال الكامل لتلك المناطق بالغرب والتى تحولت لمستودعات بشرية للايدى العاملة الرخيصة. هذا هو بداية الاساس المادى للتهميش الاقتصادى والذى نتج عنه تفاوت جيواجتماعى كبير. حيث نجد وفى اطار السودان المتخلف ككل، مناطق اكثر تخلفا وهى ما اطلق عليها " القطاع التقليدى" مقارنة بالقطاع الحديث حيث المشاريع المروية ( هنالك مناقشات اكاديمية حول دقة التسمية لا مجال للخوض فيها هنا). و "القطاع التقليدى" هو قطاع يتميز بالانتاج ( بوسائل بسيطة) من اجل الاستهلاك اساسا وليس للتبادل التجارى، ولم يتم الحاقه تماما بالاقتصاد النقدى رغم تعامله جزئيا بالنقد. استمر هذا التطور الاقتصادى المتفاوت وغير المتكافئ، طيلة الفترة الاستعمارية، مما شكل الاساس المادى للتهميش الاقتصادى لمعظم انحاء السودان.
والملاحظ ان السمة الاساسية لكل خطط وبرامج واسترتيجيات التنمية الاقتصادية التى اعدت او نفذت خلال فترة ما بعد الاستقلال انها كرست التهميش الموروث من الدولة الاستعمارية. فالاستعمار كان يعمل من اجل مصالحه فقط ولكن القوى الاجتماعية التى تربعت على دست الحكم ( منذ الاستقلال وحتى الان) لم يكن يهمها غير مصالحها الذاتية ولم تعمل على ازالة الغبن التنموى الواقع على معظم انحاء السودان. ويمكننا تلخيص واقع الاقتصاد السودانى عند نيل الاستقلال فى النقاط المختصرة الاتية:
* اهمال تام للقطاع التقليدى حيث يعيش 87% من السكان والذى ينتج 56% من انتاج البلاد
* 59% من ايرادات الدولة تاتى من الضرائب المباشرة وغير المباشرة ( دولة الجبايات الموروثة والمستمرة حتى الان)
* تصرف الدولة 31% من دخلها على جهازها الادارى حيث ينال اصحاب المناصب الدستورية وقادة الخدمة المدنية والعسكرية كل الامتيازات التى كان ينالها الكادر الادارى الاستعمارى
* تمثل التجارة الخارجية 13% من اجمالى الانتاج الاهلى السودانى وهى نتاج طبيعى لبلد صاغه الاستعمار كسوق لمنتجاته وكحقل لانتاج المواد الخام التى تحتاجها مصانعه ولذلك احتلت التجارة الخارجية مكانا مقدما
* القطن يشكل 64% من قيمة صادراتنا والسلع الاستهلاكية تشكل 63 من وارداتنا ( اما الالات وادوات الانتاج والتنمية فلها قيمة هامشية فى وارداتنا)
* هنالك اهتمام طاغى بالقطن على حساب كل المنتوجات الزراعية والثروات الاخرى فمثلا الثروة الحيوانية كانت تشكل 3% من صادراتنا فى 1956
* لا يوجد اى اهتمام بالتصنيع حيث كان الانتاج الصناعى يشكل اقل من 1% من اجمالى الانتاج الاهلى فى 1956
* نصيب الفرد من الدخل القومى لا يتعدى 26 جنيها فى العام.
باختصار شديد هذا هو نتاج نصف قرن من الاستعمار الذى شكل اقتصادنا ليخدم مصالحه، فى ظل نظام التبادل غير المتكافئ على مستوى العالم حيث تنخفض قيمة المواد الخام المصدرة وباستمرار وتتصاعد اسعار السلع المصنعة المستوردة.
انطلقت تلك الفئات ، التى حكمت السودان منذ الاستقلال وحتى الان، من مصالحها الذاتية وضيق افقها الاقتصادى. وكان من مصلحتها، كما سنناقش لاحقا، الاستمرار فى المنهج الاقتصادى الاستعمارى بالتركيز على القطن وحصر الاستثمارات فى مناطق وسط السودان والتى توفرت فيها البنيات الاساسية مع اهمال اغلبية القطر. وهكذا اصبح السودان يعانى من التخلف الاقتصادى ويتميز اقتصاده بضيق قاعدته والتمركز مما ادى للتفاوت الشنيع على المستويين الجغرافى والاجتماعى.
تمحورت كل الخطط الاقتصادية فى فترة مابعد نيل الاستقلال ( العشرية، الخمسية، الستية، برنامج سلة غذاء العالم و البرنامج الثلاثى ...الخ) على تركيز معظم المشاريع و الاستثمارات الاقتصادية فى القطاع المروى ( وسط السودان). وكمثال حتى المشاريع النادرة التى نفذت بغرب السودان كانت مشاريع للزراعة الالية التجارية ( كمشروع هبيلا) والتى كان لها اثارها الجانبية المدمرة للبيئة الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية. وحيث تم نزع الاراضى من ملاكها الاصليين واعطيت للتجار وكبار رجال الدولة والقوات النظامية، من تعارف على تسميتهم بالملاك الغائبين، باسعار اسمية. ونتج عن ذلك هجرة سكان الارض الاصليين للمدن للعمل كعمال. كما اغلقت تلك المشاريع المراحيل السنوية للرعاة فحدثت صدامات ادت لتدخل الجيش لحماية المشاريع مثلما حدث فى 1976. والدمار البيئي الذى حدث بمناطق المشاريع هو احد نتائج اهمال الدورة الزراعية والقطع العشوائى الشامل للغابات واهمال انشاء المصدات الشجرية. ومن اهم الاثار السالبة لتلك المشاريع هو ان الفائض الاقتصادى المحقق منها لا يعاد استثماره فى المنطقة بل لمناطق الوسط وحتى هنالك يستثمر فى قطاعات غير منتجة ( خدمات ، تجارة، عقارات، تجارة عملة) ، وما تعبير غابات الاسمنت (الذى ظهر فى ستينيات القرن الماضى) الا انعكاسا لذلك الواقع.
وقضية اخرى تشترك فيها كل الحكومات التى تعاقبت على دست الحكم وهى قضية المركزة المطلقة لايرادات الدولة ( حتى ولو كانت تجبى محليا) ومن ثم تتحكم السلطة المركزية فى توزيعها حسب تقديراتها وسياساتها وحسابات من يتولون الحكم ولا توجد نسبة محددة للاقاليم وان وعدت الاقاليم باى مبالغ يصبح الحصول عليها اندر من الحصول على لبن الطير. ولقد سمعنا عشرات شكاوى حكام ووزاء الاقاليم عن اموالهم وهل قصة استقالة والى القضارف فى 2012 بعيدة عن الاذهان!
أما دارفور فقد اهملت تماما ولفترات تاريخية طويلة امتدت لعقود من الزمن. وعندما اقيمت بها بعض المشاريع كانت نموذجا كلاسيكيا للفشل التنموى لقصور فى التخطيط والتمويل والتنفيذ. وهكذا شاركت كل الانظمة ( ولا استثنى احد) فى عملية تهميش غرب السودان. وللتهميش اثار كثيرة على مواطنى الغرب ومنها صغر سوق العمل ، خارج نطاق الزراعة والرعى التقليديان، وذلك انعكاس طبيعى لقلة الانشطة الاقتصادية مما ادى لتعطل اعداد كبيرة من الشباب الذين لا يحملون مؤهلات ومهارات. وزاد من حدة صغر سوق العمل، فى السنوات الاخيرة، العطالة الجماعية لالاف الشباب من خريجى الثانويات والجامعات. وهكذا خلق التهميش غبنا تنمويا وغبنا اجتماعا تفجرا فى شكل غضب سياسى ودعوة قوية لتغيير الاوضاع على المستوى الاقليمى والمركزى.
د. صديق الزيلعى
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.