الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعلان زواج تأخر كثيرا
نشر في الراكوبة يوم 13 - 05 - 2014

طوى الخطاب بعناية و طبّقه أربع مرات ثم وضعه في ظرف بعناية. وضعه في جيب البدلة الأسفل في الجهة اليمنى. هذا ما توصل إليه أخيرا.ً و هو أن يكتب لها خطاباً خاصا، يشرح لها فيه ما جرى. خاصة انه منذ أن عرف بأن اليوم سيكون هو يوم زفافها لازمه ذلك الأرق المشوّش، و صارت حركاته و سكناته كأنها تتم بأوامر لا تصدر منه. شعر بأنه سنوات عمره خلال أسبوع قد زادت عقدا أو عقدين. لكنه انتبه فجأة. كيف سيرسل لها الكتاب؟
كان هو معروف لدى الجميع بأنه منظم في مواعيده و في ملبسه و في حاجياته ، و في كل اموره . إلا أنه منذ أن نما إلى علمه خبر زفافها لم يعد بأنه في حاجة إلى نظام أو ترتيب. بل بدأ يشعر بأن الكون كله قد أصبح يسير بلا نظام أو ترتيب.
كان ذلك منذ عشرين سنة انقضت. و قد كان في مقتبل العمر و اليوم تعدى عمره الخمسين عاما.كانت هي ( بل لا زالت) في كامل ملاحتها، و كامل أناقتها و بهاءها. جئت أنا موظفا جديدا في ذلك المكتب الذي يتبع لتلك الوزارة الكبيرة. كانت هي ضمن مجموعة من الموظفات. و لكنها كانت تمتاز عليهن بودها الذي يهلّ في إشراق من خلال ابتسامتها التي تهل في وجهها فتملاه حبورا و ألقاً. ابتسامة تدعوك لتخطي الحواجز و التكلفة و الدخول في عالمها ذاك العالم الرحيب. الذي تحكي فيه حكاوي طفولتها و بساطة الحياة التي عاشتها في القرية البعيدة الوادعة التي تدلي قدميها صباح مساء في ماء النهر الوادع و هو يحيط خصر قريتها في حنو قريتها الصغيرة.كانت كثيرا ما تحكي بحنان و حسرة عن قريتها و عن طفولتها فيها. و كنا نحن نتحلق في شوق حولها حول طاولتها في نصف دائرة في منتصف المكتب.
كنت أنا ضمن مجموعة من الزملاء الذين كانوا يتحلقون حولها كأنها النواة و كأنهم اليكترونات هائمة في فضائها البهيج. كانوا يتنافسون دون عداء في محاولة التقرب منها و في الفوز بقلبها. كنا جميعا في بدايات الشباب أحلامنا كبيرة و طموحاتنا عريضة. و كان حب الحياة يملأ خياشيمنا و كل أقطار أنفسنا بالأمل. لم يكن الشعور بقصر الحياة يطوف على مخيلتنا إلا نادراً. لم نكن نعي بأن الحياة قصيرة، و لا أن اللقاء لا بد أن يعقبه الفراق. و لم نكن نفكّر بأن كل واحد منا سيختار شخصا واحدا فقط لكي يبني معه عشه. مثلها في ذلك مثل لعبة الكراسي لا بد من أن يجلس في النهاية شخص واحد و الجميع يغادرون اللعبة.
تدرجنا في سلك الوظيفة و ترقينا في الوظائف الإدارية و زادت طموحاتنا و تبلورت رؤيتنا للحياة شيئا فشيئا. و كان لا بد من أن تتخلى عن أشياء لنكتسب أشياء. و أن نختار أشخاص و نتخلى عن أشخاص لندور في فلكهم.
تسللنا تدريجيا جميعا من حياتها كتسرب الماء ببطء من تحت سطح الأرض دون أن تحس. تسللت السنوات فجأة من بين أيدينا. و سافر لبلاد الغربة من سافر. و انتقل إلى مواقع أخرى من انتقل. و ترقى من ترقى، و بقيت هي كما هي، في مكانها. بقيت كما هي في روعتها، و جلالها صامدة تجتر أحلامها لوحدها في صمت. بقيت كما هي كالأيقونة أو كالتاج الذي يكلل قلوبنا. كان كل واحد منا يحتفظ لها بمكان في قلبه يضعها فيه، كتميمة ضد الزمن و ضد الفراق و ضد النسيان.
كان كل واحد من الشلة يعتقد بأنها تحبه هو. و لم يجرؤ أي منا أن يطلبها لنفسه. فهي مهرجان و حفل متاح للجميع. كنا نتسابق لكي نحكي لها الملح و الحكاوي و الطرائف نتلاطف و نتظارف في حضرتها علها تختار واحد منا، أو أملاً في ان يحظى واحد منا بقلبها لوحده. كانت كملكة النحل يتسابق كل الذكور في الخلية للفوز بها.و كانت هي تسعد بهذا الوضع. بل كان يستهويها ذلك فهي محبوبة الجميع.
و كانت عندما تخلو لنفسها تتساءل أيهما يا ترى سيكون من بينهم من سيختارها زوجة. و كانت لا تفتأ أن تتساءل : لا بد في نهاية الأمر أن ينجلي الأمر. لابد من أن يختارني واحد منهم. لكن ايهم سيكون هو البادئ. المهم سأظل محافظة على توازن دقيق في توزيع استلطافي عليهم. كانت جدتي تقول أن الرجال غيرتهم أقل من النساء لكنها أشد فتكاً خاصة إذا اختارت الأنثى واحدا من بين مجموعة.
من حيث الميل فانا أميل إلى حد ما إلى( مصطفى) فهو يهتم بهندامه و بأحاسيس الآخرين. و لكنه لا يبدي شعورا مختلفا عن البقية فهو يبدي إعجابه لكن يغلفه ببعض التحفظ. أما (على) فهو يبدو أكثر انسيابية في مشاعره إضافة إلى أنه لطيف. و لكني أخشى مثل هذا النوع من الرجال الذي يحمل قلبه في يده يقدمه هدية لكل من يقابلها. لكن من يدري لعل الزمن و الارتباط به يجعله أكثر التزاما.
أما أحمد فهو رزين، كثير السرحان و التفكير يكاد إعجابه بي يطل من عينيه العسليتين الكبيرتين و التي أعشقهما. لكنه متردد في قراراته. فاليوم يقرر شيئا و في الغد يتخلّى عنه و يأتي بشيء جديد. لكنه حنون، و من المؤكد أنه سيقدس الارتباط الزوجي في النهاية.
أما حيدر فرغم التصاقه بي و احترامه لكل ما أقول لكني أرى فيه تعنتا في أفكاره و أخشى إن ارتبطت به أن يخنق أحلامي الشابة. و أن يزداد عناده عنادا و حينها سيكون لا مهرب لدي.
كان أكثر المقربين منها في البداية( مصطفى) لكنه كان و يا للمفاجأة! كان أول من قرر أن يتزوج من المجموعة ، و ذلك بعد أن دخل في قصة حب مفاجئة و سريعة . كان يشعر بتأنيب الضمير و أخفى الأمر عن الجميع. إلا أنه عرفوا بالأمر خلال أسبوعين. لم يشأ أن يخبرها. كان محتارا كيف سيسوق لها خبرا كهذا. المهم بعد تردد و نكوص و حيرة نزل الخبر عليها كما توقع كأنه الصاعقة. و هي أكثر من توده و من ترغب في الارتباط به. لكنها في المقابل شعرت بذكاء المرأة و عرفت أن هناك من سرقت قلبه و أنه يعيش قصة حب جارفة. تركته لقلبه و لحبه الجديد. و لم يتغيّر شيء من ناحيتها تجاهه، و لم يتغير شيء من ناحيته تجاهه. و لكن يبدو أن أموره المستجدة كانت تنضج بسرعة و على نار عالية الاشتعال فأعلن نيته في الزواج. شارك الجميع بما فيهم هي في مراسم زواجه و تمنوا له الخير و السعادة و بالتالي كان كورقة سقطت من روزنامة حياتها.
لم يكن هو وحده من سرقت قلبه فتاة من خارج نطاق العمل. تساقط الزملاء واحد تلو الآخر في شباك فتيات و تزوجوا، و بقيت هي. كان الجميع مقتنعا بأنها أفضل من كل من الفتيات التي تزوجها كلا منهم. بل أسرّ بعضهم بذلك علانية و أعلن أكثر من واحد منهم ندمه لأنه لم يختارها زوجة له.
أما أنا فقد تزوجت نعم. لكني سأتزوجها يوما ما. فأنا لست سعيدا في زواجي و قد أنجبت لي زوجتي ابنا و لكن لا مشكلة فمن يرغب في الزواج بحق لا يقف في طريقه شيء. حاول أن يلمّح لها برغبته في ان يتزوجها لكنه شعر بأن ردها كان غير واضح مثل تلميحه هو. ثم انجبت له زوجتي إبنة و لا زال الوضع مع زوجتي كما هو. سافرت و لا زلت أحمل في قلبي رغم السنين بذور حب قديم . و لا أنسى كلما كنت أحضر إلى الوطن أن أزورها في مكتبها فكانت المشاعر هي هي لم تتغير و كانت ملامحها الجميلة تزداد ألقا و فتنة. أجلس معها بالساعات و نتطرق لكل شيء عن الحب و الأغاني و العمل و عن فلان و فلانة...إلخ و لكننا لا نتطرق إلى رغباتنا الحقيقية.
كنت كثيرا ما أسائل نفسي متى ساتخذ القرار الصعب و أطلب يدها. خاصة أن عمرينا قد تعدى الأربعين بل يزيد. و لا زالت لواعج العشق الخفي و الإعجاب تطل في عيوني رغم عني و لا أقول تفضحني.
و في المقابل كانت هي بطبيعة الحال تتسآل في صمت. كل من حولي انفضوا. و كونوا أسراً و انجبوا البنين و تركوني أسيرة احلامي التي لن تتحقق. أحلامي في أن يكون لي زوج و أسرة. لماذا المرأة لا تختار من تحبه مثل الرجل؟ لماذا لا تكشف عمن تود أن يكون فارس أحلامها؟ الآن صرت في هذا السن سأقبل بكل من يطلب يدي لكن واقعيين لا خيار لي في ذلك انتهي عهد الاختيار بالنسبة لي.
رجعت أنا إلى الوطن هذا العام و كلي عزم في أن أطلب يدها بالرغم من أنني متزوج و لي أبناء هم في طور المراهقة. قد أتعرض للانتقاد من هنا و هناك و قد يقولوا متهور و قد يقول البعض مجنون و قد يقول البعض قرار يفتقر للحكمة و لكني ألست مقتنع بذلك ؟ فزوجتي لها أن تقرر ما تراه فقد تغضب ثم ترجع مكرهة ابنائي هم أبنائي في النهاية ثم أنا لا احتالج إليهم في شيء على الأقل في الوقت الحالي بل هم من يحتاجون إلي.
زرتها و تفحصت ملامحها بهدوء و تروي كأني أريد أن أتأكد من صدق مشاعري. و من أنها لا زالت تحمل لي ودا و أنها لن ترفض طلبي. قضيت معها حوال نصف الساعة، و أودعت يدي في كفها مودعا ليس كما كنت أفعل دائماً. و كأنني أوعدها بانتظار قرار وشيك مني سوف يفرحها. و ودعتها متمهلا، و شعرت كأن في عينيها نداء غامضا و توسلا خفيا. و لكنه قد يكون ذلك مجرد أوهام من جانبي . و دعتها واعداً إياها بعودة وشيكة.
كنت قد سافرت إلى بلاد الغربة و أنا أحسب لكل شيء عدته و أرتب أشيائي في هدوء و خفية. لم أصرح لها بشيء حتى الآن لكنها بلا شك تعرف و تشعر بأن قلب المرأة لا يخذلها في التنبوء بمثل هذه الأشياء. و أنا صديق قديم فكل شيء سيكون سلسا. أول الشهر القادم سأكتب لها بالإيميل رسالة مختصرة فحواها هي تعرفه مقدما و من المؤكد أنها تشعر به. الرسائل بيننا لم تكن كثيرة بل متباعدة إلى حد ما. كانت الرسائل محاولة للإبقاء على الود القديم و تمسّكاً بالحفاظ على وشائج لا أود أن تنقطع العميق. كانت الرسائل تؤدي عدة وظائف لا بد منها.إذ كانت تربط الزملاء القدامى. و تنقل إلينا و لبقية زملائي أهم محطات حياتها، زواج شقيقها ، ترقيّها في العمل، سفرها لحضور دورة تدريبية في الخارج، زواج إبن إختها...إلخ. و بالرغم من أنني كنت أرسل إليها الرسائل لكنني كنت أتحفظ في أن يبدر مني ما يجرح مشاعرها. فلا أحدثها بشيء عن زوجتي أو مراحل دراسة أولادي و نحو ذلك.
كانت هي ذكية بما يكفي لكي تعرف الحرب الخفية التي تدور في دواخله. تنظر إليه في صمت و تشعر بزهو انثوي صامت كذلك.
كانت أحيانا تفكّر و تحلل و تسرح... اتاني أحمد الأسبوع الماضي لاحظت في عيونه الرغبة و الهروب، كنت أطالع فيهما التردد و الإقدام و أنظر فيهما التقدم و أرصد فيهما التراجع. إنني خبيرة في قراءة ما يدور في الدواخل. و هل تحتاج قراءة العيون إلى خبير؟ . لعله ذلك شيء طبيعي لمن هو في وضعه. منذ أن عرفته لم أحاول أن استخدم معه أي أسلحة متاحة لي كأنثى، ليس لأنها صارت محدودة التأثير بفعل السن و الزمن، أو لأنها أصبحت سلاح غير ماضي. و إنما لأنها ليست مجدية في مثل حالته .كما لن تكون قوية التأثير عليه كما كانت في بداية تعارفنا. و فوق كل ذلك فهو غارق في مسئولياته و التزاماته الأسرية و محاصر بقيود الزوجة و الأبناء و لا أريد أن أضايقه.
لقد أصبحت مؤخرا أكثر واقعية في أفكارها و أحلامها. فقد صارت و كأنها في مواجهة صريحة و مفتوحة مع النفس. خاصة بعد أن اقتنعت بأنها الآن كما تقول: قد اصبحت في سن لا يتيح لي الاختيار كما ليس لدي الخيار فسأستجيب لأول طارق. إن (أحمد) كما أعرفه يبدو مترددا. سأنتظر حتى نهاية الجولة حيث يبدو أنه سيكشف قريبا عن مشاعره لي.. لكنه ..متردد. و إنني أجد له العذر. فمن يكون مثله ينعم بدفء الحياة الزوجية (حقيقة أو افتراضاً) و دثارها المخملي ، يصعب عليه التنازل عن ذلك الوضع إلا بثمن باهظ. حيث أن التطلع لإمراة أخرى يتطلب شيئا من الجرأة و المغامرة. فهل يا ترى يستطيع هو أن يتحلل من أغلاله؟.ثم هناك سؤال آخر دائما ما يلح علي:هل تتجمد مشاعر و ميول الرجل حو المرأة بعد الخمسين نحو علاقة حب جديدة أو بالتحديد نحو إحياء علاقة قديمة؟ إنني أشعر بأن احساسي كأنثى لم يزل كما هو لم يتغير و سينفض عن نفسه غبار النسيان عند أول من يرفع عنه ركام النسيان.
لقد ودّعني أحمد في زيارته الأخيرة و كان كأنه يعتذر لي. أكاد أقرأ في عيونه الشوق و الرغبة و ظل اعتذار خفيف يبرق في لمعة عينيه. و دعته كما كنت دائما بحرارة و بإبداء اهتمام لم يتغيّر مذ عرفته و كما كنت أفعل دائما معه طيلة معرفتي به. و هو يستحق ذلك.
و دعها أحمد و ذهب. غادر مكتبها و كان كمن يحمل خطواته مجبرا و هو يتسلل بعيدا عنه. كان يحاول أن يستصحب معه كل ذكريات اللقاء. و بدأ يفكّر في داخله بشيء من الحسم و كأنه اتخذ قرارا. سوف أضع نهاية لإعجاب و لمشاعر معتقة أحملها لها. هي أحاسيس ليست بخافية على أي منا و إن كنا نظن بأننا نخفيها بين جوانحنا فهي تطفو رغما عنّا في لمعة العين، في ارتعاشة الأيدي و في شبح ابتسامة نخفي بها ترددنا. مشاعر تبدو بالرغم منا في النظرات الحنونة التي تفتش في العيون و الملامح عن مراسي لعذاباتنا و عن آفاق نرسل نحوها شعاع أحلامنا و تبحث عن قلوب ندرك أو نتمنى أن تكون محط أمين لأسرارنا و أحلامنا التي نكتمها في دواخلنا.
اتخذ قراره بينه و بين نفسه. سوف يعلن لها بأنه قرر أن يتزوجها. متوجا بذلك علاقة ود قديم كان يكتمه بصعوبة. سوف يفاجئها بالخبر السعيد الأسبوع القادم.
كلها أيام و سأعلن لك حبا مكتوما لأكثر من عشرين سنة دون داع. سوف اسعد دواخلها بما تستحق أن تفرح به منذ عقدين. فمثلك لا يستحق أن يترك هكذا هائمة في صحراء الأحلام و وواحات السراب، تائهة هكذا سنين عددا.
في نهاية الأسبوع جاءني تنبيه يعلن عن وصول رسالة عرفتها أنها منها: فتحت الرسالة بعد أن وجدت اسمها و بدأت في قراءتها. و لكن كنت كأني لم أقرأ شيئا، أو لم أفهم أو استوعب شيئا مما قرأت.استحالت الكتابة حروفاً بدون معنى. تنهدت لأريح نفسي. و اعدت قراءة الرسالة. كانت الرسالة عبارة عن سطر واحد من خمسة كلمات: الأسبوع القادم سيكون عقد زواجي. أدعو لي بالتوفيق.
هكذا خمسة كلمات باترة. بضع كلمات اختصرت تاريخ من العلاقة الغريبة التي تراوحت بين الحب و الإعجاب و الرغبة و التردد و الخوف و بين الحوار الصامت بين قلبين عشق كل منهما الآخر و لكنه لم تواتيه الشجاعة لكي يلقي إليها ببوح صريح عن مكنونات قلبيهما.
قرر أخيرا أن يكتب لها رسالة يكشف لها فيها ما كان قد قرره عله يكفّر عن تردده و عن الخطوة التي تأخر في الإعلان عنها. رسالة يود أن يبعثها له علها تواسيها و تكون لها زاد في حياتها الجديدة التي خرج منها فجأة بعد أن قرر أخيرا أن يكون جزء منها.
لم يستطع أن يكتب إلا بضع أسطر.
عادت من شهر العسل. و بعد أيام قررت أن تفتح بريدها لكي تستأنف حياتها من جديد.و وجدت رسالته .ظنتها رسالة تهنئة منه باعتباره زميل و رفيق عمل أثير و قديم. بدأت في قراءة الرساة إلى أن وصلت إلى:
( كنت قد قررت أن أطلب يدك و لكن.....) لم تكمل الرسالة تراجعت في جلستها للخلف ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة.
محمد عبدالله الحسبن/ الدوحة
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.