موسم الحجاج السودانيين الحالي يتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات السيادية في الدولة    أكبر هجوم منسق واغتيال وزير الدفاع.. ما الذي يحدث في مالي؟    وفد تسيير المريخ يزور القنصل حازم    توتيل يحسم أكوبام بثنائية في مواجهة مثيرة    متأثّرًا بجراحه..مقتل وزير الدفاع في مالي    اجتماع في الخرطوم لبحث إمداد الوقود    شاهد بالفيديو.. بشة يتحدث بشفافية ووضوح: (ضربة جزاء نهضة بركان جاءت بسبب "بلادة" وعدم تصرف من لاعب الهلال)    شاهد بالفيديو.. شيبة ضرار يسخر من منح النور قبة سيارة الرئيس: (أي زول جاي من المليشيا يمنحوه عربية والوقفوا مع الجيش يهمشوهم) ورانيا الخضر تعلق: (بحبو حب شديد)    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة فهيمة عبد الله تشتبك مع أحد الشباب في حفل غنائي وتوبخه: (البتعمل فيها دي شغلة حريم اتكلم عديل وخليك راجل)    الفنانة إنصاف مدني تفاجئ متابعيها وتتراجع عن هجومها على مدير أعمال إيمان الشريف وتقول: (كل واحد يخلي ريستو في مريستو)    والي الخرطوم يقدم تنويرا لمسئولة الاتحاد الأوربي حول الأضرار التي لحقت بالمرافق الخدمية وجهود الولاية لإعادة إعمارها    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنان سجاد بحري "يُقبل" فتاة أمريكية والأخيرة تتوارى خجلاً وتطلب الزواج منه بعد اللقطة المثيرة    صمغ السودان يتآكل... 70% من الإنتاج يختفي وتهريب يغيّر خريطة التجارة    شيرين عبدالوهاب: ما زلت أريد الحياة والنجاح.. ومشهد من "تيتانك" أعادني    توجيهات بتشكيل لجان الزكاة القاعدية بعدد 186 حيا سكنيا بالخرطوم    راشد الماجد يحيى حفلا غنائيا فى أبو ظبى 30 أبريل    الزمالك يُنهي اليوم استعداداته لمواجهة إنبي غدا للاقتراب من درع الدورى    تطورات ملف تعديل عقد إمام عاشور فى الأهلى وحقيقة الغرامة المالية    حبيب متسلط يوشم اسمه عشرات المرات على وجه صديقته    كيف استفادت انستجرام من سناب شات وتفاصيل تطبيقها الجديد Instants للصور المختفية    أدوات رقابة أبوية جديدة بميتا لمتابعة تفاعل المراهقين مع الذكاء الاصطناعى    يوتيوب تى فى يطرح ترقية كبيرة لميزة "العرض المتعدد" (Multiview)    welcome back.. بهذه الطريقة هيفاء وهبى تعلن عودتها للعمل بعد وقف الحرب    ذكرى ميلاد هالة فؤاد.. أعرف قصة الفوازير التى جمعتها بصابرين ويحيى الفخرانى    ريهام عبد الغفور ومايان السيد ونجوم الفن يهنئون هشام ماجد بعيد ميلاده    كيف تنظم الساعة البيولوجية الداخلية للكبد إفراز الدهون اليومى؟    دراسة : كثرة القيلولة تُنذر بتدهور الصحة    قائد بقوات النور قبة يحسم جدل فيديو    نجاة ترامب من محاولة اغتيال    قضايا استراتيجية على طاولة الاجتماع الأول لمجلس الرومان الجديد    تطوّرات بشأن الميناء البري في الخرطوم    تفوق واضح للجراحة على المناظير في استبدال الصمامات الصناعية    معماري سوداني يفوز بالجائزة الكبرى لجمعية المعماريين اليابانيين والسفارة بطوكيو تحتفي بإنجازه    زيادة أسعار غاز الطهي بالخرطوم    الهلال في اختبار لا يقبل التعثر    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: السيد رئيس الأركان هناك راجمة (ضاربة) على السودان    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    ترامب: سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    إحباط محاولة تهريب في السودان    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    السودان.. القبض على 4 ضباط    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكري مرور ( 47) عاما علي نكسة الخامس من حزيران/ يونيو 1967م
نشر في الراكوبة يوم 05 - 06 - 2014


توثيق للأجيال العربية والسودانية الجديدة :
في ذكري مرور ( 47) عاما علي نكسة الخامس من حزيران/ يونيو 1967م
لاتزال أجيال عربية عديدة تهتم بالشأن القومي العربي وبالأمن الإستراتيجي العربي تتذكر تلك النكسة التي ضربت العرب وبقيادة مصر وقتذاك في مقتل ، إثر إنتهاء ما تسمي بحرب الأيام الست التي تمكنت فيها إسرائيل من إحداث هزيمة قاسية وقاضية علي الأمة العربية، إبتداءً من تاريخ 31 آيار / مايو 1967م وحتي صبيحة الخامس من حزيران / يونيو 1967م بعد أن طلبت القيادة المصرية بزعامة رئيسها جمال عبدالناصر من الأمين العام للأمم المتحدة وقد كان يشغل المنصب وقتها ( المستر أوثانت ) وهو بورمي الجنسية ، أن تقوم الأمم المتحدة بسحب مراقبيها المتواجدين في مضائق ( تيران ) علي البحر الأحمر منذ حرب العدوان الثلاثي علي مصر في العام 1956م والذي قادته كل من إسرائيل وإنجلترا وفرنسا ، بسبب قرار عبدالناصر بتأميم قناة السويس حيث كانت القناة تتشكل من شراكة بين فرنسا وبريطانيا ومصر منذ أن تم حفرها بواسطة المهندسين الفرنسيين في العام 1868م إبان حكم الخديوي ابراهيم باشا في مصر ، وذلك لتسهيل الملاحة البحرية والربط بين البحر المتوسط والأحمر ، بعد أن كانت السفن التجارية تبحر لشهور عديدة مابين اوربا وآسيا عن طريق رأس الرجاء الصالح ( كيب تاون ) في جنوب أفريقيا .
وبعد رحيل قوات الأمم المتحدة من مضايق تيران في الثلاثين من مايو 1967م والتي كانت تراقب الملاحة والحدود علي البحر الأحمر بين مصر وإسرائيل ، قامت مصر بشن هجومها العسكري منطلقة من صحراء سيناء المصرية برا تجاه إسرائيل عبر ميناء رفح ثم عبر قطاع غزة الذي كان مصريا فلسطينيا صرفا ... وبعدها بأيام حدثت الكارثة وهي نكسة حزيران 1967م حين جاءت الخدعة من السفير السوفييتي بالقاهرة الذي أيقظ الرئيس عبدالناصر في الرابعة من صبيحة الخامس من حزيران/يونية 1967م ، طالبا منه وحسب رأي الرئيس السوفييت ليونيد برجنيف بألا تبدأ مصر بضربة الطيران الاولي وسوف تضغط امريكا علي اسرائيل بايقاف اسعداداها والدخول في حلول سلمية تجنب المنطقة الحرب وويلاتها .
وهقد كان في الامر خدعة أمريكية إنطلت علي القادة الروس ، وقد إستجاب عبدالناصر لرأي برجنيف ، فقام السفير بابلاغ موسكو بالموافقة ، وقد ابلغت موسكو واشنطون تلقائيا بالخط الأحمر ( وهو خط هاتفي مباشر يربط البيت الابيض بالكرملين ) ولكن حدثت الخدعة هنا .
فلم تمر ساعتين إلا وتغير المقاتلات الأسرائيلية وتضرب كل المقتلات الجوية المصرية وهي قابعة مسترخية بالمطارات الحربية العديدة في مصر ، برغم ان الرئيس عبدالناصر قال وقتها للمشير عبدالحكيم عامر القائد العام بأن يخلي ثلثي المقاتلات إلي السودان تحسبا لأي غارة اسرائيلية ، فلم ينفذ الامر ، فحدثت النكسة وأصبحت القوات المصرية المتوغلة والزاحفة براً في سيناء تجاه إسرائيل بلا غطاء جوي ، فأتي قرار إنسحاب تلك القوات من المشير عبدالحكيم عامر .. فكان إنسحابا عشوائيا عجل بالهزيمة .. ولكن وبرغم كل ما حدث ، فقد صمدت القوات المصرية بكل شجاعة برغم النكسة .
وفي ذلك الزمان كان التضامن العربي مفككاً ، وكانت العلاقات بين مصر والعديد من الدول العربية في أسوأ حالاتها ،وبخاصة مع السعودية ، وهنا كان لابد للجامعة العربية أن تنعقد ، حيث كان أمينها العام وقتذاك هو ( عبدالخالق حسونه) ، فقررت الجامعة عقد مؤتمر لوزراء الخارجية العرب في العاصمة العراقية بغداد وبدعوة من رئيسها وقتذاك ( عبد الرحمن عارف ) الذي خلف شقيقه في الحكم عبدالسلام عارف الذي كان قد مات قبل عام وقتها .
وفي بغداد ، حدثت عدة مقترحات متضاربة بمؤتمر وزراء الخارجية الذي إنعقد في بداية اغسطس1967م أي بعد الهزيمة بشهرين ، حيث كان هناك خلافا بائنا بين قيادة حزب البعث في العراق وقيادة البعث في سوريا التي كان يراسها نور الدين الأتاسي ، كما كانت كل من الجزائر بقيادة الرئيس العقيد هواري بومدين ، والجمهورية السورية تريان أهمية الإعتماد علي العمل في الكفاح المسلح بإبتكار حرب شعبية علي غرار حرب التحرير الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي التي أستشهد فيها مليون شهيد ، كانت دماؤهم وأرواحهم مهرا لإستقلال الجزائر في العام 1962م.
وهناك دول عربية أخري كانت تري بمؤتمر الخارجية العربي ببغداد ، بما في ذلك مصر التي كان يشغل منصب وزير الخارجية فيها الدبلوماسي الراحل( د . محمود فوزي ) والذي شغل منصب رئيس الوزارة في حكومة السادات بعد رحيل عبدالناصر . كانوا يرون بأنه لابد من الدول العربية المنتجة للنفط من أن توقف تصدير النفط للدول الغربية المساندة لإسرائيل وهي الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية واليابان والتي كانت مجتمعة تشتري في حدود 90% من البترول العربي . علما بأن الدول العربية المنتجة له كانت في ذلك الزمان هي المملكة العربية السعودية ، والكويت ، والعراق ، وليبيا التي كان يتولي الحكم فيها الملك إدريس السنوسي .
وفي ذلك المؤتمر ببغداد ذكر الشيخ صباح الأحمد الصباح وزير خارجية الكويت في ذلك الزمان ، وأميرها الحالي ، في مؤتمر الخارجية العرب ببغداد بأن مسألة إيقاف تصدير النفط يأتي بأضرار ثلاثة أساسية ، وهي توقف مشروعات التنمية الطموحة في الدول النفطية وما ينعكس من ذلك في إلغاء حوالي 250 ألف وظيفة ظل يشغلها المواطنون العرب في دول النفط ، والسبب الثاني هو أن عائدات النفط في حالة تصديره سوف تجعل الدول النفطية قادرة علي مساعدة الدول العربية غير النفطية ، أما الإقتراح الكويتي الأهم هو أن تقوم الدول النفطية بالعمل علي توفير ميزانيات لإعادة بناء القوات المسلحة لمصر ولدول المواجهة الأخري حتي تتمكن من إستعادة قدراتها تارة أخري للخوض في حرب تحرير للأراضي العربية المحتلة بواسطة إسرائيل .
وفي ذلك الزمان ، كان السودان يترأسه مجلس السيادة السوداني ( رأس الدولة ) برئاسة الزعيم إسماعيل الأزهري ، كما كان يترأس الحكومة رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب حيث كان نظام الحكم إئتلافيا بين الحزبين ، الإتحادي والأمة ، وقد كانت لهما الغلبة في البرلمان وقتذاك ، حيث كان الإقتراح السوداني يتمثل في دعوة الزعماء العرب جميعهم لمؤتمر قمة يعقد بالخرطوم قبل نهاية أغسطس 1967م وفق خطة كانت ترمي إلي خلق تضامن عربي حقيقي وإنهاء كافة الخلافات ، كمدخل لإيجاد حلول لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربي التي إحتلتها إثر تلك الحرب الخاطفة ، ولمساندة الشقيقة مصر ورئيسها بقوة جماهيرية بائنة ، وهو ماحدث لاحقا عند وصول عبدالناصر لمطار الخرطوم لحضور مؤتمر القمة العربي
وقد طلب الرئيس إسماعيل الأزهري من السيد علي الميرغني الإتصال بالملك فيصل حاثا له بأهمية الحضور ، لأن حضوره لقمة الخرطوم العربية سيمثل قوة دفع عالية لإيجاد الحلول للقضية العربية ، لما للملك شخصيا وللمملكة من أدوار ووزن عربي وإسلامي ودولي ، فضلا علي قوة الوزن الإقتصادي السعودي . وهنا أرسل السيد علي الميرغني نجله ( السيد أحمد الميرغني( رئيس الدولة لاحقا في ابريل 1986م ) والذي إنتقل إلي الرفيق الأعلي في نوفمبر 2008م بمنزله بالإسكندرية ، حيث حمله والده السيد علي الميرغني الكبير رسالة خطية للملك فيصل بهذا الشأن ، وعلي إثرها أكد الملك فيصل حضوره للقمة العربية ، وهبطت طائرته بمدرج مطار الخرطوم بعد دقائق قليلة من وصول طائرة الرئيس جمال عبدالناصر في صباح يوم 28 أغسطس 1967م .
وفي ذلك اليوم ، وصل الزعماء العرب إلي مطار الخرطوم ، ولم ينقض النهار إلا وتصل جميع الوفود العربية ، وقد تمت إستضافتها بالفندق الكبير وبفندق السودان ، حيث لم يكن هناك وجودا للفنادق الأجنبية بالخرطوم كالهيلتون والمريديان وروتانا وغيرها ، لكن هناك زعماء قد أوفدوا من ينوبون عنهم ، فالرئيس التونسي الحبيب بورقيبة لم يحضر لأنه كان له رأي مسبق أطلقه منذ العام 1965م بأهمية الإعتراف بإسرائيل وبإبرام سلام معها بشرط أن توافق إسرائيل علي قيام الدولة الفسطينية وفق التقسيم الذي تم في العام 1947م بواسطة الأمم المتحدة ، فهاجمه معظم القادة العرب وقتذاك ، فإنتدب للمؤتمر رئيس وزرائه الباهي الأدغم ، كما أن الملك الليبي إدريس السنوسي إنتدب إبنه الأمير محمد ، كما حضر الأمير الحسن بديلا عن والده الملك محمد الخامس ملك المملكة المغربية ، وكذلك تغيب الرئيس الجزائري العقيد هواري بومدين ، حيث أوفد وزير خارجيته وقتذاك عبدالعزيز بوتفليقة وهو الرئيس للجزائر حاليا . وقد حضر كل من الرئيس جمال عبدالناصر والملك فيصل والشيخ صباح السالم الصباح أمير الكويت ، والرئيس العراقي عبدالرحمن عارف ، واللبناني شارل الحلو ، والسوري نور الدين الأتاسي ، واليمني المشير عبدالله السلال ، والملك حسين بن طلال ملك الأردن ، وقد مثل منظمة التحرير الفلسطينية رئيسها الراحل احمد الشقيري كمراقب والذي خلفه فيما بعد ياسر عرفات في رئاسة المنظمة.
وهنا فقد بدأت الجلسة الإفتتاحية الإجرائية في تمام الساعة السادسة من مساء يوم 28 اغسطس 1967م بكلمة ترحيبية من الرئيس السوداني إسماعيل الأزهري ، ثم بدأت الجلسات طوال أيام 29 و30 و31 أغسطس ، حيث شرح عبدالناصر الموقف المصري بالضبط ، وأيضا تحدث الملك حسين غير أن هناك جهودا خارج الكواليس كانت تتم بين الأزهري والمحجوب والملك فيصل من جانب ومع عبدالناصر من جانب آخر ، حيث كانت الخرطوم تتبني فكرة مقترح الكويت الذي طرحه وزير خارجيتها ببغداد والقاضي بتدبير دعم مالي فوري لمصر والأردن لبناء قدراتها العسكرية مرة أخري .
وهنا فقد تهيأ عبدالناصر للمقترح تماماً ( مقترح المصالحة وإذابة الجليد بينه والملك فيصل ) ، فقام الازهري والمحجوب بجمع عبدالناصر مع الملك فيصل في داره بالخرطوم 2 بعد تمهيد ليومين كاملين وذلك لتتويج لإنهاء الخلافات بينهما ونجحا في ذلك تماما ، وإنتشر الخبر عبر وكالات الأنباء التي كانت مرابطة حتي المساء المتأخر بدار المحجوب ، وقد أزف الخبر للوكالات والصحف وزير الإعلام وقتها الأستاذ عبدالماجد أبو حسبو المحامي ، وبالتالي قد تم وضع حلول لحرب اليمن يتبناها المحجوب شخصيا لاحقا . وهنا فقد كانت أكبر نتيجة إيجابية لمؤتمر الخرطوم هو أنهاء الخلاف التاريخي بين الدولتين الشقيقتين ( مصر والسعودية ) وعلي إثرها توقفت حرب اليمن حين كانت مصر تساند ثوار اليمن ضد حكم الامام في اليمن وفي المقابل كانت السعودية تساند جيش الامام ، فساعد ذلك في نجاح بقية جلسات القمة العربية وفي قرارتها التي كانت تتم بالإجماع .
وقد قيل وقتها أن المحجوب كان قد سأل الفيصل عن مقدار الدعم المالي الذي سوف تقرره السعودية لمصر والأردن ، غير أن الفيصل ذكر له بأنه سوف يفصح عن الرقم من داخل جلسة المؤتمر ، وهنا وعند إنعقاد المؤتمر في جلسته الأخيرة ، بدأت بريطانيا وقتذاك بإطلاق مبادرة بوساطة وزير خارجيتها اللورد كارادون بأن تنسحب إسرائيل إلي حدود ماقبل يونيو1967م مقابل إعتراف العرب بها والدخول في مباحثات معها تحت رعاية الأمم المتحدة ، ما دعا المؤتمرين بالخرطوم بإطلاق اللاءات الثلاثة التي عرف بها المؤتمر حتي لا ينخدع العرب مرة أخري وهي:( لا تفاوض ولا صلاح ولا إعتراف بإسرائيل ) إلا بعد أن تنسحب من الأراضي التي إحتلتها في الخامس من حزيران/يونيو 1967م.
أما عن الدعم المالي النفطي لدول المواجهة ، فقد قررت السعودية دفع خمسين مليون جنيه إسترليني سنويا ، وتبعتها الكويت التي قررت ثلاثين مليوناً ، فالعراق أربعين مليوناً ، وتبقت الدولة النفطية الأخيرة وهي ( ليبيا) حيث إعتذر موفدها محمد بن إدريس السنوسي بسبب عدم مشورة والده الملك في الأمر ، وهنا فقد أخذه المحجوب للتو إلي مكتب رئيس الجمعية التأسيسية في مقر برلمان الخرطوم الحالي حيث كان مؤتمر القمة يعقد جلساته فيها ، وقام المحجوب بالإتصال هاتفيا بمكتب الملك السنوسي في طرابلس ، حاثاً إبنه الأمير محمد بأخذ موافقة والده الملك إدريس السنوسي بمقررات القمة ، فحدثت إستجابة فورية من الملك ادريس السنوسي بدفع ثلاثين مليوناً وبالتالي وصل مجموع الدعم العربي من الدول النفطية الأربعة إلي مائة وخمسين مليون جنيه إسترليني سنويا وهو مبلغ كبير بموازين وظروف إقتصاديات ذلك الزمان .
وهنا .. وحسب ماذكر المحجوب في كتابه ( الديمقراطية في الميزان ) الصادر في بيروت في العام 1973م باللغتين إبان السنوات الأولي لحكم الرئيس نميري ، أن الملك فيصل قد أسر للمحجوب تقديرا لدور السودان في هذا المؤتمر الناجح ، بأنهم سوف يقررون دعما آخراً للسودان بسبب مصاعبه الإقتصادية ، والتي سوف تتعقد أكثر بسبب إغلاق مصر لقناة السويس للملاحة البحرية حيث تتجه السفن التجارية مرة أخري للإبحار عن طريق رأس الرجال الصالح في الجنوب الأفريقي ، وما يترتب علي ذلك من إرتفاع في أجور شحن البضائع التجارية( النولون البحري ) ولكن هنا جاء رد محمد احمد محجوب قاطعا وبكل لطف حيث شكر الملك فيصل ، ملعنا رفض حكومته لأي دعم مالي سعودي او عربي حتي لا يقال أن السودان يبيع مواقفه العربية بالجهد الذي بذله في هذا التضامن العربي الفريد ، بعد أن راهن الغرب علي تشتت العرب بعد الهزيمة النكراء المباغتة في الخامس من حزيران/يونيو 1967م ، وهنا فقد أدمعت عينا الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز الذي قدر جداً عزة نفس أهل السودان وكبرياء قيادته الجميل في مثل هذه المواقف الحرجة. .( ما أروع رجال ذلك الزمان الذين كان بهم السودان شامخاً ) .
وإنتهت تلك القمة التاريخية ، قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاثة ، ودخلت مصر في إعادة بناء جيشها مرة أخري حيث تفرغ الرئيس عبدالناصر تماما لهذا البناء بعد ان أزاح كل القيادات السابقة من الحكم كالمشير عبدالحكيم عامر ووزير الحربية شمس بدران ومعظم قادة الجيش ، فضلا علي إعفاء مدير المخابرات الحديدي اللواء صلاح نصر ، بل وتقديمهم جميعا إلي محاكمات عسكرية بسبب التراخي في تلك الحرب ، غير أن المشير عبدالحكيم عامر ، قد سبق الأمر وقام بإلإنتحار بتناوله لحبوب ذات سموم عالية وهو في مقر إقامته الأجبارية بمنزله بالهرم .
ومن جانب آخر ، كلفت الدول العربية علي إطلاقها السيد محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان وزير خارجيته بالتحدث نيابة عن المجموعة العربية بجلسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول المشكلة العربية الإسرائيلية ، وقد أجاد طرح القضية بلغته الإنجليزية الراقية الرفيعة والمقنعة وبالتلي خرجت جلسة الام المتحدة بقرارها التاريخي بالرقم (242) وهو إنسحاب أسرائيل من الاراضي التي احتلتها في العام 1967.
ورحم الله جميع القادة العرب الذين فارقوا الدنيا فيما بعد ، وبقي التضامن العربي صامدا حتي وقت قريب ، وقد إعترته خدوش عنيفة بعد التطورات السياسية التي لحقت ببعض الدول مما سبب لها مواقفا حرجة أضاعت عليها الكثير من المكتسبات ، بمثلما ظلت شعوبها تعاني من آثار حصار اقليمي ودولي لم تكن تلك الشعوب طرفا فيها ، وقد سببته مراهقات الأنظمة ورعونة وغباء تفكير قياداتها التي توقف عطاؤها عند حد معين بسبب ضعف قدراتها الفكرية وضيق نظر قياداتها المحدود جداً وثقافة العنف الذي اصبح ديدنها ، وقد أدخلت نفسها في تعقيدات دولية يصعب الخروج منها ، فيسبب ذلك المزيد من المعاناة لشعوبها مثلما نري حالياً من حروب اهلية ونزوح وموت ودمار وتحطيم لكل البنية التحتية التي بنتها شعوبها عبر حقب طويلة من الزمان ، ما يضع اثقالا ضخمة عليه الاجيال القادمة لأنها ستبدأ من الصفر وربما من تحت الصفر .
ومايثير الدهشة العريضة جدا هو أن السودان الذي كان يجمع العرب في اصعب الأوقات ، أصبح هذا السودان يحتاج إلي من يجمعه ، حيث يواجه الآن أكثر القرارات صعوبة ، وأكثر الأزمنة تعقيدا في كل صباح جديد ، ولا نملك إلا التمسك بالإصرار لإجتياز المرحلة القادمة مهما كانت نتائجها ، بقدرما ندعو أهل السودان في الشمال وبدولة الجنوب أن يحاولوا مجرد محاولات في جعل الزمان القادم أكثر إستقراراً ورفاه وتنمية في شطري البلاد ، دولة الجنوب ودولة الشمال إن جاز التعبير .
فهل يجتاز السودان وسورية الشقيقة ايضاً تعقيداتهما الحالية لترتاح هذه الشعوب المغلوب امرها جدا كما نري في البلدين ؟؟؟
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.