العراق ثامن المنتخبات العربية في المونديال    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    5 تصرفات تتسبب فى تدمير العلاقة العاطفية.. أخطرها سؤال أنت فين دلوقتى؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    ميسي ورونالدو على رأس أساطير التهديف في الدوري الإسباني    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البعاتي
نشر في الراكوبة يوم 01 - 08 - 2014


تداعيات
الي ادم سحنون - تحديدا
هانذا اتململ علي سريري, ظلام الغرفة يكثف خوفي جهزت الادوات اللازمة للحماية من ذلك الهاجس الغريب, كرتونة, هي قطعة صغيرة من الكرتون غرزت فيها عددا من الابر, هذه القطعة الصغيرة من الكرتون وضعتها تحت المخدة في الجانب القريب من يدي اليمني, لا اطمئن الا اذا وضعتها داخل يدي اليمني بعد ان اضعها تحت المخدة.
في الجانب الايسر من المخدة القريب ايضا من متناول يدي اليسري, وضعت الشبط البلاستيكي ولا اطمئن الا اذا وضعت يدي اليسري علي (فردتي) ذلك الشبط, يهرب مني النوم وانا اتوقع في أي لحظة حضور ذلك الكائن العائد من موته.
لم انس ان اضع تلك الكاميرا ذات اللون الازرق علي (سحارة) جدتي (بت مدني) التي احتفظ فيها بالكتب والمجلات المصورة, مجلة الصبيان وميكي وسمير والوطواط وسوبرمان وطرزان وبونانزا والرجل العنكبوت والرجل البرق, كانت تلك السحارة موضوعة امام شباك الغرفة والسرير الذي انام فيه موضوع بالقرب من هذه السحارة, هذه الكاميرا الزرقاء اللون هي موضوع خوفي من ذلك الهاجس, كانت هذه الكاميرا تخص هذا الكائن العائد من موته, صديقي (ادم سحنون) الذي يسكن في حي (ام بطاح) حرضني علي ان اصر علي اخذ هذه الكاميرا من شاب يجاورهم في السكن وكان له هناك متجر صغير.
كان هذا الشاب طيبا بما فيه الكفاية حتي انه لم يبد اعتراضا علي ذلك الطلب وتركنا ناخذ انا وادم تلك الكاميرا متعلقين بتحسسنا الطفولي لمعرفة هذه الآلة التي تستطيع ان تهب الانسان صورته وهذه ميزة تحرض علي نزعة ذلك التملك الطفولي للاشياء.
هانذا اتململ علي سريري وقطعة الكرتون الصغيرة بها عدد من الابر وهاهما (فردتا) شبطي البلاستيكي تحت مخدتي وهاهو ظلام الغرفة يكثف داخلي تفاصيل الخوف والهواجس.
الشاب الذي اخذنا منه انا وصديقي ادم سحنون تلك الكاميرا طبعا لم نرجعها اليه لمدي اكثر من شهر.
هذا الشاب مات فجأة اثر علة لم تمهله طويلا, ابلغني ادم ذات صباح ونحن في حوش المدرسة – مدرسة كادقلي الشرقية التي تحولت من الاولية الي الابتدائية بعد ما يسمي بالسلم التعليمي.
كان ذلك في العام 1970م من القرن المنصرم ونحن نتهيأ ونستعد لامتحانات الدخول الي الثانوية العامة, ابلغني ادم بذلك الخبر, خبر موت ذلك الشاب صاحب الكاميرا الزرقاء, بعدها بايام, جاءني ادم منزعجا يقول
ان الشاب صاحب الكاميرا الذي مات قد رجع الي الحياة وهو الان (بعاتي) يتجول في حي (ام بطاح) وقد جاء ليلا وفتح متجره الصغير وقد شاهده بام عينه (حميدان) الذي رجع مخمورا من سهرة في الحامية العسكرية،
لمح حميدان ضوء فانوس المتجر الصغير وفكر في سيجارة النوم وحين وصل المتجر راي ما لم يكن في الحسبان, راي الشاب الذي مات قبل اقل من شهر وهو يتجول داخل متجره الصغير وهو يبحث عن شئ مهم.
دقق حميدان النظر مغالبا فكرة انه مخمور ليس الا, ولكن هاهو الشاب البعاتي يقترب منه فجفل راكضا متخليا عن ترنحه وكان الشاب البعاتي يركض وراءه وسرعان ما امسك البعاتي بحميدان وبصوت فيه (نخنخة) قال البعاتي لحميدان: (بتجري مني مالك يا حميدان؟) وينفلت حميدان من قبضة البعاتي ويركض البعاتي وراءه ويمسك به متسائلا ذات السؤال: (بتجري مني مالك يا حميدان؟) وهكذا بين انفلات وركض وسؤال متكرر ولمدي اكثر من ثلاثة ساعات قضاها حميدان راكضا في أي اتجاه حتي انه وجد نفسه وهو يلهث من التعب امام سينما كادقلي وكان الوقت فجرا وديوك حي (العصاصير) القريبة من السينما تتصايح.
جاءني ادم مفزوعا بحكاية حميدان هذي وحين لمح في عيوني اتهامي له بانه خيالي, اصر علي ان اقابل حميدان في (ام بطاح).
المهم ، الشاب صاحب المتجر الصغير في (ام بطاح) الذي اخذنا منه الكاميرا الزرقاء قد عاد من موته كي ياخذ ما يخصه من اشياء, قيل انه اخذ كل ملابسه وقد اخذ ايضا العود الذي كان يعزف عليه امام متجره.
وفي الليالي المقمرة كان صوت عوده يسمع من اتجاهات مختلفة وهذا يعني انه يتحاوم في وخارج الفريق, المصيبة, ان الكاميرا الزرقاء معي انا وهذا يعني ان علي ان استعد للقاء هذا الكائن المخيف لانه حتما سياتي لاخذ كاميرته. وبذلك المنطق الطفولي تجاه هذا الحدث غير العادي والذي ينتمي التي تالك الفكرة الغريبة التي تتعلق بعودة الموتي, يقول لي ادم :
(يمكن يجيني في البيت ويقول عايز الكاميرا)
- (خلاص انت شيل الكاميرا معاك وكان جاك اديها ليهو)
- ( لكن هو ما عارف انو انت الاختا الكاميرا)
- (انا اول مرة اقابلو وهو ساكن جمبك)
- (لا, انت خلي الكاميرا معاك وبعدين لمن يجيني انا بقول ليهو الكاميرا عندك وحيجي ياخدها منك)
- ( هو حيجيك انت اول لانو ساكن جمبك وبعدين هو ما عارف انا ذاتو ساكن وين)
- (منو القال ليك, ده بعاتي بكون عارف أي حاجة)
وهكذا اصبحنا نتحدث انا وادم عن ذلك الشاب الميت صاحب الكاميرا باعتباره موجودا وحيا في صورته تلك الغريبة, صورة البعاتي.
الشعور بذلك الرعب من ان تلتقي بهذا البعاتي الذي بينك وبينه علاقة هي تلك الكاميرا, ووصلنا بعد نقاش غريب وطويل به افكار الهروب من تلك المواجهة المرعبة ودخلنا في تفاصيل وتفاصيل وصلنا بعدها ان تكون الكاميرا معي يوما وتكون مع ادم اليوم التالي وهكذا حين ياتي الشاب البعاتي لياخذ تلك الكاميرا التي تخصه, فاذا وجدها معي فبها واذا لم يجدها معي ساخبره انها مع ادم وهكذا في حالة مجيئه لادم.
كل ذلك ونحن مدفوعون بذلك الرعب من تلك الفكرة نكون قد اقتسمنا الخوف بيننا.
يغيب عني ادم في الامسيات وياتيني في الصباح بحكايات وحكايات عن ذلك الشاب البعاتي, ياخذ الكاميرا معه يوم ويرجعها الي في اليوم التالي ونحن في حالة هذا الرعب والخوف الكثيف جمعنا كل معلومة تخص هذا الكائن العائد من الموت, عرفنا ان البعاتي لا يمكن ابدا ان تهرب منه, كلما ركضت منه تجده امامك واذا حدث واشتبكت معه في عراك فهو الغالب دائما وانت المغلوب لانك اذا رميته علي الارض فستجده من فوقك, عرفنا ايضا ان صوت البعاتي به (نخنخة) وذلك من اثر القطن الذي يوضع علي انف الميت عادة وجاءني ادم بفكرة غريبة لم املك الا تنفيذها وهي ان ظهر لك البعاتي فما عليك الا ان تغرز الابرة علي أي نعل مقلوب, لذلك حين تكون الكاميرا معي ومتوقعا حضور ذلك الشاب البعاتي, اجهز تلك الادوات, الكرتونة الصغيرة وعليها تلك الابر وفردتي شبطي البلاستيكي دائما تحت مخدتي وهكذا يفعل ادم ذلك حين تكون الكاميرا معه.
تنقلت بيننا الكاميرا وتنقل ايضا ذلك الخوف وذلك الرعب وهانذا استلقي مرعوبا علي سريري وبي من ذلك الانتظار – السريالي – انتظاري لهذا الكائن العائد من موته, بي من ذلك الانتظار تلك اليقظة ذات التوقع المخيف, اتحسس بيدي اليمني كرتونة الابر وبيدي اليسري فردتي الشبط واتاكد تماما من وضعهما بالمقلوب استعدادا لغرز الابر علي الشبط البلاستيكي وانتظر وانتظر وانتظر وبي كل مخاوف الدنيا. وفجأة احس بحركة علي الشباك ولا املك إلا اصابعي تلك المرتجفة وهي تمسك بكرتونة الابر وفردتي الشبط تحت مخدتي, اتشبث بادواتي الدفاعية تجاه هذا الكائن المخيف واحس براسي قد تنمل وفجاة احس بخبطة علي الشباك واحس بشئ يقع علي صدري واصرخ, اصرخ, اصرخ بكل خوف الدنيا. اصرخ واغرز ابرة علي الشبط المقلوب, اصرخ واغرز ابرة اخري, اصرخ واغرز, اغرز واصرخ, اصرخ واغرز كل الابر علي فردة الشبط, صرختي ايقظت كل من في البيت وحين جاءت امي وهي تحمل في يدها بطارية وحين فتحت الغرفة سقط ضوء البطارية علي ذلك القط الذي قفز علي صدري من الشباك, وجدتني امي منكمشا علي السرير من الخوف مبتلا من العرق واحمل في يدي فردة الشبط التي تحملت كل تلك الابر.
في الصباح حملت معي الكاميرا الي المدرسة كي اسلمها لصديقي ادم سحنون ولكني فجاة قررت ان افعل شيئا اخر وهكذا و امام دهشة ادم حطمت تلك الكاميرا علي حجر كبير ولم يملك ادم الا ان يحتج وهو يحدق في الشظايا الزرقاء التي كانت قبل قليل كاميرا, احتج ادم وبصوت مشروخ بالهواجس :
- ( يعني كان جاني اقول ليهو شنو ؟) .
‎تداعيات .. يحي فضل الله البعاتي .. إلي ادم سحنون تحديدا هانذا اتململ علي سريري, ظلام الغرفة يكثف خوفي جهزت الادوات اللازمة للحماية من ذلك الهاجس الغريب, كرتونة, هي قطعة صغيرة من الكرتون غرزت فيها عددا من الابر, هذه القطعة الصغيرة من الكرتون وضعتها تحت المخدة في الجانب القريب من يدي اليمني, لا اطمئن الا اذا وضعتها داخل يدي اليمني بعد ان اضعها تحت المخدة. في الجانب الايس من المخدة القريب ايضا من متناول يدي اليسري, وضعت الشبط البلاستيكي ولا اطمئن الا اذا وضعت يدي اليسري علي (فردتي) ذلك الشبط, يهرب مني النوم وانا اتوقع في أي لحظة حضور ذلك الكائن العائد من موته. لم انس ان اضع تلك الكاميرا ذات اللون الازرق علي (سحارة) جدتي (بت مدني) التي احتفظ فيها بالكتب والمجلات المصورة, مجلة الصبيان وميكي وسمير والوطواط وسوبرمان وطرزان وبونانزا والرجل العنكبوت والرجل البرق, كانت تلك السحارة موضوعة امام شباك الغرفة والسرير الذي انام فيه موضوع بالقرب من هذه السحارة, هذه الكاميرا الزرقاء اللون هي موضوع خوفي من ذلك الهاجس, كانت هذه الكاميرا تخص هذا الكائن العائد من موته, صديقي (ادم سحنون) الذي يسكن في حي (ام بطاح) حرضني علي ان اصر علي اخذ هذه الكاميرا من شاب يجاورهم في السكن وكان له هناك متجر صغير. كان هذا الشاب طيبا بما فيه الكفاية حتي انه لم يبد اعتراضا علي ذلك الطلب وتركنا ناخذ انا وادم تلك الكاميرا متعلقين بتحسسنا الطفولي لمعرفة هذه الآلة التي تستطيع ان تهب الانسان صورته وهذه ميزة تحرض علي نزعة ذلك التملك الطفولي للاشياء. هانزا اتململ علي سريري وقطعة الكرتون الصغيرة بها عدد من الابر وهاهما (فردتا) شبطي البلاستيكي تحت مخدتي وهاهو ظلام الغرفة يكثف داخلي تفاصيل الخوف والهواجس. الشاب الذي اخذنا منه انا وصديقي ادم سحنون تلك الكاميرا طبعا لم نرجعها اليه لمدي اكثر من شهر. هذا الشاب مات فجأة اثر علة لم تمهله طويلا, ابلغني ادم ذات صباح ونحن في حوش المدرسة – مدرسة كادقلي الشرقية التي تحولت من الاولية الي الابتدائية بعد ما يسمي بالسلم التعليمي. كان ذلك في العام 1970م من القرن المنصرم ونحن نتهيأ ونستعد لامتحانات الدخول الي الثانوية العامة, ابلغني ادم بذلك الخبر, خبر موت ذلك الشاب صاحب الكاميرا الزرقاء, بعدها بايام, جاءني ادم منزعجا يقول لي: ان الشاب صاحب الكاميرا الذي مات قد رجع الي الحياة وهو الان (بعاتي) يتجول في حي (ام بطاح) وقد جاء ليلا وفتح متجره الصغير وقد شاهده بام عينه (حميدان) الذي رجع مخمورا من سهرة. لمح حميدان ضوء فانوس المتجر الصغير وفكر في سيجارة النوم وحين وصل المتجر راي ما لم يكن في الحسبان, راي الشاب الذي مات قبل اقل من شهر وهو يتجول داخل متجره الصغير وهو يبحث عن شئ مهم. دقق حميدان النظر مغالبا فكرة انه مخمور ليس الا, ولكن هاهو الشاب البعاتي يقترب منه فجفل راكضا متخليا عن ترنحه وكان الشاب البعاتي يركض وراءه وسرعان ما امسك البعاتي بحميدان وبصوت فيه (نخنخة) قال البعاتي لحميدان: (بتجي مني مالك يا حميدان؟) وينفلت حميدان من قبضة البعاتي ويركض البعاتي وراءه ويمسك به متسائلا ذات السؤال: (بتجري مني مالك يا حميدان؟) وهكذا بين انفلات وركض وسؤال متكرر ولمدي اكثر من ثلاثة ساعات قضاها حميدان راكضا في أي اتجاه حتي انه وجد نفسه وهو يلهث من التعب امام سينما كادقلي وكان الوقت فجرا وديوك حي (العصاصير) القريبة من السينما تتصايح. جاءني ادم مفزوعا بحكاية حمدان هذي وحين لمح في عيوني اتهامي له بانه خيالي, اصر علي ان اقابل حميدان في (ام بطاح). المهم الشاب صاحب المتجر الصغير في (ام بطاح) الذي اخذنا منه الكاميرا الزرقاء قد عاد من موته كي ياخذ ما يخصه من اشياء, قيل انه اخذ كل ملابسه وقد اخذ ايضا العود الذي كان يعزف عليه امام متجره. وفي الليالي المقمرة كان صوت عوده يسمع من اتجاهات مختلفة وهذا يعني انه يتحاوم في وخارج الفريق, المصيبة, ان الكاميرا الزرقاء معي انا وهذا يعني ان علي ان استعد للقاء هذا الكائن المخيف لانه حتما سياتي لاخذ كاميرته. وبذلك المنطق الطفولي تجاه هذا الحدث غير العادي والذي ينتمي التي تالك الفكرة الغريبة التي تتعلق بعودة الموتي, يقول لي ادم : (يمكن يجيني في البيت ويقول عايز الكاميرا) - (خلاص انت شيل الكاميرا معاك وكان جاك اديها ليهو) - ( لكن هو ما عارف انو انت الاخت الكاميرا) - (انا اول مرة اقابلو وهو ساكن جمبك) - (لا, انت خلي الكاميرا معاك وبعدين لمن يجيني انا بقول ليهو الكاميرا عندك وحيجي ياخدها منك) - ( هو حيجيك انت اول لانو ساكن جنبك وبعدين هو ما عارف انا ذاتو ساكن وين) - (منو القال ليك, ده بعاتي بكون عارف أي حاجة) وهكذا اصبحنا نتحدث انا وادم عن ذلك الشاب الميت صاحب الكاميرا باعتباره موجودا وحيا في صورته تلك الغريبة, صورة البعاتي. الشعور بذلك الرعب من ان تلتقي بهذا البعاتي الذي بينك وبينه علاقة هي تلك الكاميرا, ووصلنا بعد نقاش غريب وطويل به افكار الهروب من تلك المواجهة المرعبة ودخلنا في تفاصيل وتفاصيل وصلنا بعدها ان تكون الكاميرا معي يوما وتكون مع ادم اليوم التالي وهكذا حين ياتي الشاب البعاتي لياخذ تلك الكاميرا التي تخصه, فاذا وجدها معي فبها واذا لم يجدها معي ساخبره انها مع ادم وهكذا في حالة مجيئه لادم. كل ذلك ونحن مدفوعون بذلك الرعب من تلك الفكرة نكون قد اقتسمنا الخوف بيننا. يغيب عني ادم في الامسيات وياتيني في الصباح بحكايات وحكايات عن ذلك الشاب البعاتي, ياخذ الكاميرا معه يوم ويرجعها الي في اليوم التالي ونحن في حالة هذا الرعب والخوف الكثيف جمعنا كل معلومة تخص هذا الكائن العائد من الموت, عرفنا ان البعاتي لا يمكن ابدا ان تهرب منه, كلما ركضت منه تجده امامك واذا حدث واشتبكت معه في عراك فهو الغالب دائما وانت المغلوب لانك اذا رميته علي الارض فستجده من فوقك, عرفنا ايضا ان صوت البعاتي به (نخنخة) وذلك من اثر القطن الذي يوضع علي انف الميت عادة وجاءني ادم بفكرة غريبة لم املك الا تنفيذها وهي ان ظهر لك البعاتي فما عليك الا ان تغرز الابرة علي أي نعل مقلوب, لذلك حين تكون الكاميرا معي ومتوقعا حضور ذلك الشاب البعاتي, اجهز تلك الادوات, الكرتونة الصغيرة وعليها تلك الابر وفردتي شبطي البلاستيكي دائما تحت مخدتي وهكذا يفعل ادم ذلك حين تكون الكاميرا معه. تنقلت بيننا الكاميرا وتنقل ايضا ذلك الخوف وذلك الرعب وهانذا استلقي مرعوبا علي سريري وبي من ذلك الانتظار – السريالي – انتظاري لهذا الكائن العائد من موته, بي من ذلك الانتظار تلك اليقظة ذات التوقع المخيف, اتحسس بيدي اليمني كرتونة الابر وبيدي اليسري فردتي الشبط واتاكد تماما من وضعهما بالمقلوب استعدادا لغرز الابر علي الشبط البلاستيكي وانتظر وانتظر وانتظر وبي كل مخاوف الدنيا. وفجأة احس بحركة علي الشباك ولا املك اصابعي تلك المرتجفة وهي تمسك بكرتونة الابر وفردتي الشبط تحت مخدتي, اتشبث بادواتي الدفاعية تجاه هذا الكائن المخيف واحس براسي قد تنمل وفجاة احس بخبطة علي الشباك واحس بشئ يقع علي صدري واصرخ, اصرخ, اصرخ بكل خوف الدنيا. اصرخ واغرز ابرة علي الشبط المقلوب, اصرخ واغرز ابرة اخري, اصرخ واغرز, اغرز واصرخ, اصرخ واغرز كل الابر علي فردة الشبط, صرختي ايقظت كل من في البيت وحين جاءت امي وهي تحمل في يدها بطارية وحين فتحت الغرفة سقط ضوء البطارية علي ذلك القط الذي قفز علي صدري من الشباك, وجدتني امي منكمشا علي السرير من الخوف مبتلا من العرق واحمل في يدي فردة الشبط التي تحملت كل تلك الابر. في الصباح حملت معي الكاميرا الي المدرسة كي اسلمها لصديقي ادم سحنون وكني فجاة قررت ان افعل شيئا اخر وهكذا و امام دهشة ادم حطمت تلك الكاميرا علي حجر كبير ولم يملك ادم الا ان يحتج وهو يحدق في الشظايا الزرقاء التي كانت قبل قليل كاميرا, احتج ادم وبصوت مشروخ بالهواجس : - ( يعني كان جاني اقول ليهو شنو ؟) .‎


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.