صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رواية
نشر في الراكوبة يوم 23 - 08 - 2014

حلم الجعان رغيف ....... وحلم الشخص الثوري ثورة ثم التحرير
كعادة الشباب في ريعان شبابهم والذين يتسمون في هكذا المرحلة من العمر بالنشاط والحيوية والهمة والهموم بقضايا الامة السياسية والاجتماعية والامنية والاقتصادية . كان الخير يسير مع اقرانه من الشباب داخل مدينة جوبا يتناولون ويتفاكرون حول اوضاع البلد وما الت اليه الامور من الانحطاط والتدهور من حيث التنمية العمرانية والبشرية وانزلاق الوطن الى الدرك الاخير من القبلية والجهوية في ظرف بسيط جدا من عمر البلد. في وطن انهكته الوغى لما يناهز نصف قرن من الزمان منذ خروج الانجليز عن السودان او قل نظام الحكم الثنائي الانجليزي المصري في العام 1956 . وولوج الوطنيين السودانيين وتسنمهم على قمة الهرم الاداري والسلطوي في الدولة السودانية يحملون نفس الافكار التي كانت تحملها المستعمر الابيض عن جنوب السودان والمواطن الجنوبي الاغر . وما التقسيم الذي حدث بعد سودنة الوظائف الذي اتسم بالتقسيم الضيزي سوى خير دليل للخير واترابه من الشباب للضيم المتعمد لانسان الجنوب بشكل خاص وانسان الهامش السوداني بشكل عام من قبل المركز في الخرطوم حينئذ وحتى الوقت الراهن. فما كان امام انسان الهامش من خيار خلا خيار رفع الشكة في وجه الظلم واتباع طريقة الثورة سكة لرد تلك الحقوق المهضومة عنوة واقتدارا. فكانت ثورة 16 مايو في العام 1983 المجيدة التي زلزلت اركان المركز منذ الوهلة الاولى من نشاتها وحتى لحظة اعلان دولة جنوب السودان كدولة ذات سيادة وريادة على الملا في العام 2011. وبعد الانفصال هذا قال الخير كنا نحلم بوطن قدر احلامنا ودولة تشبهنا والتي لا تقل عن الطود الذي يسمى بجبل مرة في دارفور بغرب السودان من حيث القوة والمنعة والطول والصموت والبهاء كالسنع الافريقي عند اهلنا في دارفور الكريمة . وتضاهى العملاق الافريقي مؤسس ومفكر ثورة الهامش في السودان الاب المربي لكل الثوار ليس في القارة الافريقيا فحسب بل في كل القارات العالمية الستة على الاطلاق الضرغام الهمام الذي خطفه عنا اللزام بعد ان انجز السلام الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور . ولكن يا للوجد والاسى قال الخير تبخر عنا كل تلك الاحلام الجميلة مع مرور الايام بل واصابها فينا السام من شدة سخونة وحرارة وطحونة ماكينة الفساد والكساد وتعزيب العباد في البلاد دون الاسناد الى القانون والدستور الذي يحكم البلاد. مع انها دولة اشتقت اسمها من السواد وسكانها الزنوج هم السواد الاعظم ويحكمها كقواد اعضاء سابقيين في المنظمة الثورية التي كانت رئيسها علم من بين جميع الرواد وفطحل عظيم بين الفطاحلة الثورية والسياسية والعسكرية في القارة السمراء. ان الرئيس بعد التحرير او بالاحرى التحوير صار يجوب ويصول المدن الجنوبية ناويا مخاطبة الشعب وابلاغهم برسالة لا يفهمها الا شخوص امثاله ولا يفقه لغة الخير الا الخير فكان خطابه على شاكلة :
يا شعبي في هذه الدولة الطيبة اهلها احييكم تحية نضالية مغمورة بعبق الياسمين , واعلم علم اليقين ان ثمة مواطنون يموتون بسبب المسغبة مع العلم ان جنوب السودان دولة منعومة بخيرات طبيعية لا تعد ولا تحصى . لاسيما الارض التي تتسم بالخصوبة والتي يمكن ان تنجح فيها اي محصول على وجه هذه البسيطة اذا زرع فيها دون كثير عناء كما هو الشان في الاقطار العالمية الاخرى . ولكن رغم هذا ليس ثمة مشاريع زراعية كبرى في البلاد نزرع فيها ما يكفينا للعيش بكرامة والشهامة دون ان نشحذ اي دولة في هذه البسيطة ليمدنا بالعيش او بدقيق وانقالي لنسد به رمقنا كما هو حاصل الان . يغوى مواطنون عزاز منا في كل فجر جديد بسبب الاسقام البسيطة مع العلم التام ان لو كان تم بناء مشافى في ارزان البلاد لما لقي اؤلئك النفر من المواطنيين حتفهم بهكذا السهولة واليسرة على يد الداء . ان سام الاطفال والنساء والنهابل يوميا في هذا الوطن الوهاص يا ناس لامر لا يقبله الراس مهما كان الاسباب ومني شخصيا لا يجد سوى الادانة باغلظ الالفاظ . المواطنون الاعزاء , ادري تمام الادراك ان دولة جنوب السودان منذ ان فطرها العلي القدير كرقعة في هذه الغبراء لم تسفلت فيها طريق واحد بالزلط حتى يسهل ذلك حركة السير للسيارات من ولاية واخرى ومن اقليم واخر وبالتالي يسهل ذلك توافر البضائع في الاسواق الذي بدوره يجعل ترخص السلع امرا ممكنا للمواطن البسيط العادي في كل انحاء البلاد . ان هذا الامر لامر غير مقبول مني شخصيا كرئيس لهذا البلد وقائد لهذه الامة الابية التي تتسم بالنهوك والنهود من بين سائر العالميين على مشارق الارض ومغاربها .
وهلم جرا من الاسئلة الاستنكارية التي لن تجد من يجاوبها ماعدا سائلها نفسه وليس من شخص اخر مهما كان موقع ذلك الشخص الدستوري والاداري في هذه الدولة .وبينما الخير واقرانه يواصلون السير فاذا هم يتفاجؤن امامهم بيافطة او قل شئي شبه سبورة على الحائط جوار الشارع العام على جانبك اليمين ان كنت متجها من الشرق الى الغرب او الصعيد الايسر منك ان كنت متوجها نحو الشرق من الغرب اتيا من مطار جوبا الدولي قاصدا سوق جوبا الكبير او العكس . في هذه اليافطة كتب عليها عبارة (فنادق خمسة نجوم لبنج محمد اليسع) سال الخير واحد من مرافقيه مايكل اين توجد هذه الفنادق التي تتم الدعاية لها هنا ؟ اه يا الخير ما بتعرف من زمان وين فنادق البنج محمد ؟ والله ما بعرف اجاب الخير .تعالوا نوريكم فنادق محمد اليسع والله اكان شفتو لمن تخجلوا من انفسكم ذاتو فندق ذي الفندق تحلف تقول برج الفاتح , قالها مايكل ضاحكا , اعرج الخير واترابه نحو الداخل لكي يتناولوا قسطا من الراحة من شدة التعب والارهاق من السير من الصباح من حي الشركات في الجزء الجنوبي من مدينة جوبا مرورا بكتور , حي ملاكال الى حيث توجد هذه الفنادق جوار مطار جوبا الدولي .
جلس الخير منبهرا جدا من هذا الفندق الاية في الجمال والذي لا يضاهيه اي فندق من فنادق الجنوب الغفيرة والمبثوثة في كل مكان من حيث البناء والزينة والخدمات التي تقدمها لزبائنها المعتادون من وزراء الحكومة الاتحادية وبكر الدولة وحاشيته الاقربون من اليمين والشمال . جاءت متجهة الى حيث كان يجلس فيه الخير ورفقائه سائرة كانها طاؤوسة من حيث الشهامة والهندامة والحلاوة , فسارع الخير سائلا رفقاؤه هامسة على اذن احدهم هل هي وزيرة من وزراء الحكومة الاتحادية يا كمرد ولا شنو ؟؟ . ولماذا تتجهنا نحونا هل نحن اقترفنا جريمة ما اثناء سيرنا في الطريق من غير ما نعلم ام ماذا يا كمرد ؟. تعرف يا كمرد انا زول ما محظوظ بالمرة قبل شهرين تم القبض علي من قبل طيور الشؤم بلا ذنب ارتكبته ومكثت في زنازين النظام تحت غيث من التعزيب الجسدي والنفسي قرابة الخمسة شهور قاحلات وفي النهاية اطلق صراحي دون ان اقدم الى المحكمة . هل يتكرر نفس الشي اليوم وانا لم اتبرا من الام جروح التعزيب السابق بعد ام ماذا ؟ ,هل هذا موت ام حياة يا رب العالميين هل لك ان تنقذني من على هذا الفك الذي يكاد ان يمضغني للتو قبل ان ينقض علي ؟. رغم محاولة مايكل تهدئة الخير الا ان محاولاته باءت بالفشل , بدا الخير يرجف رجفا ويتصبب عرقا ويتفوه بعبارات على شاكلة هل اعتقلت نفسي بنفسي ولا شنو ؟ وغيرها من شدة الخوف والهلع من ايات التعزيب من المعتقلات الحكومية المخيفة جدا التي مر بها في وقت سابق . اخيرا وصلت السيدة وسالت مباشرة هل تنوون خدمة مني , ان كنتم بحاجة الى اي خدمة فانا على اتم الاستعداد لمساعفتكم ؟
فعرف الخير وزملائيه ان الذي كان ياتي وقد وصلت اليهم الان ليست بوزيرة تحمل في يدها العصا تفعل بها ما تشاء وانما هي نادلة من نوادل الفندق . فسارع الخير بسؤالها عن اسمها لانه ليس بمصدق ان امامه هذا عاملة عادية من عمال الفندق
اسم الكريم من فضلك ؟ سال الخير
نحلة محمد سعيد اجابت هي اسمي بالكامل .
اه تنفس الصداء بعد ذلك الخير وقال الحمد لله اليوم سوف اوزع البلح كرامة لله ساكت للفقراء والمساكين حمدا لله لهذا اليوم ان شاء الله لما ارجع البيت رغم عوزي الشديد لاني عاطل عن العمل ولو لا ذلك اي لو كنت غنيا لذبحت الحمل او خروف كما يحلو لاهلنا السودانيين تسميته. قال الخير للنادلة روح جيب لنا ثلاثة موية صافية لاننا عطشانيين شديد من الصباح الساعة السابعة والصنف ونحن سائريين بالاقدام ( الارجل ) لان ليس لدينا عربة ولا مقدرة لدفع مبلغ كمقابل للمواصلات , لذا لم نجد الراحة منذ ذلك الحين والى الان الساعة الحادية عشرة وخمسة واربعون دقيقة بالتوقيت المحلي . ذهبت مسرعة واحضرت الماء التي كانت تبدو باردة للغاية فتركها الخير ورفقائيه قليلا في حر الشمس لكي تاخذ قسطا من الحرارة حتى يكون لهم مجالا لشرابها بسهولة لانهم لم يتعودوا على شراب هكذا المياة الباردة منذ استقلال الدولة . وبعد ان فعل الشمس فعله فيها احتسوا هذه المياة بنهم حتى ان الناس الذين كانوا يجلسون الى جوارهم اصابهم استغراب وباتوا يتسالون اين اتى هؤلاء الشيبة بهذا العليل ؟. تعالي نحن خلاص على اهبة الاستعداد للذهاب لكي ندفع لك حسابك , نادوا النادلة التي احضرت لهم الطلبات بادب وتهذيب , ومن ثم بدا كل واحد يفتش في جيبه حفنات القروش لكي يجمعوها ويدفعوها الى النادلة . اخرج الخير اثنين جنيه من جيبه بعد شق الانفس كما اخرج جون ثلاثة جنيهات ايضا بعد تلتلة وترزق مايكل بجنيه في جيبه , جمعوا كل هذه الجنيهات فكانت ستة جنيهات عملة جنوب السودان المحلية . جمع الخير هذه الجنيهات في يده وقال لاترابه انا اكثر فصاحة منكم في لغة الضاد , وبالتالي دعوني اتكلم معها احتمال تنبسط ترجع لنا الباقي من الجنيهات نمشي تنتشع بها بعدين .
جاءت النادلة التي عرفت نفسها لهم بانها اسمها نحلة محمد الخير اليهم بوقار واحترام البنت السوداني لكي تاخذ المبالغ من المال نظير المياه التي شربها هؤلاء الصبية الثلاثة ( قروش المويه ) .
الخير : كم هي حسابك يا حلوة , ونحن شاكرين على هذه الخدمة الجميلة والكرم الفياض من هذا الفندق الجميل , وقبل ما يتم الخير حديثه اجابت نحلة باقتضاب جدا وبادب جم . شكرا جزيلا لك يا زبون , واخرجت ورقة صغيرة كتبت عليها المطلوب منهم من الحساب وكانت الجملة كلها خمسة وسبعون جنيه جنوب سوداني . وتفاصيلها كالاتي : سعر القطعة الواحدة للماء الصافي عبارة عن خمسة وعشرون جنيه (25) في ثلاثة =75 جنيه جنوب السودان .
تحدق الخير في الورقة بتعمق جدا واستغراب وقال لمرافقه جون من فضلك اقراء هذه الكتابة , لاني لا اعرف ولا افقه من اللغة الانجليزية الا القليل جدا وانت اقدر بقراءة هذا الايشن . امسك جون بالورقة ودام النظر فيها كثيرا شانه وشان الخير , لان عيناه لم يصدقا ما راى من ارقام من المبالغ المطلوب منهم في الورقة , وبعد مرور ما يقارب خمسة دقائق قال لمايكل . يا مايكل تعرف عندما درسنا اللغة الانجليزية في ابرام اسكول المسائية ( مدرسة ابرام ) للتعليم الكبار الاساسية ثم انتقلت الى مدرسة سانت اغسطين الثانوية المسائية وامتحنت الشهادة السودانية هناك بنسبة نجاح كانت 70% في الميساق الادبي وتم قبولي بجامعة النيلين كلية التجارة وتخرجت فيها كما تعلم بامتياز عام 2010 . طوال هذه المدة الدراسية لا اكره الا الرياضيات واي امر يتعلق بالارقام حتى رقم جلوسي كنت اوصي شخصا اخر ليحفظه لي ويذكرني به ايام الامتحانات , وبالتالي انت من زمان بتحب الرياضيات والحساب فما هذا الرقم المكتوب بالضبط ؟
ما بين الذهول والضحك وقعت نحلة فريسة لا تدري ماذا تفعل وما اصاب هؤلاء الصبية من امر في مبالغ تعد بسيط جدا مقارنة بحياة مدينة جوبا .
امسك مايكل بالورقة بالقوة من على يد جون ونظر اليها بسرعة اسرع من سرعة البرق فيلاقيه في اول نظرة المبلغ خمسة وسبعون (75) جنيه جنوب سوداني. الله هذا المبلغ يا الخير وجون خمسة وسبعين جنيه جنوب سوداني مقابل ثلاثة مياه صافية التي شربناها قبل قليل فقط لا غير تصدقوا ولا ما تصدقوا . خمسة وسبعين جينه سال الخير وجون في وقت واحد من غير ان يتفقوا على ذلك وبصوت واحد حتى ان نحلة كادت تهرب لو لا شجاعتها واصرارها على اخذ حسابها باي شكل من الاشكال وباي طريقة كانت من الطريق وان دعى ذلك الى استدعاء البوليس .
تبادل هؤلاء الشباب النظرات فيما بينهم باستغراب واندهاش عما وقعوا فيها من فخ لن يستطيعوا الانفلات منها في دولة تحولت فيها العلاقات بين الناس الى ماديات حتى بين من يربطهم اواصر الدم والقرابة بعد الاستقلال . خمسة وسبعين جنيه نطرح منها ستة جنيه سنظل مطلوبين بتسع جنيهات كاملات , ونحن لا نملك في البيت خلا ما بحوزتنا الان اين نجد الباقي ؟ تساءل هؤلاء الشباب الثلاثة فيما بينهم .
يا شباب من فضلكم اسرعوا في الدفع لاني في انتظاري خدمة زبائن اخرى في مكان اخر من الفندق , قالت نحلة .
تمتم الخير بعبارات لم تفهمها نحلة على الاطلاق لانها لم تخرج في الاساس من فمه , وكانت هذه العبارات اشبه بحشرجة الميت بالنسبة لنحلة لا اكثر ولا اقل .كما راح من الخير فصاحة اللغة العربية التي ادعى نفسه بها عندما كانوا يجهزون ويجمعون حفنات من المبالغ لدفعها . افصح من فضلك واوضح ما تقصد من الكلام لو سمحت لاني لم استطع فهم مقصودك نهايئ مما قلت , قالت نحلة للخير الذي كان في مواجهته . حدق نحو السماء قليلا الخير ثم قحح ولملم اطراف افكاره المشتت وربط جاشه قليلا وكان يقول في نفسه ( دا كل من العطالة وعدم العمل ولو لا ذلك لما الواحد وقع في هذا المضب الضيق دا مع الاجنبية دي ) . والله يا نحلة اختي نحن قروشنا ناقصات ما بتلحق الخمسة وسبعين مبلغ دا بس نحمل ست جنيهات فقط , قال الخير بصوت خافض جدا ومنكس الراس .
شنو ؟ هكذا سالت نحلة بصوت غليظ جدا , ست جنيهات فقط يا شباب انتو جنيتو ولا شنو ؟ عاملين فيكم مجرمين حتشوفو الليلة .
يا موانقي نادت نحلة
يا يوري صاحت نحلة بصوت عال
يا هيثم الدرة تعالوا شوفوا المجرميين ديل
مهرولين اتوا جميعا الى حيث اتت صوت نحلة التي بدت حانقة وغاضبة من هؤلاء الشيبة الذين غطاهم الخجل والحياء كما يغطي الليل اجبال الاستوايئة الغفيرة لاسيما في موسم الخريف .
بالغة الانجليزية المخلوطة باللكنة البوغندية سال يوري , لماذا لا تودون دفع ( البيل ) المطلوب منكم من قروش الماء الصافي ؟
تعرف يا اخي يوري نحن لما اتيتنا هنا في هذا الفندق كنا على اعتقاد ان سعر قطعة المياه الصافي الواحد بنفس السعر المعروف به في خارج الفندق وهو اثنين جنيه (2) للقلطعة الواحدة , ولكن للاسف تفاجانا ان السعر هنا مختلف جدا عن السعر في الخارج ونحن لا نملك اكثر مما دفعناها من الجنيهات , اجاب جون باللغة الانجليزية .
لا لا عليكم ان تدفعوا ما عليكم دفعه ولا مجال للاعذار هنا , اجاب يوري بصوت حاسم خالي من اي نقاش على الاطلاق .
من غير ما يشعر وجد الخير نفسه يزرف دموعا غزيرا كانه طفل صغير هجره امه وتركه يواجه مصيره واحده في جو خال من حنان الام ودفء الامومة , لماذا تبكي يا كمرد ساله مايكل ؟ كفكف الخير دموعه واعتدل في جلوسه وقال : كيف تسالني عن سبب بكايئ وانت تشاهد الان الخنوع والمهانة التي نرزح فيها بسبب تسع جنيهات فقط . ( ودا كله يرجع السبب الى الحكومة لانها لو لم ترسخ مبدا المحسوبية في الوظائف لما كنا عطالة اليوم بشهادات جامعية , وهناك من لا يملكون ولا شهادات مرحلة الاساس يتقلدون وظائف مرموقة في الدولة ) .
في هذه الاثناء قال يوري مخاطبا موانقي من مبدا مسؤوليته كمدير للفندق ان يضرب لرجال الامن لياتوا ويقبضوا على هؤلاء المجرميين هكذا سماهم .
نواصل
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.