إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    لجنة أمن ولاية الجزيرة تقف على ضبط 1880 قندول بنقو    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرق المنزلي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في شمال السودان

Domestic slavery in the nineteenth – and early twentieth -century northern Sudan
هيزر شاركي Heather Sharkey
مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في الفصل الثالث عشر والأخير (الخلاصة) لأطروحة قدمتها الباحثة الأمريكية هيزر شاركي لجامعة درام البريطانية لنيل درجة الماجستير في عام 1992م ، وذلك بعنوان: "الرق المنزلي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في شمال السودان ". والأطروحة مبذولة لمن يرغب على موقع تلك الجامعة تحت عنوان "Durham E-Theses".
وتعمل الدكتورة هيزر شاركي الآن أستاذة مشاركة في قسم التاريخ بجامعة بنسلفانيا حيث تقوم بتدريس تاريخ ولغات وحضارات الشرق الأوسط والأدنى. وللكاتبة عدة كتب ومقالات عن السودان ومصر منها كتاب "العيش مع الاستعمار: الوطنية والثقافة في السودان الإنجليزي المصري"، وكتاب "الإنجيليون الأمريكيون في مصر" و"الهوية والمجتمع في الشرق الأوسط المعاصر" و"تاريخ الصحافة العربية في السودان". وكنت قد عرضت لعدد من كتابات الدكتورة شاركي في مقالات سابقة.
المترجم
******* ************** ***********
لقد حظي أمر الرق وتجارة الرقيق ومحاولات منعه في شمال السودان بكثير من الدراسات السابقة. غير أن تجربة الرق نفسها لم تحظ بأي قدر من الاهتمام البحثي. وربما كان مرد ذلك هو طبيعة المصادر المتاحة. وقد استقيت معظم مصادري في هذا البحث مِمَّا خطته أقلام الإداريين في عهد الحكم الثنائي، ومن رسائل خاصة، إضافة لما سجله الرحالة في مذكراتهم، والتي بنى عليها المؤرخون سردهم عن تجارة الرقيق، وحملات اصطياد الرقيق، ومنع التجارة فيه. وهنالك أيضا القليل من المصادر الأولية، وهي قصص رواها ملاك المسترقين، أو (وهذا هو الأهم) رواها المسترقون أنفسهم.
ولعل تلك "الفجوة المعلوماتية" الضخمة في معرفة آراء وأفكار وملاحظات المسترقين أنفسهم عن "تجربة الرق" هو ما جعل المؤرخين (العقلاء) يحجمون عن الكتابة في شأن تلك التجربة. إلا أنه يجب القول بأن تجربة آلاف الرجال والنساء والأطفال الذين سيقوا سوقا من مناطقهم إلى أسواق شمال السودان تمثل القاعدة والأساس في شأن كل دراسة صدرت عن تجارة الرقيق أو تثبيطيها.
والدراسة الحالية هي محاولة غير مباشرة لاقتحام سور فهم تجربة الرق، أردت فيها تجميع ملاحظات من شهدوا وخبروا مشهد الرق من علماء الآثار والسواح والمستشارين العسكريين أو المسئولين الإقليميين، ودعمت تلك المعلومات التي تحصلت عليها بفرضيات (hypotheses) منتقاة بعناية. وختمت بحثي بتقديم تصور محتمل لنوعية تفكير المسترق وشعوره، وكيف أدى وظيفته في بيئته.
ويدرك كل من حاول أو يحاول الكتابة عن السودان مدى غنى المصادر التاريخية الثانوية فيه، والتي تشمل (ولا تقتصر على) المسوحات العامة والدراسات الإقليمية المحددة. ولقد انتفعت في هذه الدراسة بكثير من المصادر والأدبيات التي تبعث على التفكير، وتلقي بكثير من الضوء على تاريخ السودان بكل تعقيداته وتنوعه. وعلى رأس تلك الكتابات وقعت على كتابات من نوع مختلف، وجدتها ذات فائدة عظيمة، ألا وهي النظريات المقارنة لدراسات الرق، والتي تمثل حقلا واعدا ومزدهرا لعلماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والتاريخ. وهي نظريات تدرس الصفات والخواص التي تعرف "الرقيق"، وتقارن تجاربهم في مختلف بقاع العالم، وفي مختلف العصور. ومثل تلك الدراسات لها ثلاث فوائد، فهي تضخ بعدا نظريا مهما في ثنايا المعلومات التاريخية الجافة الصماء، وتوفر إطارا مفاهميا (conceptual framework) لبناء فرضيات حيث تركت المصادر الأولية والثانوية بعض الفجوات، وفوق هذا وذاك تقوم أيضا بوضع الرق في السودان الشمالي في سياقة العالمي الأوسع.
إن الرق في السودان موضوع كبير ومتشعب وله تاريخ طويل جدا يعود لآلاف السنين. وفي هذه الدراسة تعرضنا لشريحة رقيقة واحدة فحسب من ذلك التاريخ الطويل. وتمتد فترة هذه الدراسة من الأيام الأخيرة لسلطنة الفونج في بداية القرن التاسع عشر، إلى بدايات عقود الحكم الثنائي في القرن العشرين، حين بدأ المسئولون البريطانيون في تفكيك وإزالة الرق في المنطقة. ويبقى تركيز هذه الدراسة على أولئك الرقيق والذين رحلوا قسرا لأسواق الرقيق بشمال السودان، وليس أولئك الرقيق الذين صدروا عبر شمال البلاد إلى الأسواق الخارجية. ولمزيد من التركيز قمت بحصر الدراسة في "الرق المنزلي"، وحاولت إيجاد تعريف يوضح هذا النوع من الرق، والذي لم تتطرق له إلا القليل جدا من المصادر. والمقصود ب "الرق المنزلي" هم الأرقاء الذين يلحقون بخدمة عائلة المالك. وهو بهذا التوصيف يختلف عن الرقيق العسكري، والرقيق الإداري الصفوي administrative elite slavery (والوظيفة هي "عبودية القرن العشرين" في رأي عباس محمود العقاد، والقذافي أيضا! المترجم).
إن "تجربة الرق" في شال السودان تستعصي على التنميط stereotyping. ومهما يكن من أمرها فهي لم تكن بالقطع تجربة رومانسية، ولا حميدة تماما. فالصور النمطية للمحظية (أو السُّرِّيَّةُ) الشهوانية sultry، والمتكئة على الأرائك المحشوة بِالخَمْلِ في خدر الحريم ليست واردة هنا. وحتى الصورة النمطية ل "خادمة" البيت السعيد، والمحبوبة من الجميع، والتي تقوم بالأعمال المنزلية الخفيفة من قبيل تنفيض الأتربة من على الأثاث، وتقدم المشروبات المثلجة للضيوف لا مكان لها هنا. فالحقيقة تبقى بالطبع أكثر تعقيدا.
وكان "ملاك" المسترقين بشمال السودان في القرن التاسع عشر يفرضون عليهم / عليهن القيام بالعديد من الأعمال والمهن المتنوعة. ويأتي ذلك التنوع في الأعمال والمهن تبعا للاختلافات الكبيرة في ثروة ومهن الملاك المتزايدي العدد، وموقعهم الجغرافي. فبينما قد تجد هنالك بعض الصبيان المسترقين في أزياء أنيقة يطوفون على ضيوف الباشا في داره الوسيعة الفخمة بالخرطوم، تجد كذلك صبية مسترقين آخرين يقودون ثيران الساقية في مزرعة بمروي تحت شواظ لهيب نهار قائظ. وقد تجد مسترقات أجبرن على البغاء في كسلا، وأخريات يطحن الذرة في الأبيض، أو يصلحن أسوار بيوت سادتهن في دار مساليت.
وكان ملاك المسترقات يتخذون من بعضهن محظيات (سريات)، وكانت "المحظوظة" منهن (في ملكة تقلي مثلا) والتي تحبل من سيدها تحظى بمكانة عالية. وكان الرقيق في خارج مدينة سواكن يعملون جنودا في الشرطة المحلية، بينما كان بعض الرقيق في منقرة (Munqara) يعملون في بناء المراكب، وعمل الآخرون في الزراعة والحصاد في مناطق البلاد المختلفة. وكان بعض أولئك الرقيق يكدون ويجهدون أنفسهم للحد الأقصى، بينا كان البعض لا يعمل إلا قليلا. غير أن نصيب النساء المسترقات من الشقاء والكدح والنَّصَب كان يفوق عادة ما يلقاه الرجال من المسترقين، إذ كن يقمن بأعمال يومية مضنية مثل جلب المياه من مناطق بعيدة لسنين عددا.
وكان ملاك الرقيق يقدرون ويثمنون امتلاك الرقيق، ليس بالضرورة من أجل انتاجيتهم / انتاجيتهن أو خدماتهم / خدماتهن، بل لما يكسبه امتلاك الرقيق للمرء من مكانة عالية في أوساط الناس، ومظهر اجتماعي يشير (بالحق أو الباطل) إلى القوة والسلطة والمكانة الرفيعة. ويبين أيضا امتلاك الرجل للرقيق للناس أن "المالك" لا يقوم بأي عمل يدوي من أجل كسب عيشه، ولا يجهد نفسه في "الوضيع" من الأعمال اليومية المعتادة، فهو "سيد" يقوم على خدمته عبيد وإماء، ويقضي جل وقته في الممتع من النشاط الاجتماعي في وسط أهله وأصحابه. وينطبق ذات الشيء على "السيدات" اللواتي لا يقربن أي عمل يدوي في المنزل، بل يقضين جل وقتهن في عمليات التزيين وتصفيف الشعر والاستلقاء على العناقريب. وكانت تلك الممارسات عند "السادة" و"السيدات" في شمال السودان تعد من الأعمال التي تستحوذ على إعجاب (وغبطة) الآخرين، وقد تعد من "نبيل" الأعمال. ولعل تلك القيم الثقافية هي ما شجعت ما يمكن تسميته ب "أخلاقيات الكسل/ التبطل" leisure/ idleness ethics وليس "أخلاقيات العمل" عندهم. وكان الرجال من غير المسترقين ("الأحرار") والرقيق المحررين أيضا يتوقون لاكتساب مثل تلك الأخلاقيات الكسولة. ولم تكن تلك الأخلاقيات ذات فائدة بالطبع للدولة بعد ما شهدته البلاد بعد عام 1898م من نقص حاد في الأيدي العاملة.
وتطرقت هذه الدراسة أيضا لمدى القساوة أو الرفق في الرق المنزلي بشمال السودان. فبينما كان كثير من المنادين بمنع تجارة الرقيق في أوروبا لا ينفكون عن ترديد مساوئ الرق وشروره، كان بعض هؤلاء المنادين أنفسهم – وللغرابة- يشيدون بالرق المنزلي في الشرق (أي العالم الإسلامي) باعتباره أمرا حميدا لا عنف فيه ولا أَذِيَّة. وحاولت في هذه الدراسة وبقدر الامكان تحاشي تلك المصادر المتحيزة والمتضاربة والمثيرة للجدل. وهنالك أيضا من جانب المسلمين من يحاج بأن القوانين الاسلامية قد أفلحت بالفعل في تنظيم الرق في شمال السودان. غير أنه عند التحقق والاستقصاء، نجد أن "وجود" قوانين إسلامية لا يعني بالضرورة "تطبيق" قوانين إسلامية. فالايدلوجية هنا تختلف عن الممارسة. فهنالك في القرآن آية تحرم بغاء المسترقات، لا تكاد تجد لها تطبيقا في ممارسات الرق السوداني الشمالي. وليس في القرآن ما يدل على وجوب معاملة الرقيق باللين والرفق (يجب هنا القول بأن في القرآن والسنة من النصوص الكثيرة ما يدعوا لتحرير الرقيق وعتقهم، ومعاملتهم بالعدل والإحسان والرحمة. المترجم).
ولقد لقي كثير من المسترقين (المحظوظين) بالفعل معاملة عادلة وحانية وعطوفة من جانب ملاكهم. بل كان بعضهم يلقى من مالكه معاملة لا تكاد تختلف عن معاملة أي فرد من الأسرة. غير أن هنالك أيضا من كان يلقى معاملة حادة وقاسية من قبل مالكه. وشهد الكثيرون بأن أكثر ملاك الرقيق قسوة عليهم كانوا من الأوربيين. ويمكن القول هنا بأن معاملة المسترق كانت أمرا اعتباطيا يخضع للحظ والنصيب (arbitrary)، إذ أن مصير ومعاملة المسترق كانت تعتمد بالكامل على أخلاق ونزوات ورغبات مالكه.
ولا يجب أن ننسى عند الحديث عن الاسترقاق، أنه مهما كانت درجة الرفق واللين فيه، أن نضعه في سياقه ومنظوره الصحيحين، وأن نتذكر دوما خلفيته البائسة الكئيبة والتي تشمل حملات اصطياد الرقيق، والغارات العسكرية التي كانت تشن فيها، مع كل ما يصاحبها من ترويع وعنف وتدمير. وليس بوسع أحد أن يبالغ في وصف فظائع تلك الحملات، ففيها من النهب والسلب والحرق والتدمير وحالات الاغتصاب ما فيها. ويتعرض من يؤسر ويسترق إلى التجويع والتعطيش والإرهاق المفرط، وأحيانا إلى الإصابة بالأمراض (نتيجة لتعرض الجلد لجروح تنتج عن الاحتكاك المباشر بالأصفاد والقيود والأنيار التي تطوق الأعناق) خلال المسيرة الطويلة للمختطفين من الأسرى. وتمثل أعداد الرجال والنساء والأطفال الذين وصلوا بالفعل لأسواق الرقيق في شمال السودان نسبة ضئيلة مقارنة مع من قضوا خلال تلك المسيرات. وبهذا فقد جلب الرق (لبعض) سكان شمال السودان الرفاه والراحة والدعة، غير أن ذلك تزامن مع شلل ودمار كامل لمجتمعات بأكملها في بعض المجموعات العرقية في جنوب السودان، وبمناطق تقع الآن في إثيوبيا وزائير وتشاد وأفريقيا الوسطى، وفي بعض مناطق الغرب أيضا.
ويعجب المرء من كيفية نجاة الأسير المسترق من دائرة العنف وسفك الدماء تلك، والتي تقتلعه من داره وتأسره بضاعة، وترحله قسرا – تحت ظروف بالغة القسوة والعنف - إلى ديار بعيدة غريبة عنه. ولكن، وكما هو معلوم، فإن بعض هؤلاء الأسرى المسترقين قد نجوا من الموت ووصلوا بالفعل للأسواق. وقمت في هذه الدراسة بتقديم بعض الفرضيات والتخمينات (speculations) عن الطرق التي بها نجح المسترقون في التعامل مع واقعهم الجديد والتأقلم عليه. وتعددت استجابات المسترقين للرق، واختلفت كذلك الوسائل التي بها أعطوا لحياتهم معنى. فأتخذ بعضهم سلاح الوقاحة (عوضا عن الإذعان) في تحد صارخ للمجتمع الذي تحداهم في المبتدأ. واعتنق بعضهم الاسلام (ديانة ملاكهم)، وحسن تدينهم، بل وفاقوا ملاكهم أحيانا في شدة التدين. واحتفظ بعضهم بذكرياته عن حياته القديمة في موطنه الأصلي، وبأغانيه وطقوس دياناته القديمة وهكذا. ومما قد يراه البعض صادما الآن هو قيام المسترقين أنفسهم بتكرار ما وقع عليهم، واسترقاقهم لغيرهم كذلك.
وكما تأقلم المسترقون على مجتمعهم الجديد، تأقلم كذلك المجتمع الجديد عليهم. فوفر مجتمع شمال السودان لهؤلاء المسترقين وسائل عديدة للترقي في السلم الاجتماعي (social mobility) وذلك عن طريق العتق، والاندماج في المجتمع الجديد والعيش فيه أحرارا. غير أن ذلك السبيل لم يكن دوما ممهدا أوسالكا. فهنالك دوما الدعوات المضادة لاستيعاب المحررين الجدد، وهنالك المعدلات العالية للوفاة في أوساط الرقيق، والبيع المتكرر لبعضهم، والنظرة الدونية للمسترق، والتي تساويه بالسوائم. وكل ذلك من شأنه أن يحبط كل محاولة تهدف لخلق علاقات أسرية بين الرقيق وملاكهم.
وكانت فرص النساء المسترقات في العتق من أسر العبودية والاندماج في أوساط المجتمع الحر أكبر من تلك المتوفرة للرجال. فللنساء عادة قدرة أكبر على الاندماج، رغم ضعفهن في مجال الحركة، إذ أن حركتهن (كنساء محررات أو مسترقات) مقيدة دوما بوجود ولي أمر (محرم) قد يكون هو الزوج أو المالك. لذا فإن عتق المرأة المسترقة نادرا ما يغير من أسلوب حياتها إلا بقدر طفيف جدا. ولا تكاد تلمس له أثرا فيما قد يناله أطفالها من تركة بعد وفاتها. وهنالك قاعدة في الإسلام تفيد بأن الرق مانع للإرث، لأن الرقيق ليس له الحق في التملك، فهو يعد من ممتلكات مالكه، ولا يرث ولا يورث. وهنالك قاعدة أخرى تتحدث عن "أم الولد"، وهي المحظية التي تحبل من مالكها فتصير بذلك حرة، ويكون لها بذلك الحق في الورثة. وما تنجبه المحظية من سيدها ("الحر") يولد حرا. غير أن أمثال هؤلاء الأبناء، وعلى الرغم أنهم يعدون أحرارا من الناحية الشرعية والقانونية، إلا أنهم قد يصادفون من بعض أفراد المجتمع بقايا وصمة الرق. ومن حسن الحظ أن تلك الوصمة ظلت تتناقص مع تعاقب الأجيال.
ويواجه الرقيق الذكور مصاعبا من نوع مختلف. فالرجل منهم يتزوج، غالبا بأمر من "السيد"، بعد وقت قليل من شرائه، ويكون أطفاله بالضرورة الجيل الثاني من ممتلكات ذات "السيد".
ويرتبط هؤلاء الرقيق ومن يأتي من أصلابهم (حتى وإن تحرروا) بطريقة ما بسادتهم القدامى، وقد يرضون بالعمل تحتهم / عندهم (وإن كانوا غير ملزمين بذلك). ويظل أحفاد الرقيق يواجهون وصمة أنهم من حفدة الرقيق حتى بعد مرور سنوات طويلة على تحريرهم. غير أنه يصعب تحديد وقياس مدى وتأثير مثل تلك "الوصمة".
وكان إعطاء الرقيق من الرجال والنساء اسماء متميزة (وشاذة في كثير من الحالات) إحدى وسائل التفرقة بين الرقيق و"سادتهم". وكثيرا ما يشي اسم الفرد بوضعه الاجتماعي (إن كان "حرا" أو مسترقا). وظلت الوظائف العليا والمناصب السياسية والرتب العليا في كثير من المرافق الحكومية والأهلية، وفي سنوات القرن العشرين (وربما حتى بعدها)، ممنوعة على من أتى من أصول مسترقة. وكانت التفرقة في المعاملة تضطر شباب المسترقين للهجرة من القرى والمدن إلى المدن الكبيرة أملا في الحصول على مستقبل أفضل لا تعكر صفاه ظلال تلك "الوصمة الاجتماعية".
وعلى الرغم من كل الصعاب الوعرة والعقبات الكؤود في طريق القبول الاجتماعي والتكامل فقد أفلح أحفاد المسترقين من الرجال والنساء في الاندماج في مجتمعات شمال السودان، وتحول هؤلاء من وضع "الغرباء" الذي كان عليه جدودهم وجداتهم ممن كانوا قد أتي بهم قسرا من بلاد بعيدة، وغدوا أعضاءً كاملي الأهلية في مجتمع شمال السودان المسلم (قد يلاحظ القارئ شيئا من التناقض في ما أتت به الكاتبة في الفقرات الثلاث السابقة. المترجم).
ويقوم اليوم هؤلاء الأحفاد بالنظر إلى الأراضي التي قد يكون جدودهم قد جلبوا للشمال منها... أرض الشلك والدينكا والبرتا والبونقو... ولا يرون فيمن يسكنها غير "هم" وليس "نحن". (ربما كان من الأجدر أن تستخدم الكاتبة هنا كلمات من قبيل "جل" أو "معظم" أو "بعض" عند الحديث عن هؤلاء الأحفاد، عوضا عن تعميمها الكاسح، فهم ليسوا كتلة واحدة على قلب رجل واحد. المترجم)
وختاما... غطت هذه الدراسة "الرق المنزلي" في فترة زمنية امتدت من عهد السلطنة الزرقاء (الفونج) حتى سنوات الحكم الثنائي الباكرة. وهي تعد فترة من أخصب سنوات تاريخ السودان، وأشدها تعقيدا. ومر الرق في تلك السنوات، مثله مثل المؤسسات الاجتماعية الأخرى، بتغيرات هائلة. ففي تلك السنوات تحول الرق من بضاعة ثمينة ونادرة لا يقدر على شرائها إلا صفوة الأثرياء، إلى بضاعة رخيصة في متناول يد العامة. ثم أتى عهد حرمت التجارة فيها واختفى الرق من الحياة السودانية بحكم القانون، غير أن بعضا من عقابيل آثاره على الأجيال اللاحقة ما يزال يراوح مكانه.
لقد حاولت في هذا الفصل رسم صورة لتجربة الرق، بكل تنويعاتها وتفاصيلها متعددة الألوان، على خلفية تغيرات اجتماعية هائلة وسريعة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.