د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    (سبتكم أخضر ياأسياد)    الهلال يصارع لوبوبو لخطف بطاقة ربع النهائي    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    أئمة يدعون إلى النار    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    موسيفيني يصدر توجيهًا لجهاز المخابرات بشأن السيارات السودانية    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محفوظات وثائق (أرشيف) المهدية (2)


The Archives of the Mahdia
ب. م. هولت P. M. Holt
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للجزء الثاني والأخير من مقال للبروفيسور بيتر هولت عن أرشيف المهدية نشره في عام 1955م بالعدد رقم 36 من مجلة "السودان في مذكرات ومدونات". والمقال في الأصل هو محاضرة ألقاها البروفيسور هولت في مؤتمر سنوي للجمعية الفلسفية السودانية.
عين البروفسور المؤرخ هولت (1918 – 2006م) عقب تخرجه في جامعة أكسفورد أستاذا للتاريخ بالمدارس الثانوية السودانية، ثم عمل مفتشا بين عامي 1941 – 1953م. وأنشأ من بعد ذلك دار الوثائق وترأسها، وعمل محاضرا غير متفرغ في جامعة الخرطوم بين عامي 1952 – 1953م. عاد بعد ذلك إلى بلاده وعمل في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية بين عامي 1955 – 1982م إلى حين تقاعده. نشر الرجل في خلال مسيرته الأكاديمية أعمالا أصيلة عديدة عن تاريخ السودان (خاصة في عهد المهدية) ومصر (في عهد المماليك) وسوريا، وشارك في كتابة فصل عن العرب والإسلام في موسوعة كمبردج عن الاسلام. صدر آخر كتاب له في عام 1999م عن مملكة الفونج بعنوان:
The Sudan of the Three Niles: The Funj Chronicle 910-1288/1504-1871. تعلم اللغة العربية في غضون سنواته في السودان، وترجم كتابين من الألمانية والفرنسية (أنظر نعي بروفيسور هولت في صحيفة الاندبندنت (http://www.independent.co.uk/news/ob...lt-426133.html)
أشكر دكتور محمد الصادق جعفر على جلبه هذا المقال من مكتبة جامعة الخرطوم.
المترجم
**** **** ****
انتقل الآن إلى الوثائق الخاصة بالشؤون الإحصائية والمالية والاقتصادية للمهدية. وكما ذكرنا آنفا فإن وثائق طوكر وما حولها كانت أكثر الوثائق المالية والاقتصادية غنى بالمعلومات، تليها في ذلك مدينة دنقلا. بينما كانت وثائق الأبيض والفاشر وبربر أقل تفصيلا من طوكر ودنقلا. وللعجب كانت الوثائق الاقتصادية التي تم جمعها من أمدرمان مخيبة للآمال. فقد كانت تضم، ومنذ أيام أمانة إبراهيم محمد عدلان لبيت المال في بداية حكم الخليفة، مجموعة كبيرة من الايصالات وطلبات الشراء وغيرها من الوثائق قليلة الأهمية. غير أن هنالك تسع من الوثائق المهمة عبارة عن كشف الحسابات للدخول والمنصرفات الشهرية منذ أيام أمانة إبراهيم رمضان لبيت المال في عام 1897م، وكشوفات بكميات الحبوب التي استلمت، وتلك التي صرفت في ذات الفترة. ومن تلك الوثائق يمكن فهم وظائف الخزينة العامة (بيت المال) في نهايات عهد الخليفة. غير أنه من المتعذر فهم ما قام به إبراهيم محمد عدلان في بيت المال بعد أن عينه الخليفة في عام 1886م بديلا لأحمد ود سليمان أمين بيت المال في عهد المهدي.
وكانت هنالك وثائق إحصائية عديدة مصدرها أمراء وقادة القوات عن أعداد المحاربين والأسلحة والخيول، وقوائم بممتلكات قادة الجنود الذين توفوا أو عزلوا، وقوائم أخرى بما أرسل لبيت المال من غنائم بعد المعارك، وغير ذلك. ويمكن لدارس تلك الوثائق معرفة الكثير عن تركيبة الجيش وأسلحته، ومعلومات أساس عن الشخصيات الثانوية (الأقل أهمية) في ذلك العهد.
ويتكون أرشيف المهدي من وثائق منفردة إلا في حالات قليلة جدا حيث جمعت الوثائق بين دفتي مجموعات منفصلة، حوت من ضمن ما حوت سجلا بالرسائل منذ عهد المهدي وحتى عام 1306 ه/ 1888 – 1889م، ودفاتر بيت المال في أم درمان والأقاليم. ولا ريب أن الإدارة المهدوية كانت قد اعتمدت بصورة كبيرة على الكمية الكبيرة من الأوراق التي ورثتها عن الحكم المصري – التركي السابق. وكانت تلك الأوراق ذات نوعية ممتازة، ولذا بقيت غالب الوثائق في حالة جيدة بعد مرور سنوات طويلة على صدورها. ولكن يتوقع أن تحدث كثرة التداول لتلك الأوراق تدهورا فيها، لذا فالعمل جار لتصوير تلك الوثائق وعمل ميكروفيلم (أفلاما مصغرة) منها، خاصة للأعمال المهمة مثل منشورات المهدي (حققها ونشرها في عام 1969م البروفسير محمد ابراهيم أبو سليم (أحد طلاب كاتب هذا المقال) تحت عنوان "الآثار الكاملة للإمام المهدي. المترجم). وكانت تلك الوثائق مكتوبة بخط واضح ومقروء. أما أسوأ تلك الوثائق في الخط والوضوح والمقرؤية فقد كانت هي رسائل الخليفة عبد الله، ويبدو أن كتبته كانوا مرهقين من كثرة العمل! وميز رسائل الخليفة احتفاظها – دون استثناء تقريبا- بنمط وأسلوب محددين. فكل رسائله تبدأ ب: "بسم الله الرحمن الرحيم ... الحمد لله، سبحانه وتعالى، الولي الكريم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وصحبه ...". وتغيرت التحية – بعد وفاة المهدي – وصارت الرسائل تبدأ ب :" من عبد ربه، الخليفة عبد الله بن محمد خليفة المهدي (عليه السلام)، الخليفة بن محمد ... خليفة الصديق، إلى محبه ومساعده ، عامل المهدية، الحبيب حمدان أبو عنجة – حفظه الله وحرسه ... ". وكانت التواريخ مكتوبة بوضوح في كل رسائل الخليفة، ولاحظ نعوم شقير اختلافا بيوم واحد في التواريخ الهجرية في السودان ومصر في أيام المهدية. ولا علم لي بتاريخ هذا الاختلاف، غير أنه بالقطع لا بد أن يكون قد بدأ قبل وفاة المهدي. ونجد أن كل الرسائل كانت موثقة بختم من كان قد أمر بكتابة الرسالة. وتتضح أهمية ذلك التوثيق في خطاب من النجومي للخليفة في 1886م يشكره فيه على ختم جديد كان قد بعث به إليه، ويخبره بأن الختم القديم قد تم إتلافه. وكان المتبع عادة أنه عندما يفقد الختم، يقوم مرسل الخطاب بالتوقيع عليه. ومن الملاحظ أن هنالك اختلافا كبير بين كتابة / خط أمراء الخليفة التي تفتقر لشكل واحد محدد (unformed handwriting)، وخط الكتبة المنمق المجود.
ولم يكن الخليفة يضع ختمه على رسائله في أيام المهدي، بل كان يوقع عليها من يخطها (مثل أحمدي محمود أو المدثر إبراهيم)، وهو أمر يثير سؤالا حول أمية الخليفة.
ومن الواضح أنه كان في عهد الخليفة نظام كتابي حسن التنظيم له تقاليد إجرائية محددة، في أمدرمان وفي الأقاليم كذلك. وكان أولئك الكتبة والمحاسبين من الذين عملوا سابقا مع الحكومة المصرية بالسودان. ويمكن معرفة الكثير عن الحكومة المركزية من الاطلاع على قائمة العاملين بالدولة المهدية، والتي جمعها قسم المخابرات العسكرية مباشرة بعد سقوط أمدرمان. ويجد الباحث نسخة غير مكتملة من تلك القائمة في تقرير للمخابرات باللغة الإنجليزية (رقم 60)، بينما تحوي الوثائق المحفوظة أصل تلك القائمة العربية. ومن تلك القائمة نعرف أن أربعة من كتبة بيت المال في عام 1898م كانوا قد عملوا مع الإدارة المصرية السابق لثلاثة عشر سنة. وكذلك كان اثنان من هؤلاء من كتبة الترسانة، واثنان يعملان في خزينة إدارة الحربية. ويصدق وجود كتبة من العهد السابق في مختلف إدارات الدولة المهدية. بل كان لكل من يعقوب وشيخ الدين كاتبان من كتبة الحكم المصري السابق. وترقى كثير من اولئك الكتبة في المناصب في عهد الخليفة. فعلى سبيل المثال عمل يوسف ميخائيل (القبطي الذي كان يعمل محاسبا صغيرا بالأبيض مع بدء الثورة المهدية) محاسبا للخليفة، وقاد "الوحدة القبطية" في معركة كرري. وعمل العوض المرضي (الباشكاتب بطوكر في عهد الحكم المصري السابق) مرتين أمينا لبيت المال في عهد الخليفة عبد الله. غير أن الخليفة غضب عليه ذات مرة وأودعه السجن وبقي فيه إلى حين دخول كتشنر لأمدرمان. وكان قد سبق العوض المرضي في ذلك الموقع المربح والخطر (في آن معا) النور إبراهيم الجريفاوي، والذي سبق له العمل في محكمة الخرطوم في عهد الحكم المصري السابق. وتقلد الجريفاوي أمانة بيت المال بأمدرمان بعد أن كان يعمل مسئولا عن المالية في بربر. ثم عين بعد إعادة الفتح في وظيفة أقل شأنا في مالية قسم الحربية.
وتتضح خطورة هؤلاء الكتبة في إدارة الخليفة عبد الله من دراسة التعليمات التي كان يوجهها الخليفة لهم عند التعيين. وهذه عَيِّنة من (معاني) خطابات تعيين رجل اسمه محمد ود حسن، والذي كان الخليفة قد بعث به لبربر ليعمل كاتبا خصوصيا لأمير بربر عثمان الدكيم في عام 1305ه / 1887 – 1888م.
"بالنظر إلى حسن الظن بك، نعلمك بأننا نرسلك للمكرم عثمان الدكيم لتعمل تحته كاتبا، نظرا لطول عملك في خدمتنا في هذه الوظيفة، ولفهمك لها. يجب عليك أن تعمل بجد واجتهاد واخلاص في ما وكلناه لك من عمل. وينبغي عليك أيضا أن تعرض عن الدنيا ومغرياتها، وألا تتدخل فيما لا يعنيك. كن للمكرم عثمان الدكيم كالميت بين يدي الغاسل، وعجل بتنفيذ أوامره. اقرأ له كل ما نرسله من عندنا، وإن طلب منك أن تقرأ للأحباب الآخرين شيئا فأفعل كما يقضي الشرع الحنيف. وإن أمرك بإخفاء شيء فعليك بإخفائه وعدم اطلاع أي مخلوق عليه. وبعد أن تطلع عثمان الدكيم على الخطابات، وبعد أن يطلعك على مضمون ردوده عليها، اكتب تلك الردود ملتزما بما قاله لك دون أدنى تفريط، ولا تخبر أي مخلوق بشيء مما كتبته، حتى ود حمدنا الله أو النور إبراهيم، إلا إذا اقتضت الظروف إخبارهما بالأمر، وكان في معرفتهما به نفع وفائدة. وفي هذه الحالة أخبرهما بعد أخذ موافقة المكرم عثمان الدكيم. ولا ينبغي لأحد من الخلق أن يتدخل في الأوامر الخاصة التي أصدرها لعثمان، ويجب أن تكون بينك وبينه.
وفيما عدا ما سبق ذكره يا عثمان، لا تسمح لأحد بالتدخل، بل ابق أوامري معك.
ولما تقدم، عليك القيام بواجبات الكاتب كما ذكرنا لك بعاليه".
(وعقب ما تقدم استعرض هولت في فقرات مطولة بعض الوثائق الخاصة بالقضاء بين عامي 1890- 1892م من خلال رسائل وفد بعثه الخليفة عبد الله بقيادة سليمان الحجاز (الحجاج؟) نائب قاضي / وكيل محكمة الإسلام بأمدرمان لتفقد وإعادة ترتيب وتنظيم أحوال القضاء في كردفان ودارفور اللتان كانتا تحت إمرة محمود ود أحمد.
والفقرة التالية هي أحد الأمثلة لتلك الوثائق. المترجم).
وصف القاضي سليمان في إحدى رسائله ما وجده وفده في دارفور من فوضى عارمة وسفك للدماء وضعف لقوات المهدية المكلفة بحفظ الأمن والنظام. وعزا القاضي تلك الفوضى لتفلتات الجهادية (محاربو المهدية الذين كانوا مسترقين في عهد الحكم المصري). وكان سليمان يدرك أن ليس بمقدوره التدخل في أمور تخص العسكر، وأنه لا يمتلك السلطة لمخاطبة الخليفة مباشرة، فكان يرسل خطاباته إلى المسئول الأول في "محكمة الإسلام" بأم درمان ليرفعها بدوره للخليفة. ولكنه رغم ذلك قام بإرسال أمر لأمراء الجهادية طالبهم فيه بضرورة حفظ الأمن والنظام، وطلب منهم أن يقسموا أمامه على وضع أوامره تلك موضع التنفيذ. وليس في الوثائق المتوفرة أي رد من الخليفة أو تعليق على رسائل سليمان. ولكن يبدو من إحدى رسائل سليمان أن محمود ود أحمد جمع كل قواته في الفاشر وأمرهم بأداء القسم على الحفاظ على الأمن والنظام. وكتب سليمان خطابا يرجو فيه أن يقوم الخليفة بكتابة رسالة شكر وتقدير لقادة وجنود الجهادية لالتزامهم بما أقسموا عليه.
لا ريب أن معرفة محتويات إرشيف وثائق السودان في تلك الفترة هو أمر يهم السودانيين في المقام الأول. وتقع في هذا الجانب مسئولية كبيرة على الطلاب السودانيين في دراسة هذه الكنوز من الوثائق. غير أنه سيكون أمرا مؤسفا إن اقتصرت المعرفة بمحتويات تلك الوثائق على من يعيشون أو يعملون بالسودان فحسب، فهي ذات أهمية للمؤرخين والمستشرقين في كل أرجاء العالم. فقد ساد في الماضي اتجاه لدراسة المهدية بنظرة ضيقة بحسبانها مرحلة في تاريخ السودان متفردة في طبيعتها، ويمكن تفسيرها بأنها عهد من "التطرف الديني" أو "بدايات الوطنية". فالنظرة بأي من هذين المنظارين لا توفي تعقيدات تلك الحركة حقها، ولا تبحث في أمر المهدية في السودان (كما أشار دكتور مكي شبيكة) في إطار أشمل ضمن حركات الثورة / التمرد في الإسلام. فنموذج pattern المهدية السودانية يحاكي كثيرا من أمثلة حركات العصور الوسطى، ويشابه (ظاهريا) تاريخ الحركة المهدوية التي قادها محمد بن عبد الله تومرت المهدي (471 – 524ه) في شمال غرب أفريقيا. وبصورة من الصور كان مبعث المهدية السودانية هو ردة فعل لتآكل الإسلام، وهو ذات الدافع الذي سبب قيام الحركة الوهابية والسنوسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومن المهم والواجب على مؤرخي الشرق الأدنى وضع مهدية السودان على تلك الخلفية التاريخية لفهمها من الداخل (from within) ولدراسة أيديولوجيتها بالتفصيل، ولبحث مصادر سياستها. ولتحقيق كل ذلك، لا غنى عن دراسة أرشيف وثائق الخرطوم البالغ الأهمية.
****** ************ ********
المناقشة
وفي ختام المحاضرة سأل دكتور شبيكة هولت عما إذا كانت دراسة أرشيف الوثائق قد غيرت من النظرة التقليدية للخليفة، فأجاب هولت بالقول إنه لم يقم إلا بدراسة جزئية (لتلك الوثائق) ولكنه يعتقد بأن الخليفة فيما يبدو شخصية جديرة بالملاحظة (remarkable) وصاحب كفاءة إدارية ممتازة، فقد حكم السودان في مرحلة حرجة من تاريخه، وعقب فترة قصيرة من نجاح ثورة ناجحة. وكانت (معظم) نقاط ضعفه مفروضة عليه بسبب ظروف الزمن الذي عاش فيه، وخوفه من تمرد من حوله، ومحاولته فرض سيطرته الشخصية على كل جوانب الإدارة، وهي السياسة التي قتلت كل مبادرة عند معاونيه. ومن الأمثلة على زعمي هذا هي الخطابات التي كان يرسلها محمود ود أحمد للخليفة قبل معركة أتبرا طالبا التوجيه في أمور مهمة، وأيضا في أمور غاية في الوضوح واليسر. وعرف الخليفة بإجادة المناورات والمراوغة السياسية. فقد تخطى مثلا تهديد محمد خالد بالزحف على أم درمان، والصراع مع الأشراف بمناورة مضادة، وذلك في ميكافيلية ذكية. ولكنه لم يكن رجلا عظيما كرجل دولة (statesman)، فقد كان يضحي بسياسات بعيدة المدى من أجل تحقيق منافع قصيرة الأجل. وخير مثال على ذلك جلبه لأفراد قبيلته من غرب السودان لتقوية موقعه في أمدرمان، وخسرانه لتأييد وعون القبائل النهرية.
وأكد هولت على أن كل وثيقة من تلك الوثائق المالية والاقتصادية ليس لها أهمية كبيرة إن أخذت بمفردها، ولكنها عظيمة الأهمية إن أخذت في مجملها. ولهذا يجب وضع تلك الوثائق مجتمعة على هيئة ميكروفيلم.
وفي الإجابة على سؤال من يوسف أفندي فضل حسن قال هولت إن في حوزتهم وثائق (مصورة) قليلة عن المهدي يرجع تاريخها إلى ما قبل عام 1885م، وأضاف بأن من يمتلكون تلك الوثائق كانوا يقدرونها جدا ولا يرغبون في التفريط فيها إلى أن بليت. غير أن كثيرا من الإداريين البريطانيين يحتفظون بنسخ مصورة من تلك الوثائق. وكان معظمها يدور حول الوعظ والإرشاد الديني، والدعوة لالتحاق بالحركة المهدية، وتحذير المترددين والمنكرين والمعارضين للحركة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.