بيان من التحالف الوطني السوداني    بيان من حركة 27 نوفمبر: الذكرى الأولى لمجزرة اعتصام القيادة العامة 03 يونيو الموافق 29 رمضان    بيان من منظمة إنهاء الإفلات من العقاب في الذكري الأولي لمذبحة فض الاعتصام: لا عدالة بلا محاسبة    الزكاة .. بقلم: الطيب النقر    ترامب لا يحمي الأمريكيين.. لكن السوريين ممكن! .. بقلم: د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب صحفي مصري    قصة قصيرة: صدفة نافرة .. بقلم: د. عمر عباس الطيب    وذرفتُ دمعاً سخيناً بميدان القيادة .. بقلم: صلاح الباشا/ الخرطوم    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    تفشى فيروس كرونا كمؤشر جديد لانهيار النظام الاقتصادى الراسمالى العالمى .. بقلم: د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم    نحيي الدكتور الفاتح حسين وهو يعبر البحار بايقاعات الوطن ذات التنوع والعبير .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    غضبة الفهد الأسود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    هذه هي ثمار سياسة ترامب العنصرية .. بقلم: نورالدين مدني    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    الإسلام دين ودولة .. بقلم: الطيب النقر    علمنة الدين وعلمنة التصوف .. بقلم: د. مقبول التجاني    إيقاف مشروع تقنية الحشرة العقيمة جريمة كبرى .. بقلم: د.هجو إدريس محمد    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    معلومة ادهشتني حد الصدمة .. بقلم: صلاح الباشا    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحزب الشيوعى السودانى وعيُوب أضرَّت بالوطنِ (جزء ثانى)
نشر في الراكوبة يوم 18 - 11 - 2016


بعض جوانب القصور فى الحزبِ الشيوعى السودانى:
. الفشل فى سودنةِ العقيدة الماركسية اللينينية: من أخطاءِ الحزب الشيوعى السودانى أنه لم "يسوْدِن" الفكر الشيوعى لجعلهِ مُناسِباً ومُتّسِقاً مع المزاج والقِيم والثقافات والتقاليد السودانية. خاصة فى محاور مُهِمَّة مثل، علاقة الفكر الماركسى بالدين، وصراعه الحتمى مع الرأسمالية، وفى مفهومِ الديمقراطية نفسها.
فشل الحزب الشيوعى السودانى فى "سودنةِ" الماركسية، بينما نجح المفكر الليبى الزعيم الراحل مُعَمَّر القذافِى فى تطويرِ وتوطين الفكر الشيوعى، حيث أخذ منها الإشتراكية وتمليك وسائل الانتاج للجماهير وحذف مُعضِلَة العلاقة بالدين من "نظريته العالمية الثالثة" فأرَاح وأسترَاح وحقّقَ نجاحا كبيراً. وأزاحَ الحرج الذى يجده المتدَيِّنُون فى تعامُلِهم أو مُجرَّد إقترابِهم من المدرسة الشيوعية الماركسية اللينينية. تبنّى القذافى الجانب المُفيد من الفكرِ الماركسى وهو الإشتراكية والعدالة الإجتماعية والعيش الكريم ومحاربة الرأسمالية والإقطاع.
فقدمت "النظرية العالمية الثالثة" مبادئ وشعارات برّاقة أذهلت العالم، مثل: "شُركَاء لا أُجَراء"، و"الأجراءُ مهما تحسَّنت أجورهم فهُم طبقةٌ من العَبِيد"، و"البيتُ لساكِنهِ" و"البيتُ يخدِمُه أهلَه"، ولمنعِ الإقطاع جاء "لو جازَ إمتلاكُ الأرض، لِمَا وجدَ غير الحاضِرين نصيبهم فِيها".
فما كان للحزبِ الشيوعى السودانى أن ينقُلَ تجربة الثورة البلشفِية فى روسيا 1917م نقلِ مسطَرة. فقط لأنَّ السودانَ ليست روسيا، والسودانيون ليسوا (البروليتاريا) الروس، ولم يعيشوا جحِيم الإقطاع وتحالف القياصرة مع رجال الدين لإستغلالِهم وإضطهادِهم. ولم يعِش شعب السودان تجربة رِواية "تاجر البُندقِيَّة" لبرناردشو، ومِحوره إذا فشل المَدِينُ فى سدادِ ما عليه من دين، فيحِقُّ للدائنِ أن يأخذ مقابل دينه جُزءَاً من لحمِ المَدِين، وهو عملياً موتُ المَدِين الذى سيَقطعُ الدَائِن من بدنه عدداً من الكيلوجرامات لإستيفاء دينِه!.. وفى أفضلِ الحالاتِ يُصفّدُ المدِين حتى يقضِى دَيْنَهُ.
الشعب السودانى ليسوا "بروليتاريا" روسيا الذين يفلحون الأرض لمصلحة القياصرة مُقابل عطِيَّةِ مُزَيِّن " "Tenantsوالأثرياء السودانيون ليسوا قياصرة روسيا مُلَّاك الأرض "Land Lords".. وأمّا رجال الدين السودانيين فهُم صُوفِيَّة مُتَبَتِّلينَ فى مَلكُوتِ السمواتِ والأرض، هُم أحبابُ الفقراء الفلاحين ولم ولن يتحالفونَ مع أثرياءِ السودان، ولا مع الحكومات ضد العمال الفُقراء والفلاحين بأىِّ حال. ولم يلعبوا دور رجال الدين فى روسيا الذين تحالفوا مع القياصرة الحُكَّام يشرْعِنُون لهم إذلال البؤساء الكادحين ويمتصُون عرقَهم وجهدهم لمصلحةِ القياصرة ملاك الأرض، ويبيعون لهم صُكوك الغُفران.
أقصدُ انَّ الظروف الموضوعية التى رَآكمت الثورة فى روسيا وإنتهت إلى قيامِها وإنتصارِها لم تتوفّر فى السودان، وبالتالى فالشعب السودانى لا يخالِجَهُ الشعور بحتمِيَّةِ قيام ثورة مُماثِلة للثورةِ الروسية.
وإذا كانت مناخات ومُسبِّبات ومُحددات الثورة الروسية غير متوافرة فى السودان فإنَّ أيّة مُحاولة لنقلِها إلى السودان وزرعِ بذرتها "الروسية" فى مجتمع السودان هى محاولة تحمل فى احشائها أسبابِ فشلِها، ومُهدَّدة بالعُزلَةِ ومحفُوفة بنُذرِ المقاومة والإفناءِ فى مَهْدِها، وكان خِطْئَاً وساءَ سبِيلاً.
ومهما قارَبنا بين الطقسين والظرفين، الروسى والسودانى، فنجد أن القياسَ مع فارقٍ كبير.. لأنَّك عندما تحرِّض (تحرِّش) شعب السودان للثورة على تحالُفِ مُلَّاكِ الأرض ورِجال الدين ضدَّهُم فإنّهم سيسألونك: أين هو ذلك التحالُف؟ لأنه غير موجود أمام أعيُنِهم!.. وعندما تقول لهم أنه حدث فى روسيا سيسألونَك: "ومالَنَا نحنُ ومال روسيا"؟! فيحصد السائلُ الندمَ. وينطبقُ عليه المثل السودانى (المُحرّش ما بِكاتِل).
لذلك أعتقدُ أنَّ رهانَ الحزب الشيوعى السودانى على العقيدةِ "الماركسية اللينينية" قبل سودنتها قد أدخل الحزب فى عُزلةٍ، وحالَ بينه وبين الجماهير الشعب، وبالنتيجة فقدَ السودان جهود خِيرة أبناءِه لأنَّهم قدَّمُوا انفسهم الزكيَّة الطيِّبة فى إناءٍ مُلوّث ومتَّسِخ، فعفٌّوا عنه، وتعُفُّ الأسودُ عن ورودَ ماءٍ إذا كانَ الكلابُ وَلَغْنَ فِيه!.
وبالمقابل، قدَّمَ أسوأ أبناء السودان(الجبهة الإسلامية) أنفُسهم فى إناءٍ دينى نظيف، فدَلّسُوا على الشعبِ وغشّوُهم حتى تربَّعُوا على سُدّةِ الحُكمِ فى 30 يونيو 1989م فأذاقوا ذات الشعب الويل والثبور وعزائم الأمور.
والحِكمة المُستفادة من تجرُبةِ الحزبِ الشيوعى السودانى أنه: إنْ كنتَ طيِّباً فقدِّم نفسكَ فى وِعاءٍ طيب يحِبَّهُ الشعبُ، ولا يَشُّكَ فيه.
. حصر الحزبُ الشيوعى نشاطه فى الحضرِ ومراكزِ الوعى مثل الجامعات وتجمُّعات العُمَّال والمهنيين، وإهملوا قطاعات مُهِمَّة مثل رجال الدين والطرق الصوفية وغير المتعلمين فى الريف السودانى. فتركوا فراغاً إنفرد بملئِهِ دُعاة الظلام من الكيزان والوهابية والسلفية الجهادية التى تأتى فى الترتيب بعد الأخوان المسلمين من حيثُ تخلُّف الفكر والعجز عن تقديمِ مشروع دينى فى رؤية عصرية منسجمة مع أدوات العصر، لا يخاصم الآخرين ولا يصادِمهم بلا طائل. فيلجأون فى غيبوبةِ إفلاسهم الفكرى والبرامجى إلى إعادةِ المجتمع قهراً وقسراً ليعيش فى ثُراثِ القرون الوسطى مع أنَّ الله خلقنا وأعدَّنا للعيشِ فى الألفيةِ الثالثة ولم نفشل فى العيش فيها! فلماذا يريدُ هؤلاء جرّنا إلى غيابات الظلام؟.. ولو كان اللهُ سبحانه وتعالى يريد لنا أن نعيشَ فى العصورِ الوسطى لخلقنا فيها، ولكنه خلقنا الآن لنعيش حاضرنا لا لنسترجع صدَى عهدٍ وَلّى! فما لهؤلاء كيف يعقلون؟!. ومن قال لهم أن عصر السلف أفضل من عصرنا هذا، نحنُ الخلف؟.
وهكذا أهملَ الحزب الشيوعى قطاعات عريضة من الشعبِ السودانى فإنفرد بها الجبهة الإسلامية والسلفيين فسمَّمُوا أفكارها وحرّضوها على الحزبِ الشيوعى الذى يُحبهم ويتفانى فى خدمتهم والإعلاء من شأنهم ويصونُ كرامتهم الإنسانية. حرّض الكيزان ضد الشيوعيين بأنَّهم مُلحِدُون يدعون إلى الكفر، وأنهم ضد الله ودينه فألهَبُوا مشاعر العامَّة ضد الشيوعيين وهُم من كلِّ تلك الدعاوى برَاء.
. إستخدام الحزب الشيوعى خطاب سياسى صفوِى يصعب فهمه لعامَّة الشعب فإنصرفوا عنه ليملاء (الكيزان) والسلفية ذلك الفراغ وتسميم أفكار عامة الناس بأنّ الحزب الشيوعى يدعو إلى الفسوق وتدمير قيم المجتمع بالإلحاد ومعاداة الدين. وبصمتِ الحزب الشيوعى وترفُّعِه وسكوته عن الرد على الأخوانِ المسلمين وتفنيد حملتهم التكفيرية الجائرة ضدّهُ تراجع نشاطه ونفوذه إلى الفئاتِ الأكثر تمَدُّنا وتعليماً وإستنارة فى المجتمع وهى قِلَّة، وتركوا عامة الشعب نهبَاً للأخوانِ المسلمين وفِكرهم الفاسِد، وللسلفية الحالِمة بإستردَادِ الأمس.
. هناك دور سالب لقيادة الحزب الشيوعى السودانى ممثلاً فى لجنتهِ المركزية على مَرِّ الأزمان، يتلخّصُ فى الجُمودِ والهيمنة وعدم المواكبة والتجديد والتطوير بمفهومِ "ما ينبغى أن يكون "Ought to beأو المراجعة والإصلاح المُستمِر الذى نزعَمُ أنَّه الضمانة الوحيدة للتطورِ والتحديثِ والمواكبةِ والديمُومةِ.
وفى نقدِ اللجنة المركزية للحزبِ الشيوعى السودانى نُورِدُ أنَّها تُصر على نقلِ الشيوعية الروسية الماركسية اللينينة نقلِ مسطرة وترتبطُ بها إرتباطُ الحِذَاء بالقدم، وهذا يجعل الحزب الشيوعى السودانى يسكُنُ بالإيجارِ طِوالَ حياته، ولن يمتلك مساحات وآسِعة فى قلوبِ السودانيين الذين يتأذّى مِزاجهم النفسى بما أتت به الشيوعية الروسية.
والسودان ليست روسيا، وأغنياءه وحُكّامه ليسوا (قياصرة) مُلَّاك أرض انتهازيين، ورجال الدين فى السودان ليسوا متآمِرين ومُتحالِفين مع مُلَّاكِ الأرض يحلِّلون لهم الحرام ويبيعون لهم صُكوك غُفران. وفقراء السودان وحُرَّاث الأرض (وليس الزُرَّاع لأنَّ الزَآرِع هو اللهُ ربَّ العالمين) وعُمَّاله ليسوا (بروليتاريا) روسيا ضحايا تحالُف مُلَّاك الأرض ورجال الدين الروس!.
وعلاقات الانتاج فى السودان مختلفة، والأرض يملِكُها المجتمع ويحرثها الشعبُ السودانى لمنفعته الشخصية فى الغالبِ الأعمّ، وليس لمصلحة الحكّام، وعموماً لا يوجد نظام إقطاع فى السودان. فهل الظروف فى السودان مُمَاثلة أو حتى قريبة من تلك التى فى روسيا حينَذاك؟ إذا كانت الإجابة بالنفى فإنَّه قياسٌ مع فارقٍ كبير جداً!.
والحل هو سوْدَانة الفكر الشيوعى ليُلائم السودان ويلبِّى أشواق شعبه للإنخراطِ فى صفوفه، وإلا سيستمِرُّ الحرثُ فى البحرِ بلا ثِمار تُرْجَى!. وفى ذلك كما قلنا حِرمانٌ كبير وغير مُبرّر لشعبِ السودان من الإنتفاع بخِيرةِ أبناءه لأنَّهم فى المَرْكِبةِ الخطأ.
وماذا يضير اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى أن تجرىَ إصلاحات ضرورية فى فكرِ ومنهج وبرامج الحزب كما فعلت روسيا نفسِها فى عهد الرئيس ميخائيل غورباتشوف (1985- 1987م) فى برنامجهِ "البيريسترويكا" التى تعنى (إعادة البناء) أو برنامج الإصلاحات الإقتصادية.
فى عام 1987م وآفقت "السوفييت الأعلى" وهى أعلى هيئة تشريعية على مشروع (إلتزام الدولة)، نصَّ القانون على حُرِّيّةِ تحديد مستويات الانتاج بناءً على طلبِ المستهلِكِين من الأفراد. بحسب القانون أصبحت مقاولات الدولة ذاتية التوليد لدخلها، فأصبح عليها تغطية التكاليف (الرواتب، الضرائب، المواد الأساسية، القروض وفوائدها) من عائداتها. نقل القانون الجديد السيطرة على المقاولات من الوزارات إلى تجمُّعات عُمَّالِية مُنتِجَة. كما ادخل تعديلاً على قطاعِ الإقتصاد الخارجى سمحَ للأجانب بالإستثمار فى الاتحاد السوفييتى على شكلِ مشاريع مشتركة مع الوزارات السوفيتِّية ومع التعاونيات. لكن اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى ظلّت جامِدَة، تحلمُ بعصرِ دكتاتورية البروليتاريا، ولا تحرِّكُ ساكِن!.
روسيا عدّلت أهم مكتسبات ثورتها الشيوعية وهى إحتكار الدولة ولوسائلِ الإنتاج ولغت نظريتها للإستهلاك والتمَلُّك والشيوع (من كُلِّ حسب طاقته، ولكُلٍّ حسب حاجَتِه). ولبَّت طلب المُستهلِك ومِزاجِه، وحدَدت مستويات الانتاج بناءً على طلبِ المُستهلِك. لكِنَّ اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى فى سُباتٍ عميق لا يحرُّك ساكناً إلا لقمعِ وطردِ من يقول لها حىَّ على الفلاح والتجديد والإصلاح والمواكبة من أعضائها. وتستمِرُّ اللجنة المركزية فى لعبِ دور (الدوغما Dogma) وترفضُ إدخال أية تعديلات فى العقيدةِ الماركسية اللينينية لتقريبه من المِزاجِ السودانى. وبذلك تُبقِى أفضل أبناء السودان وطنية ونزاهة وإرتباطاً به معزُولِين عن خدمةِ الشعبِ، يفصِلُ بينهم أنَّهم فى الوِعَاءِ الخطَأ، الوِعاء الذى ينْفُر منه السودانيون لأسبابٍ منها:
. علاقة الشيوعية الماركسية اللينينة بالدينِ سالبة جِدَّاً، بسبب الصراع الذى جرى فى روسيا بين العمّال وتحالف مُلاك الأرض ورجال الدين. فما ذنبُ المجتمع السودانى ليُلقَى عليه أوزار صراع وقع بعيداً جدَّاً عن مضارِبِه؟. وعلى المستوى الشخصى كل جُلّ الشيوعيين السودانيين متدينون، مسلمون أو مسيحيون. فماذا يضير اللجنة المركزية للحزب لو أنها أدخلت تعديلاً يزيل حرَج الدين من الشيوعية السودانية؟. إذا فعلت، اعتقد أن الحزب الشيوعى السودانى سيكون مثَابةً لمُعظمِ السودانين الوطنيين.
. وكذلك الموقف السالب للشيوعية الروسية من الرأسمالية، وتبنِّيه لفكرةِ حتمية الصراع مع الرأسمالية، وربط تحقُق الشيوعية Communism بالقضاءِ على الرأسمالية التى تنعتها بالرجعية ممَّا أجَّج الصراع، وألغت قيمة مُقارعة الحُجَّة بالحُجَّةِ، ومبدأ لكم دينكم ولِى دين، وكُلّ المبادئ والقيم السمحة. فمنحت الأخوان المسلمين فرصة تأريخية للنموِ فى هذا المناخ الوَخِيم بالإستفادةِ من عيوبِ الشيوعية التى أصر الحزب الشيوعى السودانى على نقلها كما هى والتمَسُّحِ بسخَائِمها. ودخل الحزبُ فى معارك فى غير مُعتَرك ثُمَّ خسِرَها لينتصر الأخوان المسلمين فيتحَمّلَ السودانُ دمَاراً هائلاً.
وهذه ملاحظة مُهِمَّة يجب أن تُسجّل، هى أن الشيوعيون السودانيين هم أبناء الطبقة الرأسمالية والطبقة الوسطى وهم أبناءُ مُدُن، وليس فيهم فقير كادح أو (بروليتاريا) أو ريفى قُح، والمرجع فى ذلك كشف عضوية الحزب منذ تأسيسه!. لذلك كان شعار معاداة الرأسمالية غير وآقِعى ومنقول نقل مسطرة بلا طائل. وأنَّ الحركة الإسلامية التى قادها الأخوان المسلمون إعتمدت فى نموِّها وتسلٌقِها نحو كرسى الحُكم فى السودان على الإستفادة من عيوب وأخطاء الحزب الشيوعى السودانى فنهضت على أكتاف تلك العيوب والأخطاء، ولا فهم ولا فِكر ولا برامج لها غير مُعَاداة الشيوعية.
. ثم فى المفهومِ المُفَخخ للديمقراطية لدى الحزب الشيوعى. الحزب الشيوعى مثله مثل الأخوان المسلمين لا يؤمن بالديمقراطية الليبرالية التى يتم عبرها التداول السلمى للسلطة عبر انتخابات حُرَّة ونزيهة، والإيمان بالتعددية واتاحة الحريات وتعزيز وحماية حقوق الإنسان. الديمقراطية فى العقيدة الشيوعية تتأوَّجُ فى "ديكتاتورية البروليتاريا"، وتعنى إنتصارها بعد القضاءِ على الرأسماليةِ والرجعية وإنفراد (البروليتاريا) الكادحون بالسلطة والثروة والسيطرة على وسائل الانتاج.
وعلى مستوى السودان، يعنى ذلك أن يتكبّد البلاد المزيد من التوتر والنزاع، ويعنى حرب باردة مُستمرَّة بين الرأسمالية والشيوعيّة يعقُبه حرب ساخنة. والمهزوم يلعق جراحه ويبدأ فى المقاومة من جديد، ويستمر العرض إلى يومِ الدين.
. إلتزاماً بخطِّهِ الفكرى العقائدى زهد الحزب الشيوعى فى وسائلِ كسب المال والإقتصاد وإلتزم التقشف والنزاهة، وهذه النظريات تتقاطع مع وتصادم حقُّ التملك والخصوصية والرأسمالية التى أباحَها ليس الأديان السماوية فحسب لكنها تنسجم مع الفِطرةِ السلِيمة للبشر.
وبينما جاءت تعاليِمُ الشيوعية الماركسية الليبينية كردة فعل إنفعالية ضد ظُلم تحالف ملاك الأرض ورجال الدين المسيحى فى روسيا فلا يجوزُ نقلها وتعميمها لكل الدنيا، لأنَّها ردَّة فعل ثوّار روس غاضبون من عدوِّهم وقد جندَلُوه وقضوا عليه. فنقله وتعميمه مخالِفٌ لطبيعةِ الأشياء، وتجربة روسيا ما كانت لتُنقلَ بحذآفيرها إلى خارجه، لأنها وإن نبَتت فلن تُثمِر، وإن أثمرت فسوف تثمِرُ ثِمارَاً خَمْطَاً سيِّئ المَذَاق.
. تفادى الشيوعيون مواجهة الأخوان المسلمين بنفس سلاحهم وادوات صراعهم كما فعل الجمهوريون، وعزفوا عن منازلتِهم والنزول لمستوى خطابِهم وأدواتهم، فمنحوا الخصم ميزات جيدة، تركوا له مساحات كبيرة فى المجتمع فتحرّك فيها الكيزان بإرتياح للنيل من الحزب الشيوعى أولاً ودمغِهِ بالكفرِ والإلحاد فى مجتمعٍ متديِّن ومحافِظ. وثم سوقوا لخطاب دينى خيالى مُعمَّم مثل "الإسلام هو الحَل"، و"لربطِ أسباب السماء بالأرض"، و"لا لدنيا قد عملنا، ونحن للدين فداء". فصدّقَهم الشعب السودانى وأوصَلَهُم إلى غايَتِهم، فهنيئاً لشعبِ السودان بما كسبت يداهُ.
ملحوظة: الجمهوريون كانوا ينازلون الأخوان المسلمين بسلاحِ الدين ذاته، ويُفحِمُونهم ويثبِتُونَ للناسِ أنَّ الأخوانَ المسلمين هُم أبعد الناسِ عن الإسلام، وأنَّهم متواضِعُونً للغاية فى فهمِ الدين، وفى تقديم مشروع دينى ينفعُ الناس. وكان الأخوان يخشون مواجهة الجمهوريِّين ويلوذون. هذا هو الفرق بين الشيوعيين والجمهوريين فى مواجهة الخوان المسلمين، كما سوف نورد عند تناولنا للاخوانِ الجمهوريين فى ميزانِ جدلِيَّة الظلام والنُور.
قلنا أنَّ الشيوعيون ما كانوا يقارعون الأخوان المسلمين الحُجَّةَ بالحُجَّةِ، فمنحوهم أرضية جماهيرية خصبة لدفنِ الشيوعيين أحياء بترابِ الدِين، فبهَتُوهم وكفّرُوهم وإهدَروا دمَهُم. وختمَ الأخوانُ المسلمين جرائمهم ضدّ الشيوعيين بتأليب الأحزاب العقائدية ضدَّهم فى مؤامرةِ حلِّ الحزب الشيوعى وطرد نوابه من البرلمان عام 1965م.
بعد حلّ الحزب الشيوعى وطرد نوابه من البرلمان ما كان مطلُوبَاً ولا متوقّعاً منه أن يقِفَ مكتوف الأيدى يندُب حظّه، فكان أن تخيّرَ الحزب الوصول إلى السُلطةِ وسُدَّةِ الحُكم عبر إنقلاب عسكرى بالتحالفِ مع العسكر. وكان أن تورَّطَ الحزب الشيوعى السودانى فى إنقلاب 25 مايو 1969م بقيادة العقيد جعفر محمد نميرى. ومن فرطِ غضبِ الحزب الشيوعى على التآمرِ ضِدّهُ، جاء مولانا رئيس القضاء بابكر عوض الله ضمن كشفِ مجلس قيادة ثورة مايو مع العسكريين، وهى المرَّة الأولى، وربَّما الأخيرة، التى يشاركُ فيها شخصٌ مدنى (مَلكِى) ضمن زمرة ضُبَّاط الجيش الذين ينفِّذون إنقلابَاً عسكِرياً.
. الحزب الشيوعى السودانى بهذا السِفر وهذه السيرة، وبقيادة اللجنة المركزية المُتَّسِمة بالجمودِ والمُحافظة الشديدة وعدمِ التطوير والإصلاح لمواكبة الواقع السودانى، وعدم إيمانه بالحرية والديمقراطية والتبادل السلمى للسلطة، هو للأسف حِزبٌ ظلامِى أضَرَّ كثيراً بالسودان فى الماضى، ولن يفِدْهُ فى الحاضرِ ولا فى المستقبل دون إحداث تعديلات وإصلاحات جوهرية تجعل من هذا الحزب قِبلة جامِعَة لأبنَاءِ السودان.
وأكرر، إنّه من سوء الطالع أن الحزب الشيوعى السودانى ضمّ عبر تأريخه الطويل خِيرَة أبناء السودان وأوسَعَهم عِلمَاً وتجربة عملِيَّة، وأقوَاهُم عزيمة وأصلبهم عوداً، وأعمَقَهم حُبّاً للوطن، وأنظفَهم يَدَاً، وأطهَرَهُم ذِمّة، ولم يستفِد منهم الوطن ولن يستفيد. بينما يحكُم السودان الكهنوت والدجَاجِلة تُجَّارُ الدين، الذين يبيعُون أبناء الشعب السودانى أوهام دينية وشهادات إستشهاد ومواقع مُميَّزة فى الجنّةِ، ومشروعات خيالية بلا طائل، هُم أسوأ من أنجبت أمهاتُنا السودانيات، فما هذه التعاسة وكيفَ متى نخلصُ مِنها ؟!.
ولمَّا لم يرُق للحزبِ الشيوعى السودانى الحُكمَ بالتحالفِ والشراكة مع الرئيس جعفر نميرى، قادَ الحِزبُ إنقلاباً تصحيحياً ضده بقيادةِ الرائد هاشم العطا فى 19 يوليو 1971م، لكن الإنقلاب لم يصمُد طويلاً، ثلاثة أيام فقط وإسترد النميرى حُكمَهُ مرّة أخرى وتلى ذلك مجازر و وَيلات ومُحاكمات إنتقامية أفقدت السودان خِيرة بنِّيه من أبناءِ الحزب الشيوعى.
وإنقلاب هاشم العطا 19 يوليو 1971م يعتبره الكثير من الناس أنه قد وضع حدَّاً لطموحِ وآمال الحزب الشيوعى السودانى، وقضى على قيادتهِ الطلِيعية الرشيدة، ومَهدَّ الطريق لصُعودِ نجم الأخوان المسلمين حتى سيطروا ثُمّ إنفردوا بتدميرِ البلاد وقهر العِباد فى 30 يونيو 1989م.
وإشتركَ الحزبِ الشيوعى السودانى فى انقلابِ 25 مايو 1969م مع العقيد/ جعفر محمد نميرى وكان مُبرِّره ودافِعه لذلك هو شعورهُ بالظُلمِ الذى حَاقَ بالحزبِ بسببِ حادثة حَلِّه ظُلماً وطردِ نوابه من البرلمان فى 16 ديسمبر 1965م، و رُغم صدور حُكمٍ قضائى من المحكمة العليا الدستورية بإلغاءِ قرار البرلمان بالحَلِّ وطردِ النوّاب لكن كانَ أصَرار زعماء أحزاب الأمَّة والأخوان المسلمين أقوى لمُخالفة وإزدراءِ حُكمِ المحكمة العليا وعدم الإنصياع له. فأعلنَ الصادق المهدي رئيس حزب الأمَّة أن حُكمَ المحكمة العليا "حُكمٌ تقريرى!"، ونسف بذلك أساس الديموقراطية اللبرالية التى يقفُ هو ذاتهُ اليوم مُدافِعاً جسُورَاً عنها.
ذلك الموقف من مبدأ إستقلال القضاء وسيادة حُكم القانون دفع برئيسِ القضاء مولانا/ بابكر عوض الله إلى تقديمِ إستقالته لرئيس وأعضاء مجلس السيادة، إختتمها بقوله: (إننى عملت ما فى وُسعِى وسعيتُ لصيانة إستقلالِ القضاء منذ أن كان لى شرف تضمين ذلك المبدأ فى ميثاقِ أكتوبر، ولا أريدُ لنفسى أن أبقى على رأسِ الجهاز القضائى لأشهد عملية تصفيته وتقطيع أوصاله وكتابة الفصل المُحزن والأخير من فصولِ تأريخه).
ومن فرطِ إحباطِه وغضبهِ وحنقه، جاء مولانا بابكر عوض الله ضمن كشف مجلس قيادة ثورة مايو 1969م مع العسكريين بقيادة العقيد جعفر نميرى! فأنظر ماذا يفعل الظلم بالناس. لذلك حرّمهُ اللهُ على نفسِه قبل أن يحرّمه على عِبادهِ.
(فى جزءٍ رابع نتناول الأخوان الجمهوريين فى ميزانِ جدلِيِّة الظلام والنُور)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.