قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسئوليَّة صنع القرار


بسم الله الرحمن الرحيم
هناك مراحل وأساليب لصنع أيِّ قرار بما توفَّر من العلم الذي يعتمد على الحقائق فأيُّ أمرٍ لا يتَّخذ ذلك منهجا فهو إلى خسران. تأمَّل قول المولى عزَّ وجلَّ: " ‫خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ "، وكم آية تكرَّرت فيها هذه الجملة في كلِّ مراحل وأنواع الخلق؟ فإن كان العلم ناقصاً فالمشورة أولى لتقليل فرصة الخطأ، وأخيراً إذا عزَّ توفير العلوم فاللجوء إلى الفطرة هو المنهج وهي إحساس القلب السليم.
وهذا يعني أنَّ سلامة القلب شرط لسماع توجيهاته، كما أنَّ اختيار من تستشيرهم شرطُه إجازتهم علميَّاً ورؤية نتيجة إنجازهم عمليَّاً. فيمكن لأحدٍ أن يُجاز علميَّاً ولكنَّه يفشل عمليَّاً مثل الطَّبيب أو المهندس، لأنَّ النَّجاح كما قلنا يعتمد على نوعيَّة العلم وعلى فهمه وعلى المنهج المُتَّبع في تطبيق العلم ثمَّ بعد ذلك على ثلاثة معايير وهي المهارة والتي تعني القدرة على الأداء مثل العمليَّة الجراحيَّة والخبرة وهي تكرار الممارسة والسلوك، وبهذا يتمُّ تقييم العالم على أنَّه كفء ومقبول. فمثلاً قد يكون الطَّبيب ذو كفاءة عالية ولكن المجلس الطبِّي لا يسمح له بممارسة الطَّب إذا كان سلوكه مغايراً للأخلاق. ولذلك الفتوى مثلاً تعتبر اجتهاد إذا قام المفتي بكلِّ ما في وسعه أي بذل جهداً عظيماً في التَّوصُّل للفتوى إن كان سنوات دراسة أو تدبُّر أو تدريس لأنَّ الاجتهاد تعريفاً هو بذل كلِّ ما في الوسع. ولذلك الخطَّة هي في جوهرها فتوى علميَّة لا يُدَّخر أيُّ جهد لتكوينها.
ولكن يتبع تنفيذ القرار الالتزام والمسئوليَّة. ولذلك في مرحلة صنع القرار فالإنسان مُطالبٌ باتَّباع الدَّليل أوَّلاً والآية الكريمة توضِّح العلاقة المباشرة بين كيفيَّة اتِّخاذ القرار وبين المسئوليَّة التي لها وجه آخر ضمني وهو المحاسبة على الفعل:
"وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا".
فهي تطلب من الإنسان ألا يتبع إلا العلم، وكلمة تقفُ من قفا وهي ظهر الشيء كأن تتبع إنساناً يمشي أمامك، وبعد ذلك حدَّدت مجال المسئوليَّة وهي السمع والبصر كأدوات استقبال المعلومات وذكرت الفؤاد وهو مكان تحليل المعلومات وإنتاج القرار وهو يتكوَّن من المخ؛ وهو يمثِّل العقل أو الذَّكاء المنطقي، والقلب وهو يمثِّل العاطفة أو الذَّكاء العاطفي.
وعندما تقول لأحدٍ ما هذا الأمر مسئوليَّتك فأنت تعني أنَّك ستحاسبه على الأداء، فإذا قبل التَّكليف فقد التزم.
وأهمَّ شرط للإنسان قبل أن يقبل المسئوليَّة هي معرفته الواعية لمقدراته ولعجزه حتى يؤدِّي الذي يعلم ويسأل ويستعين بالذين يعلمون في حالة العجز. وهذا مكان الأمانة وهي مسألة أخلاقيَّة فالذي يكذب على نفسه ليس أميناً وبذلك لا يستحقَّ أمانة المسئوليَّة إذ أنَّه لو لم يدرك عجزه أضرَّ إن أدَّى العمل أو أنَّه تكبَّر وقال لن أسأل أحداً أو استحى أن يسأل أحداً فهو يضرُّ أيضاً ولن يتعلَّم من تجربته إذ أنَّه ليست لديه القابليَّة للتَّعلُّم كما قال المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا يتعلَّم العلم مستحيٍ ومتكبِّر".
ولو أنَّ سيدنا آدم عليه السلام راجع ربَّه في كلام إبليس لكان المولى عزَّ وجلَّ أخبره بالحقِّ ولكن الغفلة عن مقدرات نفسه وتقييمه الناقص للمعلومات المعروضة عليه بظنِّه أنَّه لن يجرؤ أحدٌ على الكذب على الله والقسم باسمه زوراً هو الذي أفقده الجنَّة. إنَّ سيدنا آدم عليه السلام لقلَّة تجربته الحياتيَّة لم يتَّبع منهج اتِّخاذ القرار بخطواته كلَّها إذ أنَّ العلم كان متوفِّراً لديه ولكن في نفس اللحظة لم يعلم عجزه وهو قابليَّته للغفلة عن العلم والحقّ، والثِّاني لم يستفد من الموارد المتاحة كالله سبحانه وتعالى أو سيدنا رضوان رضي الله عنه حارس الجنَّة ليراجعهما في كلام إبليس ويأخذ نصيحتهما وبذلك اعتمد على الظَنِّ الذي اعتقد صحَّته: ‫وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا.
وهذا يقودنا لدورة الفعل التي تبدأ بالتَّخطيط وهي المرحلة التي تُعرف علميَّا بدراسة الجدوى، أي جدوى الشروع في المشروع، وهي تشمل تقييم الاحتياجات أوَّلاً ثمَّ تحديد الأولويَّات ثمَّ جمع المعلومات وجمع أصحاب الخبرة حتى تُوضع الخطط للعمل بعد الدَّراسة والمشورة نتيجة لتمحيص قيمة المعلومات العلميَّة كأساس لاتِّخاذ القرار. وتدخل عدَّة عوامل في هذه المرحلة، التي هي أهمَّ وأطول مرحلة فالمثل يقول "إنَّ الذين يفشلون في وضع الخطط الصحيحة يخطَّطون للفشل".
وهذه العوامل أهمَّها السلوك وهو مسألة أخلاقيَّة بحيث يتجنَّب النَّاس تفكير المجموعة الصغيرة المنغلقة فلا أيديولوجيا يجب أن تدخل في صنع القرار ولكن العلم فقط، أي لا إكراه ولا تخويف ولا حياء، ولا تَعجُّل في صنع القرار، مع طرحه لكافَّة النَّاس الذين سيؤثِّر فيهم القرار لإبداء الرّأي.
وثاني العوامل هو التَّوقيت، أي كم من الزَّمن سيُنفق قبل اتَّخاذ القرار ومتي يتمُّ التَّطبيق والوقت الذي سيأخذه لتطبيقه. وهذا يعتمد على درجة الخطر والضَّرر في الحاضر، فإذا كان الخطر أو الضَّرر ماثلاً فيجب أن يُتَّخذ القرار في أسرع وقت كعمل ضرورة لتقليل الضرر ودفع الخطر، وهذا يعني مساحة أكبر للخطأ لأنَّ التَّبيُّن لا يتم ولكن انعدام القرار ضرره وخطره أكبر.
ولكن بنفس الدَّرجة فإنَّ استنفاذ وقتٍ طويلٍ لاتَّخاذ القرار سعياً وراء الكمال أو تقليل الضَّرر والخطر للعدم أو لأقلِّ درجة ممكنة فهو عمل موسوس ويؤدِّي لفقدان السَّاعة الذَّهبيَّة للفعل والتي إن انتهت فلا فائدة في القرار. فهي مثل أن يتناقش الأطبَّاء على علاج مريض ويأخذون وقتاً طويلاً لأنَّهم يريدون أن يقلَّلوا فرصة الخطر أو الضَّرر قد ينتج عنه موت المريض الذي لن ينفعه كمال العلاج إن وُجد. فالحكمة في التَّوسُّط بين التَّهوُّر والتَّسويف.
العامل الثالث هو ترتيب الخطَّة لأربعة مراحل تعتمد تقسيم الأولويَّات إلى اللحظة الحاضرة والالتفات لحاجاتها بأسرع فرصة ممكنة، ثمَّ المرحلة قصيرة الأجل، تعقبها متوسِّطة الأجل ثمَّ طويلة الأجل. فإذا حدث انفجار في أنابيب الماء مثلاً فاللحظة الراهنة تستدعي وقف نزيف الماء وتوفير ماء للسكَّان بطريقة سريعة وصحيَّة، والمرحلة قصيرة الأجل هي إصلاح الكسر بتغيير الأنبوب، والمرحلة المتوسِّطة هي مراجعة سبب الكسر وتغيير الأنابيب التي في وضع مشابه، والمرحلة طويلة الأجل التَّعلُّم من التَّجربة وتوفير المُعدَّات لتجارب مستقبليَّة ومراجعة كلِّ شبكات المياه التي يمكن أن تتعرَّض لنفس الضَّرر.
العامل الرابع هو وضع الخطَّة الذكيَّة لتحديد وتعريف الهدف وهي تعتمد على خمسة شروط، وهي أن يكون الهدف واضحاً ليس غائماً يفهم النَّاس تعريفه وحدوده فلا تُترك مساحة للرأي الشخصي لتحويره أو تبديله أو يُظنُّ أنَّ الهدف بالوضوح الكافي الذي لا يحتاج لتعريف وفهم فهو بديهيَّة ومثل هذا الهدف الغائم الذي يظنُّ من يؤمنون به أنَّه واضح وضوح الشَّمس هو تطبيق الإسلام لحلِّ مشاكل العالم فيختلط الهدف مع الشعار "الإسلام هو الحل"، الذي يكون إجابة لكلِّ سؤال عن أيِّ إسلام يتحدَّث النَّاس؟ وما هو مفهومه، وما الذي يمكن تطبيقه، وكيف يتمُّ تطبيقه وكيف يمكن قياس نجاح تطبيقه، وكلّ هذه الأسئلة المشروعة وغيرها تُختصر في شعار ينتهي إلى دمار.
أمَّا الشرط الثاني هو أن يمكن قياس هذا الهدف، أي لمعرفة النجاح من الفشل كيف لي أن أقيسه لأصدر النَّتيجة. وهذا مثلاً محكَّ اختلاف الحكومة والمعارضة في نجاح وفشل مشروعها الحضاري إذ كلّ طرف يستخدم مقاييس مختلفة. فالبعض يظنُّ أنَّ نجاح المشروع يمكن قياسه بعدد المساجد التي بُنيت بينما يعترض البعض على أنَّ مظاهر الدين زادت وقلَّ التَّديُّن، وتحتجَّ الحكومة بزيادة التعليم العالي والمعارضين يتَّهمونها بانخفاض نوعيَّة التَّعليم، وآخرين يحتجُّون على التَّقدم بتوفُّر الاتِّصالات الحديثة والبعض الآخر بردِّ فعل الأعداء فإن رضوا عنهم فهم قد فشلوا وإن حاربوهم فهو دليل على التَّمسُّك بالمنهج الصحيح.
والشرط الثالث هو إمكانيَّة تحقيق الهدف وهذا يعتمد على الوعي بعلميَّة الهدف والموارد المتاحة والعوائق المتوقَّعة وهو يعتمد على الشرط الرابع وهو أن يكون الهدف واقعيَّاً وهذا يرجعنا إلى الشرط الأوَّل في تحديد وتعريف الهدف. فأنا إذا قلت لابني أريد مشروباً من المطبخ فهو قد يأتيني بما يهوى وقد أغضب أنا لأنَّه في تقديري أن ابني يجب أن يعرف المشروبات التي أحبُّها وألومه حسب اعتقادي ولكنَّ المخطئ أوَّلاً هو أنا وثانياً هو لأنَّه لم يستفسر أيُّ مشروبٍ أريد. وهذا يعتمد أيضاً على توفُّره في المطبخ إذ لا يمكن أن أطلب منه ما ليس موجوداً أو ما لا يمكن التَّحصُّل عليه بسهولة ولهذا يجب أن أكون واقعيَّاً في طلبي إذ لا يمكن أن أطلب لبناً رائباً كانت تصنعه جدَّتي، مهما كان مدي حبِّي لهذا اللبن، لأنَّ جدَّتي توفِّيت يرحمها الله، ولكن يمكن أن أطلب من أمِّي أن تصنع لي مثله إذا كانت تستطيع عندما أزورها ولا أطلب من ابني أن يأتيني به. وإذا ما فشل في إحضاره فلا يصح أقول له إنَّه عملٌ غير صالح لأنَّه لو كان مثل السيدة مريم عليها السلام في صلاحها لرزقه الله به.
والشرط الخامس والأخير هو الزَّمن وهو تحديد الوقت لوضع الخطَّة ثمَّ الزَّمن لتنفيذها ثمَّ الزَّمن لقياس نجاحها أو فشلها.
فالمشروع الحضاري في عرف الحكومة مثلاً مفتوح الزَّمن حتى يرث الله الأرض ومن عليها ولذلك فلا يمكن قياس نجاحه من فشله، كما لا يمكن أن يحاسب عليه أحد لأنَّ مجرَّد الالتزام والعمل على تنفيذه يكفي عندها وابن آدم خطَّاء وله أجر إن اجتهد وأخطأ. وهو مشروع ليس له هدف محدَّد ومُعرَّف متَّفقٌ عليه ولذلك ليس له خطَّة تنفيذ وإن كان له خطَّة الظفر بالعقد غصباً أو رضا ولذلك فلا يمكن قياسه.
فأنا إذا اتَّفقت مع مهندس معماري ليبني لي بيتاً بعد أن راجعت مشاريعه السابقة واستشرت أهل الخبرة ثمَّ بدأ العمل ولكن جاراً لي لم يعجبه العمل وظنَّ في نفسه الكفاءة والحقَّ أكثر من المهندس الذي ارتضيته. فإذا أتى بكلِّ أهله مسلحين وغصبني على تسليم مشروع البناء له ثمَّ لم يؤدِّ ما عليه وإذا سألته عن متى يمكن أن ينتهي من العمل يقول لي لا تستعجل يا رجل فأنا مخلص لك لوجه الله لا أريد منك أجراً وهذا أفضل لك من المهندس السابق ولكنَّه يشتري السيارات من أموالي ويبني له بيتاً في أرضي ثمَّ يريد أن يقنعني أنَّني أفضل حالاً وإذا ما اعترضت أرسل علىَّ حرَّاسه يسومونني سوء العذاب ويقولون لي إنَّك محظوظ أصلاً لأنَّنا قرَّرنا أن نساعدك وننقذك من جهلك وضلالك فيجب أن تشكرنا على تعبنا.
وبعد وضع مرحلة وضع وإكمال الخطَّة، والتي تشمل خطَّة أو خططاً بديلة، يبدأ التَّنفيذ وتعقبه مرحلة المراجعة التي تقود لأوَّل الدَّورة وهي التَّخطيط من جديد لإصلاح الخطأ أو تمديد الزَّمن أو تكبير المشروع أو اعتباره مكتمل ولكن يحتاج لخطَّة صيانة. ومرحلة التَّنفيذ تبدأ بتعيين المنفِّذين الذين يجب أن تنطبق عليه أربعة معايير وهي العلم الرَّاسخ في المجال، والمهارة في الأداء، والخبرة والحكمة. والحكمة تكون في الذَّكاء العاطفي في المعاملة وحسن إدارة الموارد، وحلِّ المشاكل، والصلابة الأخلاقيَّة والمرونة العقليَّة والقدرة على تقمُّص مشاعر وتفكير الآخرين. وهي الأقصر عمراً بين أجزاء دورة الفعل التي تشمل وضع الخطَّة والمراجعة. فأطول جزء هو التَّخطيط ثمَّ المراجعة وأقصر مرحلة هي التَّنفيذ. ومرحلة المراجعة تقوم بها مجموعة وضع الخطَّة ومجموعة مستقلَّة ويجب أن تكون صادقة في تقييمها. ومرحلة المراجعة في الإسلام هي مرحلة الاستغفار والتَّوبة إذ أنَّ ذلك ينتج من مراجعة الفعل السابق ثمَّ الإقرار بخطئه ومن ثمَّ العمل على الإقلاع عنه وإصلاح الخطأ والتَّخطيط لفعل مختلف في المستقبل بسدِّ أبواب الخطأ مثل الإغراء مثلاً بالابتعاد عن مواطن الشبهات. وهذه الدَّورة تُلخَّص في دورة الصلاة التي تبدأ بمعرفة أداء الصلاة ومبطلاتها ثمَّ بالطهارة والوضوء، واختيار الموقع الطاهر واستقبال القبلة والنيَّة، ثمَّ تتلوها مرحلة التَّنفيذ وبعدها مرحلة المراجعة في حالة السَّهو بإصلاح الخطأ.
وحال السياسة في بلادنا تقع في شرك الجهل بدورة الفعل فهي تخطَّط لاستلام السلطة ولا تُخطِّط لما تريد أن تفعل بها وذلك بتقييم موضوعي وعلمي للاحتياجات أوَّلاً، ثمَّ وضع الخطط المسبقة لتغطيتها، وإنَّما تدخل مباشرة في مرحلة تنفيذ لا نهائي لا يسبقه تخطيط ولا تعقبه مراجعة، ويقوده تفكير خرافيِّ عشوائيِّ رغائبي مثل أنَّ: "دراسات الجدوى بدعة غربيَّة ابتكرها الكفَّار ونحن مسلمون متوكَّلون على الله"، فينشأ عن ذلك سدٌّ كالبئر المعطَّلة والقصر المشيد، بلا فائدة ترجى منه لا يؤتي ثماره كما وُعد النَّاس، وبضياعٍ للمال والجهد، وتشريد للنَّاس، وتغيير للبيئة تضرُّ الزراعة المحليَّة، وكلُّ هذا يتمُّ بلا محاسبة لمن قام بأمره.
والواحد منهم يخطَّط عندما يأخذ حمَّاماً ولكنَّه يرى الأشياء الكبرى تعتمد على الإيمان بالغيب والتَّوكُّل على الله ناسياً هدي المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم: "اعقلها وتوكَّل". وبينما أيضاً المولى عزَّ وجلَّ وضَّح في كتابه الكريم أنَّه خطَّط لخلق السماوات والأرض ونفَّذها في ستَّة أيام ثمَّ خطَّط لخلق خليفة للأرض وناقش خطَّته مع الملائكة الذين أبدوا رأيهم بلا خوف، ولذلك في بلادنا تبدأ دورة الفعل الخبيثة التي تقوم على الجهل والشعارات فتأكل الأخضر واليابس.
+++++++
ودمتم لأبي سلمي
مؤسِّس حزب الحكمة
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.