الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسئوليَّة صنع القرار .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
نشر في سودانيل يوم 18 - 01 - 2017


بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هناك مراحل وأساليب لصنع أيِّ قرار بما توفَّر من العلم الذي يعتمد على الحقائق فأيُّ أمرٍ لا يتَّخذ ذلك منهجا فهو إلى خسران. تأمَّل قول المولي عزَّ وجلَّ: " ‫خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ‬"، وكم آية تكرَّرت فيها هذه الجملة في كلِّ مراحل وأنواع الخلق؟ فإن كان العلم ناقصاً فالمشورة أولي لتقليل فرصة الخطأ، وأخيراً إذا عزَّ توفير العلوم فاللجوء إلى الفطرة هو المنهج وهي إحساس القلب السليم. ‬
وهذا يعني أنَّ سلامة القلب شرط لسماع توجيهاته، كما أنَّ اختيار من تستشيرهم شرطُه إجازتهم علميَّاً ورؤية نتيجة إنجازهم عمليَّاً. فيمكن لأحدٍ أن يُجاز علميَّاً ولكنَّه يفشل عمليَّاً مثل الطَّبيب أو المهندس، لأنَّ النَّجاح كما قلنا يعتمد على نوعيَّة العلم وعلى فهمه وعلى المنهج المُتَّبع في تطبيق العلم ثمَّ بعد ذلك على ثلاثة معايير وهي المهارة والتي تعني القدرة على الأداء مثل العمليَّة الجراحيَّة والخبرة وهي تكرار الممارسة والسلوك، وبهذا يتمُّ تقييم العالم على أنَّه كفء ومقبول. فمثلاً قد يكون الطَّبيب ذو كفاءة عالية ولكن المجلس الطبِّي لا يسمح له بممارسة الطَّب إذا كان سلوكه مغايراً للأخلاق. ولذلك الفتوي مثلاً تعتبر اجتهاد إذا قام المفتي بكلِّ ما في وسعه أي بذل جهداً عظيماً في التَّوصُّل للفتوي إن كان سنوات دراسة أو تدبُّر أو تدريس لأنَّ الاجتهاد تعريفاً هو بذل كلِّ ما في الوسع. ولذلك الخطَّة هي في جوهرها فتوي علميَّة لا يُدَّخر أيُّ جهد لتكوينها.
ولكن يتبع تنفيذ القرار الالتزام والمسئوليَّة. ولذلك في مرحلة صنع القرار فالإنسان مُطالبٌ باتَّباع الدَّليل أوَّلاً
والآية الكريمة توضِّح العلاقة المباشرة بين كيفيَّة اتِّخاذ القرار وبين المسئوليَّة التي لها وجه آخر ضمني وهو المحاسبة على الفعل:
"وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا".
فهي تطلب من الإنسان ألا يتبع إلا العلم، وكلمة تقفُ من قفا وهي ظهر الشيء كأن تتبع إنساناً يمشي أمامك، وبعد ذلك حدَّدت مجال المسئوليَّة وهي السمع والبصر كأدوات استقبال المعلومات وذكرت الفؤاد وهو مكان تحليل المعلومات وإنتاج القرار وهو يتكوَّن من المخ؛ وهو يمثِّل العقل أو الذَّكاء المنطقي، والقلب وهو يمثِّل العاطفة أو الذَّكاء العاطفي.
وعندما تقول لأحدٍ ما هذا الأمر مسئوليَّتك فأنت تعني أنَّك ستحاسبه على الأداء، فإذا قبل التَّكليف فقد التزم.
وأهمَّ شرط للإنسان قبل أن يقبل المسئوليَّة هي معرفته الواعية لمقدراته ولعجزه حتى يؤدِّي الذي يعلم ويسأل ويستعين بالذين يعلمون في حالة العجز. وهذا مكان الأمانة وهي مسألة أخلاقيَّة فالذي يكذب على نفسه ليس أميناً وبذلك لا يستحقَّ أمانة المسئوليَّة إذ أنَّه لو لم يدرك عجزه أضرَّ إن أدَّي العمل أو أنَّه تكبَّر وقال لن أسأل أحداً أو استحي أن يسأل أحداً فهو يضرُّ أيضاً ولن يتعلَّم من تجربته إذ أنَّه ليست لديه القابليَّة للتَّعلُّم كما قال المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا يتعلَّم العلم مستحيٍ ومتكبِّر".
ولو أنَّ سيدنا آدم عليه السلام راجع ربَّه في كلام إبليس لكان المولي عزَّ وجلَّ أخبره بالحقِّ ولكن الغفلة عن مقدرات نفسه وتقييمه الناقص للمعلومات المعروضة عليه بظنِّه أنَّه لن يجرؤ أحدٌ على الكذب على الله والقسم باسمه زوراً هو الذي أفقده الجنَّة. إنَّ سيدنا آدم عليه السلام لقلَّة تجربته الحياتيَّة لم يتَّبع منهج اتِّخاذ القرار بخطواته كلَّها إذ أنَّ العلم كان متوفِّراً لديه ولكن في نفس اللحظة لم يعلم عجزه وهو قابليَّته للغفلة عن العلم والحقّ، والثِّاني لم يستفد من الموارد المتاحة كالله سبحانه وتعالي أو سيدنا رضوان رضي الله عنه حارس الجنَّة ليراجعهما في كلام إبليس ويأخذ نصيحتهما وبذلك اعتمد على الظَنِّ الذي اعتقد صحَّته: ‫وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. ‬
وهذا يقودنا لدورة الفعل التي تبدأ بالتَّخطيط وهي المرحلة التي تُعرف علميَّا بدراسة الجدوى، أي جدوى الشروع في المشروع، وهي تشمل تقييم الاحتياجات أوَّلاً ثمَّ تحديد الأولويَّات ثمَّ جمع المعلومات وجمع أصحاب الخبرة حتى تُوضع الخطط للعمل بعد الدَّراسة والمشورة نتيجة لتمحيص قيمة المعلومات العلميَّة كأساس لاتِّخاذ القرار. وتدخل عدَّة عوامل في هذه المرحلة، التي هي أهمَّ وأطول مرحلة فالمثل يقول "إنَّ الذين يفشلون في وضع الخطط الصحيحة يخطَّطون للفشل".
وهذه العوامل أهمَّها السلوك وهو مسألة أخلاقيَّة بحيث يتجنَّب النَّاس تفكير المجموعة الصغيرة المنغلقة فلا أيديولوجيا يجب أن تدخل في صنع القرار ولكن العلم فقط، أي لا إكراه ولا تخويف ولا حياء، ولا تَعجُّل في صنع القرار، مع طرحه لكافَّة النَّاس الذين سيؤثِّر فيهم القرار لإبداء الرّأي.
وثاني العوامل هو التَّوقيت، أي كم من الزَّمن سيُنفق قبل اتَّخاذ القرار ومتي يتمُّ التَّطبيق والوقت الذي سيأخذه لتطبيقه. وهذا يعتمد على درجة الخطر والضَّرر في الحاضر، فإذا كان الخطر أو الضَّرر ماثلاً فيجب أن يُتَّخذ القرار في أسرع وقت كعمل ضرورة لتقليل الضرر ودفع الخطر، وهذا يعني مساحة أكبر للخطأ لأنَّ التَّبيُّن لا يتم ولكن انعدام القرار ضرره وخطره أكبر.
ولكن بنفس الدَّرجة فإنَّ استنفاذ وقتٍ طويلٍ لاتَّخاذ القرار سعياً وراء الكمال أو تقليل الضَّرر والخطر للعدم أو لأقلِّ درجة ممكنة فهو عمل موسوس ويؤدِّي لفقدان السَّاعة الذَّهبيَّة للفعل والتي إن انتهت فلا فائدة في القرار. فهي مثل أن يتناقش الأطبَّاء على علاج مريض ويأخذون وقتاً طويلاً لأنَّهم يريدون أن يقلَّلوا فرصة الخطر أو الضَّرر قد ينتج عنه موت المريض الذي لن ينفعه كمال العلاج إن وُجد. فالحكمة في التَّوسُّط بين التَّهوُّر والتَّسويف.
العامل الثالث هو ترتيب الخطَّة لأربعة مراحل تعتمد تقسيم الأولويَّات إلى اللحظة الحاضرة والالتفات لحاجاتها بأسرع فرصة ممكنة، ثمَّ المرحلة قصيرة الأجل، تعقبها متوسِّطة الأجل ثمَّ طويلة الأجل. فإذا حدث انفجار في أنابيب الماء مثلاً فاللحظة الراهنة تستدعي وقف نزيف الماء وتوفير ماء للسكَّان بطريقة سريعة وصحيَّة، والمرحلة قصيرة الأجل هي إصلاح الكسر بتغيير الأنبوب، والمرحلة المتوسِّطة هي مراجعة سبب الكسر وتغيير الأنابيب التي في وضع مشابه، والمرحلة طويلة الأجل التَّعلُّم من التَّجربة وتوفير المُعدَّات لتجارب مستقبليَّة ومراجعة كلِّ شبكات المياه التي يمكن أن تتعرَّض لنفس الضَّرر.
العامل الرابع هو وضع الخطَّة الذكيَّة لتحديد وتعريف الهدف وهي تعتمد على خمسة شروط، وهي أن يكون الهدف واضحاً ليس غائماً يفهم النَّاس تعريفه وحدوده فلا تُترك مساحة للرأي الشخصي لتحويره أو تبديله أو يُظنُّ أنَّ الهدف بالوضوح الكافي الذي لا يحتاج لتعريف وفهم فهو بديهيَّة ومثل هذا الهدف الغائم الذي يظنُّ من يؤمنون به أنَّه واضح وضوح الشَّمس هو تطبيق الإسلام لحلِّ مشاكل العالم فيختلط الهدف مع الشعار "الإسلام هو الحل"، الذي يكون إجابة لكلِّ سؤال عن أيِّ إسلام يتحدَّث النَّاس؟ وما هو مفهومه، وما الذي يمكن تطبيقه، وكيف يتمُّ تطبيقه وكيف يمكن قياس نجاح تطبيقه، وكلّ هذه الأسئلة المشروعة وغيرها تُختصر في شعار ينتهي إلى دمار.
أمَّا الشرط الثاني هو أن يمكن قياس هذا الهدف، أي لمعرفة النجاح من الفشل كيف لي أن أقيسه لأصدر النَّتيجة. وهذا مثلاً محكَّ اختلاف الحكومة والمعارضة في نجاح وفشل مشروعها الحضاري إذ كلّ طرف يستخدم مقاييس مختلفة. فالبعض يظنُّ أنَّ نجاح المشروع يمكن قياسه بعدد المساجد التي بُنيت بينما يعترض البعض على أنَّ مظاهر الدين زادت وقلَّ التَّديُّن، وتحتجَّ الحكومة بزيادة التعليم العالي والمعارضين يتَّهمونها بانخفاض نوعيَّة التَّعليم، وآخرين يحتجُّون على التَّقدم بتوفُّر الاتِّصالات الحديثة والبعض الآخر بردِّ فعل الأعداء فإن رضوا عنهم فهم قد فشلوا وإن حاربوهم فهو دليل على التَّمسُّك بالمنهج الصحيح.
والشرط الثالث هو إمكانيَّة تحقيق الهدف وهذا يعتمد على الوعي بعلميَّة الهدف والموارد المتاحة والعوائق المتوقَّعة وهو يعتمد على الشرط الرابع وهو أن يكون الهدف واقعيَّاً وهذا يرجعنا إلى الشرط الأوَّل في تحديد وتعريف الهدف. فأنا إذا قلت لابني أريد مشروباً من المطبخ فهو قد يأتيني بما يهوى وقد أغضب أنا لأنَّه في تقديري أن ابني يجب أن يعرف المشروبات التي أحبُّها وألومه حسب اعتقادي ولكنَّ المخطئ أوَّلاً هو أنا وثانياً هو لأنَّه لم يستفسر أيُّ مشروبٍ أريد. وهذا يعتمد أيضاً على توفُّره في المطبخ إذ لا يمكن أن أطلب منه ما ليس موجوداً أو ما لا يمكن التَّحصُّل عليه بسهولة ولهذا يجب أن أكون واقعيَّاً في طلبي إذ لا يمكن أن أطلب لبناً رائباً كانت تصنعه جدَّتي، مهما كان مدي حبِّي لهذا اللبن، لأنَّ جدَّتي توفِّيت يرحمها الله، ولكن يمكن أن أطلب من أمِّي أن تصنع لي مثله إذا كانت تستطيع عندما أزورها ولا أطلب من ابني أن يأتيني به. وإذا ما فشل في إحضاره فلا يصح أقول له إنَّه عملٌ غير صالح لأنَّه لو كان مثل السيدة مريم عليها السلام في صلاحها لرزقه الله به.
والشرط الخامس والأخير هو الزَّمن وهو تحديد الوقت لوضع الخطَّة ثمَّ الزَّمن لتنفيذها ثمَّ الزَّمن لقياس نجاحها أو فشلها.
فالمشروع الحضاري في عرف الحكومة مثلاً مفتوح الزَّمن حتى يرث الله الأرض ومن عليها ولذلك فلا يمكن قياس نجاحه من فشله، كما لا يمكن أن يحاسب عليه أحد لأنَّ مجرَّد الالتزام والعمل على تنفيذه يكفي عندها وابن آدم خطَّاء وله أجر إن اجتهد وأخطأ. وهو مشروع ليس له هدف محدَّد ومُعرَّف متَّفقٌ عليه ولذلك ليس له خطَّة تنفيذ وإن كان له خطَّة الظفر بالعقد غصباً أو رضا ولذلك فلا يمكن قياسه.
فأنا إذا اتَّفقت مع مهندس معماري ليبني لي بيتاً بعد أن راجعت مشاريعه السابقة واستشرت أهل الخبرة ثمَّ بدأ العمل ولكن جاراً لي لم يعجبه العمل وظنَّ في نفسه الكفاءة والحقَّ أكثر من المهندس الذي ارتضيته. فإذا أتي بكلِّ أهله مسلحين وغصبني على تسليم مشروع البناء له ثمَّ لم يؤدِّ ما عليه وإذا سألته عن متي يمكن أن ينتهي من العمل يقول لي لا تستعجل يا رجل فأنا مخلص لك لوجه الله لا أريد منك أجراً وهذا أفضل لك من المهندس السابق ولكنَّه يشتري السيارات من أموالي ويبني له بيتاً في أرضي ثمَّ يريد أن يقنعني أنَّني أفضل حالاً وإذا ما اعترضت أرسل علىَّ حرَّاسه يسومونني سوء العذاب ويقولون لي إنَّك محظوظ أصلاً لأنَّنا قرَّرنا أن نساعدك وننقذك من جهلك وضلالك فيجب أن تشكرنا على تعبنا.
وبعد وضع مرحلة وضع وإكمال الخطَّة، والتي تشمل خطَّة أو خططاً بديلة، يبدأ التَّنفيذ وتعقبه مرحلة المراجعة التي تقود لأوَّل الدَّورة وهي التَّخطيط من جديد لإصلاح الخطأ أو تمديد الزَّمن أو تكبير المشروع أو اعتباره مكتمل ولكن يحتاج لخطَّة صيانة. ومرحلة التَّنفيذ تبدأ بتعيين المنفِّذين الذين يجب أن تنطبق عليه أربعة معايير وهي العلم الرَّاسخ في المجال، والمهارة في الأداء، والخبرة والحكمة. والحكمة تكون في الذَّكاء العاطفي في المعاملة وحسن إدارة الموارد، وحلِّ المشاكل، والصلابة الأخلاقيَّة والمرونة العقليَّة والقدرة على تقمُّص مشاعر وتفكير الآخرين. وهي الأقصر عمراً بين أجزاء دورة الفعل التي تشمل وضع الخطَّة والمراجعة. فأطول جزء هو التَّخطيط ثمَّ المراجعة وأقصر مرحلة هي التَّنفيذ. ومرحلة المراجعة تقوم بها مجموعة وضع الخطَّة ومجموعة مستقلَّة ويجب أن تكون صادقة في تقييمها. ومرحلة المراجعة في الإسلام هي مرحلة الاستغفار والتَّوبة إذ أنَّ ذلك ينتج من مراجعة الفعل السابق ثمَّ الإقرار بخطئه ومن ثمَّ العمل على الإقلاع عنه وإصلاح الخطأ والتَّخطيط لفعل مختلف في المستقبل بسدِّ أبواب الخطأ مثل الإغراء مثلاً بالابتعاد عن مواطن الشبهات. وهذه الدَّورة تُلخَّص في دورة الصلاة التي تبدأ بمعرفة أداء الصلاة ومبطلاتها ثمَّ بالطهارة والوضوء، واختيار الموقع الطاهر واستقبال القبلة والنيَّة، ثمَّ تتلوها مرحلة التَّنفيذ وبعدها مرحلة المراجعة في حالة السَّهو بإصلاح الخطأ.
وحال السياسة في بلادنا تقع في شرك الجهل بدورة الفعل فهي تخطَّط لاستلام السلطة ولا تُخطِّط لما تريد أن تفعل بها وذلك بتقييم موضوعي وعلمي للاحتياجات أوَّلاً، ثمَّ وضع الخطط المسبقة لتغطيتها، وإنَّما تدخل مباشرة في مرحلة تنفيذ لا نهائي لا يسبقه تخطيط ولا تعقبه مراجعة، ويقوده تفكير خرافيِّ عشوائيِّ رغائبي مثل أنَّ: "دراسات الجدوى بدعة غربيَّة ابتكرها الكفَّار ونحن مسلمون متوكَّلون على الله"، فينشأ عن ذلك سدٌّ كالبئر المعطَّلة والقصر المشيد، بلا فائدة ترجي منه لا يؤتي ثماره كما وُعد النَّاس، وبضياعٍ للمال والجهد، وتشريد للنَّاس، وتغيير للبيئة تضرُّ الزراعة المحليَّة، وكلُّ هذا يتمُّ بلا محاسبة لمن قام بأمره.
والواحد منهم يخطَّط عندما يأخذ حمَّاماً ولكنَّه يري الأشياء الكبرى تعتمد على الإيمان بالغيب والتَّوكُّل على الله ناسياً هدي المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم: "اعقلها وتوكَّل". وبينما أيضاً المولي عزَّ وجلَّ وضَّح في كتابه الكريم أنَّه خطَّط لخلق السماوات والأرض ونفَّذها في ستَّة أيام ثمَّ خطَّط لخلق خليفة للأرض وناقش خطَّته مع الملائكة الذين أبدوا رأيهم بلا خوف، ولذلك في بلادنا تبدأ دورة الفعل الخبيثة التي تقوم على الجهل والشعارات فتأكل الأخضر واليابس.
ودمتم لأبي سلمي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.