"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المحبوب عبد السلام : نشهد بأم أعيننا تلاشى الدولة ، سيناريو التجزئة قريب..فقد ينضم جبال النوبة الى الجنوب وتستقل دارفور او تلحق بتشاد و قد يلحق الشرق بارتريا واثيوبيا وينضم بعض الشمال الاقصى الى مصر.
نشر في الراكوبة يوم 26 - 08 - 2014


انا لست سياسيا لكنى داعية الى الله
انظر الى الظواهر في سياق حركة التاريخ
انحاز الترابي للحرية والديمقراطية والمهمشين فتولت عنه مجموعة اختارت الديكتاتورية
مصطلح الدولة الدينية يثير فى الاذهان ذكريات دولة البابوية
المحبوب عبد السلام يقدم في هذا الحوار مع "التيار" مرافعة فكرية حول المشروع الاسلامي في الحكم وتجربة الحركة الاسلامية في الحكم في السودان ، وهو في ذات الوقت يقدم مراجعات حول ذلك المشروع برفده بقيم وافكارجديدة
حوار: علاء الدين محمود
ربما خير ما نستهل به هذا الحوار هو عود على بدء قديم في حوار "المشروع الذي كان" وكيف تنظر في فضاء تأملك حول التجربة باكملها للمشروع الذي اعلن اعادة صياغة الانسان "اسلاميا" وانتهاءه الى فساد عم البلاد وبعض العباد؟ يبدو ان كم الفساد قد تجاوز كم الاعترافات التي ادليت لي بها سابقا حول ذاك الفشل؟
انظر دائما للظواهر فى سياق من حركة التاريخ، فهنالك مرحلة من تاريخنا اطلق عليها كثير من المفكرين اسم عصر النهضة العربي او كما جاء فى عنوان كتاب البرت جورائى ( الفكر العربى فى عصر النهضة )، هذه المرحلة مرتبطة بعنوان اخر اسمه ( حركة الاحياء الاسلامى ) والمقصود بها الاجتهاد الذى كان رمزه الاول جمال الدين الافغانى ( الذى أحيا الدور الاجتماعى للانبياء ) كما جاء فى عبارة مالك بن نبى فى كتابة (وجهة العالم الاسلامي ).
هاان الظاهرتان (النهضة العربية) و(الاحياء الاسلامى) تزامنتا تقريبا قبل قرن ونصف القرن من الان . النهضة العربية لم تلبغ اهم اهدافها اى تقدم لاسهام او الدور العربى ليكون فاعلاً فى حضارة العالم المعاصرة، كما فعلت اليابان التى لاحظ بن نبى انها بدأت نهضتها بعد العالم العربى بسنوات عام 1906 م بعد هزيمة قواتها.
يمكن فهم الظاهرتين على انهما ظاهرة واحدة اذا تأملنا فى عنوان كتاب شكيب ارسلان (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم)، هذا السؤال كان يؤرق ضمائر حية كثيرة وعقول مفكرة كبيرة ومن ثمبدأت الافكار والحركات المعبرة عن هذا الوعى فى الظهور.
صحيح ان حركة الاحياء الاسلامى اصبح اسمها فيما بعد الحركات الاسلامية ثم الصحوة الاسلامية ثم الاسلام المقاوم Competent Islam ثم الاسلام السياسى. الذى ادعوله هو مراجعة كل هذا الارث ثم احكام القطعية معه . تجربة السودان تاريخيا هي ضمن هذه الدورة ، أتمنى لو نقرأها في هذا السياق ، خاصة انها توفرت على مفكر عظيم و جماعة من المؤهلين المتحمسين . فالسؤال لماذا تنكبت الصراط المستقيم وهي في قمة نجاحها ؟ .
حاولت فى ( المقدمات) ان اجيب على هذه الاسئلة مع تركيز خاص على المسار الراهن للمؤتمر الشعبى وهو موضوع سنأتى اليه ، لكن مالم أقله فى المقدمات وعبرت عنه بطرح الاسئلة هو ضرورة ان نقرأ سيرة الحركة الاسلامية ومآلاتها الماثلة الان فى السياق التاريخى والنفسى لمجتمعات السودان . عندئذ سنهتدى ولو جزئياً الى جذور الازمة وليس عرض المرض، وهى في تقديري متصلة بلحظتنا الحضارية فى تاريخ الانسانية وبموضوع تجديد الفكر الاسلامى ، ولكن أصل هذه النتيجة سؤال شكيب ارسلان لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ اقول البعض اعاد طرح السؤال وفق منطلقاته الفكرية والحضارية وهو لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم ؟ واذ رأى البعض ان اصل الازمة هو غياب الاسلام عن حياتنا وان الحل فى عودة الخلافة عبر توحيد امة الاسلام، هؤلاء جاءت خلاصة مشروعهم فى تجربة السودان ثم تجربة حكم الاخوان المسلمين في مصر ثم تجربة تونس التى تصيب بعض النجاح. اما الاخرين الذين رأوا ان الازمة تكمن فى ضياع هويتنا القومية العربية وان العلاج باحياء عناصر النهضة فى تلك الهوية فجاءت خلاصة تجاربهم فى تجربة جمال عبد الناصر فى مصر ثم تجربة البعث فى العراق واخيراً فى حالة حافظ الاسد ثم حالة بشار الاسد التى تكابد الان ويكابد معها السوريون والعالم من حولهم.
ربما ايضا نعود هنا الى "الانتلجنسيا الاسلامية المتولية يوم الزحف" وهي التي انفضت من حول الشيخ . كيف تنظر الى ذاك المقال وانت تمارس الان ذات دور تلك الانتلجنسيا وانت تدفع بمذكرة تنتقد فيها الشيخ؟ هل يمكن ان نقول انت تلك "الانتلجنسيا" كانت اكثر تحررا واستقلالية منك إذ حطمت قداسة الاشخاص؟
بالنسبة للمقدمات التى كتبتها منذ 2011م فهى محاولة للنقد الذاتى ولكن فى ذات الوقت مبادرة لاصلاح الحياة السياسية السودانية ، لا سيما انساقها الحزبية التى اصبحنا نصفها بالتقليدية و أعني حزب الامة والحزب الاتحادى والحزب الشيوعى الحالة الاخرى هى حالة المؤتمرين الشعبى ثم الوطنى اللذان انطلقا من مرجعية فكرية واحدة وانتهيا الى نتائج مختلفة . واذ انها( المقدمات) عمل فكرى بالاساس فان محاولات توظيفه للاثارة الصحيفة مثل مغامرات توظيفه فى الصراعات الحزبية تفسده تماماً وتحرفه عن مقاصده بل وتفرغه من محتواه ، وكمثال لذلك تصويره انه مذكرة لنقد الشيخ شخصياً.
أما بالنسبة لمقالى حول الانتلجنسيا الاسلامية كنت أعني به مجموعة معروفة بدأت عطاءها الفكرى أواخر السبعينات وكانت نواة لمدرسة فكرية تبدأ من تجديد الاصول الذى اشترعه الترابى ترتاد بمواهبها وتوجهاتها المختلفة كل الافاق وتمضى لتتجاوز الترابى نفسه او كما كان هو يبشر بذلك . هذه المجموعة لم تواصل سعيها الفكرى الجاد وانحازات لمصالحها الضيقة فى اول اختبار لمواجهة السلطان، وكنت أعنى بيوم الزحف ان الترابى عندما قرر بحسم باتر انه منحاز للحرية والديمقراطية وحقوق الانسان ومنحاز للهامش فى دارفور والجنوب تولت واختارت مائدة الديكتاتور ، رغم ان اغلبهم كان - وهو مايزال طالباً - يدعوا الى تلك المبادئى وقد يزاود عليهافي الصراع الشرس الذى كان يدور مع التقليديين فى الحركة الاسلامية واذرعهم في اجهزة الحركة القيادية وفى اجهزة المعلومات.
فى تقديرى أن ماكتبه الاخ الصديق الاستاذ عبد العزيز البطل فى مقالاته السبعة حول المقدمات واستناده الى مقولة الاخ الدكتور عبدالوهاب الافندى أن النقد الذاتى غائب تماما فى عمل الحركة الاسلامية السودانية لانه يمس وبالضرورة يمس اجتهادات وقرارات الشيخ الترابى وأن (المقدمات ) فى هذا الإطار محاولة بالغة الجسارة او كما عبر عن ذلك الاستاذ البطل . كما أُشير فى هذا السياق الى مواجهة بيني وبين السيد قطبى المهدى فى عام 2003م فى برنامج اكثر من رأى فى قناة الجزيرة إذ سالته لماذا لم يحذوا المؤتمر الوطنى و هو يتوفر على قادة قضوا اربعين عاماً فى سوح السياسية والفكر وسافروا الى العالم المتقدم وعرفوا تجاربه عن قرب وهم يدرسون فى ارقى جامعاته، لماذا لم يتجاوزوا الترابى كما تجاوز اردوغان تجربة الزعيم الخطير اربكان ويقدموا للعالم تجربة جديدة لحركة اسلامية رشيدة بدلا من استعمال الامن والقوة فى السياسية بدلا من الفكر والحوار.
الا تعتبر مذكرتك تلك فيها اعادة اعتبار للذين انفضوا حول الشيخ في لحظة من اللحظات كون ان ذلك الانفضاض يحمل قدرا من النقد والذي هو دور "الانتلجنسيا" في الاساس"؟
المذكرة على النقيض من ذلك أكدت أن الانحياز للمؤتمر الشعبى وللشيخ فى تلك اللحظة التى وصفتها فى مقدمة كتاب الحركة الاسلامية بأنها لحظة ( متحارجة شكسبيرية) اشارة لمقولة هاملت الشهيرة (نكون او لا نكون ) ، وقلت فى المقدمات ان الاختيار المبدئى الصحيح هو الذى جنبنا ان نكون جزءاً من تجربة المؤتمر الوطنى بعد تلاشى مرجعيته وتدفق البترول، وهى براءة نحمد الله عليها اليوم مثنى وثلاث ورباع وبغير عدد. فهم انفضوا من الشيخ ليس من أجل المبادئ و لا تحرراً من قداسة الاشخاص ولكن حفاظاً على مصالحهم بوصفهم نخبة برجوازية صغيرة أو كما جاء فى كلمات صلاح احمد ابراهيم والتى اوردتها فى المقدمة : كم فتى منا ولكن ليس منا يركب الشعب الى الحكم مطية.
ربما تأثرت كثيرا بالمفكر الماركسي انتوني غرامشي في "المثقف العضوي" او المثقف كرافعة فكرية داخل حزبه ، لكن يبدو انك لم تمارس هذا الدور تجاه حزبك بقدر ما وظفت المفهوم تجاه علاقتك بالشيخ داخل الحزب، وفقدت بالتالي دور المثقف وكنت اقرب الى "الحوار" الذي يبرر كل اقول شيخه؟
نعم كثيرا ما استدعى مثال المفكر الماركسي الايطالى (انتوني غرامشي) لانه يجسد لى حالة كثير من الشباب المتقد بالمبادى والافكار ويعطى وهو مايزال فى اول العشرين عطاءً متميزا من الافكار و من الاسلوب . واذ يلاحظ الكثيرون ان تلك الشعلة المتوهجة قد لا تواصل اجتهادها وجهادها فى طريق البذل والمبادئي بل قد تخفت مع تقدم العمر وكر السنين وقد تزوي وتنطفئ ، لكن غرامشي فى عمر مبكر بدأ يرسل انواره ومات فى ريعان شبابه وهو فى قمة عطاءه. بالنسبة لمثال المثقف العضوى كان جيلنا اول ما تعرف عليه من المفكر الايرانى على شريعى وهو بسيرته كذلك قدوة اخرى اقرب الينا من حاله غرامشي .
لذلك كتبت مرة فى مذكرات لم انشرها بعد اننا دخلنا الحركة الاسلامية وكان اسمها الدعوة ولم نكن نريد اى شى ولاحتى ان نصبح (سياسيين) ، واليوم اكرر مقولة د. على عزت بيجوفتش ( انا لست سياسيا لكنى داعية الى الله) . لكنى افهم مغزى سؤالك فى تناقض حالة المثقف العضوى مع حالة الحوار والشيخ ( الحوار بضم الميم ) ، واعترف لك بان المثقف العضوى تنقص احد شروطه عندما يصبح عضواً فى حزب سياسى رغم أن غرامشي نفسه كان عضواً قيادياً فى الحزب الشيوعى الايطالى ، لكن فى حالتى مع الشيخ الترابى كنت كما عبر هو بنفسه ( افضل من يعبر عن افكاره)، لكن فى السياسة لم اكن بالضرورة متماهياً مع مواقفه الاعندما فاصل المؤتمر الوطنى اولاً منذ 1997م على المستوى الفكرى والنفسى ثم فى عام 2000م عندما فاصله سياسياً . ولذلك قلت اكثر من مرة انى كنت فى يسار الحركة الاسلامية والذين انقلبوا على الشيخ فى عام 1999م كانوا حوارييه فى السياسة بالكامل ولم يكونوا يهتمون كثيراً بالافكار .
كيف تنظر الى عملية الحوار السياسي التي اعلن عنها رئيس الجمهورية وسارع حزبكم لتأييدها وهل ستقود الى حالة سياسية جديدة ، ام هي عودة اصطفاف للاسلاميين؟
أؤمن ان الحوار ضرورة قصوى لأن بقاء حال السودان على ماهو عليه من المحال خاصة ونحن نشهد بأم أعيننا حالة فريدة من تحلل مؤسسات الدولة نحو تلاشى الدولة (اولا أعني تحلل البعض هذه الايام مما اقترفوه و أكتسبوه)، السنياريو الثانى الارجح و الاقرب هو التجزئة كما حدث مع الجنوب فقد ينضم إليه جبال النوبة وتستقل دارفور او تلحق بتشاد و قد يلحق الشرق بارتريا واثيوبيا وينضم بعض الشمال الاقصى الى مصر ويبقى شريط متوسط نيلى محاصر ريثما ينقسم هو نفسه بين الفرقاء، او كما عبر الامام الصادق المهدى عن ذلك قبل اعوام (ان جيراننا من حولنا سكاكينهم جاهزة لاخذ نصيبهم فى الكيكة) والسيناريو الثالث المرجوح غير الراجح لكنه مرغوب هو الحل السلمى المتفاوض عليه. رئيس الجمهورية تقرب الى الحوار بخطوة و خطوتين وفى رائيي أن على القوى السياسية وقوى المجتمع ان تتجاوب مع ذلك، ولان بين النظام والمعارضة ميراث من الثقة المغدورة. على الرئيس ان يسارع فى الخطوات (سارعوا الى ربكم) لان الزمن يضر بالحوار ويتيح للمتربصين من مراكز القوى فرصة اكبر لتعويقه وكذلك البطء يضيف الى أزمة الثقة ، وعلى المعارضة مخاطبة موضوعات الحل، مثلا ما صيغة الحكم الانتقالى الذى تريده ، كم هى مدته ؟ ماهى ترتيبات الانتخابات وصيغ الديمقراطية التوافقية او غيرها ؟ ماهى افكار و وسائل تطبيق عدالة انتقالية وفق صيغة سودانية ؟ الى آخر تلك المواضيع .
كيف تفسر رفض بعض الشعبيين للحوار السياسي مع المؤتمر الوطني؟
بعض الناس فى الشعبى كما هم فى احزاب المعارضة الاخرى يرون ان النظام مسؤول عن مأساة دارفور وفصل الجنوب وانقسام الحركة الاسلامية وحالة انحلال الدولة بالفوضى والفساد ولذلك لايريدون ان يضعوا ايديهم فى ايدى يرونها ملوثة بالدماء وبالفساد، لكن كلنا كنا نتمنى ان يفيض النهر و يغمر الفرعون وملئه، ولكن كذلك ننظر للأقليم من حولنا حيث تدفقت الشعوب الى الشوارع وغرق الفرعون فى الثورة ولكن نبصر كذلك المالات فى ليبيا ومصر واليمن ثم سوريا ، وحتى تونس تواجهها مشكلات عظام، ونرى ان التخندق فى المواقف سهل ولكن نداء الوطن اليوم هو ان ندخل عليهم الباب جميعاً ولو فعلنا فأننا غالبون.
وبالنسة للخوف من اصطفاف الاسلاميين سبق ان ذكرت أن تأسيس المؤتمر الشعبى فى منتصف العام 2000م هو تعبير عن فشل المنهج الاحادى فى حكم بلد مركب متعدد مثل السودان ومرة اخرى فى هذه اللحظة الشكسبيرية المطلوب اصطفاف السودانيين وليس اصطفاف الاسلاميين .
انتقدت كثيرا تحول المشروع الى دولة دكتاتورية؟ ماذا كنت تتوقع من مشروع احادي مؤدلج؟
المشروع فى اصوله التى جددها الترابى كان يدعوا للحرية والاباحة لكل الناس، وعندما اصدر ميثاق السودان فى يناير 1987م كانه وضع الصيغة الدستورية القانونية لتلك الاصوال عندما دعى لتأسيس الدولة على المواطنة وليس الشريعة، ولكن بين يدى النجاح والحماس الذى قوبل به ميلاد ثور الانقاذ ، مالت القيادة الفكرية الى اعتماد المنهج الاحادى بتأسيس صيغة المؤتمرات الشعبية الشورية الذى تمخض عنها المؤتمر الوطنى ، ولكن بعد مرافعة شديدة في صراعات السلطة عادت القيادة فى دستور 1998م الى اتجاهها الاصيل ولذلك قال الدكتور منصور خالد ان دستور 1998م يعتبر ثورة فى الفكر الاسلامى السياسى لانه اسس الدولة على المواطنة ولم يكتب ان دين الدولة الرسمى الاسلام كما فى كثير من دساتير النفاق فى العالم الاسلامى بل لم ينص على دين الرئيس. بالنسبة للديمقراطية والحركة الاسلامية فى تقديري ان الحرية هى المصطلح العربى المقابل لكلمة الديمقراطية اليونانية ولان المصطلح الاسلامى القديم كان يضع الحرية فى مقابل العبودية و الرق و القرآن يسميها المشيئة كما جاء فى تحديد المصطلحات السياسية عند الشيخ الترابى ، ولان البشرية تقترب اليوم بفطرتها نحو المبادئ الاصولية التى دعا لها القران مثل المشيئة وحقوق الانسان واللامركزية فانه ايما حركة تجديد اسلامى لابد ان تؤسس عن هذه القيم.
هل يمكن ان تعود الحركة الاسلامية عبر مشروع ديمقراطي هل يمكن دمقرطة الحركات الاسلامية ؟
فى ختام المقدمات تحدثت عن ورقة مكملة بعنوان المراجعات وقد لخصت كثير من افكارها فى محاضرة بعنوان ( الحركة الاسلامية من التجديد الى الحداثة ) ، دعوت فيها الى مراجعة الافكار لإحكام القطيعة مع حركات التجديد فى القرن الماضى وقبل الماضى ، فى هذا الاطار لابد من مراجعة العلاقة بين مايسمى ( النص والعقل )، لان البحوث تقدمت كثيراً فى مجال الدراسات القرانية مثلاً وفى تحقيق التراث كذلك لابد من مراجعة مسألة الدولة الاسلامية فى هذا الاطار قلت ان رائي الشخصى هو قبول الدولة المدنية التي بدأ التوافق حولها بديلاً لمصطلح الدولة العلمانية التى تعنى اللادنيية السياسية فكثير من العلمانية متدينون، كما ان الاسلام لايقدس امام ولا خليفة وبالتالى مصطلح الدولة الدينية يثير فى الاذهان ذكريات دولة البابوية فى التاريخ الاوربى الوسيط ، كما قد يذكر بتجارب معاصرة سئية .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.