قبل نحو أسبوع أعاد متصفحون على شبكة الانترنت تداول رسالة مُبكية كتبها مهاجر سوري قبل أن يغرق في عرض المتوسط خلال حوادث غرق سابقة.. الرسالة كتبها وهو يدرك تماماً أن احتمال استمرار حياته هو بقدر احتمال موته غرقاً وهو يبحث عن موطن بديل بعد أن فرّ مجبراً من جحيم وطنه بفعل الحرب.. الرسالة طويلة، لكن أكثر ما هو مؤثر ومعبر في رسالة المهاجر السوري أن قال " شكرا أيها البحر لأنك استقبلتنا دون فيزا" ثم "شكراً للأسماك التي ستتقاسم لحمي دون أن تسألني عن ديني أو انتمائي السياسي". أمس وأول من أمس وجد مهاجر سوداني اهتماماً إعلامياً على نحو مبالغ فيه، عبد الرحمن هارون يبلغ من العمر 40 عاماً، قطع كل المسافة الفاصلة بين فرنسا وبريطانيا عبر نفق يمر ببحر المانش، ثاني أطول الأنفاق في العالم، المسافة التي قطعها هارون تُقدر ب 50 كيلومتراً، وبحسب رصد "العربية نت" فإن وسائل إعلام بريطانية تحدثت عن حادثة هارون بشيء من الذهول.. هارون اخترق أرقى الحواجز، تعدى أنظمة الرصد والتفتيش، ومر بأكثر من 400 كاميرا مراقبة ، تحمل هارون درجة حرارة بلغت 50 درجة مئوية، مشى نحو 11 ساعة في الظلام وفوق ذلك واجه احتمال إصابته بصعقة كهربائية داخل النفق قبل أن يبلغ حلمه. رحلة هارون المفرطة في المخاطرة انتهت باعتقاله في آخر النفق، ولا يزال مصيره مجهولا. حالة هارون هذه وكما نشاهدها في أفلام المغامرات الحمقاء ترجمتها مباشرة إحصائية جهاز شئون السودانيين العاملين بالخارج، حيث أحصى الجهاز أمس الأول 12 ألف تأشيرة خروج خلال ثلاثة أيام، وفوق ذلك استخراج 4.500 جواز سفر جديد خلال ذات الفترة، ومعلوم كم هي عدد منافذ استخراج تأشيرات الخروج والجواز في ولاية الخرطوم، فقد نضطر إلى مضاعفة هذا الرقم المذهل مرات ومرات ونصطدم بواقع يجعلنا نبتلع قصة هارون بكل سهولة. هذا هو ملخص الواقع الآن.. ما قام به هارون من مخاطرة يرتقي بسببها إلى أن تُطلق عليه صفة انتحاري هي مؤشر لدرجة البؤس التي أحكمت سيطرتها.. هناك آلاف على استعداد أن يطبقوا سيناريو النفق المظلم الذي نفذه هارون بكل مخاطره، وإن كانت نهايته اعتقالا أو موتا قبل الاعتقال.. المهم في نهاية الأمر ألا عودة إلى الوطن. فقدان الأمل كلياً في وطن يُحقق لهارون وأمثاله أبسط مقومات الحياة في مقدوره أن يفعل أكثر من ذلك ، بكل أسف. التيار