كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة ثانية في حكم المحكمة الدستورية في دعوى الحزب الجمهوري
نشر في الراكوبة يوم 31 - 07 - 2016


نبيل أديب عبدالله المحامي
كنا قد وقفنا في عرضنا لحيثيات المحكمة الدستورية عند ما تثيره المادة 19/4 من قانون المحكمة الدستورية، والتي تشترط إذا كان القرار المطعون فيه دستورياً، مما يجيز القانون لجهة أعلى سلطة مراجعته، فعلى مقدم الدعوى تقديم ما يثبت إستنفاذه طرق التظلم، أو إنقضاء ثلاثون يوماً من تاريخ إستلام الجهة الأعلى للتظلم، ولكنها إستثنت الدعاوى المتعلقة بالحقوق والحريات العامة من هذا الشرط. وجاء في حيثيات المحكمة الدستورية هنا، أن هذا الإستثناء يتعلق فقط بالتظلم للجهات الإدارية العليا، ولا يشمل رفع الدعاوي القضائية. وقد ذكرنا في ردنا على هذا التفسير أن إستثناء التظلم من الجهات الإدارية الأعلى من الجهة التي أصدرت القرار، لا مجال لإعماله على الإطلاق طالما أن المحكمة الدستورية تشترط الذهاب للمحكمة الإدارية قبل الوصول للمحكمة الدستورية. لأن المحكمة الإدارية نفسها، وفق قانونها، لا تقبل اللجوء إليها إلا إذا إستنفذ الطاعن طرق التظلم إلى الجهات الإدارية الأعلى. وهذا يعني أن النص على إستثناء التظلم الإداري لا معنى له إلا لمن يرغب ،ويستطيع تجاوز المحكمة الإدارية.
وقد يكون ما قصده المشرع بالفعل هو الجهات الإدارية الأعلى ولكن هذا الفهم لا يستقيم إلا إذا إنتفت ضرورة الذهاب إلى المحكمة الإدارية، التي إستندت عليها المحكمة الدستورية لشطب الطعن. واقع الأمر هو أن الطعن في القرار لمخالفته القانون لدى محكمة الطعون الإدارية مسألة لا تهم الشارع الدستوري، وبالتالي يجب ألا تهم المحكمة الدستورية، لأنها ليست أصلاً خطوة ضرورية مسبقة لإقامة دعوى حماية الحق الدستوري. أولاً لا بد من القول أن المحكمة الدستورية ليست جزءً من التراتبية القضائية، بمعنى أنها لا تشكل مرحلة من مراحل الطعن في الأحكام القضائية، بحيث يكون الطعن في المحكمة الإدارية مرحلة يتحتم المرور بها قبل الوصول للمحكمة الدستورية. وهذه المسألة واضحة من نص المادة 15 (2) من قانون المحكمة الدستورية(2) ونصها "على الرغم من أحكام البند (1) لا تخضع أعمال السلطة القضائية والأحكام والقرارات والإجراءات والأوامر التي تصدرها محاكمها لمراجعة المحكمة الدستورية " ومن نص المادة 119 من الدستور حيث تقرر" (2) تكون المحكمة الدستورية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومنفصلة عن السلطة القضائية القومية، ويحدد القانون إجراءاتها وكيفية تنفيذ أحكامها."
إذا فإنه أصلاً لا يوجد إشتراط مسبق باللجوء لأي محكمة قبل اللجوء للمحكمة الدستورية، بل ولا يوجد إشتراط باللجوء لأي جهة قبل اللجوء للمحكمة الدستورية، إلا ذلك الإشتراط الذي حوته المادة 19/4 من قانون المحكمة الدستورية، وسواء كان ذلك الإشتراط يشمل الدعاوي القضائية أو لا يشملها، فإنه لا يقف في طريق رفع الدعاوى المتعلقة بالحقوق والحريات العامة، لأنه إذا كان يشملها فالإستثناء يرفع القيد عنها، وإذا كان لا يشملها فليس هنالك في الأصل قيد على ولوج باب المحكمة الدستورية، يتطلب المقاضاه أمام جهة أخرى.
الحق في الطعن الإداري لا يحجب الحق في الطعن الدستوري
ويبدو لي أن هنالك إعتقاد خاطئ مؤداه عدم جواز إزدواج الإختصاص في دعاوي حماية الحقوق والحريات العامة، مع إختصاص المحاكم الأخرى، مع أن ذلك هو الوضع الطبيعي حين يخرق نفس الفعل حقين أولهما دستوري والثاني قانوني. وقد عبر عن ذلك الخلط صديقي في الفيس بوك شهاب الأمين في مداخلة في صفحتي التي نُشِر فيها المقال بقوله " كون أن حرية التجمع و التنظيم واردة في وثيقة الحقوق المادة 40 ؛؛ وهذا يعني أن المحكمة الدستورية هي المختصة ؛هذا الرأي ليس على إطلاقه و إذا قلنا به سنلغي دور المحاكم العادية و يمكن القول أن حق التملك حق دستوري وفقا لوثيقة الحقوق المادة 43 و بدلا من التظلم امام الجهات الادارية و الطعن أمام المحكمة الادارية، الذهاب مباشرة الي المحكمة الدستورية. و القياس ياتي باعتبار ان و زارة التخطيط العمراني جهة إدارية و مجلس شئون الأحزاب كذلك جهة إدارية.
أبعد من ذلك يمكن القول أن جريمة القتل يجب ألا نذهب بها الي المحكمة الجنائية بل المحكمة الدستورية مباشرة، لأن الحق في الحياة و الكرامة الإنسانية حق دستوري وارد في وثيقة الحقوق المادة 28 و بالتالي انتهاكه يجعل الاختصاص ينعقد للمحكمة الدستورية.
عليه كون أن حق التنظيم و التجمع حق دستوري لا يعني إنعقاد الاختصاص للمحكمة الدستورية في كل حالة ضربة لازب"
والرد على ذلك هو أنه ليس صحيحاً أن مجلس شؤون الأحزاب هو جهة إدارية، وهذا ما سنتعرض له لاحقاً، ولكن أيضاً ليس كل قرار صادر من جهة الإدارة يُطعن فيه أمام المحكمة الإدارية. المحكمة الإدارية اصلاً إختصاصها إستثنائي، وقد تكونت من داخل السلطة التنفيذية، حيث كانت أول الأمر جزءً من السلطة التنفيذية، وهذا موضوع طويل يقودنا إلى مجلس الدولة في فرنسا وال Privy council في بريطانيا، ولكن مانحن بصدده هو أن القرارات الإدارية لا تخضع للطعن أمام محاكم الطعون الإدارية ،إلا للعيوب التي فصّلها القانون، وليس من بينها إنتهاك حق دستوري. لذلك فكون أن القرار هو قرار إداري فذلك لا يمنع من الطعن فيه أمام المحكمة الدستورية إذا كان ينتهك حقاً دستورياً ،كما وأنه لا يجوّز الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية
كذلك فإن القياس على جريمة القتل ،وحق التملك هو قياس مع الفارق، فإنتهاك الحق الدستوري لايقع إلا اذا قامت به الدولة، أو اغمضت عينها عن مايقوم به فاعلون آخرون، وعليه فإن جريمة القتل لا تذهب للمحكمة الدستورية، إلا اذا قام بها منسوبو الدولة ولصالحها، أو تمت برضا الدولة، ولا يمنع الذهاب إلى المحكمة الجنائية لعقاب الجاني من رفع دعوى إنتهاك الحقوق الدستورية على الجاني والدولة، متى تحققت الشروط التي ذكرناها، وكذلك الأمر بالنسبة لحق التملك وغيرها من الحقوق الدستورية. المسألة الأساسية هنا هو ان الحق في الطعن الإداري لا يحجب الحق في الطعن الدستوري، ولا يلزم إستنفاذه قبل اللجوء للمحكمة الدستورية، وقد شرحت ذلك بإستفاضة في المقال السابق، وأكتفي هنا بالقول بأنه في حالة رفع طعن إداري لمخالفة القرار الإداري للقانون، ورفع طعن دستوري لإنتهاك نفس القرار لحق دستوري، فإن على المحكمة الإدارية وبإعتبارها قضاء إستثنائياً، أن توقف الإجراءات لحين يتم الفصل في الطعن الدستوري، فإذا الغت المحكمة الدستورية القرار لم يعد هنالك وجود له مما يلزم معه شطب الطعن الإداري، أما إذا شطبت المحكمة الدستورية الطعن فإنه يجوز للمحكمة الإدارية، أن تستمر في نظر الطعن بإعتبار أن قاعدة الفصل في النزاع مختلفة عنها في قاعدة
الفصل في الدعوى الدستورية.
هل هنالك قرار إداري يصح الطعن فيه؟
لقد اسست المحكمة الدستورية قرارها في عدم اختصاصها بالفصل في الطعن بقولها ما يلي "ولتحديد المحكمة المختصة بنظر النزاع حسبما جاء في المادتين اعلاة نقرر اولا ان مجلس شؤون الاحزاب جهة ادارية، والقرارت التي يصدرها بموجب قانون الاحزاب قرارت ادارية، ومن ثم تخضع لرقابة المحكمة المختصة بنظر الطعون في القرارت الإدارية، اذا ماتوفرت اسباب الطعن فيها المنصوص عليها في قانون القضاء الاداري 2005م ومنها مخالفة القانون"
أي أن المحكمة الدستورية بنت قرارها على أساس أن مجلس شئون الأحزاب هو جهة إدارية وبالتالي فإن قرارته هي قرارت أدارية. وهو مذهب محل نظر فليس كل القرارت التي تصدر من جهة الإدارة هي قرارت إدارية، فهناك مسائل أخرى لم تتطرق لها المحكمة الدستورية في قراراتها. صحيح أن القرار الإداري يصدر من جهة إدارية، لأن القرار الإداري يتخذ الصفة الإدارية بالنظر إلى شخص من أصدره، والإدارة هي التي تصدر القرارات، وبناء عليه يعد كل شخص من أشخاص القانون العام تنطبق عليه صفة الإدارة يمكن أن يصدر قراراً إدارياً . أما غيرهم من الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم هذه الصفة فلا يمكنهم ذلك. ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك فليس كل ما يقوم به الشخص الإداري هو قرار إداري، بل يلزم أن يكون كما وصفه مجلس الدولة المصري بقوله " القرار الإداري هو ذلك القرار الذي تفصح به الجهة الإدارية عن إرادتها الملزمة في الشكل الذي يتطلبه القانون بما لها من سلطة مستمدة من القوانين واللوائح، بقصد إحداث أثر قانوني يكون ممكناً وجائزاً وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة " وتعرف المادة 3 من قانون القضاء الإداري القرار الإداري بقولها
" القرار الإدارى يقصد به القرار الذى تصدره أية جهة بوصفها سلطة عامة بقصد إحداث أثر قانونى معين يتعلق بحق أو واجب أى شخص أو أشخاص ويشمل رفض تلك الجهات أو إمتناعها عن إتخاذ قرار كانت ملزمة قانوناً بإتخاذه" السلطة العامة هي السلطة التنفيذية، والسلطة التنفيذية وفقاً للمادة 49 من الدستور، هي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء القومي، وهذا يشمل الأجهزة التابعة لهما، والتي يمارسون إختصاصاتهما من خلالها. وهذه الإختصاصات إما تنفيذية أو إدارية يوضح الفرق بينهما مولانا يوسف عثمان بشير بقوله الوظيفة التنفيذية هي وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها اما الوظيفة الإدارية فهي اداة السلطة التنفيذية في تصريف الشئون العادية وتنفيذ القوانين والوفاء بحاجات المجتمع الاساسية، او هي الخدمة العامة كما يسميها القانون السوداني. مما هو مذكور أعلاه يبدو لنا بوضوح أن قرار مجلس شؤون الأحزاب ليس بقرار إداري، كما وصفته المحكمة الدستورية، لأن مجلس شئون الاحزاب السياسية ليس جهة إدارية ولا يعبر عن إرادة الإدارة الملزمة. ولكنه من قبيل الهيئات المستقلة عن السلطات الثلاث، وهي هيئات ذاع اللجوء إليها، و تكوينها بشكل يضمن إستقلالها عن السلطة التي تكونها. وهذه الهيئات يُمنح لها سلطات الإشراف علي نشاط معين وتنظيمه، لأن طبيعة المجتمع الديمقراطي تتطلب أن يكون تنظيم ذلك النشاط، والإشراف عليه بمنحى عن السلطة التنفيذية. الهيئات المستقلة عن الجهة التي أنشأتها ليست ظاهرة جديدة. فهي موجودة في أوروبا وأمريكا لمدة قرن تقريبا، بإسم الوكالات التنظيمية المستقلة Independent Regulatory Agencies أو الهيئات المستقلة، أو غيرها من الأسماء، وأهم ما يميزها عن غيرها من الهيئات العامة، هو إستقلالها التام عن السلطات الثلاث في الدولة. وقد عرف دستورنا هذه الهيئات وأطلق عليها إسم المفوضيات، ومنها مفوضية حقوق الإنسان، ومفوضية الإنتخابات، ومفوضية التقويم، والمفوضية القومية للأراضي، وهذه المفوضيات لا تخضع قراراتها للطعون الإدارية، ولكنها تخضع للمحاكم التي يحددها القانون المنظم لوجودها، وللطعون الدستورية إذا إنتهكت قراراتها حقاً دستورياً. وفي هذه الحالة الأخيرة يجب أيضاً إختصام الدولة، بسبب ولايتها العامة على كل ما يجري في إقليمها، وبسبب واجبها الأساسي في حماية حقوق الإنسان. وإستقلال مجلس شؤون الأحزاب عن السلطات الثلاث يبدو أولاً من النص القانوني الصريح الذي أوردته المادة 6 من قانونه ونصها كالتالي " يكون المجلس مستقلاً في أداء أعماله عن جميع السلطات وعليه أن يرفع تقارير عن سير أدائه بصفة دورية للمجلس الوطني وينشرها للرأى العام " كما يبدو أيضاً من أنه لايستطيع الفصل في مسائل معينة، وإنما يلزم له أن يلجأ للقضاء بشأنها كحالة نشوء أي نزاع بين المجلس والحزب السياسي، حول دستورية أو قانونية أى أمر يتعلق بالنظام الأساسى، أو بأنشطة الحزب السياسي، يجوز لأي منهما رفع الأمر للمحكمة للبت فيه وإصدار القرار المناسب وفقاً للمادة 29 من قانون الأحزاب السياسية لعام 2007 وهذا يؤكد أن المجلس لا يعبر عن إرادة الإدارة الملزمة فيما يقرره، وإنما هو يعبر فقط عن سلطته التنظيمية، كجهة مستقلة فيما فوضه القانون في التقرير فيه. وتظل حدود ذلك التفويض محدودة بالحدود الدستورية لسلطة التشريع في تنظيم الحرية الدستورية.
إذا فقد تعجلت المحكمة الدستورية بدون سبب وقبل أن تفحص طبيعة المسألة المعروضة عليها إلى دفع الإختصاص عنها دفعاً وألقت به إلي محكمة الطعون الإدارية، فقط بإعتبار أن كل ما يصدر من مجلس شئون الأحزاب السياسية يعتبر قرارا إداريا، وهو مذهب موغل في الخطأ.
رفض المحكمة الدستورية للتعرض لمسائل دستورية تتصل مباشرة بالحريات العامة
النزاع موضوع الطعن هو نزاع حول صحة قرار مسجل الأحزاب برفض تسجيل الحزب الجمهوري، ونص القرار المطعون فيه هو كالآتي:
" بالنظر الى ما جاء بالطعون المذكورة ومذكرات الرد والمستندات المرفقة معها وذلك في ضوء الأحكام والشروط القانونية اللازمة لتسجيل الحزب السياسي وفق قانون الأحزاب السياسية لسنة 2007م ولائحة تسجيل الأحزاب السياسية تعديل لسنة /2012م ، رأى مجلس شؤون الأحزاب السياسية بأن ما جاء في الوثائق المقدمة مع طلب تسجيل الحزب الجمهوري تخالف أحكام المادة (5/1) من الدستور القومي الإنتقالي لسنة /2005م والمادة (14/ط ) من قانون الأحزاب السياسية لسنة /2007م ، حيث أن مبادئ الحزب تتعارض مع العقيدة الأسلامية والسلام الإجتماعي والأسس الديمقراطية لممارسة النشاط السياسي إذ أنه يقوم على أساس طائفي ومذهبي"
وقد طعن الحزب في ذلك القرار مستنداً على أن الإشارة للمادة (5/1) من الدستور مثيرة للدهشة. فالمادة تنص على أن تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشريعات التي تُسن على المستوي القومي وتُطبق على ولايات شمال السودان. لا يحدد القرار المطعون فيه ماهو الجزء الذي يخالف أحكام المادة (5/1) في الوثائق المقدمة مع طلب تسجيل الحزب الجمهوري، ولكن الوثائق لا تحمل أي دعوة لتغيير مصدر التشريعات، ولا أي إشارة سالبة للشريعة الإسلامية. ولكن بفرض أن الحزب يدعو لإلغاء هذه المادة أو تعديل حكمها بإضافة مصدر للتشريعات، أو إلغاء مصدر من مصدري التشريع التي أشارت لهما المادة، هل يجعل ذلك من برنامج الحزب برنامجاً يتعارض مع الدستور الإنتقالي ؟ وهل هذا هو الإختلاف الذي عنته المادة (14) (ب) من قانون تسجيل الأحزاب السياسية، واتي تكرر حكم المادة 40 (3) (ب) من الدستور حين إشترطت أن لا يكون للحزب برنامج يتعارض مع الدستور الإنتقالي؟ الأحابة قطعاً بالنفي إذ لا يجب أن تفسر هذه المادة بأنها تمنع الحزب من أن يعارض بعض الأحكام التي نص عليها الدستور، ولا أنها تمنعه من أن يشمل برنامجه الدعوة لتغييرها، فالمادة هنا لاتلزم الأحزاب بقبول الدستور، لا في مجمله، ولا في تفصيلاته. وإذاً ما هو التعارض مع الدستور الإنتقالي الموجب لرفض تسجيل الحزب؟ المادة تلزم الحزب السياسي فقط بأن يدعو لتغيير ما لا يرضاه من أحكام عن طريق آليات التغيير الدستورية. إذاً فكل ما تلزم به المادة الأحزاب هو أن تكون وسائلها للإتفاق، والإختلاف، والتغيير، مقبولة دستورياً. إن ما لا يجوز لبرنامج الحزب أن يعارض فيه الدستور الإنتقالي، هو الدعوة لتغيير الدستور، أو الدعوة لإنتزاع السلطة الدستورية، عن غير الطريق الدستوري. أما رفض أيا من الأحكام الدستورية، أوالدعوة لتغييرها، أو المطالبة بتغيير السلطة الدستورية، فذلك لا يتعارض مع الدستور، طالما أن الوسائل التي يستخدمها الحزب لإحداث التغيير هي وسائل دستورية. إذا فسرنا تلك المادة بأنها تمنع أن يتضمن برنامج الحزب دعوة تتعارض موضوعياً مع أي حكم تحمله مادة في الدستور، فهذا يعني أننا إخترنا أن يكون دستور 2005م دستوراً جامداً جمود مطلق، لا يقبل التعديل. وهذا يتعارض مع نصوص الدستور نفسه، الذي يصف نفسه بأنه دستور إنتقالي، أي مؤقت، والذي يحدد آلية لتعديل أحكامه، حتى أثناء الفترة الإنتقالية .
تأييداً لهذا النظر تذكر اللجنة الأوروبية(لجنة فينيس) حول المبادئ المقبولة لحظر الأحزاب" يمكن تبرير حظر أو حل الأحزاب السياسية قسرياً فقط في حالة الأحزاب التي تدعو إلى استخدام العنف أو لإستخدام العنف كوسيلة سياسية لقلب النظام الدستوري الديمقراطي، وبالتالي تقويض الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور. وكون أن الحزب يدعو إلى تغيير الدستور سلمياً لا ينبغي أن يكون كافيا لحظر الحزب أو لحله."
GUIDELINES ON PROHIBITION AND DISSOLUTION OF POLITICAL PARTIES AND ANALOGOUS MEASURES (VENICE COMMISSION)
من جهة أخرى فإن المادة (5/1) هي مادة تخاطب الهيئة التشريعية، ولكنها مادة هادية، لاتخضع الهيئة التشريعية في الإهتداء بها لرقابة المحاكم، فلا يجوز الطعن في قانون لأن مصدره لم يكن الشريعة الأسلامية، وإلا لفقدنا العديد من القوانين الهامة كقانون الصيدلة والسموم، وقانون حركة المرور، وقانون الأحزاب السياسية نفسه. إذ لا يوجد لأي من تلك القوانين مصدراً في الشريعة الإسلامية. إذاً فإنه يجوز للهيئة التشريعية أن تصدر قانوناً دون أن يكون مصدره الشريعة الإسلامية، كما ويجوز لها أن تلغي قانوناً رغم أن مصدره الشريعة الإسلامية.
مجمل القول هنا هو أن الإستناد على المادة (5/1) من الدستور هو إستناد خاطئ من جهتين، فالمادة أصلاً لا تخاطب الأحزاب السياسية بحيث يقال أن وثائق الحزب تنطوي على مخالفة لها. من الجهة الثانية فلا غضاضة على الإطلاق في أن يتعارض برنامج الحزب مع هذه المادة، أو مع غيرها من مواد الدستور، طالما أنه يلتزم الوسائل الدستورية في الدعوة لإلغاء، أو تعديل، ما لا يتفق الحزب معه في مطلق تقديره من مواد، طالما أن الدستور يسمح بتعديلها .
نبيل أديب عبدالله


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.