حجر ل"نادي النيابة العامة": سيتمّ اختيار النائب العام في القريب العاجل    اناشد المغتربين اعانة اسرهم والبعد عن التراشق السياسي !!    خاص"باج نيوز"..حسم ملف المدرب الجديد لنادي المريخ السوداني    مخاوف من إيقاف المساعدات وعودة السودان للعزلة الدولية    "واتساب" يضيف 5 مزايا رائعة قريبًا.. تعرف عليها    من يقتل المتظاهرين ؟    نادي الهلال يفنّد حقيقة" طرد الجهاز الفني من مقرّ الإقامة"    بعثة المنتخب الوطني تصل الدوحة    مُكافحة التهريب تضبط زئبقاً بقيمة 20 مليون جنيه    رجل أعمال شهير يورط معلم في قضية تزوير شيك .. وبعد 7 سنوات حدثت المفاجأة!    نهاية مأساوية ل "عروسين" داخل منزلهما في ليلة الدخلة.. هذا ما حدث بعد كسر باب الشقة    عمر احساس يقابل وزيرة الثقافة والاعلام بدولة جنوب السودان    التمويل يتسبب في تأخر زراعة القمح    سلالة أوميكرون من كورونا .. لماذا تصيب العلماء بالذعر؟    تكنولوجيا جديدة تستخدم بطاريات السيارات الكهربائية لإنارة وتشغيل المنازل    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الأحد 28 نوفمبر 2021    تقرير رصد إصابات كورونا اليوميّ حول العالم    فيروسات الإنفلونزا: تعرف على أنواعها الأربعة الرئيسية    البرهان يطيح بضباط كبار بجهاز المخابرات العامة    بفيلم وثائقي عن مكافحة الكورونا التلفزيون يحرز الجائزة الأولى في المسابقة البرامجية للأسبو    رحيل الشاعر عمر بشير    بتكلفه بلغت 200مليون جنيه اجازة موازنة النيل الابيض    فرح أمبدة يكتب : موتٌ بلا ثمن    بعد عودة خدمة الانترنت المتضررون يتنفسون الصعداء    لحماية المنتج مطالب بتعديل الأسعار التأشيرية للصمغ    بسبب المياه.. مواطنون غاضبون    مقعد الشرق بالسيادي .. مُعادلة الإقليم!!    بوادر أزمة دبلوماسية بين السودان وجنوب إفريقيا بعد إعفاء السفير نقد الله    مرافقون لمرضى كورونا بودمدني يغلقون الطريق القومي احتجاجاً على انعدام الأكسجين    بعد عودة كورونا مجددًا المدارس تلزم الطلاب بارتداء الكمامة    شركات: قِلّة في مخزون أدوية الطوارئ والمُسكِّنات    بسبب متحور كورونا .. السودان يمنع دخول القادمين من خمسة دول    في قضية المُحاولة الانقلابية تحديد جلسة لاستجواب الفريق الطيب المصباح وآخرين    "كل مرة بوسة".. أحمد الفيشاوي يثير الجدل مجددا    معاش الناس .. دلالة العربات تكشف عن أسباب التراجع المستمر لأسعار السيارات الملاكي    تضارب الآراء حول ختام كأس السودان القومي    اتّهام خفير في قضية حشيش ضُبط بمدرسة بالخرطوم    "لن نكون مثل الغرب المتوحش" أستراليا تطبق قوانين جديدة بشأن وسائل التواصل    ارتفاع معدل ضبطيات الذبيح الكيري بالاسواق الشعبية    فاطمه جعفر تكتب: حول فلسفة القانون    السعودية تعد المصريين بمفاجآت سارة اليوم    شرطة القضارف تُواصل الإعداد للممتاز    حملة لمناهضة العنف ضد المرأة والطفل بالنيل الأبيض    بعد ان حصد النجوم سباق محموم بين القدامى والجدد لاقتحام تشكيلة الشرطة القضارف    ياسمين عبدالعزيز في أول ظهور بعد التعافي: جَهزوا لي القبر وشفت معدتي برة جسمي    التحريات تكشف مقتل شاب بواسطة أحد أفراد (النيقرز) بالرياض    برعاية كريمة من إدارة مشروع الجزيرة إفتتاح رائع لدورة فقيد التحكيم عوض الله علي آدم بمارنجان    بالفيديو: المطربة منال البدري تثير غضب الاسافير بعد ظهورها في حفل … شاهد ماذا كانت ترتدي وماهي ردود أفعال جمهورها بعد رؤيتها    شاهد بالفيديو: فنان صعيدي يغني لحميدتي وكباشي ويدهش رواد مواقع التواصل بكلمات الأغنية    شاهد: صورة متداولة لشاب يزين أظافره بالوان علم السودان تثير ضجة بمنصات التواصل    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأحد" 28 نوفمبر 2021    قال أن فلسفته تقوم على الاستحواذ..جواو موتا: سامنحكم هلالا مختلفا    السعودية تعلن السماح بالدخول من جميع الدول.. لكن بشرط    التحالف يستهدف مواقع للحوثيين في صنعاء    قريباً.. شاشات هاتف بزجاج غير قابل للكسر!    الأسرة الرياضية بام روابة تشيع الكابتن محمد نور محمد الرضي وتودعه بالدموع    لافتة لمتظاهر في احتجاجات الخرطوم تشعل غضباً عارماً في أوساط رواد التواصل    هل عدم استجابة الدعاء دليل عدم رضا الله؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مخاطر حفل تنصيب مِنّاوي
نشر في الراكوبة يوم 10 - 08 - 2021

فضيحة إجبار مبارك أردول بعض "الدهّابة" للتبرع بما يشبه الختّة لتمويل حفل تنصيب مني أركو مناوي حاكما لدارفور ؛ فتحت هذه الفضيحة المُدوِّية الباب واسعاً أمام التهكُّمات اللاذعة وللكثير من التكهنات السلبية حول مستقبل إتفاق سلام جوبا الفاقد للإجماع . ومدى إمكانية تطبيق بنوده المتعلقة بإقليم دارفور خاصة بالنظر لما يكتنف هذا الإقليم من تطلعات وطموحات وتناقضات قبلية عنصرية نعلمها جميعا . ويجب علينا الإعتراف والتسليم بها حتى لا نكون كمن يحرث البحر ويدفن رأسه في الرمال.
مني أركو مناوي والمجموعة التي حوله يرغبون أن يأتي حفل تنصيب حاكم دارفور (غير المنتخب) حفلاً ملوكيا إستثنائياً على طريقة الإمبراطور بوكاسا ، لم يكن يحلم به سلطان الفور التاريخي علي دينار نفسه.
ولاشك أن المخطط هو دعوة ضيوف من خارج البلاد لحضور حفل هذا التتويج الملكي الزخرفي . الذي يرغب منه أركو مناوي ومجموعته حصاد تفويض سوداني وإقليمي وعالمي مجاني لتكريس وبسط سيطرته وسيطرة قبيلة الزغاوة وحركته المسلحة على الإقليم. وهضم حقوق أهل الإقليم الأصليين الذي تسمى الإقليم بإسمهم وهم قبيلة الفور. وخصماً على القبائل العربية والأفريقية الأخرى التي وفدت إليه هي الأخرى كما وفدت الزغاوة واستقرت به في فترات زمنية تاريخية متفاوتة.
إن إقامة حفل تنصيب حاكم لدارفور يظل سابقاً بكثير لأوانه . فالسلام في دارفور لم يكتمل بعد . وينتظره سنوات من الجهد والتوافق مع حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور . وحركات أخرى قبلية مسلحة متناثرة . بل وحتى الدعم السريع بوصفها جميعها لا تزال قوات مسلحة تتسم بصفة القبلية في تركيبتها وهيكليتها وتراتبيتها القيادية ، وأسلوب عملها وردود أفعالها ومعالجاتها وثقافتها الأُحادية في علاقاتها بالداخل . ومن الخير لدارفور وأهله عدم ترك هذه الحقائق خلف ظهر مكوناته إذا أراد له أهله العلاج الناجع والسلام والتنمية والإستقرار الدائم.
ومحصلة كل ذلك الإستفزاز بإقامة حفل تنصيب وجاهي ملوكي لحاكم غير منتخب ، سيكون حرائق وتوترات وتمهيد طبيعي لإنفجار الأوضاع الأمنية مرة أخرى في الإقليم . وإشعال حرائق قبلية عنصرية لن تنطفي وستستمر لعقود طويلة.
ومن جهة أخرى لا يرضى المجاهد السابق "أردول" إبن الدلنج وربيب الكيزان ؛ خريج جامعة أفريقيا العالمية عام 2004م إلاً أن يأتي إسمه للمرّة الرابعة على سطح الأحداث ؛ بعد أن اتضح أنه خلف تيسير وتقنين فرض هذه التبرعات على الدهّابة رغماً عن أنوفهم . وعلى نحو جعلهم يصرخون بالشكوى وبفضحون سرّها على الملأ.
ومرّة أخرى وسابعة وثامنة تثبت التعيينات في المناصب بالواسطة والمحاصصة والجهوية والقبيلة أنها السبب الرئيسي في خراب السودان . وحيث لا يفوتنا أن أردول هو إبن شقيقة زوجة عبد العزيز الحلو وإبن خالة الفريق الكباشي. وهو ما أهّله ليصبح مديراً للشركة السودانية للموارد المعدنية رغم أنه مواليد 1982م ولا يحمل في يده سوى سوى درجة البكالوريوس في الكيمياء. وماجستير لا علاقة له بالتعدين والكيمياء حصل عليه عام 2019م.
وهكذا بخروج هذه الفضيحة إلى العلن . فإن الناس قد أدركوا وتيقنوا أن "ثقافة" الكيزان في توظيف الفساد والمال العام لمصلحتهم لم يتم القضاء عليها بعد . وربما لن يتم القضاء عليها لقرون قادمة من واقع أن القساد ظاهرة متراكمة ويفاقم من أمرها إستسهالها في غياب الوعي المجتمعي وعدم الإحتجاج عليها بقوّة وجديّة وحزم وإصرار.
محاولة مجموعة مني أركو مناوي ألإحتفال المسرحي المدوّي غير الطبيعي والمثير للجدل الإستغراب بما أطلقوا عليه "تنصيب" أركو مناوي . وأن يجعلوا من الحبّة قبّة ؛ ينبغي أن لا تسمح به حكومة المركز بمجلسيها الوزاري والسيادي حتى لا تثار العواطف والهواجس والقلق من عودة المركز مرة أخرى لقفص الإتهام بأنه يلعب على التباينات بين لوردات وجنرالات خلاء الحروب الأهلية والنهب المسلح والخلافات القبلية وثقافة العنصرية في دارفور . وهي عنصرية موجودة وثقتها تلك المسيرة الحاشدة التي خرجت إلى شوارع مدينة نبالا قبل شهور . وسجلت بذلك إعترافاً شعبياً (بعيدا عن المَكْيَجَة الحكومية) بوجود هذه العنصرية وتأثيرها الجوهري على إستقرار هذا الإقليم الذي كاد أن يصبح أرضاً محروقة وبئر معطلة وقصر مشيد.
إقامة حفل تنصيب حاكم دارفور بهذا التصعيد الإستفزازي سبفتح الباب واسعاً للجدل حول أحقية من بِمَن . وحول الحقوق التاريخية لقبيلة الفور. وسيضع حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد أحمد نور في موقف حرج وسط محيطها القبلي الذي لايفهم أعماقة مجموعة المركز في الخرطوم. وبما سيؤدي حتماً إلى تأجيج الصراع مرّة أخرى على أساس قبلي صرف بعد أن كان يتغطى ويستتر تحت عباءة الكفاح المسلح ضد حكومة المؤتمر الوطني المحلول البائد.
وغني عن القول بأنه إذا كانت الصراعات القبلية والعنصرية في دارفور كان يرى الكيزان أنها تصب في مصلحتهم وتطيل من عمر دولتهم ؛ فإنها بعد إسقاطهم لا تصب في مصلحة ثورة ديسمبر.
محاولة مجموعة أركو مناوي الإنفراد بحكم "دار الفور" ، والسيطرة على الإقليم والإستعانة في ذلك بفلول النظام البائد ستكون محاولة فاشلة ماليا وإداريا وعسكرياً.
في أقليم قال فيه يحي بولاد مقولته الشهيرة تلك (وحدت العرق أقوى من الدين) . لن يتمكن مناوي ومجموعته وإن حرصوا على إقناع ألشعب السوداني وأهل دارفور والعالم بأن حركة تحرير السودان جناح مناوي ، هي الممثل الشرعي الوحيد لشعب إقليم دارفور . ولن يقنعوا أحداً بأنهم "دينكا" دارفور.
وحتى لو أقام أركو مناوي حلفاً مع العدل والمساواة الأقرب إلى الكيزان . فإن ذلك لن يكفي .
الآن فقط إتضحت أسباب إلحاح أركو مناوي على عقد المصالحة مع المؤتمر الوطني ، رغم أنه محلول بحكم الوثيقة الدستورية وبطبيعة الحال . وحيث لا يعقل أن يثور شعب على مجموعة ويسقط منه الآلاف قتلى غدراً على يدها ثم يعود ويتصالح معها بهذه الأريحيىة والمجانية.
وعلى الرغم من أن أركو مناوي لم يبتدع نظرية "الدفاع بالنظر" . إلاً أنه خرج علينا بنظرية لا تبعد مسافة عنها كثيراً . وهي نظرية "المرفعين والغابة" لتبرير إلحاحه في المصالحة مع الكيزان.
الدعم المعنوي والقاعدة الجماهيرية التي يظن مناوي أنه سيكسبها إلى جانبه في مغازلته للكيزان هي وهم كبير . فالمؤتمر الوطني ليست له قاعدة شعبية حقيقية . إلاّ ذلك الشتات الهش ولحم الراس وشذاذ الآفاق الذين إعتاشوا من فتات موائده ثم انفضوا من حوله بعد زوال دولته وعودة كيزانه حفاة عراة كما كانوا أول مرة قبل 1983م تاريخ مصالحتهم مع نميري وإنضمامهم للأتحاد الإشتراكي.
الأموال التي هربها الكيزان ووضعوها بالعملة الصعبة في حساباتهم بالخارج ، و "يكشكشون" بها في وجه ضعاف القلوب وبما يسيل له اللعاب . هذه الأموال لن يعيدها الكيزان للداخل مرة أخرى في حالة المصالحة لينفقوها على مناوي ودارفور . لأنهم ببساطة ليسوا ببلهاء إلى هذا الحد الذي يدقعهم إلى تدفيق مويتهم على الرهاب . وهم الذين اعتادوا ووطنوا أنقسهم وجعلوا ثقافتهم ومناط عبادتهم أن يأخذوا من السودان لا أن يعطونه.
الأموال بالجنيه السوداني التي يظن مناوي ومجموعته أنها لا تزال بحوزة الكيزان تخت الأرض لن تكفي لتمويل تكاليف بسط سيطرته على كامل إقليم دارفور أو ترجيح كفة حركته في إنتخابات برلمانية … أو حتى بما يكفي أن تجعله يجلس مطمئنا على كرسي (حاكم دارفور) في دوحة الخرطوم ، ناهيك أن يتخذ مقر مكتبه المفترض بالفاشر.
ولعلنا نستدعي هنا أن أهم أسباب فشل مني أركو مناوي في القيام بواجبات ومتطلبات منصبه كرئيس إنتقالي لدارفور و كبير مساعدي رئيس الجمهورية في دولة المؤتمر الوطني البائدة لم تكن تتعلق بالمؤتمر الوطني نفسه بقدر ما كانت تتعلق بواقع أن مني أركو مناوي لم يكن بمقدوره أن يفرض بضاعته على كافة أهل إقليم دارفور . وانتهى به وبعمر البشير المطاف كما انتهى بعبد الخالق محجوب وهاشم العطا صبيحة 22 يوليو 1971م حين كان يسأل ويجادل عبد الخالق المحجوب الرائد هاشم العطا من شرفات القصر الجمهوري بقوله:
* أين جيشك يا هاشم؟
فيرد عليه الرائد هاشم العطا بقوله:
* وأين جماهير حزبك يا عبد الخالق ؟
وهكذا تكرر الحال ما بين عمر البشير ومناوي قبل هروب الأخير من الخرطوم إلى أرتريا . ولا زالت نقس الأسئلة تراوح مكانها بعد فشل مناوي في إعادة السلام لدارفور . فيسأل البشير مناوي:
* أين جيش تحريرك وقبيلتك؟
فيرد عليه مناوي:
* – وأين جيشك وجنجويدك وأموالك؟
ومن بعض هذه الحقائق والوقائع وجملتها التي فرضت فشل مناوي في القيام بمهامه المأمولة منه في دارفور على أيام حكم المؤتمر الوطني . فإنه سيواجه نفس الفشل والمصير وأكثر في منصبه الجديد المسمى هذه المرة ب "حاكم دارفور" . وهو المنصب الذي يرغب أن يبدأه بإستفزاز قبائل دارفور الأخرى قاطبة من خلال حفل تنصيب أسطوري لا يحق سوى للفاتحين إقامته تحت أقواس النصر والفتح المبين.
عبد الواحد محمد نور واضح أنه يجيد المناورات السياسية ويستمد منها قوته وتأثيره على المشهد بالإضافة إلى إطمئنانه إلى الحاضنة والثقل الحضاري الذي تمثله قبائل الفور . وبما لها من حقوق تاريخية في هذا الإقليم .
وقد كانت لزيارة عبد الواحد مؤخراً لعبد العزيز الحلو في كاودا أبعاد وثمار لم تؤتي أكلها بعد . ولكنها شكلت في الوقت الحاضر إحراجاً بالغاً لحكومة حمدوك . وحيث أثبتت أنه لا يمكن تجاوز عبد الواحد محمد نور في دارفور . كما لا يمكن تجاوز عبد العزيز الحلو في جنوب كردفان وهو ما ينبغي أن يشجع حمدوك على التفكير المعمق الغير تقليدي لإبتكار خطط بديلة عن تلك التي كانت تتبعها دولة الكيزان البائدة . وحيث لا يختلف عاقلان في أن دولة الكيزان البائدة إنما كانت تهدف من سياساتها المتبعة في دارفور خاصة إلى تأجيج الفتن بين قبائل دارفور والإستمتاع بقاعدة فرق تسد.
إن إنتفاق سلام جوبا سيظل كسيحاً بلا قدمين ما لم يتم تضمين كل من عبد الواحد و الحلو في إتفاقياته أو أن تسعى الدولة إلى هزيمة وكسر شوكة قوات عبد الواحد وإستئصالها عن بكرة أبيها ؛ وهو ما لن يحدث بحكم الواقع وطبيعة الأحوال.
وعليه فإنه لا ينصح بأن تجري حكومة حمدوك إحتفالات لما يسمى بتنصيب أركو مناوي لما يحمل ذلك من إستفزازات تصيب قبائل الفور والقبائل الأخرى . وعليها أيضاً أن لا تسمح لأركو مناوي بإستباق الأحداث ومحاولة فرض أمر غير منطقي وإستفزازي يؤجج الخلاف بين مكونات إقليم دارفور.
كلمة تنصيب هذه هي مصطلح سيكون له أبعاده النفسية السلبية . وسيجعل من الصعوبة بمكان إقناع عبد الواحد نور بالإنخراط في سلام جوبا . وعبد الواحد هذا سيكون على حق إذا رفض الإنضمام لسلام جوبا . وذلك أن تعيين وتنصيب مني أركو مناوي حاكما على دارفور بقرار من سلطة المركز يتعارض من حيث المبدأ مع مطالب عبد الواحد نور بدولة ديموقراطية مدنية . لا يصل فيها الحاكم والوالي والرئيس إلى سدة الحكم إلا بالإنتخابات الحرة النزيهة. وليس بقرارات من داخل غرف معتمة.
إن الذي سيفهمه الشعب السوداني من ترتيب إحتفالية عالمية إستثنائية (على طريقة الخديوي إسماعيل باشا) لتنصيب أركو مناوي حاكماً على دارفور ، هو أن مناوي يرغب في تكريس نفسه "سلطاناً" على دارفور مدى الحياة . وأن تشهد له البلاد والعالم على ذلك على حساب عبد الواحد نور وقبائل الفور … ويا بلاش.
وعليه فإن العقل والتفكير السليم يهدي إلى ضرورة تجاوز تخاريف مجموعة مناوي وعلى رأسهم أرادول، وأن يباشر مناوي إعباء منصبه بهدوء .. أن يضع في حساباته أنه منصب مؤقت وستحدد الإنتخابات من هو الذي سيتفق عليه حاكماً لفترة زمنية يحدّدها الدستور وليس عزرائيل.
من ناحية أخرى فإن الذي حدث من ضغوط على الدهابة (ولا نقول إبتزاز) إنما يؤكد بداية على أن مسألة التمويل المالي للأنشطة والصراعات السياسية والعسكرية في البلاد يظل دائما وأبداً حجر الزاوية . ويشير أيضاً إلى منشأ ومكنون هذه المغازلات الصريحة والدعوات إلى المصالحة التي تجري بين فلول الكيزان وبعض الأحزاب السياسية والطائفية والحركات المسلحة التي كانت تقف مع الكيزان على طرفي نقيض ظاهرياً وتقتات من فضلهم وفتاتهم باطنياً .
وربما بسبب ذلك إحتار العالم في تحليل وتوصيف طبيعة ما يجري على الأرض في الصراعات التي كانت قائمة بين حكومة المركز من جهة والحركات المسلحة من جهة أخرى. وحول حقيقة من يقاتل من ومن يوالي من ويقاتل إرتزاقاً لمصلحة من؟
وفوق كل ذلك كان كل من يكتب ويتحدث ويصدق الحديث بلا نفاق ومجاملات عن أن طبيعة الصراع في دارفور هو صراع قبلي بيني يخرج إعلام هذه الحركات المسلحة ويتهمه بأنه كوز.
واليوم وبعد إتفاق سلام جوبا فقد سقطت كافة الأقنعة وتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الصراع في دارفور هو في حقيقته صراع دارفوري دارفوي ليس إلاّ . وأن الخطأ الذي ارتكبته حكومة الكيزان في الخرطوم أنها ضربت كل قبيلة وعرقية بالأخرى. وشجعت على تناثر وتفتت أهل دارفور الذي كان قد خرج لتوّه من مجاعة كبرى.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.