إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



موبقات المفاوضات مع الإنقلابيين (3-4) (التجمع المهني) و (أطراف جوبا) ودلالات تصريحات (منور)
نشر في الراكوبة يوم 22 - 03 - 2022

سنحاول في هذه الحلقة الثالثة بناء على إستفسارات وملاحظات وردتني إستكمال ما جاء في الحلقتين السابقتين لتحليل مواقف بعض الأطراف التي لم نشر إليها في الحلقات السابقة بجانب التعليق على مستجدات ذات صلة بهذا المقال. من الضروري الإقرار بأنني أكتشفت بعد الفراغ من كتابة الحلقة الثالثة والأخيرة حسب ما هو مقرر بأنها بحاجة لمصلحة مساعدة المتابعين الأطلاع على محتوياتها بتركيز ضرورة إعادة تقسيم الحلقة على حلقتين بحيث تخصص الحلقة الثالثة لإستكمال تحليل الأطراف السياسية على أن تستعرض الحلقة الرابعة والأخيرة لما أطلقت عليه (موبقات) المفاوضات.
دعونا نستهل هذا التحليل الإضافي بالرد على الإستفسار الخاص بموقف (تجمع المهنيين) بشقيه، وصحيح أن (تجمع المهنيين) لم تتم الإشارة لهما ضمن التحليل، ولكنهما مرتبطان بموقف طرفين أساسيين وهما (الحزب الشيوعي) و(قوى الحرية والتغيير)، نظراً لإرتباط الجسمين وتعبيرهما السياسي عن موقف اي من هذين الطرفين رغم الإطار العام لإظهار قدر من الإستقلالية عن الشيوعي أو الحرية والتغيير، ولذلك سيكون موقف اي من الجسمين متماثل أو متطابق مع الطرف السياسي المتقارب معه سواء كان قوي الحرية والتغيير أو الحزب الشيوعي.
بالنسبة للمجموعات السياسية غير الموقعة على إعلان الحرية والتغيير وتلك المشمولة بالمنع من المشاركة جراء مشاركتها مع نظام المؤتمر الوطني فأعتقد أن الواقع السياسي وتطوراته بعد انقلاب 25 أكتوبر سيحدث تغيراً في تعريف القوى المستحقة للعزل، لكن المؤكد في ذات السياق أن المؤتمر الوطني سيكون مشمولاً بالعزل والحل مجدداً فهو بخلاف صلته بالنظام المدحور خلال العقود الثلاثة ومغامراته الإقليمية والدولية وسجله الإرهابي والإجرامي بات يعد فعلياً أبرز الضالعين والمنخرطين والمنفذين لإنقلاب 25 أكتوبر.
بالمقابل نجد قوى أخرى شاركت المؤتمر الوطني الحكم شكلت موقف مناهض للإنقلاب ومعارض له، وهو موقف لدي مقارنته بقوى قاومت وحاربت النظام المباد سنجد أن بعض تلك القوى الثورية بات طرفاً فاعلاً في إنقلاب 25 أكتوبر 20221م … وصحيح أنه لا ينطبق عليها التعريف الأول المرتبط بالمشاركة في النظام المباد لكن سيحتاج لتعريف وتوصيف يتسق مع إرتداده على أعقابه بتدبير وتخطيط بعضها في إنقلاب 25 أكتوبر الذي قوض الإنتقال فأنقلبوا بفضل من الله ونعمة لحلفاء للنظام المباد الذي حاربته بالسلاح فحالفاته عبر الإنقلاب !!
ما ذكرناه سابقاً يقودنا للحديث عن الفصائل الموقعة على إتفاق سلام جوبا والتصور لمستقبلها، وفي هذا السياق يجب الإقرار بأن هذه المجموعة تحمل داخلها تناقضات وخلافات وتباينات تنظهرت في الخلافات داخل الفصيل الواحد وحتى بين الفصائل نفسها، ويمكن الإستدلال هنا بالمواقف المتعارضة من الإنقلاب ما بين رئيس الحركة الشعبية الفريق مالك عقار ونائب رئيس الحركة الشعبية ياسر عرمان فالأول هو عضو بمجلس السيادة أما الثاني فهو من أوائل المعتقلين عقب إنقلاب 25 أكتوبر وأحد أبرز قيادات الحرية والتغيير المجلس المركزي المناهضة للإنقلاب !
يمكن أيضاً الإستدلال بشواهد إضافية كإنقسام الجبهة الثورية قبل التوقيع على إتفاق جوبا لمجموعتين ثم لاحقاً تباينت المواقف السياسية بين أطرافها إذا إختارت أطراف منها التوقيع على إعلان الوحدة ضمن مجموعة الحرية والتغيير المجلس المركزي وحزب الأمة في 8 سبتمبر 2021م في ما إختارت أطراف منها التوقيع على إعلان الميثاق الوطني وإعتصام القصر.
من الضروري الإقرار بأن أطراف سلام جوبا لديها تصورات مختلفة حول الأوضاع الراهنة بعد إنقلاب 25 أكتوبر فيعضها مؤسس للإنقلاب منذ أن كان فكرة، وتوجد أطراف أخرى كانت على الضفة الأخرى ضمن المجموعات الموقعة على ميثاق وحدة الحرية والتغيير في 8 سبتمبر،في ذات السياق نلاحظ في الفترة السابقة مظاهر تصدعت واضحة للعيان وسط مجموعة (الميثاق الوطني) تتمظهر في تراجع أدوار المجموعات غير المسلحة وتحديداً منبري الوسط والشمال عن المشهد السياسي وغيابهم من التمثيل الدستوري.
بالنسبة لمشار الشرق فبخلاف مجموعة الأمين داؤود التي لديها إرتباط وتحالف يجمعها مع حركة مناوي بالجبهة الثورية عند إنقسامها، فإن بقية أطراف مسار الشرق تبدو الأبعد من الإنقلاب في جميع مراحله يضاف لذلك عدم مشاركتهم في المؤسسات الدستورية بسبب قرار تجميد تمثيل المسار، جانب تحفظات أطرافه اعلى إغلاق غريمهم الإقلمي الشرق وميناء بورتسودان.
تلاحظ في الأونة الأخيرة تزايد الشقة وتناميها بين أطراف مسار شرق السودان والعسكريين المسيطرين على مقاليد الأمور بسبب الإنحياز للمجموعة الرافضة لمسار الشرق والمنادية بإلغاءه وأنضم لهذا التوجه حليف الموقعين على مسار الشرق نائب رئيس الإنقلاب محمد حمدان (حميدتي) والذي مثل موقفه السابق المساند لمسار الشرق عامل توازن مهم بين الرافضين للمسار والمجموعة المساندة للمسار.
سيقود هذا التحول مجموعة مسار الشرق ومسانديهم لمناهضة الإنقلاب ومقاومته بشكل علني وواضح خاصة بعد إنحيازه بشكل كلى لخصمهم الإقليمي الذي نصابهم العداء بسبب الإتفاق الذي وقعوا عليه، وحدوث هذا الأمر سيفاقم أوضاع الإنقلابيين وستزاد خطورة وتداعيات تطورات هذا الواقع إذا نجح أنصار مسار الشرق في الحفاظ على جبهة مناصريهم ومسانديهم من النظار والعمد دون تصدع حتى النهاية فحينها سيجد الإنقلاب نفسه فعلياً في وضع غير متزن بشرق السودان جراء تخليه عن موقفه السابق بدعم قطبيه للطرفين نتيجة لإعلانه إنحيازه الكامل لصالح طرف واحد في مواجهة بقية الأطراف.
يتحدث البعض بعد إنقلاب 25 أكتوبر عن إلغاء إتفاق سلام جوبا هكذا ب(جرة قلم) دون إستصحاب للنتائج والأثار التي يمكن أن تترتب على هذا الإجراء للأطراف الموقعة عليه أو حتى الراغبة في التوقيع على إتفاقيات سلام لاحقة مع السلطة الإنتقالية، ولذلك فالوضعية الأكثر معقولية حسب وجهة نظرى مراجعة الإتفاقية مستثبلاً بتجريدها من الإمتيازات السياسية التي منحت للأطراف على على أساس حزبي -اسوة بالحرية والتغيير- بغرض تجريد مؤسسات المرحلة الإنتقالية قبل الإنتخابات من الولاء الحزبي مع جواز ربط نسبة التعينات في المستوي القومي لمصلحة الإقاليم بحيث يتم التمثيل بأشخاص غير حزبين، أما الأمر الثاني فهو إقتصار تمثيل المجموعات السياسية الموقعة على إتفاقيات السلام في المستويات التشريعية القومية والإقليمية والولائية والمحلية حسب نسب التمثيل المتفق عليها.
ستكون القضية الأكثر إثارة للنقاشات هي المرتبطة بوضعية قادة تلك المجموعات الذين إرتضوا ووافقوا على المشاركة في مؤسسات الإنقلاب ومنحوها الشرعية، قد يقول البعض أن عقوبتهم الإبعاد من العملية السياسية ولكن يطرح سؤال أخر حول الذين دعموا وإنخرطوا في الإنقلاب دون وجود وظيفة دستورية لهم ؟ في ذات الوقت لا يبدو هذا المسلك ونتائجه تسمح بالتعاطي معخ كمجرد (هفوة) يمكن غض الطرف عنها أو تجاوزها خاصة عند النظر لحجم الجرائم والتجاوزات والخسائر المادية والمعنوية للبلاد والعباد جراء ذلك الإنقلاب، ولذلك أعتقد أن الإجراء الذي قد يكون أكثر واقعية هو حرمان (الافراد) الذين شاركوا بالمواقع أو بالتخطيط أو بالتعبير عن إنقلاب 25 أكتوبر لحظة سقوطه وإبعادهم من التمثيل السياسي حتى قيام الإنتخابات العامة.
تطبيق مثل هذا الإجراء بحصر العقاب على الإفراد سيترتب عليه أمرين أولهما حالى وهو العزل الداخلي للتيار الإنقلابي من قادة تلك المجموعات من قواعدهم التي ظل سوادها الأعظم مشاركاً في مقاومة النظام المباد ومساهماً في ثورة ديسمبر وبالتالي فإن تلك القيادات سيكون أمامها خيارين لا ثالث لهما الأول الحفاظ على قواعدها ومغادرة سفينة الانقلاب وهذا عند حدوثه سيكون بداية إنهيار الإنقلاب بشكل نهائي. أما الخيار الثاني فهو التمسك بالسلطة وخسارة قواعدها. بالنسبة للأثر المستقبلي لهذا الإجراء فإنه سيفصل بين (النصوص) و(الشخوص) وحدوث هذا التمايز سيشرع الباب أمام تصحيح الخطأ الهيكيلي الأساسي لإتفاق سلام جوبا الذي إنتهي ل(مواقع) وفارق (المعاني).
تطبيق الحرمان على مستوى الأفراد -إذا ما تم إقراره وإعتماده- في مواجهة قيادات المجموعات الموقعة على إتفاق سلام جوبا التي شاركت في التخطيط أو التعبير أو شرعنة إنقلاب 25 أكتوبر لحظة سقوطه وهزيمته قد ينسحب على الأحزاب السياسية التي كانت جزء من نظام المؤتمر الوطني عند سقوطه في 11 أبريل 2019م على وجه الخصوص تلك الأحزاب السياسية والمجموعات التي رفضت إنقلاب 25 أكتوبر.
إستفسر البعض عن سبب التعاطي مع رئيس الوزراء المستقبل دكتور عبدالله حمدوك وإفتراض إمكانية عودته للمشهد مجدداً فهذا الإفتراض لديه منطلقات موضوعية وذاتية، فالشق الموضوعي يتصل بعدم وجود شخصية سياسية غير حزبية -وهذه نقطة مهمة للغاية-تحظي بقدر من القبول الشعبي والخارجي أعتقد أن أبرز الشخصيات السياسية بالساحة المصادمة للإنقلاب وعلى رأسهم عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان أو وزير شؤون مجلس الوزراء خالد عمر أو عضو اللجنة العليا للتفكيك وجدي صالح فإن إنتماءهم الحزبي سيخصم من رصيدهم الكثير، وحتى الشخصيات ذات الإرتباط النقابي كطه عثمان إسحاق نجد أن النقد والغضب الشعبي على تجربة الأحزاب وتحميلها مسؤولية مآلات ونتائج وممارسات الحكم والمحاصصات منذ تكوين الحكومة الإنتقالية وحتى فجر الإنقلاب تضعف من حظوظ تلك الشخصيات رغم إسهامها ومقاومتها للإنقلاب. بخلاف ما ذكر سابقاً فإن الصعوبات التي تعترض التوافق على شخصية أخرى سياسياً وشعبياً قد يكون عامل إضافي لمصلحة حمدوك.
جميع هذه الجوانب قد تسهم في ترجيح كفة لدى رئيس الوزراء المستقيل عند مقارنته بالأخرين، وما يعزز من وضعية حمدوك شعبياً هو غياب أي إنتماء حزبي حالي بالنسبة له، وحتى إتهامه بالإنتماء للحزب الشيوعي فإن المعركة العنيفة التي دارت رحاها بين الرجل والحزب قبل وبعد تطبيق برنامج الإصلاح الإقتصادي كشفت للمتابعين المسافة البعيدة التي باتت تفصل بين الطرفين في الرؤى.
يعتبر البعض أن حمدوك إرتكب عدة أخطاء سياسية وإدارية كان أفدحها توقيعه على إتفاق 21 نوفمبر مع قائد الإنقلاب بإعتبار أن ذلك الإتفاق منح الإنقلابيين مشروعية، ورغم تبريراته ومنطقه برغبته في حقن الدماء وإنقاذ مسيرة الإنتقال وهزيمة الإنقلاب فإن الرجل بات بعد ذلك الإتفاق بين مطرقة الإنقلاب وسندان رفض الشارع وهو ما قاده في خاتمة المطاف لتقديم إستقالته في يناير 2022م.
عقب تلك الإستقالة مضت وتيرة الأحداث صوب سيناريوهات أسوء فعناصر النظام المباد عادت بشكل صارخ وسافر، إستهداف قيادات لجان التفكيك والعاملين فيها وإبطال قراراتها، الإفراط في إستخدام العنف وتزايد الإنتهاكات، الإنهيار الكامل للأوضاع الإقتصادية وإزدياد العزلة الخارجية على البلاد ووصول المشهد لمرحلة إنسداد الرؤى وفقدان أي ضوء أخر النفق. جميع تلك النتائج أسهمت في إعادة رسم صورة حمدوك شعبياً، وبناء على المعطيات الذاتية والموضوعية فإن فرص عودة حمدوك -بغض النظر عن الإطار أو الميقات أو وضعيته المستقبلية- أصبحت ضمن الخيارات المطروحة من قبل أطراف محلية أو خارجية، ومن الضروي أيضاً إستصحاب مساعى أطراف محلية تسعي لعرقلة عودته مجدداً بإعتباره يمثل خطراً متزايداً على تطلعاتها وطموحاتها المستقبلية.
من التحولات الجديرة بالتأمل خلال الأسبوع الماضي هو حديث نائب رئيس الأركان إدارة بالجيش الفريق أول ركن منور عثمان نقد في الندوة التي نظمت بأكاديمية نميري حول تأثير نظام الحكم في السودان على العلاقات العسكرية والمدنية، ويومها أرسل الرجل إشارات مباشرة بعدم إمكانية فرض نظام حكم على الشعب معتبراً أن الخيار الأفضل هو النظام الديمقراطي يكون دور الجيش حماية النظام الديمقراطي والتصدي لأي محاولة إنقلاب، مؤكداً أن الجيش لا يرغب في الحكم خلال المرحلة الإنتقالية وربط الخروج من الأزمة الحالية إما بالتوصل لتوافق سياسي أو تنظيم إنتخابات عامة.
قدم نقد -وهو مدير سابق لأكاديمية نميري التي كانت تعرف بإسم كلية القادة والأركان قبل تغييرها لإسمها الحالي- تصوراً لما يجب أن تكون عليه المرحلة الإنتقالية في حال عدم تنظيم إنتخابات بأن تكون مؤسساتها بعيدة عن التانفس الحزبي وتديرها حكومة تتولي تصريف الأعباء وينتهي دورها بتسليم السلطة للحكومة المنتخبة على أن تقرر المؤسسات التي سيتم إنتخابها الموقف من القضايا الأساسية التي اسماها ب(الثوابت).
تراجع التفاؤول بتصريحات نقد بإعتباره موقف جديد صادر عن القواات النظامية عقب العنف المفرط تجاه أول مواكب يتم تنظيمها بعد تلك الندوة، وامتد العنف ليشمل مؤسسات رسمية تابعة للدولة بالهجوم على مجمع (إستاك) وتعرض العاملين والعاملات للضرب والنهب بجانب التكسير والتهشيم وتزايد عمليات النهب وهو ما أعطى إنطباع أن جهة ما تعمدت من تلك التجاوزات والقمع والعنف أن تبث رسالة مفادها أن التطورات على الأرض تحكمها الأفعال لا الأقوال.
في تقديري أن الحقيقة التي باتت واضحة للعيان أن مجموعة الإنقلاب بمكوناتها العسمكرية والمدنية باتت متباينة بداية في تقييم المعطيات والموقف وكيفية التعامل مع الواقع وسيناريوهات المستقبل، وللذلك يبرز تيار يقر بوجود أزمة خانقة ستعصف بالأوضاع الراهنة ولذلك فهو يبحث عن مخرج ينهي هذا الوضع المعقد.
بالتوازي مع هذا التيار تبرز بصمات تيار ثان لا يزال يعتقد بأن هناك كوة ضوء في أخر النفق ومخرج يتيح الإستمرار والبقاء للوضع الراهن يحتاج فقط الصمود والمراهنة على الوقت واللجوء لمزيد من القمع وفي اسوء السيناريوهات بالإمكان الجلوس من موضع قوى لفرض شروطه، في ما يوجد تيار ثالث يعيش في عالم مختلف يسارع خطاه لتعزيز مكاسبه على الأرض ويمدد نفوذه وتظهر تحركاته وكأنما لا توجد أزمة أو تداعيات لها أو مؤشرات متنامية بإمكانية إنهيار المعبد على رؤوس الجميع !
ما يجمع بين التيارات الثلاثة هو قناعتها بإمساك الأزمة الإقتصادية بتلابيب نظامهم وضغطه على أعناقهم بشكل عنيف وفشل كل المسكنات الإقتصادية وتحقيقها لنتائج عكسية وتزايد الضغط جراء تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وقلقهم من إقتراب آوان سداد فواتير موقفهم النشاذ بعد إسدال الستار على تلك الحرب التي جذبت انتباه كل الدنيا دون تمكنهم من فرض الأمر الواقع، وعوضاً عن ذلك تدهورت أوضاعهم وفقداوا السيطرة على زمام الأمور، ووالنتيجة أنه كلما تفاقمت الأزمات وتمددت زادت حدة التصدعات وسط مكونات الإنقلاب ويبدأ كل طرف تحميل مسؤولية الإخفاق للأطراف الأخرى.
من الضروري التذكير بأن تصنيفات تلك المجموعات الثلاثة يتطابق بشكل مماثل مع الوضع السائد إبان الشهور الأخيرة للنظام المباد ويومها كان الرئيس المخلوع ضمن زمرة المجموعة الثالثة يسارع تجهيزاته لخوض إنتخابات أبريل 2020م في ما كان نظامه يتهاوي شعبياً ويتوفي سريرياً بعدما إستحكمت أزمته الإقتصادية فضاقت حتى إستحكمت، ليصل مرحلة الإنهيار الكامل بعدما عجز عن الصمود وبات تكلفة إستمراره باهظة للغاية حتى للذين إختاروا مساندته، وكان خيارهم بكل بساطة أن يمنعوا السفينة من الغرق ولو إقتضي الأمر أن يقذقفوا في البحر بالقبطان وأي من معاونيه إذا ما رفض الإنصياع لتحذيرهم الأخير عوضاً عن مشاهدته وهو يحطم بالسفينة ويغرق كل من فيها … ظلت تلك دووماً سير إنتقال الملك والحكم قد تختلف الأماكن أو التفاصيل أو الأشخاص لكنها ظلت دوماً بذات النهايات تدور في ذلك الأطار منذ قديم الزمان بالأمس واليوم وما سيحدث غداً !!
(يتبع في الحلقة الرابعة والأخيرة بإذن الله تعالي)
الاثنين 21 مارس 2022م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.