مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دولة التعاقد الاجتماعي في السودان ضرورة تاريخية اللحظة، قبل فوات الأوان
نشر في الراكوبة يوم 20 - 09 - 2023

1-. تعلمنا من تاريخ ثورات الشعوب، أنها تقوم عندما يصل استبداد الحكام، عنفوان ذروته في سلب حريات وممتلكات الناس، في حينها يتطور الأمر إلى التخلص منهم بمنهج جماعي. هنا نتساءل، ألم نصل في السودان إلى هذه المرحلة الهدامة؟ أليس نحن مثل بقية شعوب العالم التواقة للحريات والحياة الكريمة؟ إذا الأمر كذلك، دعونا نؤكد للمرة الثالثة، أن إقامة دولة التعاقد الاجتماعي في السودان قد أصبحت ضرورة ملزمة الآن من أجل الحفاظ على أرواح ما تبقى من الناس. فالحرب اللعينة التي اندلعت في الخامس عشر من شهر إبريل الماضي، قد أدخلت الدولة السودانية – الهشة أصلاً – في تمزق شامل لكل أركانها الجغرافية، بل وانهيار كامل لمؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك يجب أن نتدارك جميعاً حالة هذه الدولة بعقلانية تامة قبل أن تتمحي كلية من الخارطة السياسية الدولية. لذلك ندعو مخلصين، السودانيين الوطنيين للعمل سوياً على إقامة دولة التعاقد الاجتماعي حتى يتكمنوا من تماسك وحدة التراب السوداني في تآلف شعوبه المختلفة. من أجل هذا الهدف النبيل، فقد نشرت في السابق مقالة في الصحف الإلكترونية في العام 2010م وأصدرت أيضاً كتابين عن هذا الموضوع، الأول في العام 2013م بعنوان "العقد الاجتماعي الجديد: الطريق لحل المعضلة السودانية" في حجم 64 صفحة. الناشر: المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً: برنامج الفكر الديمقراطي، الخرطوم، السودان. والكتاب الثاني أصدرته في العام 2015م بعنوان "دولة التعاقد الاجتماعي في السودان: ليست خياراً بل ضرورة" في حجم 520 صفحة. الناشر: مكتبة جزيرة الورد، القاهرة، مصر.
تزداد قناعتي لمشروع التعاقد الاجتماعي، لأن الدولة السودانية المتعارف عليها في حدودها الجغرافية الحالية، هي في الأصل صناعة أكثر من استعمار أجنبي. لذلك ما نحتاج إليه اليوم، قبل أن نتحدث عن الحرية والديمقراطية والتنمية، هو العمل على وضع دستور يرضي عنه كل أبناء السودان، على اختلاف أعراقهم ودياناتهم وأقاليمهم. فالدولة السودانية أضحت منذ فجر الاستقلال في العام 1956م، بلداً موحداً بفعل الاستعمار لكن بلا وجدان – أي بلا دستور وطني يؤسس ويقود إلى تماسك الشعوب الموحدة، ومن ثمّ الانتماء وجدانياً إلى الدولة الوليدة.
مما سبق، وضح جلياً أن جذور الأزمة السودانية تتمثل في غياب دستور وطني للدولة المنشأة حديثاً ليشمل كل شعوب الممالك والسلطنات التي كانت دولاً مستقلة قبل الاستعمار. كما ازداد تفاقم الأزمة عندما أسست النخب السياسية التي تولت سلطة الحكم بعد الاستعمار – دون مشورة الشعوب السودانية – منهج إداري محكم "ليس فقط كيف تُحكم البلاد لكن أيضاً بمّن"، وهي السياسات التي عملت على تعميق الأزمة وتفاقمها، مما أوصلتنا إلى شفا انهيار كامل كما نشاهدها الآن. وبما أننا أشرنا إلى دواعي العقد الاجتماعي، سوف نوضح بإيجاز concise ماهية التعاقد الاجتماعي، وفوائده وآليات تنفيذه آملاً أن يتقبله الجميع لأن فيه خير لكل أهل السودان.
2-. مفاهيم العقد الاجتماعي:
في البدء، يصف لنا فلاسفة عصور التنوير أن الطبيعة الإنسانية هي حالة الحق الطبيعي للحرية، وهذا الحق قد يقود إلى حالة الحرب بين الناس، إذا اعتقد كل إنسان بأن له الحق في كل شيء – منسوبي المؤتمر الوطني، مثالاً – حسب قدرته لامتلاك ذات الشيء، بأية وسيلة كانت، فالحرية بهذا الاعتقاد لا تفضي إلا إلى الصراعات والحروب. فالواقع أن الصراعات الدموية موجودة في كل مكان وزمان بوجود الإنسان. لذلك عندما نسعى لإدراك أسباب الصراع ومخاطره، يفضي بنا البحث إلى حلٍ يقبله وتتفق عليه جميع الشعوب السودانية من أجل الخروج من حالة الحرب الملازمة لنا منذ الاستقلال. ويؤكد لنا أيضاً فلاسفة عصور التنوير، أنه في حالة الطبيعة، يجد الإنسان نفسه في موقف لا يمكن إطلاقاً أن يتراخى ويستمتع فقط بما اكتسبه بقوته، فتجده يعيش في خوف دائم من أن يسلب الآخرون منه ما يملك، فيؤدي ذاك الخوف إلى حالة من العنف المتبادل. عدم الثقة المتبادلة هذه، سيؤدي حتماً إلى استخدام القوة والخداع والغواية – أمامنا مثال، البرهان وحميدتي – ليؤدي إلى تطور الدمار الشامل بين البشر.
حالة الخوف الدائم الذي يعم كل المجتمع، تقود إلى ابرام اتفاق بين الجميع للتخلص منها. عموماً يعني مفهوم العقد الاجتماعي، إبرام اتفاق بين الناس، الذين جمعتهم رقعة جغرافية محددة، بموجب هذا الاتفاق يتحدون ويكونون هيئة معنوية لإدارة الإرادة العامة، أي التوصل إلى التعايش السلمي في تجمع محدد. هذه الإرادة هي الدولة التي يصبحون رعاياها ومواطنون فيها، يتساوون في الحقوق والواجبات. لذلك نجد أن جون لوك، أحد فلاسفة عصور التنوير يوضح لنا، أن الدولة في المجتمع المدني "تنشأ من اتفاق جماعي بين الناس على أن يكون الحكم فيها للأغلبية. وبهذا الاعتبار فإن حكومة المجتمع المدني، هي مخلوقة عندما أي عدد من الناس يصنعون بالاتفاق كل مع الآخر مجتمعاً، فإنهم بذلك يصنعون بقوة مجتمع الجسم الواحد، تفعل ككيان واحد، محدد فقط بإرادة وشرط حكم الأغلبية المقيدة". أي الأغلبية التي يجب أن تحترم حقوق الجميع. لذلك فإن روح الاتفاق الجماعي، يتلخص في الشرط الذي يسمح لهذه المجموعة البشرية أو تلك، أن تعيش مع بعضها البعض، يحترم فيه كل فرد الآخر. ويضيف جون لوك مرة أخرى فيقول إن "حاجة المجتمع المدني إلى السلطة الحاكمة أو الدولة، هي الحاجة للمحافظة على الحياة والحرية والملكية، وهي حقوق مهددة بالتعدي والاستمتاع بها في حالة الطبيعة غير مؤكد".
3-. تأسيس السلطة السياسية:
إن الاتفاق على قيام سلطة الحكم، هو أساس وحدة المجتمع المدني، والعقد يهدف إلى تجسيد وصياغة تأسيس هذه الوحدة. فالتوحد حول رأي الأغلبية، هو مطلب كل عقد بين الأفراد للدخول في الاتحاد، ذلك أن بداية أي مجتمع سياسي، ليس شيئاً إلا اتفاق الأغلبية الذي يشكل البداية لأي حكومة قانونية في العالم. بالطبع هناك أيضاً ما يسمى بالعقد الضمني الذي بموجبه تدخل المجتمعات المهاجرة في حظيرة دولة قائمة أصلاً، وبالتالي يصبح الفرد المهاجر عضواً كاملاً في المجتمع، خاضعاً للحكومة القائمة. فالإنسان الذي يحل بأرض أناس مقيمين، عليه قبول الوضع السياسي كما هو، طالما هاجر إليها للإقامة فيها بمحض إرادته. وبالتالي لا يمكن أن يسعى إلى محو ثقافات البشر المقيمين أصلاً واستبداله بثقافته، بل يجب أن يسعى إلى تلاقح كل الثقافات، هكذا تكون الإثراء والتطور والسلام والأمن. فالإنسان الذي يستمتع بالملكية، في أي جزء من الأقاليم التابعة للحكومة، يكون بذلك قد قبل اتفاقاً ضمنياً، وأثناء استمتاعه بالملكية – أياً كانت – يكون ملزماً بالطاعة المطلقة للقوانين الصادرة عن الحكومة.
في عصرنا هذا، ليس بالضرورة أن تؤسس السلطة السياسية الحديثة، باتباع نفس الخطوات التي تمت بها في أوروبا، لكن أخذ العبر لمن يعتبر ضرورة. من هذا المنطلق، نخرج بالسؤال الموضوعي الآتي: كيف يمكن للسودانيين أن يعيشوا في أمن وسلام دائمين في هذه الرقعة الجغرافية التي وجدوا فيها قسراً؟ الإجابة الشافية تكمن في وظيفة العقد الاجتماعي، لوضع الدستور الوطني المستدام. لكن علينا أن نعترف أولاً، أن الإجابة لن تكن سهلة، وأن التطبيق هو الأصعب، لكن في سبيل الحفاظ على الحياة وتأمين الحرية والأمن والسلام، الذي يحتاج إليه كل فرد في المجتمع، يجب أن يهون كل شيء. لذلك يتطلب الأمر أولاً، الاعتراف ببعضنا البعض كبشر، ومن ثمّ بالضرورة إبعاد كل المسائل، التي تفرق بين الناس من أية عملية دستورية، سواءً كانت تلك المسائل قائمة على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون أو الإقليم أو القبيلة أو الخلفية الثقافية، لأن المؤكد أن النقاش والاتفاق حول هذه المسائل، تكون الحصيلة الحسابية صفراً، لأن ما يقبله أحدنا لأن يقبله الآخر المختلف على الاطلاق. وبالتالي تصبح هذه الشروط ملزمة لإقامة دولة المواطنة للجميع.
4-. قيم الحقوق والحريات:
يلاحظ أن نجاحات الثورة الفرنسية كانت عظيمة جداً، لأنها قامت من أجل حرية الإنسان الفرنسي. نحن في السودان نفتقد التربية الوطنية التي تقود إلى التشبع بروح ثورة التغيير. فالحروب قد قضت تماماً على حق البقاء – حق الوجود – الإنساني. لذلك فإن السياسات الجائرة لم تسلب الناس حرياتهم الإنسانية الأساسية، بل ساقتهم إلى فقد الأرواح، فاضطر ملايين من البشر أن تهرب إلى أماكن أخرى طلباً للمأوى في داخل أو خارج البلاد. إذاً حق البقاء – الحياة – هو أساس الحقوق البشرية الذي يأتي قبل الحقوق المدنية، مثل حق التملك أو التنقل أو المعاش.
يحصل الاتفاق – أياً كان – عندما تصل الأطراف المتصارعة إلى حالة لا غالب ولا مغلوب، وفي ذات الوقت يزداد فقدان أرواح البشر، أي فقدان حق بقاء الإنسان. فالحالة التي نحن فيها الآن تدل بلا أدنى شك بأننا لم نصل بعد إلى فهم وترسيخ ولا الإيمان بالمعاني النبيلة للثورة. فالثورة تعني التغيير إلى الأفضل الذي يعم كل المجتمع وهذا يعني العقل الجمعي الذي يعترف بكل الشعوب السودانية على أنهم بشر متساوون في القيمة البشرية، حينها نصل إلى يقين تام بأن حقوقنا وخيراتنا المسلوبة تحتاج إلى عزيمتنا بقيام ثورة شعبية عارمة، تقضي على السلطة القائمة والمعارضة الفاسدة على حد سواء، ومن ثمّ بناء مجتمع مدني معاصر.
5-. ممثلي التعاقد الاجتماعي:
الاختلاف الواضح في التركيبة الإثنية لشعوب السودان، ومعها التعددية الثقافية، ثم الاختلاف البيِّن في جغرافية البلاد، ومعها التباين في سبل كسب العيش، أي النمط الاقتصادي للشعوب المختلفة، أضف إلى ذلك، التعدد الديني واللغوي لأهل السودان. كل هذه التناقضات تقود إلى عدم انسجام الشعوب السودانية مما يؤدي إلى اندلاع الحروب الدامية، لذا فإن الواجب الوطني يستدعي بأن نسعى للوصول إلى صيغ توفيقية لحل القضايا الدستورية الخلافية، وهي المعني بأن يتم اتفاق كل شعوب السودان من دون تدخل خارجي – أعني الأيديولوجيات الخارجية – حول الشروط التي تجعلهم يعيشون مع بعض في دولة واحدة. ومثل هذا الاتفاق هو الذي نعنيه بالتعاقد الاجتماعي.
بالطبع لا يوجد معيار محدد، يستند على تجربة دولة بعينها في عملية اختيار الممثلين للعقد الاجتماعي، وذلك لعدم وجود نظامين سياسيين متطابقين في العالم. لذلك نرى أنه من الأفضل والأجدى، أن تقوم عملية الاختيار على أساس المصالح الاقتصادية الذاتية للبشر. ونقصد بذلك تحديداً، وسائل كسب العيش، وهي مصالح مشتركة بين المنتج والعامل والصانع والتاجر والمسهل الذي يعمل في مجال تبادل وتسويق الإنتاج، والمستهلك والباحث العِلمي الذي يعمل في مجال زيادة وجودة الإنتاج، هؤلاء جميعاً مشتركون في سوق العمل، هدفهم الأوحد تأمين وزيادة دخولهم للاستمتاع بها على المستوى الفردي. لذلك لن يختلفوا في الشروط التي تجعلهم يعيشون مع بعض من أجل تبادل منافعهم، وذلك لحاجة كل واحد منهم للآخر، فالذي يخرج من الاتفاق، كأنه سائق نفسه للهلاك، وهذا ضد الفطرة الإنسانية. ففي هذه الحالة نرى أن تؤسس أولى معايير الاختيار، على ممثلي المزارعين والرعاة والعمال وأصحاب العمل والتجار والهيئات النقابية والنسائية والشبابية ومنظمات المجتمع المدني والإدارة الأهلية. هذه الفئات لا تعمل من أجل الوصول إلى سلطة الحكم، بل تنصب جل همومها نحو حق البقاء والحرية والحفاظ على الملكية المكتسبة والتعايش السلمي.
نؤكد مرة أخرى أن الصراع السياسي، الذي تعمل عملية العقد الاجتماعي على حله في السودان، مرة واحدة وإلى الأبد، يكمن في كيفية تأسيس الدولة، وليس في كيفية إدارتها. لذا فالهدف السامي المعني به هنا، هو في كيفية وضع قواعد اللعبة السياسية، وليس اللعبة السياسية بحد ذاتها.
6-. آليات تنفيذ مشروع التعاقد الاجتماعي في السودان:
ليس هناك نموذج مثالي محدد للتعاقد الاجتماعي يمكن اتباعه، إنما المطلوب هو توفر بيئة سالمة وآمنة تتمكن فيها جميع الإثنيات الاجتماعية أن تشارك في التشاور والاتفاق حول المسائل الدستورية الخلافية التي تسمح لهم بالتعايش السلمي، لذا سينتج من هذا الاتفاق تعاقد جمعي يجعل كل الناس شركاء في تأسيس دولتهم وبالتالي يرسخ في وجدانهم أنهم أصحاب السيادة في وطنهم وما السياسيون إلا مقاولين لإدارة شئون الدولة بعقود محددة – أي فترات انتخابية معلومة. لذلك يحق للناس أن يثوروا سلمياً ضد أية حكومة، بل نزع السلطة عنها عندما تخرج عن إرادة الشعب. في الظرف الحالي لا توجد البيئة السالمة والآمنة التي تسمح للشعوب السودانية أن تجلس باطمئنان وتشارك في عملية العقد الاجتماعي، إلا إذا توقفت الحرب الحالية وأوفت كل الجيوش سكناتها. لذلك لا نرى أمامنا حالياً إلا آليتين نافذتين لتنفيذ مشروع التعاقد الاجتماعي في السودان، هما: (أ) قوة عسكرية دولية ضخمة. (ب) ثورة شعبية شاملة.
(أ) الغرض الأساسي للقوة العسكرية الدولية، هو توفر السلم وتأمين الأمن والحريات لعامة الشعب ليتمكن من الجلوس بحرية تامة حول مائدة مستديرة للتعاقد الاجتماعي. على مدى 67 عاماً فشلت كل التجارب السودانية السابقة في وضع دستور دائم للبلاد، وحالياً لا تملك الشعوب السودانية السلاح الناري الحديث لمواجهة طرفي الحرب – الجيش السوداني وقوات الدعم السريع – لذا يصبح من واجبنا الوطني أن نطالب منظومة الأمم المتحدة بالتدخل عسكرياً للأغراض الإنسانية والعمل على الاستقرار السياسي الذي يجب أن يفضي إلى وضع دستور وطني دائم – ديمقراطي فيدرالي – وذلك على هدى فلسفة العقد الاجتماعي. المنظومة الأممية لها تجارب دولية ناجحة في دول مثل تيمور الشرقية وكوسوفو.
(ب) ثورة شعبية شاملة: رغم فشل الثورات والانتفاضات الشعبية السابقة في وضع دستور وطني دائم، إلا أن ثورة ديسمبر المجيدة لعام 2019م قد بعثت بأمل إمكانية تحقيق الهدف المنشود. لذلك نحتاج إلى استنارة شاملة لندخل في اتحاد جمعي من أجل المحافظة على أرض الوطن وإنسانه المتبقي، ومن ثمّ الحفاظ على الأمن والملكية والسلام والخير العام. ومثل هذه الاستنارة يجب أن تدفعنا نحو تطوير أسلوب ومضمون الثورة الشعبية الشاملة لنصل إلى قناعة تامة وإيمان راسخ بأن "البلد بلدنا ونحن سيادها"، فيصبح من واجبنا مجتمعين أن نتفق على شكل كيفية إدارته.
أبكر محمد أبوالبشر
مانشستر، المملكة المتحدة
الثلاثاء، 19 سبتمبر 2023م
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.