السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حميدتي والجنجويد ودولة 56
نشر في الراكوبة يوم 13 - 01 - 2024

قال اريئل شارون رئيس وزراء اسرائيل الاسبق انه يتمنى لو يستيقظ ذات صباح ويجد غزة قد ابتلعها البحر، نام شارون النوم الابدي وظلت غزة باقية؛ هذه الامنية الشارونية تبناها بعض منظري الدعم السريع في سياق مختلف، فاصبح حلمهم هو ان يستيقظوا ذات صباح ليجدوا أن ما يسمونها دولة 1956 قد اختفت وابتلع بحر النيل جزء منها والجزء الباقي اصبح من نصيب البحر الاحمر.
الجنجويد ودعواهم عن دولة 56 وقبلهم جون قرنق ومشروعه عن السودان الجديد وبقية الحركات المسلحة انما ينهلون من منبع واحد، فهم يقومون بالعمل العسكري اولاً؛ ثم بعد ذلك وفي مرحلة تالية يحاولون ايجاد الغطاء الفكري له لتبريره وتأطيره وتقديم المسوغات له، ويحدث هذا بعد ان يقع المحظور ويدوي الرصاص. لذا لم يظهر مصطلح دولة 56 بقوة إلا بعد 15 ابريل، وربما ظهر قبلها ببرهة وجيزة كصوت ضعيف في خضم التوتر بين الجيش والدعم السريع قبل اشتعال الحرب.
بالقدر نفسه فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان لم تقم في بداياتها على اساس فكري يتحدث عن السودان الجديد، وما كان جون قرنق هو المؤسس الفعلي للحركة؛ ولكنه التحق بالتمرد فيما بعد، إذ أن من تمرد أولاً في عام 1983 كان كاربينو كوانين قائد الكتيبة 105، ولم يكن تمرده مبنياً على قضية مركز وهامش أو سودان جديد؛ بل كان تخوفاً من ترتيبات امنية سعت حكومة النميري للقيام بها تحت عنوان انصهار القوات، حيث يجرى بموجبها نقل قوات جنوبية الى الشمال ونقل قوات شمالية الى الجنوب؛ واعقب ذلك هروب كاربينو وقواته الى اثيوبيا حيث لحق بهم جون قرنق هناك.
مساهمة قرنق في التنظير الفكري وايجاد الغطاء السياسي والترتيب التنظيمي للتمرد جاءت فيما بعد، وذلك حين اصدرت الحركة بيانها الاساس (مانيفستو الحركة) ودستورها المكون من احد عشر فصلاً، وفيه جرى تعريف المشكلة ولأول مرة بانها مشكلة كل المناطق المهمشة، وليست مشكلة الجنوب فقط.
وجه الشبه بين شعاري السودان الجديد ومحو دولة 56؛ هو ان كلاهما يتحدث عن الهامش والمركز، لكن شعار السودان الجديد كان يتحدث عن بناء جديد، أيا كان اتفاقنا او اختلافنا حول طبيعة هذا البناء واهدافه، بينما شعار الجنجويد يتحدث عن محو وإزالة. ولم يقدم منظرو الجنجويد رؤية واضحة لما ستكون عليه الاحوال بعد المحو، وما هو شكل البناء المزمع قيامه على انقاض الدولة القديمة.
ربما كان الامر في هذا الخلل يعود إلى ان فكرة دولة 56 جرى طبخها على عجل لتلحق بركب الحرب، ويعود ايضاً الى خلو المليشيا من وجود منظرين بها لهم ثقافة واسعة
وخبرات متعددة مثل جون قرنق. لذا وجد المحو وهو العمل السهل تطبيقاً ميدانياً في حرب ابريل 2023م، وتكفلت المليشيا بإنزاله لأرض الواقع؛ باستهداف المراكز العلمية والبحثية والتجارية والصحية لدولة 56، فلم تسلم منهم مؤسسات لا علاقة لها بالعمل العسكري مثل دار الوثائق المركزية؛ ومتحف السودان القومي، ومكتبة جامعة ام درمان الاهلية ومكتبة محمد عمر بشير ومتحف التاريخ الطبيعي، ومعهد البحوث ببحري والمستشفيات والجامعات والبنوك وغير ذلك. واستدعت عملية المحو احتلال منازل مواطني دولة 56 وتشريدهم واذلال من تبقى منهم في عاصمتهم باغتصاب نسائهم وسلب ممتلكاتهم.
حاولنا الحصول على تعريف دقيق لهذا المصطلح الجنجويدي الجديد خلافاً لقصة هامش ومركز وذلك من خلال قراءة ما كتبه بعض الكتاب وفهمهم له، فهو عند عبد الله على ابراهيم في مقال له باندبندت عربية الصادر في 13 اغسطس 2023م انه جاء (ليشيع في خطاب المركز والهامش في السودان احتجاج جوهري على الدولة السودانية منذ استقلالنا في عام 1956 كدولة "جلابة"، أي صفوة الجماعة العربية المسلمة على أواسط النيل، لاحتكارها السلطة والثورة).
ويرى حامد برقو في مقاله (دولة 56 التي سقطت اخلاقيا ودبلوماسيا قبل ان تهز عسكرياً) المنشور بصحيفة الراكوبة بتاريخ 6 يناير 2024، (إن الملح الآن قبل الغد ان يتذكر بعض أبناء الوسط والشمال النيلي بأننا في عام 2024 – فلابد من تساوي الفرص ليتعافى الوطن و لأجل غد افضل للجميع).
ويصنف محمد جميل في مقال (ماذا بقي من جمهورية 56 في السودان) المنشور في صحيفة اندبندت عربية بتاريخ 8 يونيو 2023م المشكلة بأنها (ذات طابع تاريخي متصل بالعدالة والمواطنة، وأخفقت الحكومات الشمالية في تحقيق هاتين المسألتين، ليس في جنوب السودان فحسب، بل في جميع هوامش وأطراف السودان الأخرى… وسيكون البديل عن هذين الخيارين: الحرب الأهلية الشاملة).
ويقول ابراهيم سليمان في مقال (ايهما احسن استمرار مركزية دولة 56 ام التفتيت الفدرالي بالحسنى) المنشور بصحيفة الراكوبة في 27 سبتمبر 2023 ،(وبات في حكم المؤكد، أن عودة منظومة دولة56 المركزية القابضة مستحيلة، وأن الخامس عشر من أبريل 2023م نقطة فاصلة في التاريخ السياسي للدولة السودانية، وأن التروس المهترئة التي ظلت تدير آلة الدولة الظالمة، والأيادي الآثمة التي ما برحت تتحكم في دوران تلك التروس، جميعها، يجب أن تستريح من العبث بمقدرات الشعب، لصالح الدولة العميقة، وحواضنها من جنرالات الجيش والبيوتات الطائفية والرأسمالية ومن الانتهازيين العابرين).
هذا الاستعراض على قلته لم يخرج عن قضية الهامش والمركز، وفيه قواسم مشتركة تكمن في توجيه الاتهام لابناء مناطق جغرافية بعينها هم ابناء الوسط والشمال النيلي في
احتكار السلطة والثروة وتهميش بقية اهل السودان. وانهم هم المستفيدون من دولة 56 وبالتالي يجب ازالة هذه الدولة من الوجود، لينعم الجميع بالمساواة والعدالة.
هذا الطرح يتجاهل تماما أن قرى مناطق الشمال والشرق والوسط تعيش مثلها مثل قرى المناطق الاخرى في فقر مدقع، وتنعدم في معظمها الخدمات التعليمية والصحية وخدمات المياه النقية والكهرباء ووسائل النقل، إلا ما يشيده ابناء تلك المناطق المغتربون من حر مالهم لاهلهم. اما الخرطوم نفسها (كرش الفيل) فتعج بأبناء الشمال والشرق والوسط المهمشين كغيرهم من ابناء الغرب والجنوب. يركبون الحافلة نفسها ويلدغهم ذات البعوض، ويصهر جلودهم الحر وتنقطع عنهم الكهرباء والماء مثلهم مثل غيرهم.
هل كان الجنجويد صادقين وهم يلعنون ما يسمونه دولة 56؟ وهل يمكنهم لعب دور حماة المهمشين؟ كلا.. بل سنجد انهم صنيعة هذه الدولة التي يريدون استئصال شأفتها، وهي والدهم الشرعي؛ بأنظمتها المتعاقبة ذات الوجوه المتعددة ما بين ديمقراطية حيناً وعسكرية حيناً آخر، وقد اطلقت عليهم أسماء مختلفة في مراحل مختلفة تختلف من حكومة لأخرى.
ظهرت مليشيا الجنجويد في بداية أمرها كميليشيا قبلية في الفترة الانتقالية بعد انتفاضة ابريل عام 1985؛ وقيام الحكومة الانتقالية التي ترأسها المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وسميت هذه المليشيا حينها بالمراحيل، وجلها من قبائل تعود لأصول عربية في إقليم كردفان، وكان الهدف منها هو مساندة الحكومة المركزية لإخماد تمرد الجنوب، ثم واصل الصادق المهدي الذي خلف سوار الذهب السياسة نفسها تجاه هذه المجموعات ولم يقم بحلها، بل كان يحتاجها هذه المرة في جبهتين، وليس كسلفه في جبهة واحدة، هما جبهة الجنوب وجبهة الغرب، وفي الغرب كانت السماء حبلى بسحب التمرد وانتشار عصابات النهب المسلح وقطع الطريق.
ورثت حكومة الانقاذ عام 1989م هذه المليشيا وقامت بتطويرها واستخدمتها في حربها ضد الحركات المتمردة في دارفور بدءاً من العام 2003م، والحقتها بحرس الحدود، ثم في عام 2013م اصبح مسماها (الدعم السريع) تحت قيادة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، ثم صدر قانون الدعم السريع في عام 2017 واصبحت تتبع لرئيس الجمهورية مباشرة، مع بقاء تبعيتها إلى القوات المسلحة في الوقت نفسه. ومن هنا نجد هذه المليشيا وفي كل الاوقات لم تكن أكثر من ذراع عسكرية متنقلة لدولة 56. تستخدمها كعصا ضد من يخرجون على سلطان الدولة. وعاشت في جلباب سوار الذهب والصادق المهدي وعمر البشير والبرهان.
سنقبل في الاسطر التالية ومن باب الجدل المفيد نظرية دولة 56، وسنكتشف ان المليشيا كانت تعيش في الاحضان الدافئة لهذه الدولة سنين عددا، مما يهزم الفكرة من اساسها.
لم يكن حميدتي صاحب المبادرة في قيام المليشيا، بل كان تاجر ابل متجول لا يفقه شيئاً لا في العسكرية ولا السياسةً، وجاءت دولة 56 لتضعه على رأس هذه المليشيا، وكتبت لها
عقيدتها القتالية، وقامت بتحسين تدريبها وتسليحها، ورسمت لها المكان الجغرافي لوجودها، وحددت لها نوع المعارك التي عليها ان تخوضها، وصنفت لها عدوها الذي يجب عليها قتاله.
كانت سعادة المليشيا وقيادتها بهذا الكرم والسخاء المقدم من دولة 56 لا تحده حدود، لذا كانوا يبذلون قصارى جهدهم للدفاع عن حاضنتهم الشرعية دولة 56 ومحاربة اعدائها والتنكيل بهم.
توسعت الحاضنة في الكرم فمنحت المليشيا علاقات دولية؛ واعطتها الفرصة لخوض حروب اقليمية، كسبت من ورائها اموالاً ونفوذاً، واجازت لها عقد صفقات التسليح والتدريب، ثم وصل التعاون مداه حين وجد قائد المليشيا حميدتي نفسه وقد اصبح الرجل الثاني في دولة 56، نائباً لرئيس مجلس السيادة، ورئيساً للجنة الاقتصادية، ونجماً تسعى التجمعات السياسية والسفارات الاجنبية لخطب وده، ويتنافس السفراء والمبعوثون الدوليون في الدخول للسلام عليه، أما مجموعته من ضباط المليشيا وعساكرها ومثقفيها ومدنييها فقد كانوا يخاطبونه بلقب أمير، ربما لشيء في نفس يعقوب، وقد كاد هذا الشيء الذي في نفس يعقوب أن يكون واقعاً بعد أن كان خيالاً. وكان قاب قوسين أو ادني من التحقق.
لكن هل كان هناك فعلا ما يسمى دولة 56 وانها قامت كنبت منفصل عن جذوره، أم أن السودان كله بكافة احزابه وقبائله وحدوده ومدنه وقراه هو دولة 56؟
هذا التقسيم الزماني للمشكلة يخرجها عن اطارها القديم والمتمثل في انها مشكلة مكانية بين هامش ومركز، قابلة للحل، أما التقسيم الزماني إنما يطرح خياراً استئصالياً واحداً لا غيره وهو الحذف النهائي لهذه الدولة من السجلات واختيار توقيت جديد للدولة السودانية قد يطلق عليه دولة 2023م.
ويطرح عبد الله على ابراهيم تساؤلاً ويقول: (بعبارة أخرى، لماذا يثور هؤلاء الشماليون على حكومات هم أصحاب الوجاهة فيها والامتياز؟ وكيف لهم ركل نعمة هذه الحكومات، التي قيل إنها ملكية خاصة بهم، ثلاثاً منذ أن قامت فيهم في 1956)؟ وثلاثاً يعني بها ثورة اكتوبر عام 1964م وانتفاضة ابريل 1985م وثورة ديسمبر 2019م.
إذا القينا نظرة على السجلات التاريخية سنجد انها لا تخدم اصحاب فكرة دولة 56، فالدولة السودانية ولدت بعد تجربة حكم ذاتي قصيرة استمرت من عام 1953 الى عام 1956، وقد جرت انتخابات عام 1953 تحت اشراف الادارة البريطانية وفاز فيها الحزب الوطني الاتحادي، وانتُخب اسماعيل الازهري رئيسا للوزراء، وفي 19 ديسمبر عام 1955 أُعلن استقلال السودان من داخل البرلمان.
من اللافت للنظر أن الآباء المؤسسين- إن صحت العبارة – انتبهوا لأهمية التمثيل الجهوي في صنع قرار الاستقلال حتى وإن جاء في ثياب الحزبية، ويذكر خضر حمد في مذكراته صفحة 240:
(وتقاسمت الاحزاب عن طيب خاطر شرف تقديم اقتراح الاستقلال واللجنة القومية والجمعية التأسيسية، وفي يوم 19 ديسمبر 1955م وبعد الاجراءات الشكلية وقراءة بعض الردود، وقف السيد عبد الرحمن محمد ابراهيم دبكة (أمة) واقترح الآتي- وهو الاقتراح المتفق عليه منا جميعاً مع غيره من الاقتراحات – قال:
نحن اعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعاً نعلن باسم الشعب السوداني أن السودان قد اصبح دولة مستقلة كاملة السيادة ونرجو من معاليكم ان تطلبوا من دولتي الحكم الثنائي الاعتراف بهذا الاعلان فوراً). ويمضى خضر حمد ويقول أن من ثنى الاقتراح هو مشاور جمعة سهل، وان من تقدم باقتراح تشكيل مجلس رأس الدولة (مجلس السيادة) هو حسن جبريل سليمان، وقد ثناه جوشوا ملوال، وان من تقدم باقتراح قيام الجمعية التأسيسية هو محي الدين الحاج محمد وثناه حماد ابو سدر.
وبإمعان النظر في هذه الاسماء ومناطقها سنجد ان عبد الرحمن دبكة نائب دائرة بقارة نيالا غرب، عن حزب الأمة، وناظر عموم قبيلة بني هلبة، وهو من دارفور، ومشاور جمعة سهل نائب دار حامد غرب، وهو من قبيلة المجانين، من كردفان. وحسن جبريل سليمان نائب دائرة دار مساليت جنوب، وجوشوا ملوال جنوبي، وهو نائب دائرة غرب النوير الجبل، ومحي الدين الحاج محمد (تقلي جنوب)، وحماد ابو سدر نائب دائرة الجبال الشمالية شرق وهو نوباوي من دلامي.
أما من رفع علم دولة 1956م فهو اسماعيل الازهري وجذوره الاسرية تعود لقبيلة بديرية كردفان، وكان معه في رفع العلم محمد احمد محجوب وجذوره تعود لوسط وشمال السودان، وقد ولدت هذه الدولة بصورة سلمية، إذ كان آخر القتلى الانجليز في السودان قد سقط قتيلا في حوادث ثورة عام 1924م، أي قبل اربعين سنة من حصول البلاد على استقلالها.
الاتهام بان ابناء الشمال والشرق والوسط استحوذوا على السلطة لا يقوم على اساس، لأن الوصول للسلطة في السودان يجيء عبر طريقين: الأول الطريق الديمقراطي عبر الانتخابات، وفيه يصبح رئيساً للوزراء من يأتي به صندوق الانتخاب. والثاني طريق الانقلابات العسكرية، وحكومات هذه الانقلابات هي من استأثر بحكم البلاد لفترات طويلة وصلت في مجموعها الى أكثر من نصف قرن.
من يخطط لانقلاب عسكري لا يفكر كثيراً في مسألة الهامش والمركز، ودولة 56 وما الى ذلك، بل يضع في حساباته القوات التي سيعتمد عليها في تنفيذ انقلابه من مدرعات ومظلات وقوات جوية ومشاة..الخ اكثر من اعتماده على الوزن الجهوي للضباط والعساكر
المشاركين معه في الانقلاب، إذ أن حسابات الانقلاب لا تحتمل الخطأ ونتيجتها واحدة من اثنتين: أما الجلوس على كرسي السلطة او توسد طوبة القبر. ولا يهم قائد الانقلاب ان يكون الضابط المكلف جعليا او من دار حمر او من الهدندوة، ما يهمه هو ان تقوم القوة المكلفة باداء مهمة ما ضمن سيناريو الانقلاب بتنفيذها على اكمل وجه.
ولو كان الاعتماد على الثقل القبلي نافع لاستفاد منه حميدتي ومن اول يوم في حرب ابريل 2023م.
كل الانقلابات العسكرية في السودان يقبع في خلفيتها حزب سياسي طائفي او عقائدي، فانقلاب نوفمبر 1958م الذي قاده عبود كان مجرد تسليم وتسلم للسلطة لا أكثر، وكان في خلفية المشهد عبد الله خليل وحزب الامة وهو حزب طائفي، وباركت الانقلاب قيادتا الختمية والانصار، أما المجلس العسكري الذي استلم الحكم في هذا الانقلاب فقد كان موروثاً وبكامل هيئته من العهد الاستعماري، ولا مجال فيه لإثارة قضايا المركز والهامش، ولم يسأل حينها احد عن الهوية الجهوية لأعضاء المجلس.
انقلاب مايو عام 1969م قبع في خلفيته الحزب الشيوعي السوداني، وقام به بعض صغار الضباط، وانقلاب عمر البشير عام 1989م كان وراءه حزب الجبهة القومية الاسلامية، وكل حزب من هذه الاحزاب ينتمي له اعضاء من جميع مناطق السودان، ومن مختلف الفئات الاجتماعية، وتتعدد فيها الاعراق. ولا يمكن القول بان الحزب الشيوعي خاص بأبناء الشمال والوسط والشرق ولا الجبهة القومية الاسلامية كذلك، ولا حزب الامة ولا الاتحادي الديمقراطي أيضاً، قد يكون هناك مراكز ثقل ونفوذ لبعض هذه الاحزاب في مناطق معينة، لكنها وحسب دساتيرها مفتوحة للجميع.
لا يمكن الحجر على منطقة ما ومنعها من المطالبة بتحسين وضعها، لكن الفكرة بان هناك تغول من مناطق ما على حقوق الآخرين يهزمها الواقع المعاش إذا خرجت عن الخرطوم في أي اتجاه عشرين او ثلاثين كيلومتراً، والاموال التي صرفتها الحركات المسلحة على الحروب والخسائر التي سببتها حرب الدعم السريع كانت كفيلة بتحويل السودان الى بلد سعيد، وهي اموال كان يجب ان تذهب الى الصحة والتعليم والمرافق العامة لا ان توجه نحو جعل فلان رئيساً ووضع علان نائباً للرئيس وتسليم شخص ما وزارة او ولاية، ويكون ثمن هذه المناصب دم ودموع الشعب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.