شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحد آخر عمالقة الأدب في أمريكا اللاتينية: وداعا كارلوس فوينتس.. غابت شمس المكسيك السادسة
نشر في الراكوبة يوم 17 - 05 - 2012

الكاتب المكسيكي الكبير كارلوس فوينتس، الذي توفي بتاريخ 15 مايو 2012 كان يعتبر من أعظم الكتاب المكسيكيين الذي حلّق عاليا فى سماء الآداب الناطقة باللغة الإسبانية لمدّة عقود كثيرة خلت، سواء في أمريكا اللاتينية، أو فى إسبانيا بل ان شهرته تخطّت هذه الرقعة الجغرافية الشاسعة إلى العالم.
لكارلوس فوينتس كتاب تحت عنوان 'شموس المكسيك الخمس' وهو نوع من الأنطولوجيا او دراسة مستفيضة حذا فيها حذو كتاب آخرين مثل ألفونسو ريجيس وأوكتافيو باث، وكان الهدف وراء هدا العمل الأدبي هو إكتشاف روح المكسيك ، وإستكناه أغوارها وأعماقها ،وتسليط الأضواء على تاريخها ومعاناتها، بدءا بعالم الأزتيك والمايا،حيث يأخذنا فوينتس فى جولة تاريخية نقدية تحليلية لمختلف الأساطير القديمة فى بحر تاريخه، وتأمّل اهراماته التي اقامها المايا الذين أصبحوا بعد الإكتشاف(الغزو) يؤلفون مجتمعا مركّبا تركيبا معقّداومجزّءا فى وقت واحد وهم يدخلون عالم الثورة المعاصرة. مشاهد تترى نصب أعيننا من الدم والموت منذ وصول الإسبان إلى العالم الجديد،ويطلق المؤلف على ذلك مصطلح' ضد الإكتشاف' او 'الإكتشاف المناقض والمناهض للإكتشاف'، ويشير فوينتس:'إنّ غارات كتائب 'سانشو فييّا' في شمال البلاد ، ومحاربي 'إميليانو زاباتا' فى الجنوب جاءت كردّ فعل عنيف على موت 'شمس المكسيك الخامسة' حيث مات معها العالم المكسيكي للسكّان الاصليين الهنود. وهذه الشموس الخمس مستمدّة من الاساطير المكسيكية القديمة.
ويحاول فوينتس أن يقدّم للقارئ تفسيرات ورموز بعض أعماله ، فيبدأ بفصل من كتابه 'الأيّام المصنّعة' (1954) ثمّ ينتقل إلى رواية 'الجهة الشفّافة' (1958) ثم تواجهنا نصوص ترجع بنا إلى كتابه 'موت أرتيميو كروث' 1962)، و'غنائية العميان' (1964)، و'رضنا' ،(1975)، و'الغرنيغو العجوز' (1985)، التي تحوّلت إلى فيلم. و'أيّام مع كورا رياث' (1999) وفى حالة واحدة وهي كتابه ' المرأة الدفينة' يخبرنا فوينتس أنّ نصوص هذا الكتاب قد تمّ توسيعها حيث تطفو على سطح هذه النصوص جميعها مواضيع ومشاهد وأحداث لها صلة بهذا البلد الأمريكي اللاتيني الكبير وهو فى طور التكوين خلال 'الإكتشاف' فضلا عن معالجته لإشكالية اللغة والهويّة.
الحلم بالماضي
وبخصوص المزج بين الرواية والتاريخ فى كتابه أشار كارلوس فوينتس إلى طرفة وقعت للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا مركيز وفيردريك فورسايت بخصوص رواية هذا الأخير 'إبن آوى'، فقد هنّأ مركيز فورسايت على روايته ولكنه حذّره من :' أنّ الكتاب يتضمّن خطأ فادحا . فسأله فورسايت: ما هو ؟ فأجابه: أنّ ديغول لم يقتل . فأردف فورسايت قائلا:حقّا إنّ الجنرال قد خرج بسلام من عملية الإغتيال ، فقال مركيز عندئذ : آه ،ولكن إذا كنت قد قلت فى روايتك انّهم قتلوه بعد مرور مائة سنة فتلك ستكون الحقيقة.
وقال فوينتس إذا كان الكاتب الفرنسي ميشيليت قد قال :إن الشعب له الحق فى أن يحلم بمستقبله، فإنّنى أقول إن الشعب له الحق كذلك أن يحلم بماضيه. أن تحلم بالماضي، أن تجعله حيّا أمامك.إنّ فوينتس مقتنع أنه ليس هناك حاضر حيّ، ولا ماض ميّت .
ويشير فى كتابه أنه عندما كان يحاضر فى جامعة هارفارد الأمريكية كان يحدّث تلامذته الأمريكيين عن تاريخ المكسيك وسكّانها الأقدمين، فكان يعود بهم إلى تاريخ الإغريق والرومان فكانوا يقولون له: لماذا تذهب بعيدا ؟ فكان يسألهم إذن متى يبدأ التاريخ بالنّسبة لهم ؟ فكانوا يجيبون جميعا 1776 أي أنّ تاريخهم يبتدئ بعد الإستقلال ، إستقلال أمريكا، وقبل ذلك فليس هناك تاريخ.
إنّ التاريخ حسب فوينتس يقوم على المنطق،فى حين أنّ الأدب ينطلق من المشاعر والأحاسيس، والادب يسمح للشعوب بل يحثّها على أن تحلم بماضيها ، والحفاظ عليه حيّا نابضا.
كان القرن العشرون ،كما يبيّن فوينتس هو تاريخ البحث المضني عن الماضي، ومحاولة تكييفه مع الواقع الجديد، أي إسترداد الهويّة الضائعة بعد القطيعة التي أحدثتها التدخّلات الأجنبية إسبانية كانت أم فرنسية أم إنكليزية أو أمريكية ، التي كانت تقدّم وجبات جاهزة لجمهوريات نيسكافية ، أي 'ديموقراطية' حسب النموذج الغربي لا تتوافق ولا تستجيب لمطالب بلدان أمريكا اللاتينية المعذّبة.
وكان لزاما على هذه البلدان أن تبحث عن هويّتها الضائعة التى تجسّدت فى كتابات كبار كتّابها ومبدعيها ، ولكن بعد بحث مضن إستمرّ زهاء خمسة قرون، أي بعد أفول خمس شموس.
قصص للعذارى
للكاتب الراحل مجموعة قصصية بعنوان 'كونستانسيا وقصص أخرى للعذارى' هذه المجموعة تجمع العديد من أعمال فوينتس، إننا واجدون فيها فوينتس السوريالي منذ قصصه الأولى التى تناول فيها قصص الهويّة المكسيكية مثلما عمل كل من أوكتافيو باث، وصمويل راموس، كما نجد في هذه المجموعة نفس فوينتس المثقل بالهواجس والقلق والإنشغالات التي صاحبته فى مختلف أعماله، فنلتقي بالتالي بالموت ومدينة مكسيكو والشرائح الإجتماعية المختلفة ونوازع الخير والشر.
نظرة فوينتس فى هذه المجموعة إتّسمت بالجديّة والجديد،وقد راعى فيها التحوّلات السياسسة والإجتماعية للمجتمع المكسيكي والأمريكي والإسباني. وهو يتناول هذه التحوّلات بالتحليل الدقيق ليس للأوساط والثقافات المذكورة وحسب، بل بقدرة فائقة على تعرية أوجه ثقافات أخرى ورصد ملاحظات ذكيّة سواء فيما يتعلق بأفراد أو جماعات أو بلد أو قارة ،العنوان فى حدّ ذاته 'كونستانسيا وقصص أخرى للعذارى' تبيّن أنّ المراة تشكل عنصرا مهمّا فيها ، وهكذا نجد كونستانسيا تتأرجح بين الحياة والموت ،كما نجد المرأة تموت فى قصة 'أمير لوماس' أما 'عاشت سمعتي' فتقدّم لنا نصّا أكثر قلقا وعمقا ضمن المجموعة. المرأة إذن في هذه القصص مسكونة بالموت ليس كمصير فردي بل كعنصر متّصل. فالموت هو التفصيل المباشر للحياة أو الجانب الآخر لها. كما تولي المجموعة قيمة كبرى وأهميّة قصوى للمعارف الغيبية. إلى جانب العلم، تلك المعارف لا تأتينا من إعمال العقل المباشر بل من الجوانب العميقة أو الدفينة فينا ،أو من ماضينا البعيد أو من تاريخنا الغابر السحيق.
ويعتبر عنصر الزمن جانبا آخر ذا أهمية في هذه القصص، وليس المقصود هنا بالزمن المتوالي بل زمن لا يخضع للقوانين الفيزيائية ، ولا ينصاع للنواميس الطبيعية . فالأمس يلج فى اليوم محطّما كل الحواجز ،وهذا المزج يخلق جوّا من الغموض والسحر ، ويظهر لنا هذا في قصة 'عاشت سمعتي' إذ نجد شخصيتين تاريخيتين متباعدتين فى زمن وجودهما(روبين أوليفيا فى القرن العشرين) و(بيدرو روبيو فى القرن الثامن عشر) يلتقيان فى وقت مّا من الزمن. كما نجد كونستانسيا فى القصة تحمل الإسم نفسه ، مع أنّها تنتمي إلى زمنين متباعدين، زمن الحرب الأهلية الإسبانية، والزمن الحاضر. يطرح فوينتس علينا فى هذه النصوص التساؤل التالي:هل يوجد في الأمس ذنب ينبغي التكفير عنه ؟
بين فوينتس ورولفو
على إثر صدور كتاب كارلوس فوينتس 'العالم الجديد الشجاع' (الحماسة، الخيال، والأسطورة في الرواية الأمريكية اللاتينية) بعث الكاتب المكسيكي 'غيابا تيستافيكو' برسالة الى فوينتس يعاتبه على بعض الآراء الواردة فى نصوصه حول الكاتبين المكسيكين الكبيرين 'خوان رولفو' و 'ماريانو أسويلا' حيث لم يكن رولفو يخفي غيضه بشأن بعض هذه الآراء التي كان يراها متطرفة فى الغلوّ حول بعض أعماله وأعمال أسويلا، فعندما أفرد فوينتس فى هذا الكتاب ما يزيد على عشرين صفحة من النثر الوضّاء حول رواية 'بيدرو بارامو' الشهيرة انزعج رولفو قائلا : لقد حوّل فوينتس ' بارامو' إلى شخص رومانتيكي يموت نتيجة الجرح الذي فتحه فى حبّه المستحيل ل:' سوزانا سان خوان'، لقد راقني هذا الإجتهاد إلا أنّ ذلك غير صحيح فبيدرو بارامو إنما قتله عداؤه لنفسه ذاتها،إنه رجل يكره الجميع وهذه الكراهية التى تغلفه قد إنقلبت ضدّه فيقتل فوق نفس الأرض التي طالما زرع فيها بذورالأحقاد والضغينةعلى امتداد عقود من القساوة والإستبداد. ويعتب رولفو على الخيالات والتوهمات المتشابهة فى نصوص فوينتس إذ هو لا يمكن أن يكون بالضرورة عالما بشؤون التربية والأمراض التي تفتك بالإنسان إلى جانب علوّ كعبه فى الفنّ الروائي. كما ذهب فوينتس فى هذا الكتاب أن رواية 'القاطنون فى الأسفل لأسويلا' هي 'ذات حماسة منحطّة' فهي تكرّر الحماسة على نفس طريقة 'السيد'، وكان رولفو يستشيط غضبا إذ لم يكن يؤمن بأن 'أسويلا' يمكنه قول ذلك فهو أبعد ما يكون عن هذا الهراء أو الوقوع فى هذا الإسفاف، يذهب فوينتس فى كتابه :أن 'سانشو فييّا' يظهر في 'القاطنون فى الأسفل'مثل 'السيد' من نوع جيّد أو مثل نابليون مكسيكي، فى الوقت الذي يقول فيه أن 'فييّا'إنّما هو صقر أزتيكي ينقضّ ويغرس منقاره الفولاذي فى رأس الأفعى ' فيكتوريا نوويرتا'والمغزى هنا ذو سخرية عميقة فأسويلا فى الواقع إنما كان يضع قدميه في حقل ملغوم لمواجهة أنصار 'فييّا'الذين كانوا يسيطرون على مدينة ' خواريث' ولا يتعلق الأمر بإزاحة أصنام أو إستبدالها بأخرى وإنما كان أسويلا يساهم فى تأجيج أوار الثورة، وكان فوينتس خاطئا: هذا ما قاله رولفو نفسه عندما كان على قيد الحياة (توفي 1986).
بين فوينتس ونيرودا
كان فوينتس يشعر بمحبة وميل كبيرين لشيلي ليس فقط باعتبارها موطن الشاعر الكبير بابلو نيرودا بل بحكم أنه عاش فيها ردحا من الزمن خاصة سنوات عمره الأولى كما يقول.
وهو يعتبر شيلي ليس موطن الشعراء المجيدين فى أمريكا اللاتينية وحسب مثل ويدوبرو، ميسترال، نيرودا، بارّا، روخاس، بل والروائيين كذلك أمثال دونوسو، إدواردز، دورفمان، فوجيت، وفرانز. يخبرنا فوينتس انه عاش فى هذا البلدعندما كان عمره يتراوح بين 11 و15 سنة ، وبها نشر أولى نصوصه الادبية المبكرة حول شخصيات ادبية وتاريخية فى تشيلي منها فرانسيسكو بيلباو الذي كان أوّل من استعمل مصطلح أمريكا اللاتينية عام 1857. ويشير فوينتس أنه خلال هذه الفترة من حياته إلتهم العديد من الكتب والدواوين لكبار الشعراء التشيليين فى مقدّمتهم بسينتي ويدوبرو، وغابرييلا ميسترال (المرأة الوحيدة التي حصلت على نوبل فى الآداب فى امريكا اللاتينية 1945) وبول فاليري هو الذي كتب مقدمة الطبعة الفرنسية لديوانها. و يصف فوينتس بابلو نيرودا بأنه أعظم شاعر فى القرن العشرين فى العالم الناطق باللغة الإسبانية. ويحكي لنا طرفة عن مدى تغلغل نيرودا فى الاوساط الشعبية التشيلية ، فيقول كنت ذات مرّة اتجوّل على ضفاف نهر 'بيوبيو' وعندما بدأ الليل يرخى سدوله، رمقت مجموعة من العمّال مجتمعين حول نار مشتعلة فتناول أحدهم قيثارة وبدأ يعزف، ثم انطلق صوت عامل آخر وطفق ينشد مجموعة من أشعار نيرودا على شرف أحد المناضلين من اجل استقلال تشيلي ، فدنا منهم فوينتس وقال لهم : الشاعر نيرودا لابدّ انّه كان سيسرّ كثيرا إذا علم أنكم تغنّون اشعاره، وأمام ذهوله وذهولهم قالوا: أيّ شاعر. فهم لم يكونوا يعرفون أن هذه الأشعار من نظم نيرودا، وهنا تأكّد لفوينتس مدى تغلغل هذا الشاعر فى شرائح الشعب التشيلي على اختلاف طبقاته وتحوّلت اشعاره إلى صوت جماعي متواتر يحفظه ويردّده الشعب عن ظهر قلب مثل الحكم والأمثال.
فوينتس والأندلس
يشير كارلوس فوينتس فى مجال التأثير العربي والإسلامي فى إسبانيا فى كتابه 'سيرفانتيس أو نقد القراءة' الصادر عن دفاتر خواكين مورتيت (ميكسيكو1976): ' أنه من العجب أن نتذكر أنّ الثقافة الهيلينية وكبار المفكرين الرومان الضائعين عمليا فى المناطق الأوربية قد إستعادوا مواقعهم وحفظت أعمالهم بفضل ترجمتها إلى اللغة العربية، فضلا عن العديد من الإبتكارات العلمية والطبية، في الوقت الذي كانت فيه أوربا مريضة ويتمّ علاجها بواسطة التعزيم والرقيّة والتعويذ، ويضيف : 'فعن طريق إسبانيا المسلمة أدخلت إلى أوربا العديد من أوجه التأثيرات الهندسية المعمارية الموريسكية، حيث أصبحت فيما بعد من العناصر المميّزة لخصائص الهندسة القوطية' وعندما يتحدّث فوينتس عن هذا الموضوع فإنه يضع أمامه العديد من نماذج المعمار فى بلاده المكسيك التي ظهرت فيها الخصائص ذاتها التي تستمدّ أصولها من المعمار العربي إسلامي.
كان فوينتس من أهم الروائيين فى المكسيك وفي أمريكا اللاتينية فى القرن العشرين على الإطلاق، وتعتبر أعماله الروائية والنقدية أساسية فى تاريخ بلاده المكسيك وإسبانيا، خلف لنا ما يربو على عشرين رواية. تقلد كارلوس فوينتس عام 1975 منصب سفير لبلاده المكسيك في فرنسا، ثم سرعان ما طلب إعفاءه من هذا المنصب عام1977 ، إحتجاجا على سياسة بلاده .
قال صديقه الكاتب الكولومبي الكبيرألفارو موتيس:'إن وفاته كارثة عظيمة بكل المقاييس، وصرّح مسؤول عن دار النشر المعروفة 'ألفاغوارا' أن فوينتس ترك كتابين له جاهزين للنشر، الاوّل تحت عنوان 'شخصيّات' والآخر رواية بعنوان: 'فيديريكو فى شرفة منزله' وهو عبارة عن حواريات مع فيردريك نيتشه، وقال عن وفاته كذلك العالم رينيه دروكر: إن فقدانه ضياع رجل عظيم ، لقد كان له تأثير كبير فى مختلف الأوساط فى بلده وخارجها ليس في مجال الأدب وحسب، بل في السياسة أيضا إذ كان لمواقفه كمفكر تقدّمي أبعد الآثار، كان من أبرز رجالات المكسيك في العقود الستة الماضية'. ويرى دروكر أن كتاب فوينتس 'الجهة الأكثر شفافية' يعتبر من أعظم أعماله الأدبية، بل هناك من يعتبره قمّة من القمم الأدبية فى المكسيك، بل حجر الاساس ليس فى الادب المكسيكي فقط ،بل فى تاريخ الأدب قاطبة'.
يوم الإثنين الماضي فقط أقيم آخر تكريم لفوينتس من طرف جامعة جزر البليار الإسبانية، وكان قد عاد لتوّه إلى بلده من رحلة إستغرقت شهرا كاملا شملت العديد من بلدان العالم حيث زار الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل والأرجنتين وشيلي، ولكن الموت باغته على إثر عودته .
حصل فوينتس على العديد من الجوائز التكريمية والأدبية من مختلف بلدان العالم منها جائزة 'سيرفنتيس' في الآداب الإسبانية(1987)، وجائزة ' أمير أستورياس' فى الآداب (1994)، الجائزة الوطنية المكسيكية (1984) وسواها من الجوائز الاخرى.
القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.