٭ أما منهج الإصلاح (الحقوقي) - ولا نقول السياسي حتى لا يُظن بأنه يقوم على تقديرات المواقف وتقلبات الظروف الطارئة، إذ ان كل حق ادرج في صلب الدستور (إجمالاً) واقر في القوانين (تفصيلاً) يصبح من الحقوق الثابتة التي يصبح من حق المواطن المتضرر منها أن يقاضي الدولة، هذا إن كانت دولة يحكمها الدستور وتلتزم بحدود القانون الذي الزمت به نفسها، وهو أول مظهر من مظاهر الإصلاح، فالقانون يحدد مثلاً أجلاً للاعتقال التحفظي بحسبانه كافياً للتحري والتحقيق قبل ان يحال المعتقل الى القضاء، ولذا فالدولة التي تعتقل مواطناً لفترات متطاولة دون ان تجري معه تحقيقاً أو توجه اليه تهمة أو تحيله الى القضاء- عكس ما يفعل القانون- هى دولة تعلم الناس التحايل والخروج على القانون ما دامت هى نفسها لا تحترمه مما ينشيء بذرة التمرد على الدولة! ولذا لا ينبغي للعداء (السياسي) أن يكون مدخلاً لضياع الحقوق القانونية، ألم تر الى قصة سيدنا عمر بن الخطاب مع قاتل أخيه حيث قال له الفاروق رضى الله عنه :(والله لا أحبك حتى تحب الارض الدم) فرد عليه قاتل أخيه :(أويمنعني ذلك حقاً من حقوقي؟) قال الفاروق :(لا يمنعك حقاً من حقوقك) فرد الرجل (لا يهمني حبك إذن، فإنما تبكي على الحب النساء)!! انظروا الى قدسية الحقوق (الدستورية والقانونية) بين رئيس الدولة والمواطن والى الجرأة في الحوار. هذا هو نموذج الإصلاح الذي نحتاج الى الإعتبار به!! فهلا فعلنا؟! ثم ان من وجود الإصلاح السياسي الذي يحفظ احترام الدولة- داخلياً وخارجياً-إفتقاد ظاهرة (السياسي السوبرمان) الذي يتكلم في كل شيء ويتحدث بلسان كل الوزارات وسياساتها دون ان تكون له صلة بالوزارة المعنية فقط لأنه ينتسب الى مؤسسة الرئاسة. فرئيس الدولة ونائباه (فقط) هما المعنيان بالتصريح في السياسات العامة وتحديد مواقف الدولة من جملة القضايا، أما السادة المستشارون ووزراء الدولة وقيادات الحزب الحاكم فلا اعتقد ان القانون يخول لهم حق التصريح بشأن الوزارات! وهو (غلط) ادى احياناً كثيرة الى التضارب في تحديد مواقف الدولة بين (الاعتدال) من بعض القيادات (والتطرف) من اخرى!! فلسياسيين الحق ان يلعلعوا ما شاءت لهم (اللعلعة) ولكن في منابر الحزب ووسط جماهيرهم الحزبية، ولكن عليهم ان يتركوا حق إعلان السياسات التنفيذية للمعنيين أو الناطقين بالوزارات المختلفة. ولعل هذه الظاهرة (السالبة) والتي كثر الحديث عنها في وسائل الاعلام، بل وانتقدها بعض الوزراء أيضاً، جاءت نتيجة لجهاز الدولة المتضخم حيث لا يجد كثير من المستشارين والمساعدين ووزراء الدولة الفرصة لعمل نافع وظاهر للعيان حيث أن تعيينهم لم يأتِ من (الحاجة العملية والفعلية) لجهدهم وخبرتهم وإنما جاء نتيجة للموازنات السياسية، ولذا وجدوا أنفسهم في (فراغ) ويقول بعضهم بأنه (تهميش) فيتنكبون طريق (التصريحات) الإعلامية حباً في الظهور وخوفاً من الذوبات. ولذا نعتقد انه من مداخل الاصلاح المطلوب شعبياً إعادة النظر في هذا الجيش الجرار من الدستوريين خاصة بعد ان كشفت إحدى الصحف في الاسبوع الماضي حجم مخصصاتهم التي أذهلت أولي الالباب وحيرت الناس إذ كيف يختص الدستوريون بهذه الملايين رواتب ومخصصات وامتيازات بينما يعيش الشعب على الكفاف؟! ويا ليت الامر وقف عند حدود هذه المخصصات المباشرة، بل تطور الامر الى مخصصات (غير مباشرة) تفوق تلك المعلنة (رسمياً) تتمثل في انتشار عدد كبير من المسؤولين في مجالس إدارات مؤسسات وشركات!! ولا ادري إن كان القانون يجيز هذا، وإلا فإن من العدل ان يعدل القانون لأن ذلك يكون خصماً على الاهتمام بمسؤوليات الوظيفة المباشرة والاساسية، فالناس مولعة بالجري وراء الفرص (الطائرة) لأن الوظيفة (الثابتة) مضمونة الراتب والمخصصات أحسنوا أم اخفقوا!! ومن مؤشرات الإصلاح السياسي المطلوبة شعبياً هى ضرورة تلقى كثير من النافذين في الدولة أو الحزب الحاكم لجرعات من التواضع- الذي افتقدته انظمة الربيع العربي فأدى الى زوالها- حتى تستمع الى صوت المعارضة الوطنية- والتي لا تشكل في تقديري بديلاً جاهزاً- من باب التعرف على اخطائها أو عيوبها حتى تنظر في امكانية اصلاحها، فهم ليسوا من جنس الملائكة وإنما هم بشر يخطئون ويصيبون ورحم الله الخليفة الراشد حيث يقول :(رحم الله إمرءً أهدى الىّ عيوبي) فليس من الرشد وليس من شيم الباحثين عن الاصلاح التغاضي عن آراء وأقوال المعارضة بإعتبارها (جملة) من (المكايدة)! وهى قطعاً ليست من (المزايدة) التي لا تكون إلا بين ندّين موقعاً وسلطة. ودعونا ننظر بعقلانية ورشد الى مقترح (الحكومة القومية) الذي كثر طرحه من المعارضة كحل توفيقي بينما كثر رفضه من الحكومة متوقعة داخل صدفة ما أسمته حكومة الوحدة الوطنية تارة وحكومة القاعدة العريضة حين آخر وهى تعلم تماماً أن الأربعة عشر حزباً التي تقول بأنه تشارك في الحكومة لا تشكل بمجموعها حزباً واحداً يحق له التحدث باسم جماهير الشعب السوداني!! فهذه ارباع أحزاب لا تمثل إلا قياداتها (إنها حبال بدون بقر)!! ولا يغرنك الحزب الاتحادي الديمقراطي الاصل. ولذا فالحكومة القائمة الآن هى حكومة (المؤتمر الوطني) بكل برامجه وسياساته وخططه وأجهزته التشريعية بالمركز والولايات!! وتكفي دلالة حصر قيادات المشاركين في دائرة المستشارين الذين قنعوا من السلطة بالامتيازات! فالمستشارون لا يحكمون إلا في الدولة الالمانية! هذه حقيقة لا يجدي إنكارها من قيادات المؤتمر الوطني، ولذا فهى لا تشكل بديلاً من مشروع الحكومة القومية المطروح والذي يمكن ان يشكل أحد المخارج المهمة لتوحيد الكلمة والصف ضد المخاطر التي تواجهها البلاد اذا كان وفق برنامج محدد ومدىً زمني محدد. وليعلم المؤتمر الوطني أنه يحتاج الى تضامن هذا الشعب لرد العدوان الامني والدبلوماسي والسياسي والاقتصادي مما يقتضي ضرورة السعي الجاد لتوحيد الجبهة الداخلية الذي ينبغي ان يتحول من شعار الى واقع لأن العالم ينظر الى تطبيقه في الواقع ويتعامل معه على هذا الاساس. فالدول الغربية تعلم أنها لا يمكن ان تعادي حكومة يلتف حولها كامل شعبها لأنها حينئذٍ يكون عداؤها ضد الشعب وليس ضد الحكومة. فلابد إذن من حكومة- في هذا الظرف العصيب- يرضى عنها كل الشعب اذا أُريد له أن يضحي ويدافع ويحارب في كل الجبهات ويصبر على اقتصاد الحرب. وليكف بعض دكاترة الانقاذ عن ترداد مقولة إنهم جاءوا للسلطة بخيار الشعب فهذا لا يكفي! فخيار الشعب كان وفق برنامج ووعود بخدمات واستقرار امني وتنمية متوازنة فهل صدقت هذه الوعود وتحقق البرنامج الانتخابي المطروح بحيث يضمن المؤتمر الوطني إستمرار ولاء الشعب؟! ان الصحافة تضج بأحاديث الفساد والمحسوبيات وعقيدة الولاء قبل الكفاءة والمعارضة تطالب بانفاذ قانون (من اين لك هذا) الذي اجازه الخليفة الراشد الفاروق عمر رضي الله عنه على من ابتنوا الدور والقصور وهم لم يشتهروا بكثير مال أو ثراء قبل 9891م، والحكومة في طناش عن كل هذا فلا هى اثبتت فساداً على محسوبيها عبر المحاكم والقانون حتى تثبت جديتها في محاربة الفساد عندما صرحت بأنه لا احد فوق القانون والمساءلة، ولا هى برأت ساحة منسوبيها وعبر المحاكم والقانون ايضاً فأخذت بأيدي المشهرين بسمعتها، ولكن طناش الحكومة هذا لن يفيدها ويفقدها ثقة الشعب الذي تحتاج اليه سياجاً يحميها من الإستكبار العالمي والتآمر الدولي الذي يحتاج الى المدافعة فثقة الشعب في النظام تدفعه للموت في سبيل بقائه وتمكينه، بينما الشك فيه والظن السيء به يخذل الشعب عن نصرته، فلا احد يحب ان يسيء توظيف ماله ظلماً ويتنعم به بينما يقاسي هو الامرين من شظف العيش والمسغبة وفتك الداء!! فالشعب يريد إصلاح النظام لا إسقاطه الذي لا مصلحة له فيه، ولكن وفق ثلاثة مباديء :(التساوي أمام القانون) حكاماً ومحكومين والتساوي في الحقوق موالين ومعارضين ومحايدين والتساوي في أداء الواجبات كلٌ في موقعه. فهل يعجز النظام وهل يعجز المؤتمر الوطني عن رؤية وجوه الإصلاح أم أن حجاب السلطة حال بينه وبين سماع صوت الشعب ولا نقول المعارضة؟! ولكننا نقول ونؤمن بأنه لا يزال هناك في بعض قيادات المؤتمر الوطني عقلاء وعلماء نرجو ان يأتي عبرهم الانتصاف للشعب والاحساس بقضاياه وهمومه وشق طريق للإصلاح الذي يريده الشعب.. فهلا يفعلون؟!