شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    حتى لا نخسر ما كسبناه    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قالها الحسن البصري حين مات الحجاج
على خلفية انقلاب «25» مايو: «اللهم كما أمتهم اقطع عنا سنتهم»!!
نشر في الصحافة يوم 24 - 05 - 2012


لو كانت النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال.
فقدنا ليلة الثلاثاء الموافق 22/5، سيدة جسدت حكمة وقوة شكيمة المرأة السودانية التي تنجز عملها دون تجاوز للتقاليد، وقد نجحت الفقيدة في رفد المجتمع برجال ونساء فاعلين وفاعلات تصديقا لقول الشاعر: فطرة أدبك وطبع انتباهك ودون تعلم مثبوت نباهك. للحاجة ثريا الأمين المقبول أرملة السيد محمد أحمد البرير الرحمة والمغفرة ولأبنائها وبناتها: معاوية والواثق والأمين ومعتز وخالد ومنى وسهام والعباسة وهند، ولأخوان الراحلة وأخواتها ولجميع أهلها ومعارفها.. حسن العزاء والسلوان و «إنا لله وإنا إليه راجعون».
يوافق يوم غد الجمعة 25 مايو 2012م مرور الذكرى الثالثة والأربعين على انقلاب مايو 1969م، الانقلاب الذي أطلق عليه القائمون به افتئاتا على الخلق والحق اسم «ثورة مايو» وهو محض انقلاب على الشرعية مهما ادعى من هم خلفه، غير ذلك من شعارات جوفاء كانت من ضمن ما أكلته مايو في مسيرتها الحارقة التي تحكمت في مصائر البلاد والعباد لأكثر من عقد ونصف من الزمان، ثم خرج الشعب عليها وقال كلمته فيها في أبريل 1985م، وذلك مصير كل طاغية.. ومثل هذا التزييف للتاريخ وإهماله وتسمية الأشياء بغير أسمائها سمت للأسف متبع في السودان، بالرغم من عواقبه الوخيمة، مما يجعلنا ننادي المرة تلو المرة بوجوب إعادة النظر في ذلك النهج المعوج. ونداؤنا ذاك لا يقتصر طبعا على وجوب اصلاح الاعوجاج فقط، فهذا هم الهندسة، لكننا ننادي بالنهج الصحيح وعدم الإهمال خاصة للفترة منذ الاستقلال حتى اليوم مثلما ورد في تعليق لبروفيسور حسن أحمد إبراهيم، رئيس شعبة التاريخ بكلية الآداب بجامعة الخرطوم، وعميد كلية التربية الأسبق في مقدمته لكتاب اللواء محمود قلندر الموسوم «سنوات النميري: توثيق وتحليل لأحداث ووقائع حكم 25 مايو في السودان».
وفحوى ما ننادي به عمل مطلوب بالحاح لكي نقرأ أحداث التاريخ كما هي ثم نفيد من دروسها للحاضر وللمستقبل، تجنباً لرذائلها واتباعاً لفضائلها، وهذا هو الطريق الصحيح واللبنة الأولى لبناء أمة.
فلو كتب تاريخ مايو بتوثيق لم يطله شك ثم أنزل على حاضرنا وقرأناه بما يستحق من تؤدة وأناة لرأينا شر مايو المستطير باديا، ولربما وقانا ربنا من شرور يونيو ومما نحن فيه اليوم من معيشة ضنكة وحال يغني عن السؤال. فيونيو 89م كانت تكراراً بليداً لمايو 69م دلّ على عدم استفادة من عبر التاريخ ودروسه، وإن كانا على طرفي نقيض في بدايتيهما: هذا بشعارات اليمين وذاك بشعارات اليسار، وذكرنا البدايات لأن مايو في نصفها الأخير انتهت لذات شعارات أهل يونيو «الإسلاموية» ودينهم الذي يفرق .
ووجوه الشبه بين مايو ويونيو دعت الإمام الصادق في كتابه «الديمقراطية راجحة وعائدة» الى أن يشبههما بالوجهين لعملة واحدة، مفسراً ذلك التشابه بإعجاب خفي من قيادة الجبهة الإسلامية بالحزب الشيوعي لدرجة بلغت تقليده في محاسنه وأخطائه، فخلف الانقلابين: شعارات لأحزاب عقائدية. وفي الانقلابين لعب السيد أحمد سليمان دورا مهماً: مرة بشعارات اليسار وأخرى بشعارات اليمين.
وقوف عقائديين خلف مايو ويونيو والى حد ما تسليم القيادة السياسية الحكم لعبود كانت فرضية بحث قدمه د. حسن الحاج علي أحمد جامعة الخرطوم بعنوان: «الانقلابات العسكرية في السودان: الأسباب والدوافع». وسننفق بعضاً من يومنا في مناقشة ذلك البحث لما نراه من محاولات حثيثة «تمثلت لنا في مثل هذا البحث» تريد مغادرة منصة التطبيق الشمولي للتنظير وايجاد الحجة الأخلاقية للانقلابات مسنودة بالبحوث الأكاديمية.
وفرضية ذلك البحث الرئيسة هي أن تدخل العسكريين في السلطة في السودان ما هو إلا امتداد للعملية السياسية بوسائل الإكراه. أي أن الانقلاب العسكري خطط ودبّر له مدنيون بالاشتراك مع عسكريين موالين سياسياً، أو جاء بدعوة من مدنيين، وبذلك يكون الانقلاب جزءاً من العملية السياسية. وخلص الباحث بعد عروض نظرية إلى أن الدافع الرئيس للانقلاب في السودان ليس هو السمات التنظيمية للقوات المسلحة أو المظالم الشخصية للضباط، فهذه تشكّل فقط حافزاً مهيئاً للانقلاب. ولكن الدافع هو السمات الهيكلية للحكومة «شرعيتها والحريات المتاحة وقوة المجتمع المدني..الخ». ولكننا نبدي تشككا وعدم ارتياح لمثل هذه التفسيرات التي تبسط لنا الباطل في صور تمهد للتطبيع مع واقعه وتروج لمفاهيم تدعو إلى «أن المهارات العسكرية المطلوبة في الضابط مرتبطة بالمهارات السياسية ولا تناقضها، كما تفترض المهنية التقليدية». ونقول بإزاء ذلك إن الانقلاب بطبيعته المتعجلة هدام ولا يمكنه أن يكون جزءاً من العملية السياسية البناءة التي تنضج تجربتها بالتطور المتئد، كما أن التجارب على مرمى بصرنا في السودان تؤكد أن دخول الجيش في مجال الحكم يعني درجة متدنية من المهنية للجيش بلغة درجة الصفر، مثالها ما حدث أخيراً في هجليج. ونرى أن حجة فرضية ذلك البحث واهية: أولاً لأن الانقلابات الفاشلة والناجحة منذ الاستقلال فاق عددها العد والحصر. وقد ذكر السيد محجوب برير في كتابه «مواقف في درب الزمن» أن الانقلابات من أحلام صغار ضباط القوات المسلحة اليومية التي تداعب خيالاتهم منذ وقت مبكر، فلا يمكن والحالة كذلك إغفال ذلك الكم الهائل من الانقلابات في بحث عنوانه «الانقلابات العسكرية في السودان: الأسباب والدوافع» والتركيز فقط على الناجح منها لإقامة فرضيات لا تتأرجح الأرض من تحتها. ومن أسباب الضعف التي نراها تعتري البحث المذكور ذكره أخباراً «مقطوعة من الرأس» مثل قوله المرسل بلا دليل بأن حزب الأمة كان منهمكاً في الإعداد وسط الجيش لانقلاب في الخمسينيات، وقد أدهشني أن ناشطاً بقامة د. كمال الجزولي في حوار له مع «أ» ضياء الدين بلال ذكر كلاماً مشابهاً «إن اول حزب حسم قضية السلطة وفق الانقلاب العسكرى هو حزب الأمة»! «سودانايل/ الخميس 27 نوفمبر 2008م موسوعة التوثيق الشامل». وهو قول يغالط الحقائق المرصودة التي تؤكد أن الحزبين اللذين اهتما بتأسيس خلايا في الجيش في السودان، هما: الاسلاميون والشيوعيون، كما يخالف المنطق الذي يفيد بأن حزب الأمة بجماهيره الغفيرة لا حاجة به للانقلاب على الشرعية، لأن مصلحته تتحقق بالديمقراطية والانتخابات النيابية. كما أنه قول يتجاهل موقف حزب الأمة المعلن في ذلك الصدد، فكما سبق أن ذكرنا مرارا وتكرارا فإن الحزب بأغلبية كاسحة 13 من 15 «أكثر من 86%» على رأسها رئيسه السيد الصديق المهدي قد أدان الانقلاب وسيلة للحكم، وأعلن أن الديمقراطية يمكن اصلاحها بمزيد من الديمقراطية، ولكن البحث يلوي عنق الحقيقة لكي يثبت فرضية: «أن الانقلابات جزء من العملية السياسية». وفي مسيرته القاصدة تلك اعتمد في هذه الجزئية مثلما اعتمد في فرضيته الأساسية على الانقلابات الناجحة فقط وأهمل الأخرى، كذلك في سبيل دمغه لحزب الأمة اتخذ الباحث الجزء اليسير الاستثنائي وأهمل الكل الغالب، مع ان المنطق يقول ان الاستثناء يثبت ولا ينفي القاعدة.
كما تجاهل البحث أساسيات أخرى: فرغم الشبه في الشكل بين مايو ويونيو من حيث رفع شعارات الايديلوجية والسيد أحمد سليمان وقف من خلف كواليس مايو ويونيو، لكن ذلك يجب ألا يصرفنا عن النظر في التفاصيل: صحيح ان الحزب الشيوعي قد ارتبط بمايو بصورة معقدة، وهي معقدة لأن مايو رفعت شعارات الحزب الشيوعي، وشارك فيها شيوعيون بموافقة حزبهم، وخرجت مواكب الشيوعيين تؤيد مايو، وأخذ يمدحها فنانوه وشعراؤه، لكن الحزب الشيوعي بوصفه مؤسسة لم يحسم أمره من انقلاب مايو بصورة واضحة، وظل يقدم رجلاً ويؤخر أخرى لدرجة أفقدته الفاعلية وحملته الأوزار دون أن يكون كامل الشراكة والإرادة، ولا شك أن الحزب الشيوعي هو الملوم على ذلك التقصير في حسم الأمور، ولكن حصيلة الأمر أن مؤسسات الحزب لم تتبن الانقلاب مثلما ذكر «د. محمد سعيد القدال في مقاله الموسوم تداعيات تاريخية: الحزب الشيوعي وانقلاب 25 مايو، السوداني 29/7/2007م، حيث ذكر أن البيان الصادر عن سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في اجتماع مساء يوم الانقلاب، رأى أن ما وقع صباح 25 مايو انقلاب عسكري وليس عملاً شعبياً مسلحاً قامت به قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية عن طريق قسمها المسلح. والشيوعيون يبدون الندم على تورطهم في مايو حتى اليوم، بينما نجد صورة جد مختلفة عند استعراضنا لأغوار علاقة الجبهة الاسلامية بانقلاب يونيو 89م، فقد ذكر المحبوب عبد السلام ود. علي الحاج وآخرون أن الانقلاب أيدته أغلبية مجلس شورى الحركة الاسلامية وعددهم «60» ولم يعترض عليه الا ثلاثة تمت تسميتهم باسمائهم، ولم تكن معارضتهم مبدئية. وأهل يونيو حتى اليوم والى الغد يفخرون بانقلابهم، بل يعدونه من ثورات الربيع العربي المبكر!!
والحال الذي أوصلتنا له مايو عند غروب شمسها واللعنة التي رمت بها الحزب الذي ارتبط اسمه بها في عهدها الأول حتى كتب أ. عبد العزيز الصاوي في الحوار المتمدن انقلاب 25 مايو السوداني كان عقاب التاريخ لليسار «العدد:2690/27/6/2009»، تلك النتائج الكارثية على البلد وعلى الحزب الشيوعي كانت كافية وكفيلة بردع أي حزب آخر من السير في ذات الدرب: اختصار الطريق للسلطة عن طريق الانقلاب لو قُرئ التاريخ بالعناية اللازمة.
ومايو هي الشمولية الثانية في تاريح السودان الحديث، ولكنها الانقلاب الأول كما ذكر «أ» عبد العزيز حسين الصاوي «في المرجع المذكور» ومايو عند الصاوي هي الانقلاب الثاني فقط بالمقياس الزماني، لأن انقلاب عبود قبلها كان عبارة عن تسليم من القيادة السياسية العليا بالبلاد وتسلم من قيادة الجيش العليا. لذلك لم يسفر عن انقلاب عبود أدنى خض لتراتيبية الجيش، ولكن ذلك لا يعني طبعاً أن خللاً لم يصب المؤسسة العسكرية بعد نوفمبر. فمجرد تورط الجيش في الحكم يعني التخلي عن المهنية وطعنة نجلاء في صدر عقيدة الجيش الأساسية في حكم ديمقراطي من أساسياته وجوب خضوع الجيش للقرار المدني والتزام الثكنات. ومع أن حكم عبود كان الأكثر رحمة بالخدمة المدنية وبالمؤسسة العسكرية والأقل فسادا وافسادا مقارنة بما رزئنا به بعده من انقلابات في مايو وفي يونيو، لكن مع تلك الميزة المحدودة فقد عانت البلاد من: حل الأحزاب السياسية وتعطيل تطورها الطبيعي، وتعطيل الصحف وتكميم الأفواه وحجر الحريات، وكل مظاهر حكم قامع منفرد بالرأي ومقصٍ للآخرين.
أما مايو الانقلاب الذي كان خلفه تحالف اليسار من شيوعيين وناصريين من الضباط برتب دنيا، فقد كان الأول من حيث العبث بتراتبية الجيش وترسيخ خروج المؤسسة العسكرية على تقاليد الجيش المنضبط. وقد كانت كلفته فادحة وقاصمة لظهر البلد، فقد أضاع: على السودان اقتصاداً مجدياً، دلائله: «الايرادات فائضة عن المصروفات فوائض مشروعات القطاع العام 25%40% من ايرادات الحكومة، للسودان رصيد بالعملة الصعبة، الجنيه السوداني يساوي 3.87 دولار، كفاءة معقولة للقطاعين الخاص والعام، اقتصاد معتمد على ذاته مستغنٍ عن المعونة الخارجية والاغاثة». وأورثتنا مايو النقيض من ذلك مثلما هو متوقع: «مصروفات زادت عن الايرادات، عائد سلبي للقطاع العام، عجز الميزانية الداخلية، والتمويل معتمد على المعونات والقروض، تدني الانتاج وعجز ميزان المدفوعات، تدهور قيمة الجنيه، تفشي الفساد تخريب المؤسسة العسكرية، تدهور التعليم والخدمة المدنية، فقد السودان دوره المركزي المعترف به، وفقد عدم انحيازه متأرجحاً بين العمالة للشرق حتى الثمالة وتارة للغرب لدرجة التورط في ترحيل الفلاشا.. الخ الموبقات».
وفي سياق ما ننادي به من وجوب القراءة النقدية الصحيحة للتاريخ، أتت سلسلة مقالات راشدة بعنوان: سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ للأستاذ مصطفى البطل «رد الله غربته للوطن وللكتابة الشيقة الثرة..»، فقد قرأ البطل كتاب قلندر السابق الذكر بوعي ثاقب وعقل حاضر، وقدم لنا خلاصة ناقدة وذكية تدحض الأركان التي قام عليها ذلك الكتاب وسواه من أراجيف الشموليين المروجين لشرعية الانقلابات على خلفية فساد الحياة السياسية في الديمقراطية سواء الثانية أو الثالثة، «لكن قلندر يتناول في كتابه سنوات ما قبل نميري أي الديمقراطية الثانية»، فاستهجن البطل ذلك المنحى «الذي أراد أن يبسط أمام القارئ الواقع السياسي والعسكري الذي تضافرت عناصره لتشكل خلفية انقلاب الخامس والعشرين من مايو 1969م، وذلك بطبيعة الحال من وجهة نظر المؤلف، الذي يعتقد اعتقاداً جازماً بأن أحوال البلاد السياسية من حيث «الانشطارات والانقسامات» كانت من السوء والتردي بحيث كان الانقلاب مخرجاً طبيعياً من الحال الذي آل اليه أمر السودان». ولأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فقد أثبت البطل أن ذلك حديث لا يقف على رجلين بقوله عن تلك الأحوال: «هي في تقديرنا لا تعدو ان تكون في جوهرها بعضاً من مقتضيات التنمية السياسية الطبيعية في دولة نامية مثل السودان، لم تكن قد عرفت من الديمقراطية في عمرها منذ جلاء المستعمر غير سنين قلائل وأشهر معدودات» ويستمر شارحا «وفي عالم اليوم فإن أحداً لا يرى في انشطار حزب الليكود وخروج حزب كاديما من أحشائه معرّة تنتقص من التجربة الديمقراطية الإسرائيلية. كما أن أحداً من الذين عاصروا تقلبات الأحزاب السياسية في الهند، أرقى ديمقراطيات العالم الثالث، أو أولئك الذين شهدوا انشطارات الأحزاب السياسية في إيطاليا وقصر عمر حكوماتها في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، التي أضحت مضرب المثل في زمانها، لا يجد سبباً للحكم بالإعدام على ديمقراطيات إسرائيل أو الهند أو إيطاليا أو غيرها». وقد استحسنت الضربة «بالقاضية» التي سجلها البطل في معرض نقده للشطحات القلندرية بقوله: «ومما يدهشني كثيراً أن قطاعاً غالباً من الذين يتناولون بالرصد والتقويم مراحل التطور الدستوري والسياسي للسودان المعاصر، لا سيما من العسكريين، يميلون الى إهالة كثير من التراب على تجارب الحياة الديمقراطية الحزبية ووصمها بكل صنوف العلل والموبقات، وفي مقدمتها التشرذم وضعف الفاعلية. ولكن أحداً من هؤلاء لا يحدثنا عن أسباب كثرة انشغال ضباط الجيش بأمور الحكم والسياسة خلال ذات الحقبة التاريخية. ولا يفسر لنا الرقم المهول للتنظيمات العسكرية التي ابتغت السيطرة على الحكم عن طريق الانقلاب خلال الفترة المنبسطة منذ استقلال السودان وحتى يوم الناس هذا. كما أن أحداً من هؤلاء لا يتطوع فيبين لنا الأسباب الكامنة وراء كثرة التشرذمات بين المغامرين من ضباط الجيش داخل التنظيمات الانقلابية التي وصلت الى حد تسديد فوهات البنادق والدبابات في مواجهة بعضهم البعض، وذلك فضلاً عن العدد الكبير من الضباط وضباط الصف من المشاركين في هذه الانقلابات الذين تم إعدامهم رمياً بالرصاص أو سجنهم أو طردهم من خدمة القوات المسلحة عبر السنوات».
ونحن انطلاقاً من مثل هذه المقالات النابهة والمقولات الراشدة ننادي بوجوب التحول من منصة الدفاع عن الديمقراطية إلى منصة تسليط الأنظار والأضواء لكشف فداحة أثمان الانقلابات وتدخلات العسكر في الحكم التي ندفعها من جسم الوطن ومن دماء أبنائه، مما نجد دلائله مبذولة أماما ناظرينا من نتائج كارثية أوصلتنا اليوم لسودان مبتور الأوصال ننكر جغرافيته وديمغرافيته، فليس أقل من قراءة متأنية للتاريخ لحماية المستقبل إن كان في الكأس باقٍ!
وسلمتم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.