شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العمل في التوعية والتربية تبرىء ساحة الجمهوريين من الانتهازية!! (3-3)
قراءة في سيرة (طِيبِ عَرْفِ العُودِ)
نشر في الصحافة يوم 04 - 01 - 2013


أول سجين سياسي؟!
* يقول غسان: "تقول الرواية، أو الرواية الجمهورية تقول"، وهذه من غسان سفسطة لا تبين، كان على غسان أن يقول: قال الجمهوريون في الوثيقة كذا، القول كذا، حتى نكون على بينة من ما يقول، ومثل هذا الكلام الملقى على عواهنه لا يقود إلى نقاش موضوعي..
ثم ينتقل غسان فجأة وبلا مقدمات من ابهام الرواية ليشكك في كون الأستاذ محمود اول سجين سياسي!!..
* من المعروف أن مطلع القرن العشرين في السودان، شهد نشأة التعليم الحديث أثناء فترة الحكم الثنائي البريطاني- المصري (1898م-1956م)، حيث رفدت مؤسسات التعليم الحديث واقع الحياة السودانية بالطلائع الأولى للمتعلمين، وقد تخرجوا في كلية غردون التذكارية التي افتتحت عام 1902م، والمدرسة الحربية (مدرسة الخرطوم الحربية) التي تأسست عام 1905م. والمعهد العلمي بأم درمان الذي أُنشىء على غرار الأزهر عام1912م. إلى جانب القلة التي درست في مصر ولبنان فيما بعد. يقول المؤرخ القدال: كان إنشاء نادي الخريجين بأم درمان عام 1918م، الثمرة الأولى لنشأة التعليم الحديث في السودان، وكان بمثابة أول تنظيم يضم المتعلمين على أساس التعليم وليس المنطقة أو القبيلة، ولذلك بدأ نشاطه مهتماً بنشر التعليم وتوسيعه بالنشاط الثقافي عامة. على أن تطور النشاط السياسي وجد طريقه إلى النادي الثقافي الاجتماعي وتحول إلى منبر للعمل السياسي. (محمد سعيد القدال، الانتماء والاغتراب، دراسات ومقالات في تاريخ السودان الحديث، دار الجيل، بيروت، ط1، 1992م، ص 122). كما أثمر التعليم الحديث في السودان، بالإضافة لعوامل أخرى خارجية، من أهمها الحركة الوطنية المصرية، في قيام ثورة عام 1924م، بقيادة الشباب الأفندية. وعلى ضوء كل هذا مع نمو الحس القومي والوطني قام مؤتمر الخريجين 1938م ومن ثم قيام الأحزاب في السودان عام 1944م. بهذا المعنى يمكن القول إن الأستاذ محمود هو أول سجين سياسي بعد ثورة 1924م، بينما نجد أن لثورة 1924م عند الجمهوريين تقييم مختلف ويمكن البحث عن ذلك في مظانه. ومن المعروف أن ثورة 1924م خضعت لتقييم من قادة ومؤرخين كثر، منهم السيد عبدالرحمن المهدي (1885م-1959م) فقد قوَّم ثورة 1924م قائلاً: "وإنني وإن كنت أكبر صفات الرجولة والصبر التي امتاز بها أعضاء جمعية اللواء الأبيض إلا أنني لا اعتبر حركة 1924م ممثلة للمطالب الحقيقية لشعب السودان". راجع محمد سعيد القدال، الانتماء والاغتراب، دراسات ومقالات في تاريخ السودان الحديث، مرجع سابق، ص 126.وكذلك أنظر: عبدالله الفكي البشير، التنوع الثقافي والأمنية العذراء: خَيْبَة القادة والعقول الراكدة (7 حلقات)، صحيفة الأحداث غرة أبريل 2010م-14 مايو 2010م.
كما قدم المرحوم عبدالخالق محجوب (1927م-1971م) تقويماً لثورة 1924م، قائلاً: "فقد كان شعار الجمعية والثورة التي فجرتها هو (وحدة وادي النيل) يعبر عن العجز السياسي والاقتصادي للطبقة الوسطى السودانية، أكثر من التعبير عن رغبة الجماهير الشعبية في الانعتاق من عسف الاستعمار البريطاني. كما أن حركة 1924م كانت خالية من أي برنامج يمكن بمقتضاه تعبئة الجماهير وحملها على الانضمام إليها، إذ أن البرنامج في مجمله لم يخرج عن ترديد ألفاظ الحرية ووحدة وادي النيل وعاشت مصر، أما المستقبل الذي يمكن أن تلقاه الجماهير من نظم ديمقراطية للحكم وتقدم اقتصادي واجتماعي، فأمور كانت مهملة من جانب تلك الحركة. وكان تنظيم الحركة ضعيفاً وغير متسع في المستوى المطلوب لمجابهة الاستعمار. كانت به بعض العناصر الخائنة التي اتهمت بنسفه والتآمر على أعضائه" راجع محمد سعيد القدال، الانتماء والاغتراب، دراسات ومقالات في تاريخ السودان الحديث، دار الجيل، بيروت، ط1، 1992م، ص 126
* ومن المعلوم بداهة أن الحركة السياسية السودانية الحديثة بدأت بتأسيس الكيانات الحزبية كما ذكرنا، فتكوَّن في العام 44 - 1945 حزب الأمة القومي، وحزب الأشقاء (المكون من مجموعة أحزاب)، والحزب الجمهوري، ثم تكون الحزب الوطني الاتحادي في العام 1952، ومن هنا يبدأ العمل السياسي المحدد بالتكوينات السياسية المختلفة!.
يقول عبد الرحمن علي طه:
"في 4 نوفمبر 1945م اعلن عن قيام حزب استقلالي آخر وهو الحزب الجمهوري [*] وبميلاد هذا الحزب نشأت علاقة جديدة بين الاحزاب والمستعمر لأن الحزب قرر سبيل الكفاح والجهاد ضد المستعمر وأخذ يلهب حماس الناس ويوزع البيانات والمنشورات ممهورة بتوقيعاتهم، حتى قدموا أول سجين سياسي في الحركة الوطنية الأستاذ محمود محمد طه. بعدها بدأ الناس يؤمنون بفكرة الكفاح ضد الاستعمار وبدأت حملة الاعتقالات التي طالت رجال المؤتمر والأحزاب فيما بعد.[*]
* فيصل عبد الرحمن علي طه: الحركة السياسية السودانية
أنظر ويكيبيديا الموسوعة الحرة الرابط: الحكم الثنائي http://ar.wikipedia.org/wiki/
* وفي العام 1924 حين تم اغتيال السير لي ستاك حاكم عام السودان بالقاهرة قررت الحكومة البريطانية مسؤولية الحكومة المصرية عن الحادث وترتب على ذلك إخراج الجيش المصري من السودان.. وزاد في تعقيد الوضع تضامن عدد من الضباط السودانيين مع المصريين واندلعت في البلاد ثورة 24 بقيادة علي عبد اللطيف وآخرين. تم إخماد الثورة وقتل قادتها وأسر علي عبد اللطيف وتم نفيه لاحقا إلى مصر وتم طرد الجيش المصري من السودان...(أنظر ويكيبيديا الموسوعة الحرة المرجع السابق)
* ما زلنا بصدد الرد على اتهامات غسان علي عثمان الواردة في حلقته الثانية - المنشورة بجريدة الصحافة صفحة الرأي يوم الثلاثاء 18 ديسمبر 2012 العدد 6943 - والتي كالها في حق الأستاذ محمود محمد طه والجمهوريين، واتهامات غسان جاءت غُفْلاً من الاستشهاد بنصوص من كتب الأستاذ محمود او كتب تلاميذه الجمهوريين، أو أي وثائق أخرى، باختصار كتابة غسان جاءت بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير، واعتمدت على شهادة وحيدة ومجروحة!!..
مع ختان الإناث وضده؟؟!!
لا شك أن الكاتب الراسخ في معرفته بالتاريخ وحقائقه وأحداثه، هو موضع احترام وتقدير حتى ولو اختلفت معه كلية في التحليل والاستنتاجات، بينما تكون في موضع الإشفاق والعطف على الكاتب الجاهل بحقائق التاريخ. يتساءل غسان في مقاله والذي يدل على شح في الاطلاع، فالأمر مبذول في موقع الفكرة الذي ذكره غسان نفسه، ويدل أيضاً على قصر نظر في التفسير حين يقول: " فهل هم (يعني الجمهوريين) مع الختان أم ضده؟.."
لا يمكن ان يجتمع ضدان في عقل متناسق، اجتماع الضدين في عقل متشاكس أولى، ولا يمكن أن يكون الجمهوريون مع الختان وضده في آنٍ واحد، والسر في الأمر يكمن في ضرورة قراءة الظروف التاريخية المحيطة بتأنٍ وروِيَّة، وعنها يحدثنا البيان الأول الذي اصدره الجمهوريون في (ديسمبر) 1945 لمحاربة قانون الخفاض الذي اصدره الانجليز في الشهر والعام نفسيهما (ديسمبر) 1945 يحدثنا المرحوم طه اسماعيل ابوقرجة المحامي نقلاً عن بيان الجمهوريين الأول ضد القانون:-
- "لا نريد بكتابنا هذا أن نقف موقف المدافع عن الخفاض الفرعوني، ولا نريد أن نتعرض بالتحليل للظروف التي أوحت به لأهل السودان، والضرورة التي أبقته بين ظهرانيهم إلى يومنا هذا. ولكننا نريد أن نتعرض لمعاملات خاصة، وأساليب خاصة، وسنن خاصة، سنتها حكومة السودان، أو قل ابتدعتها ابتداعاً، وأرادتنا أن ننزل على حكم ابتداعها إرغاما"..
- "ومن الآيات الدالة على سوء القصد، في هذه الأساليب، إثارة مسألة الخفاض الفرعوني في هذا الظرف، وأساليب الدعاية التي طرقتها له، والطرق التي ارتأتها مناسبة لإبطاله، والقضاء عليه، ولقد جاءت هذه الآيات دليلاً واضحاً على التضليل المقرون بسبق الإصرار".
- ومضى البيان ليقول:- "قل لي بربك!! أي رجل يرضى بأن يشتهر بالتجسس على عرض جاره؟؟ وأي كريم يرضى أن يكون سبباً في إرسال بنات جاره أو صديقه أو عشيره للطبيب للكشف عليهن؟؟ عجباً لكم يا واضعي القانون- أمن العدل والقانون أن تستذلونا باسم القانون؟؟ أومن الرأفة بالفتاة أن تلقوا بكاسيها في أعماق السجون".
يقول أبوقرجة: "ومن المهم أن اذكر هنا أن الجمهوريين قد نبهوا منذ أول بيان لهم ضد قانون محاربة الخفاض، في ديسمبر 1945 (وهو تاريخ سن القانون)، إلى أنهم لا يدافعون عن عادة الخفاض، وإنما يعارضون المرامي السياسية من وراء القانون، كما يعارضون طريقة محاربة عادة الخفاض بالقانون." (مقال د. خالد المبارك يكشف عن حقائق مؤسفة..لأبي قرجة (3 من 3)) - موقع الفكرة المقالات alfikra.org ) والمرامي السياسية كانت تهدف إلى التنصل من حق تقرير المصير الممنوح للشعوب المستعمرة بموجب وثيقة الأطلنطي الموقعة في 14 أغسطس 1941 وذلك بتصوير الشعب السوداني في نظر الرأي العام العالمي بأنه شعب همجي يمارس عادة بهذه الهمجية والتخلف، ولإقناعه بضرورة استمرار الحكم البريطاني على السودان ليخرج شعبه (حسب تقديرهم) من دياجير تلك الظلمات، والغرض الخفي لحملة الانجليز ضد العادة المتأصلة هو الطمع في استغلال خيرات السودان الواعدة إلى أقصى مدى!!.
الجمهوريون بين أمرين أحلاهما مرُّ
هنا أيضاً يطالعنا بجلاء جهل غسان بحقائق التاريخ المحيطة بمجىء مايو وعجزه في تفسير ملابسات المجىء، ولو بحث عن الاجابة لوجدها حاضرة في موقع الفكرة الجمهورية التي يعرفها، وفي الصحف السودانية السيارة، وفي وقائع التاريخ الماثلة، فقد تيسر لي الكتابة والنشر في صحيفة الأحداث السودانية (رد الله غربتها)، في أربع حلقات بعنوان "الجمهوريون ومايو: جرد حساب"، نشرت في الفترة من الثلاثاء 8 يناير 2008 إلى الثلاثاء 29 يناير 2008، ولكنه الغرض (غرض غسان)، والغرض مرض، نسأل الله لنا وله العافية..
الملابسات التاريخية قبيل مجىء مايو تقول ان الفترة المشار إليها اتسمت بالنزاع الساخن بين دعاة تطبيق ما يسمى بالدستور الاسلامي والمستغلة للأغلبية الميكانيكية المتوفرة لها آنذاك وقوى المجتمع المستنيرة المتمثلة في الجمهوريين خاصة وقوى اليسار عموماً.
في هذه الفترة (1965 - 1969) - فترة سخونة الصراع بين دعاة ما يسمى بالدستور الاسلامي والقوى المستنيرة - تم حل الحزب الشيوعي 1965، ونصبت محكمة الردة في 18/11/1968 لاسكات صوت الجمهوريين الشرس في مقاومة الهوس الديني..واقتربت البلاد من قراءة مسودة الدستور في مراحلها النهائية واجازتها وفي هذه اللحظة الفاصلة جاءت مايو او في الحقيقة: جيء بمايو!!..
والسؤال لماذا ايد الجمهوريون مايو؟!، والاجابة قريبة وبديهية: لأنها اوقفت المد الطائفي الباحث عن تعزيز سلطته الدينية بسلطة زمنية شاملة.
الجمهوريون سذاجة أم حصافة
الجمهوريون - على عكس جميع الذين ايدوا مايو - عَفُّوا عن المغانم ولم يشتركوا في أجهزة النظام تشريعية كانت أو سياسية أو تنفيذية، الأمر الذي قاد مراقبيهم لوصفهم بأنهم "مايويون من منازلهم" او "مايويون بالمجاني" كما هو عند الشاعر المرحوم صلاح احمد ابراهيم لأن في عرف هؤلاء المراقبين لابد من جني ثمار التأييد مالاً أو وظيفة او جاهاً وسلطة.
الاستبداد بين الملسا والكوكابا
الطرفة تقول: إن درويش المهدية حينما ادرك طريدته المستيقنة من الموت التفتت إليه مستحلفة له: عليك الله بالملسا..وللذين لا يعلمون (الملسا) و(الكوكابا)؛ هي حربة ذات رأسين أحدهما املس والآخر مُشرشر.
دحين نقول لصديقي د. محمد المهدي بشرى الذي وصف مايو بالاستبداد: الفرق بين استبداد مايو واستبداد الطائفية هو الفرق بين "الملسا والكوكابا"، فاستبداد مايو علماني ومقدور عليه من حيث امكانية كشفه بسهولة أما استبداد الطائفية فيلتحف الدين وكشفه "عويص"، في حين أن كليهما استبداد فانظر هداك الله..
الجمهوريون والقضية الفلسطينية
الجمهوريون يتعاطفون مع القضية الفلسطينية، ومن تعاطفهم تقديم العقل، وتأخير العاطفة، ومن باب "اسمع كلام المبكيك!"، لذلك محضوا الجميع النصح العاقل بالقراءة المتأنية، وتعمقوا في جذور التاريخ، وقالوا بلا مواربة: لن ينتصر العرب إلا بما انتصر به أوائلهم بالرجوع إلى "لا إله إلا الله"، وقالوا: إسرائيل سوط يسوق به الله العرب من عنصرية العروبة، إلى سماحة الاسلام، من اغترابهم عنه إلى كنفه الرحيم، ودعوا العرب للاعتراف بإسرائيل وتولي أمرهم في التفاوض مع إسرائيل مباشرة لا من وراء حجاب الشيوعية الدولية أو الانحياز (في أتون الحرب الباردة) إلى احدى الكتلتين المتصارعتين الغربية أو الشرقية، وذكروا لهم أن الاسراع في اتخاذ الموقف المباشر يضمن اكتساب حقوق أكثر، تخوفاً من فقدان اللحظات المواتية للاستجابة عبر تراخي الزمن، وهاهي المبادرة السعودية القريبة تؤكد صدق قول الجمهوريين، وحسن تقديرهم، فقد قبلت المبادرة السعودية باعتراف العرب بإسرائيل مقابل إقامة دولة فلسطينية على حدود عام الرابع من يونيو 1967 .
حينما كتب الأستاذ محمود كتاب مشكلة الشرق الأوسط وأصدره في أكتوبر 1967 وصف الكتاب بأنه تحليل سياسي، واستقراء تاريخي، وحل علمي، والكتاب صدر في عنفوان الأزمة وكان صادماً للعاطفة الساذجة، ولكنه بلا أدنى ريب كان مرسياً للعقل الفاحص الأريب، قال لي الأستاذ محمد أدروب أوهاج أستاذ الأجيال في التاريخ ان سبب التزامه الفكرة الجمهورية هو كتاب مشكلة الشرق الأوسط.
أهدى الأستاذ كتابه قائلاً: "إذا كنت مؤمنا باللّه، ثم بكرامة الإنسان - كرامة الفكر - فإن هذا الكتاب لك.. وإن لم تك مؤمنا فمن الخير لك أن تؤمن، بل لا بد لك من أن تؤمن وسيكون هذا الكتاب لك.".
قدم الأستاذ محمود في الكتاب حلاً عاجلاً دعا فيه العرب والمسلمين للاعتراف باسرائيل وتولي قضيتهم بأنفسهم بدلا من تركها في يد الشيوعية الدولية تستغلها لتنفيذ أغراضها ونبه لازدواجية عبد الناصر (ضلل العرب ودعاهم للقومية العربية) في مخاطبة العرب بوجهين وجه خادع للعرب ووجه مهادن للغرب.
جاء في الكتاب باختصار أرجو ألا يكون مخلاً:
الحل على مرحلتين
مرحلة عاجلة، ومرحلة آجلة: فأما المرحلة العاجلة فهو حل سياسي، ومرحلي، في نفس الأمر، وهو حل يقتضيه حل المرحلة الآجلة.. وهذا وحده الحل المستديم السليم.. وبالحل المرحلي، العاجل، يستطيع العرب أن يرجعوا الى نقطة الإعتدال بين الكتلتين: الكتلة الشرقية، والكتلة الغربية. وهي النقطة التي فيها يقومون مقام الكتلة الثالثة وهي كتلة لا شرقية ولا غربية ومقامها قد قامه قديما أوائلنا، وقاموه من جميع الوجوه، وقد قال الله تبارك وتعالى عنهم، "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا".
الحل الآجل
أول ماتجب الاشارة اليه هو ان العرب اليوم يواجهون تحديا حاسما، وليس هذا التحدي هو قيام دولة اسرائيل، في ارض فلسطين، بعد ان اقتطعتها، وشردت أهلها، واعانها، على كل اؤلئك، قوم آخرون، في طليعتهم الشيوعية الدولية التي تدعي صداقة العرب اليوم، وتتباكى على مأساتهم.. بل ان النظر العميق في حقيقة هذا التحدي ليظهر دولة اسرائيل وكأنها صديق في ثياب عدو.. أو انها نعمة في ثوب نقمة.
واما التحدي الحاسم الذي يواجه العرب فانه يتمثل في ان منطق تطور الحياة البشرية المعاصرة في هذا الكوكب يقول للعرب ان عليكم، منذ اليوم، ان تدخلوا التاريخ في القرن العشرين، كما دخله أوائلكم في القرن السابع، فاشرقت بدخولهم على عالم يومئذ شمس مدنية جديدة.. أو ان تخرجوا عن التاريخ، لبقية التاريخ..
كلمة لا بد منها
وهناك أمر لا بد ان يشار إليه، حتى يوقظ من عساه يحتاج لاستيقاظ، الغرب هو من يملك الآن العلم بالسلاح وتقنياته المتطورة، وقد ضمن هذا الغرب لإسرائيل تفوقها العسكري على محيطها من العرب والمسلمين، وبعد هذا الضمان تعمل اسرائيل على تعزيز هذا التفوق من جانبها بشتى السبل حتى بمعزل عن الغرب الداعم لها، فهل من يريدون زج الفلسطينيين في أتون حرب كفتها راجحة ابتداءً لصالح إسرائيل، محضوهم النصح أم يعدون من الخائنين لضمائرهم ثم من الخائنين للفلسطينيين؟!!..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.