" نسنس" في معاجم اللغة العربية تعني هبوب الرياح الباردة وهذا المعنى يستخدم في كثير من بلاد العرب خصوصا في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية . اما في عامية اهل السودان فتستخدم بمعنى نقل الخبر ونشره و"النسناس" في اللغة هو القرد الصغير الحجم الذي يتنقل بخفة ورشاقة من مكان لآخر ومن هنا جاء التشبيه والله اعلم. اول "نسنسة" من هذه "النسنسات" حصلت معاي حكاها لي واحد فقد كانت هنالك شابة مليحة هيفاء متزوجة من رجل يحبها ويعشقها. كان زورق الأحلام يسير في هدوء ورقة وقد فتح الله على الزوج فجرى المال بين يديه مدراراُ ورزقوا بالبنين والبنات وبنوا المنزل الجميل واقتنوا العربة الفارهة وكان كل شيء يسير على ما يرام حتى كان ذلك اليوم الذي قلب حياتهما رأساً على عقب. كان يقيم معهما بصورة متقطعة احد الأقارب وكان اثيراً لدى الزوج صديقاً قريباً منه جداّ. ذات يوم تمت دعوة الأسرة بما فيها "القريب" لحفل زواج خارج العاصمة. كان الزوج منهكاً ذلك اليوم فقد قضى وقتاُ طويلاً وهو يحاول انجاز عمل خاص بشركته فاعتذر عن الذهاب للمناسبة واوكل لقريبهم مهمة ان يصطحب الزوجة على ان يعتذروا عن حضوره. سار كل شيء على مايرام و"تجيهت" الزوجة تماماُ فقد كان مشهوراً عنها الأناقة والتألق. رجع الجميع متأخرين من المناسبة وكان الزوج آنذاك يغط في نوم عميق فلم يشعر بحضورهم الا في صباح اليوم التالي. ذهب الزوج إلى عمله كالمعتاد وترك الجميع نائماً ولكنه فوجئ بقريبهم يقف أمامه في المكتب دون موعد ولا سابق إنذار. جلس الرجل وقد بدا مهموماً وهو يحاول ان يتماسك وألا ينفعل وفوراُ دخل في الموضوع دون مقدمات كأنما قد كان يحمل هماً ثقيلاً اراد التخلص منه. اختصار ما اخبره به هو ان الزوجة قد قضت طيلة المناسبة وهي في "ونسة وضحك" مع شخص لا يعرفه وهو الذي اوصلها آخر الليل إلى المنزل بينما رجع هو مع العيال. كان وقع ذلك ثقيلاُ على الزوج فقد كان يحب زوجته جداً وكان يثق فيها لأبعد الحدود والآن هو يكتشف انها تخالط الغرباء بل وتجرؤ على الرجوع مع أحدهم للمنزل "انصاص الليالي" دون خوف ولا حياء. رجع المنزل وكأنما هموم الدنيا كلها قد "تكومت" فوق رأسه فعاف الطعام وصام عن الكلام وانطوى على نفسه وحيداً لا يحدث احدا. استمر الوضع كذلك لأيام مرت ثقيلة كأنها شهور بل دهور والزوجة في حيرة من أمرها بل ان محاولاتها كلها للتقرب من الزوج قد باءت بالفشل حتى ضاقت نفسه بهذه الحمولة الزائدة فانفجر فيها غاضباً صارخاً تخرج الكلمات من فمه كالرصاص .انتظرت الزوجة في صبر حتى هدأ لتفجر في وجهه المفاجأة وان ذلك الشخص هو فلان ابن فلان وقد كان لها بمثابة الاخ الشقيق فقد تربى معهم بالمنزل ثم سافر لإحدى الدول الخليجية ورجع قبل فترة قصيرة ولم يكن "راوي الرواية" يعرفه او سمع به حتى. كان ذلك الشاب معروفاً في الأسرة بالتدين وحسن الخلق. احس الزوج بفداحة الخطأ الذي ارتكبه والذي أوشك ان يهدم عشاً متين البنيان غير انه كتم مصدر "المعلومة" فقد خشي من عواقب ذلك على "القريب" الذي كاد ب"نسنسة" ليس لها اساس ان يفترق اثنان ربط بينهما الحب والإخلاص. " النسنسة" الثانية من نوع مختلف قليلاً فقد كان اثرها أعمق وأوجع . أسرة ميسورة الحال يمتلك الاب عملاً خاصاً يدر عليه المال الوفير فبنى العمارات ووفر لابنائه كل ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه. كانت الحياة تسير في يسر وهدوء وقد نال الأبناء والبنات تعليماً عالياُ والتحقوا بوظائف مرموقة واسسوا اسرا مستقلة إلا أكبرهم فقد كان يساعد والده فى إدارة أعماله حتى أصابت الأب فجأة علة لم تمهله طويلا حتى فارق الحياة. تواجه الأبناء بوضع لم يكن في الحسبان فقد كان الأب هو الكل في الكل. اجتمعوا وقرروا ان يستمر الأخ الأكبر في إدارة أعمال الأب على ان يطلعهم دورياُ على سير العمل بالشركة وجعلوا لكل واحد منهم نصيبا شهريا حتى ختام السنة حيث يجروا جرداً شاملاً كاملاً وينال كل واحد نصيبه بالتساوي. سارت الأمور على هذا المنوال فترة حتى بدأ زوج الابنة الكبرى "يوسوس" في اذن زوجته بان أخاهم الأكبر يوثر نفسه بأكثر مما يستحق وان ثقتهم فيه ربما اعمتهم عن رؤية ذلك . لم تصدق الاخت في البداية ولكن "مواظبة" الزوج على "الوسوسة" جعلتها تنقل شكوكها لبقية الاخوان والاخوات حتى تكونت عندهم قناعة بخيانة الأخ الأكبر وهكذا بدأ "السوس" ينخر في جسد العلاقة المتينة بين الاخوة الذين كانوا متحابين متقاربين حتى انتهى الامر بان قرروا فض الشراكة وان يذهب كل في حال سبيله. كل ذلك والأخ الأكبر لا يعلم من الامر شيئاُ ولكنه اذعن لرغبة إخوته على مضض. اكتشف الاخوان بعد فترة ان اخاهم الأكبر بريء من كل ذلك وان السبب هو "الوسواس الخناس" زوج الابنة الكبرى ولكن "سبق السيف العذل" وكان قد "حدس ما حدس ". اما المعنى الآخر ل"النسنسة " اي هبوب الرياح الباردة فهو يقودنا مباشرة نحو الشعر والشعراء والبادية حيث "تنسنس" الهبوب فتنعش الأبدان وتثير الاشجان فتخرج المشاعر والالحان من الصدور. من اصدق شعراء البادية من اطلق عليهم اسم "الهمباتة" وهؤلاء رهط من الناس عاشوا حياة الخطر يجوبون البوادي ينهبون الإبل والحلال دون خوف ولا وجل فقد كانوا شجعاناً فرسانا. وظاهرة "الهمبتة" في السودان هي امتداد لنفس الظاهرة التي انتشرت في الجزيرة العربية إبان فترة الجاهلية ولكنها برزت في بادية كردفان والبطانة والنيل الازرق إبان فترة الدولة السنارية . كان "الهمباتة" رجالاً بواسل ذوي اخلاق ومروءة لا يغيرون على ضعيف ولا محتاج إنما يأخذون من الغني ويعطون الفقير . اشتهر منهم كثيرون اشهرهم "الطيب ود ضحوية" الذي كان شاعراُ مجيداً لا يشق له غبار ومن طرائف شعره انه عندما قُبِض عليه في جريمة نهب كبيرة وجد متهماً في الحراسة مقبوضاً عليه في سرقة "صفيحة زيت" وقد اعترف بذلك فسخر منه وانشد قائلاً: من قومة الجهل ماني البقول سوّيت وما نهروني في ساعة السؤال قرّيت ان برَدَن قروش ماني البخيل صرّيت وان حرّن بكار ماهن صفائح زيت اما "الحردلو" فقد كان شاعراً صاحب مدرسة مختلفة عن مدرسة الهمباتة فهو ينتمي لأسرة عريقة من أسر البطانة لذلك كانت حياته وشعره مستقيماً مثل بيئته ونشأته وقد انشد مرة وهو يملأ رئتيه من "نسنسة" الهبوب في البطانة : الخبر الأكيد قالوا البطانة اترشّت سارية تبقبق للصباح ما اتفشّت هاج فحل ام صريصر والمحافل بشّت وبت ام ساق على طرف الفريق اتعشّت *** وفي مناسبة أخرى: الخبر الأكيد الليله احمد جابو قالوا الوادي سال واتفرقن تبّابو كان سألونا نحن قعادنا شن أسبابو لا مصروفن ولا زولن بنتسلابو *** اما في "جده بلد الرخا والشدة " فقد انشد الشاعر "الامير خالد الفيصل" وهو منتشياً ب"نسنسة" الهواء البارد ابياتاُ تغنى بها الفنان "محمد عبده" والتي جعلناها عنواناُ لهذا المقال تقول كلماتها : كل ما نسنس هبوب حمّل النسمه سلام وان لمحت سهيل في عرض الجنوب عانق رموز الغرام لك حبيب مانسى كلمته دايماُ عسى اطلب الله وارتجيه صبح يومي والمسا إلى أن يزداد الطرب ويغرد قائلاً : يا حشا مالك وصوف لا سحاب ولا مطر لا نسيم ولا زهر لا طيور ولا شجر ولا مع باقي البشر وكل هذا بفعل "النسنسة" والهواء العليل. "نسنس" الله الجميع بهبوب العافية دائماً وسلامتكم.