هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حبوبة الروضة
نشر في شبكة الشروق يوم 24 - 07 - 2012


بقلم: محمد سليمان الشاذلي
كاتب وقاص سوداني
زمن الخريف في أمدرمان حي المهدية. منتصف يوليو وكان الوقت عصراً. الغيوم تتكاثف كأنها رؤوس جبال محطمة. الحر قائظ فهي لا تمطر هنا إلا في الصيف. وتعالى صوت طرقات عالية مزعجة يعوذها الذوق على باب الزنك في المنزل رقم مئتين وتسعة وعشرين.
أنزلت عائشة السقاطة الصدئة وفتحت الباب لترى سمكرياً طول بعرض يرتدي أبرولاً داكناً أزرق اللون ويعتمر طاقية خضراء تشبه تلك التي يضعها حيران الشيخ دفع الله صايم ديمة على رؤوسهم. عين السمكري اليمنى بدت أصغر بكثير من عينه اليسرى وإن كانت كاملة. كان بارز الأسنان جداً فاستغربت لمرآه وطالعته بنظرة متسائلة.
وإذا به هو الذي يسأل:
- بيت السر الشايقي الموظف بديوان الخدمة؟
؛؛؛
دوّت رعدة جفل منها الجميع، وبدا أن جدران الحجرة قد أخذت في الاهتزاز. ثم سمعوا جدران بيوت المستأجرين تتقوض وتتهاوى والمطر يشتد ويشتد
؛؛؛
وجاء السر على صوت الرجل متمهل المشية في عراقيه الساكوبيس الأبيض الفضفاض وسرواله الدبلان ذي التكة الحمراء، وعلى رأسه تحدّرت طاقية بيضاء مخرّمة. نظر إلى السمكري باستطلاع كما فعلت زوجته عائشة من قبله ثم سأله عمّا يريد.
فقال الرجل:
- معليش للإزعاج... أنا مرسل من طرف الأسطى الكيك الأحمر صاحب الورشة بأمبدة شمال.
غمغم السر الشايقي:
- أهلاً وسهلاً، تفضل.
فرد الغريب بتمتمة:
- لا والله مستعجل، بسْ هو بيقول ليك حبوبة الروضة الشايقية خالتكم عيانة خالص ولا بد من شوفتها.
ارتبك السر وسأل باهتمام شديد:
- أيه حصل ليها؟
ارتبك الغريب :
- زي ما قلت ليك.
وصمت ثم أردف
- أنا مرسال وما عارف الحصل بالضبط.
فهتف السر:
- طيب أدخل!
- ألف شكر.
- والله تشرب ليك كباية موية وللا شاي، ما بيجوز!
- لا والله عندي لديتر كومر منزّل ولا بد من سمكرته حالاً.
استدار السمكري بأبروله الأزرق اللون وأغلق السر الشايقي باب الزنك وهو يقول بفتور لزوجته عائشة:
- خلي أم الخير تجهز حالها.
فسألته بلهفة:
- خير إن شاء الله؟
- لا والله.
- في شنو؟
- قولي ليها حبوبتك الروضة عيانة خالص.
وفي تلك اللحظة مرقت من الراكوبة القصية أم الخير إذ كانت تنصت لصوت أخيها الجهوري.
همس لها.
- جهزي حالك عشان نمشي لبيت خالتك الروضة في أمبدة شمال.
صمت ثم أردف بنبرة محايدة:
- الظاهر إنها حا تودّع.
والسر الشايقي الموظف بديوان الخدمة العامة اسكيل أتش يقيم بشارع البط بالحارة الثانية بالمهدية قريباً من محطة الكوبري وجامع الختمية هو وعائشة وأم الخير والذرية التي وصلت إلى سبعة. هو في حوالى الثالثة والخمسين وأخته أم الخير تصغره بعامين وهي عانس راضية بعذريتها الخالدة.
كان والد السر يقيم في الأصل في الحارة الرابعة أمبدة التي انتقل إليها من جزيرة أوسلي بالشمالية، ولكنه انتقل إلى مدينة المهدية منذ أن كان السر صبياً في التاسعة من عمره.
في البداية كانت الزيارات منتظمة بين أمبدة والمهدية ثم ما لبثت أن فترت شيئاً فشيئاً فيما عدا زيارات الحبوبة الروضه لهم من حين إلى حين محملة بقصب السكر والتمر للأولاد وحبات البصل لعائشة. ظلت لسنوات تدير تجارة صغيرة في التمر والبصل وفرت لها مع الحقب أرباحاً لا بأس بها. كانت على أعتاب التسعين إلا أنها كانت تتمتع وتشتهر بنشاط وحيوية منقطعتي النظير ، هذا إضافة إلى عزيمة قوية قلَّما وجدت في أعتى الرجال.
كانت تردد دوماً:
- ما كلفت زول جنس مليم ولمن أموت أموت واقفة.
كانت نحيلة دقيقة العظم عيناها صغيرتان تشعان بإرادة غاضبة.
ترصع خداها الأيمن والأيسر ثلاثة شلوخ على كلِّ واحد منهما، كما كانت شفتها السفلى مدقوقة بالإبرة والكحل الأخضر ما جعلها تلمع بدكنة ما بين الخضرة والسواد. كانت تسف التمباك وكان لها ولد واحد اسمه محمد الشايقي قضى ليس بتأثر كبده من الإفراط في شرب عرقي التمر، ولكن بضربة سددها له نديمه ود السكات ذات عشية صيف بعيد. ومنذ موته وهي تعيش وحيدة في بيتها الذي يحتل ألفي متر مربع بالتمام والكمال من أرض أمبدة ويقع على ناصيتين.
؛؛؛
أخرج محمود سماعته الطبية العتيقة، علقها على أذنيه ثم وضع ميكرفونها على صدر الحبوبة. أصغى باهتمام كأنه يبحث عن القلب العجوز. والتفت ليقول: البركة فيكم
؛؛؛
بحنكتها قسمت الحبوبة الروضة الألفي متر إلى ثمانية مساكن كل منها يتكون من حجرة وبرندة وراكوبة وأدبخانة بلدية وحمام وحوش... البناء كله من الجالوص والباب الرئيسي واحد من خشب السنط الأغبر الغليظ. كانت كل ما توفر لها شييء من تجارة البصل والتمر تطلب من عبدالوهاب أبو دقن صاحب اللوري القلاب أن يأتي بالتراب، ومن الحدوري البنا أن يشرع في حفر الأساسات ووضع البناء طوفاً بعد طوف. حسابها على البناء بالذراع ولا تقبل إلا أن تقوم بعملية قياس الجدران بنفسها ذراعاً بعد ذراع. أما ترميل الجدران وتجييرها فكانت من الأعمال التي تعهد بها إلى عبدالمنعم البربراوي والذي دوماً ما كانت تقول له:
- إنت سعرك غالي... أنا عايزة جير مش عايزة بوهية دوكو!
فيسألها:
- طيب والأبواب وشابيك الخشب العملها خلف الله النجار؟
فتنفجر فيه غاضبة:
- قطيعة فيك وفي خلف الله النجار وفي شغلكم.
وتبصق ثم تستأنف:
- أديهم برضو جير.
فيعيد لها كدأبه كل مرة:
- لكن كده ما بينفع!
تكوِّر شفتيها المخددتين وتزوم:
- ما يخصك، إنت قايل عندي الآلاف وللا شنو؟ جير ولازم يكون أخضر.
هي تحب اللون الأخضر وكل شيء عندها إما أخضر أو يميل إلى الأخضر.
وفي المئتي متر التي خصصتها لنفسها كانت تزرع الملوخية والسبروق والبامية والطماطم والعجور والرجلة والفول النابت وغير ذلك، كما كانت تنصب قفصاً كبيراً للدجاج البلدي. وفي رأس حجرتها كانت تربي أجوازاً وأجوازاً من الحمام داخل صناديق من الصفيح. تطلع بسلم خشبي يشبه السلم الذي يرتقيه الجعلي مؤذن جامع البرابرة غير البعيد. جملة إيجارتها الشهرية في حدود السبعمائة جنيه، تأخذها مقدماً أول كل شهر وتحفر لها في حوض الملوخية ثم تدفنها بعد أن تلفها بأكياس النايلون. لم تكن بالبيت كهرباء وفواتير الماء التي تنتظم في دفعها في اليوم والتاريخ تحتفظ بها شهراً بعد شهر وعاماً بعد عام حتى ملأت سحارة بكاملها.
وذات فبراير وصلتها فاتورة مزدوجة تفيد بأنها لم تسدد دفعية يناير مع فاتورة أخرى سميت فروق ومتأخرات ترجع لأشهر وأشهر مما يجعل المبلغ الكلي المستحق الدفع مشتملاً على بند سمي ببند المتأخرات. في ذلك الصباح الشتوي انفعلت في عامل شركة المياه الذي سلمها الفاتورة.
صرخت في وجهه:
- سجم خشمك وسجم خشم شركة الموية الماعارفة حساباتها.
بصقت ثم أردفت:
- يخصي عليكم.
لملمت طشاتة البصل والتمر وأغلقت دكانتها الصغيرة واستأجرت تاكسي هلمان في واحدة من مراتها المعدودات لتأخذها هي وسحارة الفواتير إلى إدارة شركة المياه في بداية شارع الأربعين قريباً من صينية المجلس البلدي أمدرمان. هي والسائق حملا السحارة بفواتيرها المدفوعة والمختومة ووضعاها أمام ترابيزة المحاسب.
وقف المحاسب مفزوعاً:
- أيه ده يا حاجة؟
كوَّرت شفتيها المخددتين وزامت:
- ده سجم خشمك.
وسألت في لهجة مستنكرة:
- عشان شنو جايبين لي فاتورة فيها متأخرات؟
- خليني أشوف.
- إنت كان عندك نظر كنت رسلت لي فاتورتين؟ واحدة قال أيه قال متأخرات! متين أنا فطيت شهر من يوم الموية دخلت بطن بيتي؟
فتحت السحارة وفردت الفواتير بكعوبها المختومة.
صاح المحاسب:
- يا حاجة دي عايزة ليها فريق مراجعة مش موظف!
وعلا الضجيج فخرج المدير من حجرته ذات الباب الخشبي المتهالك.
أزاح نظارة القراءة عن عينيه ووضع نظارة قصر النظر وسأل في استياء:
- أيه الجوطة؟ في أيه يا أستاذ محجوب؟
وأطلعه محجوب المحاسب على الأمر فنظر إلى الحبوبة الروضة وقال لها:
- خلاص... خلاص يا حاجة لمي ورقك وأدفعي حق الشهر بتاع فبراير بسْ.
وسكت ثم أردف:
- والله نحن ما عندنا في سجلاتنا قدر فواتيرك دي!
وحدج شلوخها الست ثلاثة على كلِّ خد، ثم سأل:
- دي من سنة كم؟
بصقت بقرف وزامت:
- من سنة حفروا البحر.
وللحبوبة الروضة دكانة صغيرة في سوق أمدرمان استأجرها منها تاجر تشاشة.
وذات عام طلبت منه زيادة الإيجار الشهري فرفض وعند ترددها الملح عليه حلف بالطلاق وكان مسطولاً أن لا يدفع لها ولا قرش حتى من الإيجار القديم، فما كان منها إلا أن ذهبت إلى محكمة أمدرمان الجزئية وكتبت ارضحالاً من ود عووضة تطالب فيه بالإخلاء لعدم السداد. في صبيحة الجلسة دخلت هي ومستأجرها التشاش قاعة المحكمة فتصادف أن كان القاضي سيدة. لم يكن هناك محامون ولم يكن هناك كلام كثير. القاضية حكمت بالإخلاء الفوري وتسليم الدكانة للحبوبة. لشدة سرورها ما ملكت الحبوبة إلا أن انحنت ورفعت محفظتها الجلدية الحمراء المتدلية من رقبتها واستلت منها ورقة بنفسجية من ذات العشرة جنيهات ثم صعدت المنصة وهي تخاطب القاضية:
- الله ينصر دينك يا بنيتي.
وابتسمت ثم أردفت.
- خذي الملاليم ديل ساعدي بيهم حالك.
إنزعجت القاضية وردت بحزم:
- والله لو ما كنت مرأة كبيرة كنت أمرت بحبسك!
فصاحت فيها:
- تحبيسيني في شنو؟ عشان أديتك هدية؟
تأملتها القاضية ولزمت الصمت لكن الحبوبة الروضة لم تصمت:
- والله غلطانة الحكومة السوت النسوان قضوة في المحاكم!
ثم ما لبثت أن خرجت غاضبة ناسية أن الحكم كان في صالحها.
واضطربت في ذهن السر الشايقي وفي صدره أشجان وذكريات عمقها حنين طفولة ساحقة، لكن ما ستخلفه الحبوبة الروضة بدا للحظة أهم من كلِّ شيء. الجميع يعرف بيتها ذا الألفي متر، يعرف نخلاتها في البلد، يعرف تجارتها الصغيرة في البصل والتمر. وقال في نفسه: "والإيجارات..! الإيجارات الشهرية التي ستكون صمام أمان محترم"، وفكر في إيجار المئتين وخمسن متراً التي تشغلها الآن، فهو لن يترك بيت أبيه في المهدية ليرحل إلى أمبدة، وأم الخير أخته كذلك لن تفعل. وابتسم في غموض قائلاً لنفسه إنه سيكون من أصحاب الأملاك أخيراً وهو الذي لم يمتلك في حياته إلا مرتبه الشهري. ولوهلة أنّب نفسه يخاطبها: "أتسمي ذلك امتلاك؟ إنه أكثر تفلتاً وتسرباً من الماء نفسه!"، وأراح نفسه بهمسه لها أنه سيكون أخيراً من ذوي الدخل المضمون. تجارة التمر والبصل فلتذهب إلى الشيطان، وعبس إذ بدا له أن عزرائيل نفسه قد يموت والحبوبة الروضة ربما لا تموت. الكل يؤكد أنه تخطت التسعين بعام أو عامين لكنه وفي قرارة نفسه كان موقناً بأنها قد تخطت المائة منذ زمان، بدت خالدة فلم تخرّف ولم تكف عن الحركة والنشاط المثابر.
وأيقظه صوت أخته أم الخير:
- أنا جاهزة.
وأطلقت تنهيدة طويلة:
- والله مشوار يقطع النفس.
وبدا الامتعاض على وجهها الشاحب المفتقر أبداً إلى السوائل المرطبة.
همست في غموض:
- الله يستر.
وقال السر:
- الله يستر علينا ويرحمنا برحمته الواسعة.
وصمت، ثم أردف:
- يا رب.
واستقلا البص الفيات إلى سوق أمدرمان ومن هناك أخذا أوستن أبيض ضميرك إلى شارع الجميعاب في أمبدة شمال.
زلا عند محطة الفرن الذهبي للخبز البلدي. ولما مضيا يشقان سبيلهما في شارع الجميعاب طالعتهما بيوت الجالوص بجدران تساقط عنها روث البهائم المخلوط بتراب الرقيطا. كانت ثمة جماعات من المارة وكاروهات صغيرة تجرها الحمير وأخرى كبيرة تجرها خيول عليلة. في صمت ذكرا معاً سنوات طفولتهما وأيام الصبا الباكر. وتذكر السر المرة الأولى التي لعب فيها البلي في الزقاق الشمالي والكرة الشراب في ميدان النسر الذي تحول الآن إلى مدرسة متوسطة. وتذكرت أم الخير لعبة عريس وعروس على نحو غامض. كل الموجودات بدت حية وقريبة من القلب.
ووصلا البيت فوجدا باب السنط الهائل مشرعاً كدأبه لأن سكان الوحدات الثماني لا ينقطعون في أي لحظة عن ممارسة الدخول والخروج.
عشرات الأطفال والقطط والكلاب قامت أو رقدت في هذا الركن أو ذاك. وتناثرت في الحوش الداخلي طشاتة وجرادل وبنابر منسوجة بالحبل وأخرى منسوجة بالبلاستيك، وتناثرت مناضط وطبليات خشبية مكسرة. وضربا غرباً في الزقاق الداخلي للبيت حتى بلغا نهايته فانحرفا يمينا حيث بدت أحواض الملوخية والبامية والطماطم والرجلة والعجور والفجل والبصل الأخضر فالحبوبة الروضة كانت تحقق اكتفاءً خضرياً بنسبة مائة في المائة. كانت تبتاع فقط كيلو لحم واحد في الأسبوع مع القليل جداً من الملح والسكر والشاي وزيت السمسم وزيت الفهد. المستأجرون منها كانوا يصفونها بالبخل والتقتير والغلظة وهي كانت تؤمن يقينا بأنها إنما هي إمرأة مدبرة وحازمة.
؛؛؛
الزيارات كانت منتظمة بين أمبدة والمهدية ثم ما لبثت أن فترت فيما عدا زيارات الحبوبة الروضه لهم من حين إلى حين محملة بقصب السكر والتمر للأولاد وحبات البصل لعائشة
؛؛؛
ورأى السر كوماً من الزجاجات الفارغة الشفافة البيضاء والملونة مكومة في أحد الأركان قريباً من الحنفية واحد بوصة فعرف أنها تخص المرحوم محمد الشايقي ولدها الوحيد الذي قضى منذ حقب وحقب. إنها لا ترمي شيئاً أبداً ولا تستغني عن شيء! حتى زجاجات العرقي العتيدة بقيت تحت وهج الشمس وبرودة الظل وعمي الظلام. بقيت طيلة الفصول وطيلة الحقب حتى بدا وكأنها ستبقى للأبد. وكان حبل الغسيل المضفور من الزعف البني الغامق مرخياً وعليه فردة قديمة وملابس داخلية باهتة. سارا تسع خطوات ثم دلفا إلى البرندة المرملة دونما جير فرأيا الزير الفخاري يتكئ على حمالته الحديد وينقط برتابة وانتظام على طاسة صدئة، كانت رقبته مغطاة بشاش أبيض رهيف التم فرفع حتى غطى فتحته التي وضعت فوقها صينية ألمنيوم من فوقها كوز من الألمنيوم أيضاً.
من البرنده دلفا إلى داخل الحجرة الوحيدة التي بنى العنكبوت على أركانها وفي سقفها المنسوج من القنا والتمام وجذوع النخل.
لون الحجرة الأخضر كان باهتاً جداً لكن أرضيتها الرملية بدت نظيفة.
وهتفت أم الخير بحنق:
- ولا واحدة من المستأجرات ولا الجارات تجئ وتقعد مع خالتي!
فهمس السر مغمغماً:
- إنت عارفة حبوبة الروضة وطبعها.
ووقفا قريباً من العنقريب العالي والضخم جداً والذي ضم جسدها الدقيق.
كان شعرها الأشيب مكشوفاً،وجبينها المخددبعشرات التجاعيد والخطوط ينضح بالعرق. عيناها كانتا مطفأتين فأجفانها مسدلة. أنفها الديق المستقيم بدا وكأنه يصدر صريراً رقيقاً وخافتاً. وفي تلك اللحظة تكاثفت ظلمة الغيوم وانفلق دوي رعد شديد يهز بقية العصر الذي تقدّم. شعر السر بقشعريرة تتسرب إلى قلبه. تحركت الحبوبة الروضة قليلاً في رقدتها ثم فتحت عينيها وبدا كأنها تحاول أن تقول شيئاً فانحنت أم الخير عليها واضعة أذنها اليسرى قريباً من الشفتين المدقوقتين بالكحل، وسمعتها تقول بنبرة خافتة لكن حازمة:
- الكفن في السحارة الكبيرة..
وصمتت ثم أردفت بنبرة مرهقة للغاية:
- موية البرود مخلوطة بموية زمزم الجبتها من الحجاز برضها جوة السحارة والدفن في البلد مو هنا.
وهمست بتضرع:
أدفنوني تحت النخلات.
وصمتت.
أمعن العصر في التقدم وانهمر المطر مشوشاً كالأفكار.
اضطربت السماء ثم اصطخبت بدوي الرعود كرة أخرى. واشتد الإحساس بالقلق فجلسا على العنقريب عند قدميها المختبئتين تحت توب البنغالي الخفيف. وانتبها لقط يجوس في النملية بين صحون الطلس والباشري والكزرونات القديمة . كانت هناك زجاجة سمن لا بد أنها جلبت من البلد، وكيس مفتوح تدفق منه الجُرُمْ. وكان هناك الزيت وكيس الملح وكيس السكر وعلبة الشاي. وتحت النملية كانت هناك طبلية خضراء عليها بابور جاز أبو إبرة، وقرب الطبلية جثم بنبر كبير منسوج بحبل مهترئ.
ارتعشت شفتا الحبوبة المدقوقتان بالكحل الأخضر رعشات خفيفة ثم نبض ذقنها على نحو غير إرادي وتلاحقت أنفاسها ثم ما لبثت أن تباطأت. انتفخ وريد رقبتها ثم انحرف على نحو يثير الجزع. وامتلأ قلباهما باضطراب مفعم بالخيالات. ساد الصمت وبدت الحجرة أضيق مما هي عليه. وحركت ريح المطر حبل الفانوس غير الموقد والمعلق على حلق الباب. وتطلعا معاً إلى حجر البركة المجلوب من ضريح سيدي الحسن في كسلا. وارتفعت في الجو رائحة الأرض المشققة الظمأى وهي تستقبل أولى زخات المطر الذي أخذ ينهمر بغلظة. ومن حجرات المستأجرين فاحت روائح المطبوخ والمفروك ممتزجة مع رائحة العرق والبول وصنان الأطفال.
وتخللت المطرة عاصفة مباغتة صفعت الحجرة الخائفة من كل جانب.
واشتد ظلام الغيم متداخلاً مع ظلام أول العشي. برقت عشرات البروق، وبدا أن صاعقة قد وقعت في القريب، ودبت الرطوبة في الأطراف. تحركت شفتا الحبوبة المدقوقتان كرة أخرى فدنت منها أم الخير ووضعت عليهما أذنها اليسرى. حاولت أن تتكلّم لكن الإعياء أخذ منها جداً. الحروف خرجت متقطعة غير واضحة تصحبها حشرجة مزعجة، لم تفهم منها سوسى كلمتي: "حوض الملوخية.. حوض الملوخية.." وفي سرعة وجلبة دخل إلى البرندة ومنها إلى الحجرة الأسطى الكيك الأحمر ومعه محمود المساعد الطبي في الشفخانة القريبة.
قال الأسطى بصوت بدا غاضباً:
- مطر غير مسبوق! السيول في لحظات أخذت في جرف الشوارع!
واتجه محمود إلى العنقريب فوضع عليه صندوقه المعدني اللامع وأخذ رسغ الحبوبة. صرّ وجهه بعد برهة ثم مد يده اليمنى ففتح جفنيها وأغلقهما. أخرج سماعته الطبية العتيقة، علقها على أذنيه ثم وضع ميكرفونها على صدر الحبوبة. أصغى باهتمام وهو يحرك السماعة كأنه يبحث عن القلب العجوز. والتفت على نحو درامي وهو يقول بحيادك
- البركة فيكم. ماتت للتو الله يرحمها كانت إمرأة مكافحة.
دوّت رعدة جفل منها الجميع، وبدا أن جدران الحجرة قد أخذت في الاهتزاز. ثم سمعوا جدران بيوت المستأجرين تتقوض وتتهاوى والمطر يشتد ويشتد. ودون أن يشعر السر الشايقي زفر:
- يعني ما حا يكون في إيجارات؟ نسأل الله ألا تقع كل بيوت الإيجار.
التفت إليه الأسطى الكيك قائلاً:
- البيوت أصلها جالوص يا حاج السر فلا تنسى ذلك.
قطب السر وهمس لنفسه:
- لا دخل ثابت مع هذا المطر.
وسأل الأسطى الكيك الأحمر:
- والقروش النقد عندك فكرة عن محلها؟
تمتم السر الشايقي:
- لا والله.
وقالت أم الخير:
- ما في جنس مخلوق يعرف عنها حاجة.
تأوه السر ثم تنهد:
- اللهم لا اعتراض على حكمك.
وهنا قال المساعد الطبي محمود:
- مش الأولى تستروا الجنازة وبعدين...
فقاطعه السر:
- بعدين ممكن نبيع البيت على الأقل.
وصمت وأردف:
- أصلهم ألفين متر مهما كان.
وهمست أم الخير:
- الحبوبة قالت يدفنوها في البلد تحت النخل.. والله مشوار ومحتاجين لوري..
وصاح السر بغتة:
- وما ننسى تمر البلد ونخله.
وصمت ثم زام بصوت خافت:
- لكن لو يقف المطر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.