م. فؤاد عثمان عبدالرحمن منذ انقلاب أكتوبر 2021 وتأمل مسار الأحداث منذ اندلاع الحرب، يدرك الشخص أن البرهان يلعب لعبة خطرة، وما لا يستدعي الدهشة أنه يعلم علم اليقين أن نهايته مثل نهاية كل ديكتاتور طامح في استمرار سلطته على أشلاء وطنه. ووجود الرجل داخل المشهد وعلى رأسه ليس نتاج حلف سياسي متماسك، والمتفحص لذلك يدرك تناقضاته بما لا تخطئه العين، فالمجموعات التي اتخذت من الحرب غطاء لإعادة تموضعها، لا يجمعها سوى أنها التقت واجتمعت عند نقطة واحدة فقط: أن استمرار القتال يمنحها هامشاً مريحاً لتأجيل وتجميد الأسئلة الكبرى، تلك الأسئلة التي تهدد مصالح البرهان وحلفه وتفكك نفوذهم إذا عادت السياسة لمسرح الأحداث. اعتمد البرهان منذ ذلك الزمن على شبكة معقدة من التحالفات المؤقتة يوازن بينها بحسابات صغيرة، وتحولت طريقته وترسخت من تكتيك عابر إلى نمط كامل، يقوم على المناورة المستمرة وشراء الوقت واللعب على حبال التناقضات والتهرب المستمر من أي التزام سياسي واضح. لذا فقد غرق هو ومعسكره أكثر فأكثر في مستنقع الحرب ووحلها، حتى صار وصاروا عاجزين عن تصور أي خيار خارجها. هم فسيفساء من المصالح المتنافرة؛ فالإسلاميون يسعون وبقوة إلى الاستعادة الكاملة لحكمهم البائد، يرون في أي هدنة إنسانية وترتيبات وقف إطلاق النار وتسوية سياسية شاملة توقف الحرب تهديداً مباشراً يعيدهم إلى لحظة المساءلة التاريخية والجنائية معاً. وكارتيلات فساد قديمة وأخرى صاعدة بفعل الحرب استفادت جيداً من انهيار بائن المعالم لمؤسسات الدولة وغياب الرقابة والمساءلة والمحاسبة وقمع صوت الصحافة الحرة المراقبة لأي انحراف. أما المليشيات العسكرية القديمة والتي تناسلت بكثرة وبرزت حديثاً فإن قياداتها تدرك جيداً أن أي ترتيبات جديدة ستعيد النظر في مواقعها ومكاسبها. وسط هذا كله تتسع دائرة النافذين المحليين والإدارات الأهلية الذين وجدوا في الحرب فرصة لتوسيع سلطاتهم على حساب غياب سلطة الدولة. ولأن كل هذه المكونات تخوض الحرب لأسباب مختلفة، بعضها أيديولوجي، وآخر نفعي، والبعض الآخر انتقامي، فإن ما يوحدها هو الخوف من اليوم التالي. لذا لا يستطيع هذا المعسكر المتناقض الهش أن يتحرك تجاه وقف الحرب دون أن تنفجر تناقضاته، فوقف إطلاق النار سيجعل الإجابة على أسئلة مستقبل الدولة وكيف تُحكم وكيف سيدار الانتقال وما موقع الإسلاميين وكيف تُصلح المؤسسات الأمنية والعسكرية؟ أسئلة حاضرة، ولأن الإجابة عليها تعني انكسار المصالح الحالية التي تحققت بفعل الحرب فإنهم يدركون أن الحرب ليست ظرفاً طارئاً بل شرط وجود، وأن التسوية السياسية تمثل تهديداً داخلياً قبل أن تكون تنازلاً خارجياً، وأن وحدة ذلك المعسكر تتآكل كلما اقترب الحديث عن اليوم التالي. وهذا يفسر السلوك المتكرر للبرهان: خطاب تعبوي بلا أفق للسلام، زيارات خارجية بمسار واحد فقط وهو أن يتحكر في مقعده دون أي استعداد لتقديم استحقاقات سياسية. بكل تلك المخاوف والمطامح، ندرك أن المحصلة لتلك الوصفة تضع السودان على حافة فوضى خطيرة طويلة ومفتوحة، ينتج عنها معادلة خطرة: قائد يحكم بمنطق المناورة واللعب على التناقضات وتحكمه وتحركه طموحاته السلطوية وربط مصير البلاد والعباد بمصيره الشخصي، وحلفاء دافعهم البقاء لتآكل بنية الدولة، وحرب تُدار خارج أي أفق لإنهائها، وتوازنات قابلة للانهيار مع أول خطوة نحو التسوية.سياحة السودان إن تفكيك هذا المعسكر المعرقل للسلام والمصر على استمرار الحرب ليس مهمة عسكرية، بل مهمة سياسية، ولا يمكن مواجهة هذا المعسكر إلا عبر المواصلة بجد ومثابرة متسارعة لسحب مشروعية أطراف الحرب وحلفائهم وإكمال بناء المسار المدني الرافض للحرب والذي يجيب بوضوح عن أسئلة اليوم التالي، وخلق أعرض كتلة تاريخية مصحوبة بحراك اجتماعي واسع، لتجاوز منطق المليشيات والتحالفات الظرفية. فالسودان لن يخرج من كارثته تلك ما دام مستقبل البلاد مرهوناً لحلف عاجز وغير راغب عن رؤية المستقبل أصلاً خارج الحرب، ويريد حصارنا في حاضرها فقط، وهذا ما يحاول المدنيون بجد وحقيقة فعله منذ اندلاع الحرب ويواصل فيه التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة صموداً بحق، ولن يحيدوا عنه مهما كان. م. فؤاد عثمان عبدالرحمن رئيس حزب المؤتمر السوداني بشرق أفريقيا 27 نوفمبر 2025م