تواصل ارتفاع اسعار محصول الذرة بالقضارف    المريخ يبدأ إعداده للقاء البوليس الرواندي    دراسة تكشف دوراً غير معروف للبكتيريا في تكوّن حصوات الكلى    الشقيقة ليست مجرد صداع.. المراحل الأربع لنوبة الصداع النصفي    الزمالك يهزم بيراميدز على صدارة الدوري المصري    صديد بالمعدة والأمعاء.. تفاصيل جديدة حول حالة مي عز الدين الصحية    أطعمة تحتوي على كالسيوم أكثر من كوب حليب    أمازون ويب سيرفسيز تواجه أعطالًا في الطاقة والاتصال في الإمارات والبحرين    هشاشة العظام في رمضان.. التعويض الآمن والمدروس    مضاعفات بالقلب والكلى.. هاني شاكر في العناية المركزة    رحلة هروب "مجنونة" لنجم برشلونة من إيران    لحظر خدمات الذكاء الاصطناعي على المراهقين.. أستراليا تضيق الخناق على محركات البحث    بسبب غيابه عن الموسم الدرامي.. محمد رمضان "يصالح نفسه" بسيارة فارهة    تعطيل الشحن..أسعار النفط تقفز إلى مستويات عالية    سفارة السودان بالقاهرة تصدر تنويهًا مهمًا    الكويت تتصدى لمسيرات    عاجل.. زلزال يضرب مصر    السلطات في قطر تطلق تحذيرًا للمواطنين    مهلة لمدة شهر.. قرار جديد لوزير الشباب والرياضة في السودان    هل نسي السودان جراحه؟    للحرب وجه آخر: من داخل صف المليشيا    الصادق الرزيقي يكتب: الخلاف بين موسى هلال وحميدتي .. لماذا وكيف؟ (2)    السودان يدين بشدة الاعتداء الإيراني السافر على سلطنة عمان الشقيقة    خسوف كلي لبدر رمضان الثلاثاء المقبل.. أين يمكن رؤيته؟    ترامب: قادة إيران الجدد يريدون التحدث معنا.. وأنا وافقت    مجلس الأمن والدفاع يعقد اجتماعه الدوري ويطمئن على الأوضاع الأمنية بالبلاد    شاهد بالفيديو.. الحلقة الحادية عشر من أغاني وأغاني.. عصفورة الغناء السوداني إنصاف فتحي تتألق في أداء رائعة خوجلي عثمان "ما بنختلف"    شاهد بالفيديو.. مدرب بيراميدز يضع الهلال السوداني ضمن أبرز المرشحين للفوز بأبطال أفريقيا    شاهد بالفيديو.. الحلقة العاشرة من "أغاني وأغاني"..السلطانة هدى عربي تطرب المشاهدين بالأغنية الفريدة "أهلا وسهلاً يا ليلى" والجمهور يتغزل في أدائها    شاهد بالفيديو.. "أرملة" الحرس الشخصي لقائد الدعم السريع تستعرض جمالها بفستان أنيق وملفت    فشل استثنائي.. إحصائية مخيفة لجماهير برشلونة قبل موقعة أتلتيكو مدريد    وزير الصحة يشيد بجهود الصليب الأحمر في دعم الخدمات الطبية بالسودان    "شركات الفكة" في الواجهة... اتهامات بتجاوزات في تصاديق استيراد الوقود بالسودان    نجم المريخ يجري عملية ناجحة بالقاهرة ويستعد للمرحلة العلاجية المقبلة    إيران تؤكّد مقتل خامنئي وإعلان عن القيادة الثلاثية    البطولة العربية لألعاب القوى للشباب والشابات تونس تستضيف النسخة ال21 بعد اعتذار السعودية وصفوان الهندي مندوباً إعلاميا للبطولة    إبراهيم شقلاوي يكتب: التحول من الأمن إلى التنمية    صواريخ إيرانية باليستية تضرب قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات    الكهرباء في السودان تعلن عن برمجة    وزير الصحة يبحث فرص الاستثمار وإعادة تأهيل القطاع الصحي    الدعم السريع تصادر شاحنات تمباك متجهة إلى شمال السودان... وتجار يكشفون عن خسائر فادحة    فرق الإنقاذ البري بقوات الدفاع المدني ولاية الجزيرة تنتشل جثماناً من بئر بمستشفى الكلي في أبو عشر بعد عملية دقيقة معقدة    المالية السودانية تكشف عن خطوة    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    للمرة الثالثة.. رمضان خارج السودان..!!    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    السودان.. مباحث مكافحة سرقة السيارات تطلق تحذيرًا    جديد واقعة بدلة الرقص في مصر.. أقوال الفتاة وإحالة المتهمين للجنايات    بالصورة.. الفنان مأمون سوار الدهب يكتب عن علاقته بشيخ الأمين ويتحدث عن الصورة المثيرة لشيخه مع المطربة هدى عربي    بالصورة.. الفنان مأمون سوار الدهب يكتب عن علاقته بشيخ الأمين ويتحدث عن الصورة المثيرة لشيخه مع المطربة هدى عربي    ألقت رضيعها بالقمامة فنهشته الكلاب أمامها…جريمة تشغل الليبيين    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أردوغان و(سلطنة) آخر زمان
نشر في حريات يوم 19 - 07 - 2013


كاتب وباحث سوري
لا يمكن تحليل وفهم حقيقة موقف السيد أردوغان (رئيس وزراء تركيا) الرافض للتظاهرات السلمية التي انطلقت في عموم أنحاء تركيا منذ عدة أيام، وخاصة في مدينة اسطنبول (سحر الشرق)، إلا من حيث أنه موقف ذاتي يخفي رغبة ضمنية للتفرد بالحكم إلى حد ما، مع وجود نزوع سلطوي داخلي، وخشية على كرسي رئاسة وزراء بلد كبير وعظيم مثل تركيا..
طبعاً لا يجب أن ننكر هنا أن "مستر" أردوغان جاء للحكم عبر صناديق الاقتراع منتخباً بصورة ديمقراطية شفافة، ولم يأت على ظهور الدبابات وبمعونة مدافع الداخل والخارج مثل باقي أو كثير من حكامنا العرب والمسلمين.. وهو حصل في آخر انتخابات برلمانية على تمثيل 50% من الشعب التركي كما قال في خطابه الأخير، وهذا صحيح، بما يعني ضمناً أن 50% آخرين من الشعب التركي ليسوا معه أو على الأقل هو لا يمثلهم..
لكن حتى لو كانت نسبة المعارضة لا تتجاوز ال10% فقط، فإننا نسأل باستغراب عن سبب وغاية وماهية كل هذا التخويف والتهويل والفوبيا "الأردوغانية" (خاصة بالنسبة لمحبيه وعاشقيه من بعض جماعات المعارضة السورية) والرغبة الجامحة في إيقاف مد التظاهرات السلمية في ميدان تقسيم التاريخي وغيره من ميادين وساحات المدن التركية الأخرى..
وعلى ما يبدو هي نفس العقلية الشرقية المبتلون بها جميعاً هنا في عالم الشرق، عالم "ألف ليلة وليلة".. وكما يقال: "متل عنا فرد شكل".. خاصة عندما يقف أردوغان أمام منابر الخطابة، ويبدأ بالعزف على نغمة "الخارج" ووجود المحرضين" وأنه تم "إلقاء القبض على عناصر مندسة" ووالخ مما سبقه إليه حكام عرب آخرون، (من الظلم مقارنته معهم بكل تأكيد)..
ثم يعني أين هو الخطأ في الدعوة للتظاهر السلمي في تركيا أو في أي بلد كحق مكفول في الدساتير والقوانين؟ وأين هي المشكلة العويصة على الحل، في أن يسمح للناس بأن تتظاهر سلمياً في أي ميدان من الميادين المسماة بميادين وساحات الشعب.. لكي تعبّر عن ذاتها، وتثبت وجودها وحضورها، و"تفضفض" عن مشاكلها وهمومها وأزماتها، وتتنفس الحرية الحقيقية، وتفرح وترقص وتغني وتنشد، وتحكي بالهواء الطلق وعلى الهواء مباشرة في مؤتمرات شعبية عمومية عامة، عن احتياجاتها وشؤون حياتها ومطالبها الملحة (والمحقّة!!) جداً؟!!..
ثم على ماذا تخاف النخب السياسية الحاكمة في تركيا أو في عالمنا العربي والإسلامي عموماً؟ يعني بالعامية: "منشو خايفين"، و"على شو خايفين" إذا كانت "صندوقة الاقتراع" هي الحكم والفصل والميزان للوصول إلى سدة حكم أي بلد كما يتغنون بها؟!!!.. كما أن كل من يحاول العبث بأمن وسلامة الناس، يتم التصدي له مباشرة من قبل الأجهزة المختصة الحافظة والراعية لتلك المظاهرات، وبالتالي فكل من يلعب أو يتلاعب بأمان الناس، ويلقى عليه القبض، وهو متلبّس بجرم حمل سلاح غير شرعي وغير مرخص ضمن المظاهرات، يكفل القضاء والأجهزة المختصة ملاحقته ومحاسبته ومعاقبته..
وحتى لا نكون مجحفين بحق أردوغان، لابد أن نقر ونعترف بأن السيد أردوغان –في الواقع- ليس هو زين العابدين ابن علي الحاكم شبه المطلق لتونس ما قبل الثورة، وهو أيضاً ليس حسني مبارك فرعون مصر، كما أنه ليس "جيمس كاميرون" أو "باراك أوباما"، أو "ميركل"..
فهو رجل جاء إلى الحكم بسلاسة بلا منغصات عسكرية أو أمنية ولا تكاليف وأثمان مجتمعية باهظة مثلما حدث وجرى مع غيره، كما قلنا، مع أنه ينتمي لبيئة مشرقية، أي أن فيه من عالم الشرق أكثر مما فيه من عالم الغرب.. ولكن مع ذلك عنده في بلده مزايا وخصائص سياسية عامة جيدة غير متوفرة في بلدان أخرى، من رأي عام حر وحريات وانتخابات وديمقراطية، هو لم يؤسس لها، بل هو استثمرها واستفاد منها، وهي كانت تعمل لصالحه يوماً ما، وقد تنقلب عليه لاحقاً، وهي:
1- هو يعيش ويحكم ويمارس صلاحياته كحاكم رئيس وزراء في ظل بلد تعددي ديمقراطي علماني (ولو بصورة غير مكتملة حتى الآن). بما يعني ضمناً أن هناك قوى وأحزاب معارضة تقف بقوة في مواجهة أية مطامع أو أية محاولة للتسلط السياسي وغير السياسي.
2- المجتمع المدني التركي حي وموجود، وهو بمعظمه ذو خصال شرقية متدينة باعتدال.. وهو أقوى من الحكومات السياسية المتعاقبة في تركيا حتى تلك التي يؤيدها ويقف معها في الانتخابات كحزب العدالة والتنمية، والناس والأحزاب والتيارات السياسية المتعددة والمتعارضة تعيش ضمنه في ظل وجود "علمنة" متأصلة ومتجذرة يرعاها ويحميها جيش قوي (يقال أنه رابع جيش بالناتو أو بالعالم) غير تابع لا ل"أردوغان" ولا ل"غول" ولا ل:غيلتشدار" ولا لغيرهم، بل هو تابع للدستور والدولة والقانون العام.
3- حكومة أردوغان خاضعة دوماً لنقد ومساءلة ومراقبة من قبل برلمان وهيئات سياسية وتيارات معارضة ليست سهلة، ولا يمكن إلغاء دورها وحضورها، أو التعمية عليها، بقليل أو كثير من الإنجازات الاقتصادية والتنموية الحقيقية التي لا شك بأن حزب العدالة والتنمية قد أنجزها وحققها بقوة في عهد "أردوغان" حيث ارتفعت نسبة حصة المواطن التركي من الناتج القومي منذ عام 2004 من 7 آلاف دولار بالسنة، إلى حوالي 17500 دولار بالسنة خلال الأعوام الأخيرة، وأصبح الناتج القومي التركي يقارب حدود 770 مليار دولار سنوياً.
4- يوجد في تركيا وسائل إعلام قوية وحاضرة على طول الخط، وهي تقوم بتغطية الحدث والمظاهرات التركية، كما أنها تفعل فعلها في مراقبة عمل الحكومة بالكامل مع وجود ضغوطات تتعرض لها حتى من حكومة أردوغان نفسه.
5- الحكم التركي مؤسساتي عريق منذ زمن طويل، وليس مشخصناً لعائلة أو فرد أو أسرة أو طائفة.. ومؤسس الدولة التركية الحديثة "كمال أتاتورك" ذاته انقلب على العثمانيين كأسرة وعائلة تاريخية.. وبنى دولة علمانية قوية.. وهذا أصل ثابت قوي وراسخ في تركيا.. فتركيا ليست لعائلة أو آل أردوغان أو غير أردوغان..
وبفضل ذلك كله تعيش تركيا تطوراً وازدهاراً اقتصادياً واستقراراً سياسياً متنامياً ملحوظاً، حيث تمكنت تحت ظل حكم إسلامي علماني معتدل ذي توجهات ليبرالية عامة من ربط التدين بالعلمنة بتناغم وانفتاح بينهما.. كان شرطاً لدفع المواطن التركي للعمل والإنتاج وإثبات الوجود.. فالهوية حضارية شرقية ولكن العمل والممارسة بعقلية غربية كاملة..
أخيراً أنا أعتقد أنه لا مفر أو مهرب من المحافظة على ظاهرة التظاهر السلمي لأي مجتمع أو دولة، لأنها تعطينا فكرة مهمة عن صحة وعافية أي مجتمع، كما أنها تتصل بحيوية وفاعلية وحضور المجتمعات المنتجة والحديثة في عالمنا المعولم الذي لا يعترف إلا بالدول والمجتمعات القوية..
والمظاهرات هي مثل الأعراض المرضية البسيطة التي قد تعتري أي جسد بشري، فتكون تلك الأعراض بمثابة المنبه للبدء بالوقاية أو بأخذ جرعات من الدواء لتحقيق الشفاء، وإعادة الصحة والعافية للجسد المريض.
وهكذا هي مجتمعاتنا كلها –وليس فقط المجتمع التركي- محتاجة دوماً لإعادة نفض مواقعها وأدوات عملها السياسية وغير السياسية، وإثبات حضورها وفاعليتها، وذلك من خلال المظاهرات السلمية الديمقراطية.. بهدف كبح جماح أية محاولة للتفرد بالسلطة والحكم من قبل الحكام، وكذلك مراقبة أداء الحكومات و"قصقصة" أجنحة كل من يفكر بالاستبداد والديكتاتورية والبقاء في الحكم. فالحكم والحكومة أمانة وعمل لفترة محددة ببرامج واضحة وشفافة.. ولو دامت لغيرك ما وصلت إليه.. لكننا بالفعل: "كلنا في الهم شرق".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.