بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معوقات الحداثة الإسلامية و أزمة النخب .. مقابلة مع محمد سبيلا
نشر في حريات يوم 15 - 09 - 2013

س: تعتبرون من أبرز من اشتغل بإشكالية الحداثة، إضافة إلى إسهاماتكم المعرفية في الموضوع، ترى ، لماذا استأثرت هذه الإشكالية باهتمام المفكرين و تعددت تعريفاتها حتى يقال بصعوبة تناولها، بل و هناك من ألغاها من الخريطة المعرفية الحديثة ؟
ج: الحداثة هي ظاهرة شمولية وكلية و متعددة الجوانب، إذ أنها تطال وتلامس كافة مجالات و جوانب الوجود الاجتماعي، من الوجود المادي إلى الوجود التنظيمي و الوجود الفكري، و لها أوجه و أبعاد متعددة. و هذا عنصر أول فيما يخص صعوبة تناولها. إن سعة هذه الظاهرة يجعل تناولها بمنهاج كلي مسألة صعبة، أضف إلى ذلك أن مناهج المعالجة أو المقاربة هي أيضا متنوعة و متعددة، و في الغالب هي مناهج جزئية، بمعنى أنها تركز على هذا الجانب أو ذاك. و عندما نقول بأن الحداثة ظاهرة شمولية وكلية و صعبة المعالجة،من حيث الموضوع أو من حيث المنهج فليس معنى ذلك أنها مستحيلة،أو يصعب التوصل إليها، أو يمكن أن يتعلل بذلك بالقول إنها غير مفهومة فبالنسبة للسوسيولوجيين و للفلاسفة والاقتصاديين، فهي ظاهرة واضحة و لها علامات و مميزات، مثلا بالنسبة للسوسيولوجيا الألمانية، و خاصة سوسيولوجيا ماكس فويبر، الحداثة ظاهرة ترتبط بثلاث مجالات: تطور و نشوء إذن عندما نقول إن الحداثة ظاهرة شائكة و شمولية و معقدة فليس معنى ذلك استحالة تناولها. فهناك اجتهادات كثيرة في هذا الشأن، قدمت من بينها نموذجين ألمانيين، لأن السوسيولوجيا و الفلسفة الألمانية بالخصوص، بلورت تفكيرا عميقا في الحاثة.
س: لكن ألا ترون أن التشعب و الشمول الذي يطبع الحداثة و الذي نتجت عنه تعريفات، أحيانا متضاربة، هو السبب في القول بأن المغرب قد هول من الحداثة كما تفيد بعض الدراسات في الموضوع؟
ج: إذا كان الغرب قد هول من الحداثة، فنحن يجب أن لا نهون منها. فالحداثة مسألة صعبة و عسيرة، و تتطلب امتحانا تاريخيا. ومجرد فهمها يتطلب بدوره عناءا فكريا كبيرا. و العقل العربي و الثقافة الإسلامية لا زالت تتعثر في فهم الحداثة. و لا أعتقد أن أحداثة يهول الحداثة، بل إن الحداثة حدث كوني هائل يطال عدة قرون، و يرتبط بالتحولات الكبرى التي عرفها التاريخ البشري، ابتدءا من الاكتشافات الجغرافية و اكتشاف أمريكا والثورات الصناعية والدينية، و الثورتين الفرنسية و الأمريكية، إلى الثورة المعلوماتية والبيوتيكنولوجيا، و الفضائية المعاصرة.
فإذا كان هناك تهويل، فإن الحداثة هي التي تهول نفسها، لا بقصد التهويل المجاني، و إنما من حيث أن الأحداث المؤسسة لها، أحداث نوعية وانعطافية في تاريخ البشرية. فمثلا الثورة العلمية التي حدثت في القرن السابع عشر، أو الثورات في مجال العلوم الطبيعية و غيرها، أو نظرية كوبيرنيكوس كخطوة في الحداثة لأنها أبرزت مركزية الشمس و كروية وتبعية الأرض، هذا إضافة إلى الثورات المعرفية الهائلة التي تم إنجازها في مجال فهم اللغة و النفس والمجتمع و التاريخ و الأسطورة و المعنى والتأويل، و الأحلام والبنيات النفسية و الاجتماعية..و غيرها من التجديدات النوعية التي حققتها العلوم الإنسانية و الفلسفية. فهذه تحولات كبرى لا يمكن الاستهانة بها، و كذلك المفاصل الكبرى للحداثة هي ثورات غيرت وجه العالم، و معنى الإنسان، و معنى المعنى. ربما لذلك فهي تحمل الهول في ذاتها. ليس المقصود هنا التهويل المجاني و إنما هذه التحولات الكبرى جعلتها كذلك. و لأننا نحن العرب و المسلمون عشنا خارج هذه الأحداث من القرن الخامس عشر، و خارج التاريخ، فإنها تبدو لنا ضخمة و مهولة، لعدم قدرتنا على استيعابها، و ميلنا إلى رفض الجانب الفكري منها.ربما لعدم مواكبتنا لسرعتها، و لهول النتائج التي تقدمها. فالثورة البيوتيكنولوجية مثلا اكتشفت أسرار كتاب الحياة و اكتشفت قوانينه، فاستطاعت التحكم في الأمراض، و في الأعمار، و ربما في الحياة نفسها.
س: عندما يتم الحديث عن الحداثة و الإسلام يتم ذلك في الغالب على سبيل التعارض و التقابل. ترى هل هناك تقابل بين الإسلام والحداثة، بين العقل و الوحي؟
ج: أولا أضع بين قوسين فرضيتك الأخيرة التي تضع العقل و الحداثة والوحي و الإسلام، لأن الأمور في الحقيقة هي اعقد من ذلك الطرح الذي أعتبره تبسيطيا. أما في ما يخص التقابل و الصراع سأتحدث عن مستويين: مستوى الصراع، و مستوى التلاؤم. الحداثة هي حركة اجتماعية تاريخية كاسحة حدثت في الغرب، اكتشفت عبرها قوانين الطبيعة و الكون والاجتماع و التاريخ و اللغة، و مستكشفات لا نهاية لها، مجاهل الكون والمادة النفس، واللامتناهي الصغر، واللامتناهي الكبر. و هذه الرؤية مرتبطة بمكاسب الحداثة و قدرتها على اكتساح العالم، لأن من طبيعة الحداثة الانتشار والاكتساح، ولأن مكتشفاتها تتطلب أسواقا و فاعلين. و هذا الاختيار يتم في الغالب، عن طريق القوة، كما حدث مع الاستعمار، و الذي يعتبر حدثا تاريخيا انتشرت معه الحداثة بوجهيها الاستعماري والتحريري. و لعل القدرة الإغرائية للحداثة لا تقل جاذبية واستقطابا عن قوتها النظرية أو الفعلية. فهي تقدم خدمات، و تقرب المسافات، و تشفي الأمراض، و تقوم بما يشبه المعجزات، كجعل الأعمى يبصر، و الأبكم يتكلم، إلى غير ذلك، أي أن ما كان يتعلق بالسحر أصبح اليوم أو انتقل إلى العلم. رغم أنه لا زال في بداياته الأولى، كما هو شأن الثورة الجينية و المعلوماتية. و في هذا المستوى الثقافي تصطدم الحداثة مع الثقافات التي تأخرت عن المواكبة، إذ تحاول اجتذابها و إدخال التكنولوجيا و فكر الحداثة إليها. و هنا تحدث المصادمة مع الإسلام على المستوى الصراعي. و بالمقابل تبدي الثقافات التقليدية ممانعة قوية، لأن الحداثة تهدد التقليد و تفككه، كما توسع من هامش الحرية، إذ تنادي الحداثة بحرية واسعة؛ حرية الأخلاق، و حرية السلوك.
إذن، على المستوى التصادمي يصبح الصراع حتميا و موضوعيا، ولا يستطيع أي واحد أن ينزع شوكته، فالتقليد كيفما كان، سواء إسلاميا أو بوذيا أو كنفوشيوسيا، يدخل في صراع مع الحداثة بمستويات و درجات مختلفة، في الجانب الفكري أكثر منه في الجانب التكنولوجي.
لكن هناك مستوى ثان لهذه العلاقة، و هو أن الإسلام كبنية عقدية وفكرية واجتماعية و تاريخية لا يتعارض مع الحداثة، لكونه دعوة إلى التطور والتقدم، و فهم العالم، و اعتباره بمثابة اختيار.كما أن التراث الإسلامي من القرآن و السنة النبوية و اجتهاد مليئة بالجانب الإيجابي للمعرفة. و التاريخ يشهد على أن الإسلام بني إحدى أكبر الحضارات البشرية، و غزا العالم بعد أن استوعب التراث اليوناني، إذ لم يكن لدى المسلمين عقدة نقص.
أما أكبر مشكل يواجه الإسلام فهو أن فهمنا له و تأويلنا له لم يجدد، فالمسيحية تجددت و خضعت لتأويلات جديدة، في حين أن الثقافة الإسلامية لا زالت تعيش على تأويلات القرون الهجرية الأولى. إن التحولات الكبرى في العالم في ميدان الفكر لم تنعكس في الثقافة الإسلامية لا تزال ذات طابع دفاعي، و يغلب عليها رد الفعل أكثر من الفعل و تكسير القيود و استيعاب تحولات المعرفة.
فالإسلام لا يتعارض مع الحداثة، بل هو قادر على أن يكتسح الحاثة و أن يستوعبها، شريطة أن تتحرر النخب الفكرية و التقليدية من العوائق المعرفية و الرؤى المكبلة للفكر و الإبداع. فالمشكل ليس في الإسلام ذاته، من حيث أنه يتضمن الكثير من القدرة على التأويلات الإيجابية و الإنسانية، بل إن المجتمعات العربية و الإسلامية لم تفرز النخب الثقافية القادرة على التحرر و الإبداع. و هذا ما يشهد عليه التاريخ، و ليس من باب الديماغوجيا. و للأسف فالثقافة الإسلامية لم تفرز نخبا استطاعت التوفيق بين الثقافة و المضمون التجديدي الكامن في الإسلام.
إذن يمكن أن تكون هناك حداثة، إذ لا تعارض بين الدين و الحداثة. أما عن التجربة الفرنسية، فهي تجربة خاصة في فصل الدين عن أمور الحياة، فخذ مثلا رئيس أكبر دولة حداثية على الأقل في جانبها التكنولوجي عندما قال، بأنه كان يدعو الله أن يوفقه في الحرب على نظام صدام. و يعتبر ذلك رسالة. إذن التجربة الفرنسية ليست هي النموذج. فالمعتمد الديني يخدم الحداثة و يحفز عليها.
س: ألا ترون أن هذا التجاذب بين قوة الحداثة الإغرائية و الالتحاق إلى التراث قد ولد الازدواجية في الفكر العربي و الإسلامي؟
ج: الإزدواجية ليست اختيارا فكريا، بل هي ضرورة حتمية ووجودية فرضها الواقع، والحداثة تفرض مراجعة الذات، و التراث والمقولات المتوارثة، فالحداثة خادشة وجارحة. و قد تحدث الفلاسفة عن الجروح النرجسية الكبرى: الجرح الكوسمولوجي، الأنتربولوجي، و السيكولوجي.. أي بين قانون التاريخ الحديث وبين جاذبية التقليد والتراث و نموذجية الماضي.
إذن فالازدواجية ليست اختيارا فكريا و إنما هي ضرورة. و يعكس المثقفون هذا التمزق و التوتر الوجودي الموضوعي الذي يعبر عن شقاء الفكر المتمثل في ضرورة التطور و تجاوز القديم، و ضرورة الإبقاء على الهوية، في حين المطلوب، تأويل نقد الذات، و تحديث البنية الفكرية. و هذا التمزق مرشح للتزايد في إطار كونه صراعا بين الثقافات، فالغرب لا يعطي التكنولوجيا مجانا للمجتمعات، بل إنه يقوم بتقطير الحداثة قطرة قطرة. فالغرب المتقدم ليس ملاكا مبشرا بقيم الحداثة، فهو لا يترك لك فرصة للحاق به. و الغرب يسيطر على النفط ليسخره لمصالحه. إن الصراع هنا ليس صراعا بين الملائكة، إذ أن منطق الحداثة هو منطق القوة، و التناول العاطفي والأخلاقي هو تناول يقع خارج منطق القوة والصراع.
س: عندما يطرح البعض المعتقد الديني في سياق الحديث عن الحداثة يثير مسألة التجاوز ليخلص إلى ضرورة القطع مع الفكر الديني لإنجاح تجربة الحداثة. كيف تقيمون مثل هذه الدعوات؟
ج: عندما نقول التجاوز، فإننا نعني المرور عبر، و ليس القفز على. والتجاوز المطلوب هنا هو استيعاب ما هو موجود، و النقد التفحصي، وغربلة الذات، و التراث، و الهوية من منظور نقدي عقلاني، و التحرر من أسر التراث. كل هذه أشياء تجعل المرء مزودا بمنظار مجدد. فالتجاوز هنا بالمعنى الإيجابي لتجاوز المعوقات، خاصة و أن هناك بنيات تجمدت، فالسلطة تكلست وانضافت إلى مجموعة عوائق أمام التطور، و خاصة العوائق الفكرية التي نعاني منها. و العرب و المسلمون اليوم لا يتساهلون في الجانب الفكري و متطلباته، إذ لا وجود لفكر فلسفي و نشاط حقيقي. أعني لا وجود لنقد عقلي نقدي، لأن الفكر العربي المعاصر يرفض الفلسفة و النقد، باستثناء اجتهادات معزولة في كل من المغرب و تونس ومصر. وهناك نظريات عديدة لا مكان لها في الساحة العربية، كالفينومينولوجيا، والبنيوية، و التفكيكية. واليوم نحن كمشتغلين بالمجال الفلسفي نجد صعوبة كبيرة في نشر كتب الفلسفة. فعندما أردنا طبع الأطروحات الفلسفية التي نوقشت في المغرب، ببيروت، رفض الناشرون ذلك، بعد أن كانوا متحمسين لذلك من قبل، لعدم وجود قارئ، أو مستهلك. فالعربي لا يريد إلا ثقافته. لا يريد سوى أن يرى ذاته في المرآة.
الثقافة العربية لا تستهلك إلا نفسها، و لا تريد إلا نفسها. و هذا هو السر في انتشار الكتب ذات الصبغة الميثولوجية، كأهوال القبور. إننا نعيش معضلة كبرى إذا ما قورنا بالثقافة اليابانية التي تترجم كل شيء. و لقد لوحظ أخيرا أن العرب هم أقل شعوب الأرض، باستثناء الأفارقة، من حيث استهلاك الكتب. إن الثقافة العربية تعاني من الانتكاس و رفض الآخر، و عليها تجديد نفسها و استيعاب التطور، إذا أرادت أن تبقى على قيد الحياة.
س: أكدتم في مناسبات سابقة على وجود بنية تاريخية، و هذا يعني أن في كل مجتمع حداثته الخاصة؟
ج: أكيد أن للحداثة تاريخا، و يكفي أن أذكر مثلا، أن معظم مؤرخي الفكر يعتبرون الحداثة الغربية باعتبارها رائدة الحداثة، لا لأنها نموذجية و إنما من حيث أنها هي الأولى في التاريخ. فالمؤرخون يرجعون بداية الحداثة إلى مفصل القرن 15، بل هناك من يرجعها إلى الفلسفة اليونانية و الاتجاه العقلي مع أفلاطون الذي انتقل إلى الفكر المسيحي الوسطوي ثم إلى الفكر الحديث مع النهضة
إذن مبدئيا فالحداثة لها تاريخ اجتماعي و تقني يتفاوت من مجال إلى آخر، حداثة أوربا عريقة، أما الحداثة الأمريكية فهي طارئة و حداثة حديثة إذا جاز التعبير، إذ لم تبدأ إلا مع نهاية القرن الثامن عشر مع الثورة الأمريكية 1776.
لهذا فعندما يقول رامسفيلد للأوروبيين إنكم قارة عتيقة فهو يقصد قارة عريقة ترهلت، و لها تراث ضخم، لن يعقها عن التحرر و التقدم. في حين أن الحداثة الأمريكية مختلفة تاريخيا، لأنها لا تحمل وراءها الكثير من أكياس الرمل، بينما مجتمعات أخرى تحمل تراثا ضخما، و كلما كان التراث ضخما تحول إلى عائق في وجه التطور، و الثقافة الإسلامية تعاني من تراث يكاد يقف عائقا أمام التطور.
فيما يخص أن لكل مجتمع حداثته الخاصة؛ مبدئيا كلك مجتمع حداثته الخاصة، أي رفضه للحداثة تنبع من الحداثة، و لكن العوائق الداخلية قد تستدعي عوامل خارجية لتقوم بهذا الدور. و اليوم يتحدث العرب عن رفضهم للإصلاح الخارجي، و هو ما أسميه بمكر الحداثة، حيث يتم فرض حداثة مقاسة و مكيفة. كأن الغرب يقول لنا: إذا لم تريدوا أن تتعصرنوا أنتم من الداخل و من تلقاء أنفسكم، فإننا سنفرض هذا التحديث عليكم. إنها أحروجة كبرى، أي أن الحداثة تفرض بنوع من الخبث والقسوة، لأن تخلفكم يزعجنا و يولد العنف و الإرهاب ضدنا. و يجب أن تندمجوا في التاريخ الحديث إن مسألة الإصلاح الداخلي لم يعد سهلا و تلقائيا، و يجد نفسه أمام تحديات وتحريضات خارجية، ليس الاستعمار و العولمة إلا وجها من أوجهها المتعددة. فإذا كان التحديث في فترة ما مطلوبا داخليا، فهو اليوم مطلوب من الخارج، لأن التفاوت يقلق بعض المجتمعات التي ترى في تخلفنا إزعاجا للرفاهية.
س: لكن القول أن الغرب يريد تحديثنا ليس منسجما مع رغبته في التفوق الحضاري بما يتماشى مع مصالحه؟
ج: الغرب ليس ملاكا، فهو مجموعة بشرية تعتقد أنها مؤهلة أكثر من غيرها للتمتع بخيرات الدنيا و الحضارة. و هي متحكمة في دورة الرأسمال العالمي و البورصات الكبرى، و في التكنولوجيا، و المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. و الأمين العام للأمم المتحدة ليس إلا إحدى الكراكيز في يد الغرب. و يكفي أن نذكر أنه لا وجود اليوم لحلف عسكري إلا للحلف الأطلس. إضافة إلى التكتلات الاقتصادية الكبرى، فالقوي يزداد قوة، و الغني يزداد غنى، و لا يريدك أن تتطور إلا في الإطار المسموح به في دائرة الضبط، والتحكم. إن الغرب ليس مبشرا بالحداثة و التقدم، و ليس نبيا للحداثة، و إنما هو مجموعة قوى تسعى للامتلاك و غزو العالم. لذا يجب أن نقلع عن أي تصور أخلاقي للغرب الحداثي الذي لا يريد إلا التبعية و إدماج الآخرين في السوق، لتصبحوا مستهلكين تقنيا و اقتصاديا، و لم لا، إيديولوجيا وفكريا.
س: ظهرت في الغرب نزعات أخلاقية قامت بنقد الحداثة، ثم ما لبث أن انتقل هذا النقد الأخلاقي للمجال العربي الإسلامي. ما هو تقييمكم لهذا النوع من النقد؟
ج: أولا، الحداثة كبنية فكرية و تاريخية مبنية على العقل والعقلانية و النقد، سواء عند كانط أو هيجل. و كانط نفسه الذي نظر للعقل قال بأن العقل هو النقد. ليس بمعنى الهدم، وإنما التقييم و إظهار الجوانب السلبية. و كما بين هيجل؛ إظهار الوجه الآخر. فالحداثة لا تخشى النقد، فهي أساسا مبنية على النقد، و ليس لها نموذج في الماضي تمجده كما يقول هابرماس، و إنما نموذجها في المستقبل. و لا تعتمد لا على نفسها و لا تتخذ كمعيار إلا نفسها. و لذلك فهي تنتقد نفسها باستمرار.
فالنقد هو المكون الأساسي للحداثة، سواء النقد الذاتي أو الخارجي. و من يظن أنه بممارسة النقد على الحداثة سيهدمها فهو واهم.
وفيما يخص النقد الأخلاقي فقد كانت الحداثة الغربية هي البادئة بالنقد الأخلاقي، فشبينجلر كتب " سقوط الغرب" كنموذج للنقد الأخلاقي للحداثة الغربية. و هناك مئات بل الآلاف من الكتب و المفكرين الذين مارسوا النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، و خاصة الفكر الألماني المتاثر ببعض النزعات الصوفية. و تجد ذلك عند شبينفلر و هايدغر و كبار الفلاسفة في مجالات أخرى، فالنقد الأخلاقي ليس جديدا. الفلسفة الألمانية قدمت نقدا أخلاقيا وميتافيزيقيا للحداثة، لكن هذا النقد لم يغير المسار الموضوعي للحداثة. أضف إلى ذلك أن اختيار النقد الأخلاقي للحداثة، هو اختيار لأبسط أنواع النقد، من حيث أن النقد الأخلاقي هو نقد روحي وميتافيزيقي، و يصب خارج آليات الحداثة. أما النقد العميق فهو النقد الداخلي لبنية الحداثة ولديناميكيتها التاريخية، مما يجعلها تنفتح على آفاق أخرى. هذا إضافة إلى أن النقد الأخلاقي يوجد في الغرب نفسه كنوع من الآلية الداخلية التعديلية للمسألة الأخلاقية، لحلها لا عن طريق التبشير الأخلاقي بل عن طريق التأطير القانوني. لأن الانتقال من النقد الأخلاقي إلى التأطير القانوني، انتقال نوعي من الضمير الفردي إلى الضمير الجماعي، و من الضبط الفردي إلى الضبط الجماعي، الذي يزجر المخالفات و الانحرافات التي يمكن أن تسيء إلى المجتمع. و عندما نقول أن هذه الحضارة بدون أخلاق، فإننا نبالغ كثيرا. لأن هناك ضوابط قانونية تفرزها الحداثة، رغم توسيعها للحريات العديدة كاختيار ثقافي. لذا يجب التفكير داخل البنية و تفكيكها داخليا. أعود لأقول أن النقد الأخلاقي ممكن، لكن في إطار فهم عميق داخلي لبنية الحداثة عن طريق القانون. و أقول أن المسألة الأخلاقية تتعلق بالبنية الثقافية العامة للمجتمع. و الثقافة العربية و الإسلامية هي ثقافة أخلاقية.لذا، إذا انبثقت داخل هذه الحضارة حداثة فإن الضبط الأخلاقي ممكن. و الخلاصة أننا عندما نطلق النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، فإننا نقوم بمجرد ملاحظات خارجية لا أقل و لا أكثر.
س: بالإضافة إلى النقد الأخلاقي، يلاحظ استدعاء فكر ما بعد الحداثة الذي تجاوز المفهوم التقليدي لها و اعتبره البعض ركيزة من أجل تجاوز هذه الحداثة المعضلة. سبق لكم أن قدمتم ملاحظات واجتهادات فيما يخص استدعاء هذا الفكر على المجال العربي الإسلامي، هلا قدمتم لنا رؤيتكم في الموضوع؟
ج: نحن مساكين نلهث وراء الموضة و التجديد و التسميات الجديدة، وخاصة لدى بعض النخب. فمثلا اليوم في مجال النقد الأدبي خصوصا، تلاحظ انتعاشا لفكر ما بعد الحداثة على أساس أن هذه الأخيرة ألغت نفسها و بدأت مرحلة جديدة. إن مثل هذا الحديث عن تقليعات ما بعد الحداثة هو الخلط في التواريخ. فنحن في مجتمعات لا تزال تراوح مكانها فيما قبل الحداثة التي لم ندلفها و نستوعبها بعد، و نريد أن نحرق المراحل التاريخية و الفكرية، و أن نقفز لنجلس على كرسي ما بعد الحداثة، و نتخذها تعلة للقول بأن الحداثة قد انتهت، و بأن الفكر التقليدي لا يزال صالحا إذن. إن ما بعد الحداثة مسألة شائكة، و هي قد ظهرت في بداية الخمسينات مع الموجة الثالثة و الثورة الصناعية الثالثة، الإعلاميات والبيوتيكنولوجيا و ما أحدثته من تحولات اجتماعية تحدث عنها السوسيولوجيون، كدنيال بل و ألفن توفلر..و استشرفوا أفقا جديدا.
الحداثة قدمت نفسها كبنية فكرية ذات طابع ميثولوجي؛ العقل، الحرية، لفاعلية و غياب الغايات.. و قام بعض الفلاسفة بنقدها، وهنا تبلور فكر ما بعد الحداثة، الذي لينها و انفتح على مظاهر اللاعقل والمتخيل و العاطفة والوجدان و المقدس و الدين، أي تجاوز العقلانية الصارمة، ذات الطابع النسقي الذي ارتبط بمرويات ونظريات كبرى، كالماركسية، و التحليل النفسي، نحو المحكيات الصغرى، و نحو تشتيت هذه النظريات الكبرى القادرة على تفسير كل شيء؛ التاريخ و الطبيعة. كل هذا ولد وهم أن ما بعد الحداثة مرحلة جديدة، و في الغرب نفسه ولد هذا الوهم لحظة أخرى. في حين أن ما بعد الحداثة هي صرعة ثانية و مرحلة ثانية أكثر مرونة، راجعت فيه الحداثة نفسها و لطفت مقولاتها، و أصبحت أكثر قدرة على احتواء تناقضاتها. لكننا نحن فهمناها فهما خاصا، كمرحلة منفصلة قطعية وكلية، و فهمنا أنها عودة للتقليد، و هذا أحدث نوعا من البلبلة، أفهم أن ما بعد الحداثة هي الحداثة. و قد ألغت الكثير من الطابع الإديولوجي النسقي لها بالعقل، و الحرية و المتعقل. و بالتالي فإن الحداثة عمقت منطقها و عادت إلى أصولها. إنها تجاوز مستمر و مرونة مستمرة و ليس بنية آسنة.
هذا بالإضافة إلى أننا ضحايا تعبيرنا اللغوي، لذلك أرى أنه من المناسب أن نقول بعد الحداثة عوضا عن "ما بعد الحداثة". أو من الأيسر أن نستعمل تعبير الحداثة البعدية، باعتبار أن ما بعد الحداثة ليس خروجا عن الحداثة، و ليس قطيعة مع الحداثة، و إنما ترسيخا و استمرارا للحداثة، و مواصلة لها و ليس خروجا عنها.
س: أستاذ سبيلا، ما هي شروط ظروف قيام حداثة عربية إسلامية؟
ج: الشروط الضرورية هي أولا سلبية أو سالبة، بمعنى ضرورة مراجعة الذات و محاسبة النفس، و فحص الثقافة، و ممارسة نوع من التوجس والشك اتجاه الذات و مكوناتها، و مراجعة الوعي، والذات التمجيدية والنرجسية، و الأوهام الكثيرة ذات الوظائف الدفاعية و الحمائية و نبين الحدود الدفاعية لهذه النرجسية.
اللحظة الثانية هي بلورة وعي تاريخي حديث واعي بمكونات الحاضر، واستيعاب الإشكاليات الأساسية للحداثة الكونية. فاللحظة السلبية تمهد للحظة الإيجابية. و يبدو أن الوعي العربي ممزق وينزف من الجرح النرجسي. الشرط الثاني هو شرط صادم وجارح و يتطلب مباضع الجراحين الفكرية ي إطار بنية لا تزال تحمي نسها و لم تحقق الوعي التاريخي بمكونات اللحظة.
قضايا إسلامية معاصرة
مجلة متخصصة تعنى بالهموم الفكرية للمسلم المعاصر.
السنة التاسعة العدد 30 شتاء 2005 1425


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.