دعمك اللا مشروط لحمدوك بأنه رب المدنية، هل حقق توقعاتك؟    توقيف (17) من سائقي المركبات السفرية بتهمة تعاطي الكحول والمخدرات بطريق الصادرات    الدفاع المدني يخلي عمارة سكنية بعد ميلانها وتصدعها شرق الخرطوم    القبض على شبكة إجرامية متخصصة في تزييف العملات وسرقة اللوحات المرورية    مباحث شرطة ولاية الخرطوم تكشف غموض بلاغ نهب سيارة نصف نقل    برهان تية : المباراة كانت صعبة على الفريقين    خروج مشرف لصقور الجديان من نهائيات الكان    عائشة الماجدي: خليها تجوط    يا احزاب ابعدوا الاطفال من التروس لانهم مرفوع عنهم القلم    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الخميس 20 يناير 2022    وقف نداً للفراعنة .. المنتخب السوداني يخسر بهدف أمام مصر و يغادر أمم أفريقيا    خيار جديد للهلال السوداني بشأن معسكره الخارجي    شاهد بالفيديو: المطربة الجبلية من الغناء و(الهجيج) إلى مدح المصطفى صل الله عليه وسلم و دهشة بمنصات التواصل    نجاة وزير الأوقاف السابق"نصر الدين مُفرح" من حادث سير مروع ونقله إلى المستشفى    إسرائيل أحكمت قبضتها علي الأجواء السودانية وتريد تثبيت أقدامها علي الأرض    شاهد بالفيديو.. طفل سوداني مَرح يقلد نجم السوشيال "صلاح سندالة"    حمدوك يقدم إنجازات مجلس وزراء الحكومة الإنتقالية    السجل المدني: انفراج وشيك في أزمة الجواز الإلكتروني    البرهان يكلف وكلاء الوزارات بمهام "الوزراء"    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الخميس 20 يناير 2022    شاهد بالفيديو.. المذيعة تسابيح خاطر تفاجئ متابعيها بفاصل من الغناء (دويتو) مع الفنانة انصاف فتحي بمشاركة رفيدة ياسين ونشطاء: (مكانك فاضي في أغاني وأغاني)    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني: (أقسم بالله طه سليمان دا أحقد زول ربنا خلقو)    خميس يشهد ختام فعاليات دوري كأس السودان بالجنينة    الحكم بإعدام قاتل الشهيد زروق بالحصاحيصا    تعرض بص ترحيل تابع لإدارة شرطة الإمداد لهجوم بالحجارة و (حدوث إصابات)    انفراج الأزمة.. عودة تدريجية للتيار الكهربائي إلى بورتسودان    والي الشمالية المكلف يطلع علي اداء شركة الاعتماد للتعدين    انطلاق منتدى "ترقية سلسلة قيمة بذور السمسم" ببرج الفاتح غدا    "باج نيوز " ينشر تشكيلة المنتخب لمواجهة مصر    إغلاق قضية دفاع متهم بتحرير شيكات بقيمة 26 ترليون جنيه لكوفتي    مطالب بسعر تعويضي للقمح بالجزيرة    تدشين نفرة جباية الأنعام السنوية بأم كدادة شمال دارفور    مبارك الفاضل: هناك "خيار وفقوس" بين البموت في الخرطوم ودارفور    تقديم مستندات اتهام جديدة في قضية مقتل د. مجدي ووالدته    منى أبوزيد تكتب : خيانة ثقافية..!    مؤتمر أصدقاء السودان.. مهمة معقدة مع استمرار العنف    تأجيل تشغيل شبكات ال5G بالمطارات بعد تحذير من عواقب وخيمة    تفاصيل تسريب (المُلاسنات) الحادّة داخل مجلس المريخ واتجاه لقبول استقالة قيادي رفيع!    اعتداء المليشيات الحوثية على دولة الإمارات العربية ..!!    قد تصل إلى الوفاة.. مرض نفسي "خطير" يصعب تشخيصه    السعودية.. تشمل السجن والإبعاد عن المملكة.. "النيابة" توضح العقوبات المقررة على المتسولين نظاميًا    بخطوات بسيطة.. تخلص من كابوس المحتالين على "واتساب"    شركة تطلب موظفاً مقابل 917 درهماً في الساعة .. بهذه الشروط الغريبة!    ما كفارة وحكم الزوج كثير الحلف بالطلاق؟    بعد "الشمس الاصطناعية".. الصين بصدد تطوير "قمر اصطناعي" مضاد للجاذبية    تسريبات هاتف "سامسونغ" المرتقب.. ميزة شحن سريع وكاميرا قوية    مدير الاستخبارات الأمريكية يلتقي بالرئيس الأوكراني    حيدر المكاشفي يكتب: مليونية الحوت وأبو السيد    مواصفات "غالاكسي تاب اس 8".. وموعد إصداره    دعم من مصرف الإدخار لمركز الفاشر لعلاج الأورام    القائم بالأعمال بسفارة السودان ببودابست يلتقي نائب وزير الدولة بالمجر    في الذكرى التاسعة لرحيل الأسطورة محمود عبد العزيز….أبقوا الصمود    نجوم لا تأفل الشجن الأليم    الحوامل ولقاح كورونا.. دراسة طبية تكشف المخاطر والفوائد    سناء حمد: اللهم نسألك الجنة مع ابي ..فنحن لم نشبع منه    عبد الله مسار يكتب : من وحي القرآن الكريم (كهيعص عند المحبين)    طه مدثر يكتب: لا يلدغ المؤمن من جحر العسكر مرتين    حيدر المكاشفي يكتب: الانتخابات المبكرة..قميص عثمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



( حريات ) تنشر تقريرا مفصلا عن امسية رد الجميل لشاعر الشعب محجوب شريف
نشر في حريات يوم 05 - 04 - 2014

في أمسية العرفان لشاعر الشعب الراحل محجوب شريف كان الشعر حاضرا بصوت الراحل المقيم وفي مقاطع أغنية (يابا مع السلامة) من فرقة (عقد الجلاد) تخللت فقرات الحفل، وأخيراً غناء الأستاذ عبد اللطيف عبد الغني (الشعب حبيبي وشرياني أداني بطاقة شخصية) وأنشد الشعراء وتحدث السياسيون والأصدقاء من كل جهات السودان الكبير، ليرسموا لوحة رد الجميل لمحجوب شريف. (حريات) كانت هناك ونقلت أمس تلخيصاً لليلة التي قدمها باقتدار ومحبة ثلاثي هم الشاعر الكبير أزهري محمد علي، والأستاذة هادية حسب الله والأستاذ محمد حمزة. واليوم تقدم رصداً تفصيليا لفقرات أمسية رد الجميل.
الاستاذ عبد القادر الرفاعي، اللجنة المركزية للحزب الشيوعي : محجوب شريف نم هانئا فانبلاج الفجر أقرب إلينا من حبل الوريد
الكلمة الأولى في الأمسية كانت كلمة حزبه الشيوعي، إذ تم تقديم الأستاذ عبد القادر الرفاعي انابة عن اللجنة المركزية للحزب، والذى ابتدر خطابه بتحية الشعب السوداني وانطلق يتحدث مخاطبا الراحل المقيم، وقال إن الشعب السوداني يفتقده ويفتقد مواقفه ونضالاته، وقال: يا رفيقنا محجوب يفتقدك اليوم الأطفال والمرضى وذوو الاحتياجات الخاصة، واللائى يعانين من الناسور البولي، والمقعدون وذوو الإعاقة، وينتظرك الشباب انتظرك الشباب في الماضي وانتظرك في الحاضر وسوف ينتظرك في المستقبل، الشباب حراس الوطنية والمصدر الدائم للقيادات المتحررة. يا رفيقنا محجوب شريف نم هادئا وانت تعانق رفاقك عبد الخالق محجوب ومحمد ابراهيم نقد والجزولي سعيد والتجاني الطيب وجوزيف قرنق وقاسم أمين وهاشم العطا وفاروق حمد الله وبابكر النور، ورفاقه البواسل نم هانئا وأنت تلحق بسعاد ابراهيم احمد وفرح حسن آدم وعبد الحميد علي وقريب الله الأنصاري وحسن، ومن الله عبد الوهاب، وفاروق زكريا ورفقاء الشعب الشهداء غير المعلومين ولم يريدوا أن يُعلموا ولم يطالبوا بذلك. لقد كان محجوب إنسانا صافيا كالبللور وكان دائم الابتسام رحب الخصال خصب الخيال عنوانا للطيبة والتسامح والإنسانية. لكن سواعده حين يجد الجد كانت تطيح، لم يعرف المساومة يوما ولم يدركه الوهن ولم يفت في عضده إغراء. جاء الى الدنيا بسيطا وترك الدنيا بسيطا كذلك. واصل طريقه في صلابة الفولاذ فأصبح رمزاً للنقاء والصفاء والبطولة والفداء. محجوب شريف ابن الشعب ابن شقائه المتكاثر، إننا نعدك بأننا سائرون في طريقك ملتزمون بوصيتك أنه لا حياة مع الظلم ولا ظلم مع الحياة، ملتزمون بوصيتك الأخيرة لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة، إن الشعوب لقادرة أن تقتلع الظلم من جذوره، وأن تتابع الخطوات يترك بعده سيلا يليه تدفق الطوفان، فيقتلع الطغاة مزمجراً أقوى من الجبروت والسلطان. وواصل مخاطبا الراحل المقيم:
ومثلما حلمت بالسفن تطوف بالبحار،
حلمت بعالم من الفرسان
بالأمن للجميع والعدالة
بالحب سافرا بلا غلالة
حلمت يا محجوب بالجزر
طليقة تطوف بالبحار
حلمت يا محجوب بكوكب من الحدائق الفضية الأوراق
يظل في غصونها الثمر على مدار العام،
حلمت بالحمام
يرتاح آمنا على أكتافنا
ويبتني أعشاشه إن شاء في ثيابنا
إننا نكرر القول بالالتزام بوصيتك إن أتانا نعيك الحزين ألا نملأ أعيننا من الدموع، ولا نترك النساء يعوّلن خلف جنازتك لأنك أفنيت عمرك القصير الطويل محاربا من أجل عالم نضير، لأنك الآن كوفئت بالخلود، وأنت رجل خالد في عالمنا.
يا محجوب شريف المجد لك يا من يحار في مدارك الفلك، وترتمي تبتلاً على حذائك النجوم. محجوب شريف نم هانئا فانبلاج الفجر أقرب إلينا من حبل الوريد إن شعبك وإن كل ذرات الوطن الغالي سوف تصدح باسمك حتى النصر والنصر القريب. محجوب شريف وداعا فمثلك لا يموت.
الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي : كان صادقا وعادلاً ومتواضعاً ومناضلا
مشهد مثل هذا في غير السودان مستحيل لأن أهل السودان باختلاف عقائدهم وأحزابهم واتجاهاتهم جاءوا ليقولون وداعا لشخص كان حبيبا لهم جميعا وكان يعبر بشعره عن ضمائرهم جميعاً. أريد أن أطوف بكم على المعاني التي اعتقد أن الحبيب الراحل كان يجسدها .
في حقيقة الأمر أمثال محجوب من ذوي العطاء لا يفنيهم الموت لأن المعروف أصلا وفعلا أنه:
قد مات قوم وما ماتت فضائلهم وعاش قوم وهم في الناس أموات
من هذا المنطلق أقول إن الراحل كان إنسانيا يخدم الناس بقلبه وفعله ومنظمته التي وهبها للعمل الإنساني، كان إذن ناشطا إنسانيا.
وكان محجوب شريف مصلحا اجتماعيا عمل على تخفيض وتسهيل وتسيير الزواج بالصورة التي يحتاجها مجتمعنا الآن الذي صار فيه الزواج عبئا ثقيلا مستحيلا بسبب هذا صار شبابنا الآن فقط 25% منهم متزوجون، وكثير منهم يطلقون للإعسار، وكان كذلك رحمه الله من الذين يتعاملون مع الناس جميعا مفتوح صدرهم للقريب والبعيد صلاته الاجتماعية واسعة للغاية ولذلك كان أحباؤه كثيرون وعلى طول الخط في العمل العام في الشعر والأدب والسياسة، كذلك كان شاعرنا نصيرا للمستضعفين ومن أكثر المستضعفين في مجتمعنا المرأة ولذلك عندما ولدت له الابنة الثانية وقال له بعض الناس بنت تاني اندهش من هذا الاستغراب لأنه استغراب جاهلي (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم). هذا نفس المعنى الذي كان في الجاهلية ضد المرأة والحقيقة قيل للشاعر أحمد شوقي في مناسبة مماثلة فقال قصيدة طويلة منها: الشمس في عليائها أنثى وكل الطيبات بنات.
كذلك كان شاعرنا ترجمان الوجدان السوداني ترجمه في كبوات السودان وفي صحواته، الشعر الذي قاله في أكتوبر وفي أبريل صار مضرب الأمثال: أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق، وكذلك ما قاله في أبريل: يا شعبا لهبت ثوريتك تلقى مرادك والفي نيتك، وفي كبوات الوطن التي واجهها في بلادنا تصدى للطغاة بكلام قوي سلخهم بألسنة حداد وهم الذين أقاموا في البلاد النظام الذي وصفه أمل دنقل بقوله:
تحدث عن الطقس إن شئت فأنت آمن
أو عن حبوب منع الحمل إن شئت فأنت آمن
هذا هو القانون في مزرعة الدواجن.
ولذلك نراه قد تحدث وتحدى قانون مزرعة الدواجن هذا بشعر سار به الركبان واستطاع بذلك أن يحيي (مقاطعة: حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب)، وواصل: ولذلك استطاع أن يؤكد:
أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فم.
واستطاع بهذا الفم أن يعبر عن وجدان الشعب أثناء ظروف الكبوات، وكان إلى ذلك حلو المعشر متواضعاً يعبر عن المعنى:
إذا امتلأت نفس اللئيم من الغنى تمايل كبرا ثم قال أنا أنا
ولكن الكريم النفس كالغصن كلما تحمل أثمارا تمايل وانثنى
وكان علما في التواصل الاجتماعي، اكثر العلاقات قوة في مجتمعنا، يواصل الناس ويدفع ثمن المودة والمحبة معهم. وفي يوم من الأيام وفي إحدى الأيام وفي إحدى العلل التي أصابته وبعد الشفاء منها دعوته هو وأسرته لتكريم وفي هذا التكريم جاء هو والأسرة وقال لنا وهو يعلم كم شقينا بمايو وقد كان مدحها في غفلة من الزمان ولذلك وبكل نبل وكرامة وشهامة قال أنا اعتذر لكم واعتذر للشعب السوداني عما قلت في هؤلاء الوحوش، والغريب أنه هكذا بنبله عبر، ولكن كثيرين من الذين أشقوا الناس بانقلاباتهم وسجونهم يمشون بين الناس كأنهم لم يفعلوا شيئاً على الإطلاق. (هتاف: ماك الوليد العاق لا خنت لا سراق)، الحقيقة أن كل الذين صنعوا الانقلابات واقاموا معها الطغيان وبطشوا بالناس صاروا هم ضحاياها:
ومن يجعل الضرغام بازا لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا
كان بهذا النبل يتعامل مع الجميع ولذلك يكتسب حبهم وودهم. أقول هذا وأنا في معرض التأبين له لأن هذه الشخصية بهذا النبل قد خلقت بينها وبيننا، وبينها وبين كثيرين ممن لم تجمعهم معه الفكرة المودة والمحبة.
الحقيقة أن هذا الراحل مع كل الظروف المحبطة، والمرض الذي يعانى منه وكنت في آخر لقاء له في بيته هنا أشعر كيف ينازع لكي يتنفس، مع هذا كله استطاع قبل وفاته أن يرسل لنا جميعا تلغراف من تلغرافات الأمل، قال فيه:
ملء جفوني بنوم متأكد
بل متجدد بتنهض تاني
والحقيقة أن أسوأ ساعات الليل وأكثرها حلكة هي تلك تكون قبل الفجر فالفجر آتٍ ونظام الفجر آتٍ (هتاف: حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب).
وآخر ما أقول في شاهد الراحل إن محجوب شريف كان على سنة صديقه الراحل محمد إبراهيم نقد من الذين طوعوا الأيديولوجية للمناخ السوداني، فجعلوا لها جذوراً في المجتمع السوداني تتعدى حدود الأيديولوجية، غلبوا بإنسانيات السودان مفاهيم الصراع الطبقي، واتخذوا من إنسانيات السودان وسائل للتعامل بينهم وبين الآخرين لبناء غد يشترك الجميع في بنائه. خصلة تدل على أقلمة، وهذه الأقلمة ليست غريبة على السودان. كوش استطاعت أن تجذب إليها حضارة الفراعنة وحضارة الإغريق وتبنت حضارة سودانية فريدة، صار السودان بها ليس مجرد مستقبل ولكن صاحب عطاء، وكذلك المهدية التي استطاعت في مفهوم المهدية الشخصنة عند الشيعة وآخر الزمان عند السنة ولكن المهدي جعل المهدية وظيفة إحياء الدين، كذلك جعل المهدي تحريراً أساسياً للفكر الإسلامي على أساس أن الإحياء مستقبلي وليس ماضويا، على أساس أن لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال. هذا المفهوم الذي يجعل المهدية صاحبة عطاء في الفكر الإسلامي لا مجرد استقبال وهذا يعني أن ما يفعلونه من أقلمة الفكر الوافدعلى المناخ السوداني هي مسألة تتطابق تماما مع عبقرية الشعب السوداني. لاعيب أبداً في استقبال فكر وافد، ولكن العيب في التبعية العمياء، نحن في السودان نستطيع أن نستقبل ولكن نستطيع أيضاً أن نطوره لما يلائم ظروف السودان الفكرية والاجتماعية، وهذا ما يمكن أن ننسبه إليه أيضا. هذه الحسنات نعددها له ونحن قوم في شريعتنا نقول مكارم الأخلاق حميدة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق عيال الله خيركم عنده خيركم لعياله، ويقول علماء المسلمين أيضا العدل هو شريعة الإسلام في أي مكان كان العدل كان شريعة الله وحكمه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وبهذا المنطلق نعتقد أنه يمثل تمثيلا وتجسيدا قويا عبارة إن الدين المعاملة. تجد بعض الناس صلايين وصوامين ولكن مستعد أن يغش ويكذب وياكل حق الناس ويفعل ما يفعل ويدعي أن الصلاة تنجيه. وقالت السيدة عائشة يبلغ الإنسان بمكارم الأخلاق ما لا يبلغه غيره بالصلاة والصيام. إن لمكارم الأخلاق محمدة عند الناس وعند الله ونحن نستمطر له الرحمة بموجب أنه كان صادقا وعادلاً ومتواضعاً وكان مناضلا وكان يتصدى للطغاة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).. (هتاف: عاش نضال الشعب السوداني)، وأنا في ختام حديثي هذا أعزي زوجه أميرة وبنيته مريم ومي وأسرته الصغيرة وحزبه والوطن الكبير الذي افتقده، لهم جميعاً حسن العزاء، ونحن نعتقد أن ما خطه من سيرة وما تركه من شعر وما تركه من معانٍ وصمود سيكون زادا لهذا الشعب في نضاله حتى يقيم نظاماً فيه السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي والكامل والعدالة الاجتماعية الناجزة.
الأستاذ فاروق جاد كوث.. ابن الجنوب
ومن ثم تقدم الى المنصة الأستاذ "فاروق جاتكوث" فانهمرت الدموع على حلم الوحدة الذى ظل محجوب شريف ينادى به، وارتفع الهتاف ب"عائد عائد ياجنوب" وكذلك مقاطع من أشعار الفقيد (عشة كلمينا ميري ذكرينا كل سونكي لازم يبقى مسطرينة) و(كله عنده راي كله عنده دين)، وقال جادكوث: الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسمه ممجدا، الموت حق الحياة باطلة والموت حق، بهذه الكلمات أحببت اشارك شعب السودان الكبير في المأساة التي ألمت بنا كلنا في وفاة محجوب شريف والحقيقة سمعت الخبر الليلة وجئت على الفور، الأخ محجوب هو أخ لم تلده أمي، وهو صديق وهو الذي تعلمنا في مدرسته مدرسة النضال والوطن والناس، فهو فقد جلل وحينما جئت قابلني أحد الأصدقاء وسالني تاني جيتوا؟ قلت له الظاهر انك راكب غلط، أنا جايي لوفاة محجوب شريف. الزول البسيط الكان شايل الوطن طيلة حياته، عايز حتة يرك بيه عشان الحصل ما كان يحصل، هذاهو محجوب شريف هو ليس شاعرا فقط هو المرنم والمغني وهو الذي يشدو الفنانون فقط ترجموها للموسيقى، كلنا نتذكر ميري وعشة وهي كفيلة بأن نعرف ما كان في دواخله. محجوب لم يمت لو كان عندنا من الجنوب كنا ضربنا الطبول لأن من هو مثله لا يموت فهو كأي مناضل من أجل السودان الكبير، هو جوانا في أذهانا وفي مخيلتنا، هو محجوب وهو شريف.
كثير من الناس ربما لم يسمعوا بعد، وكل الشعراء موجودين حوله، محجوب فعلا كان لا زم يموت لأنه كان بموت في حب الوطن، وطن مجروح، كان أعظم رجل في زمانه، هو أشهرنا واكثر الناس بطولة صارع بالكلمة صحيح كلنا نقول الكلمة لكن لمحجوب طريقته الخاصة حينما ينطق الكلمة تكون رصاصة عند الظلمة، هل هناك أفضل من أن تموت من أجل الوطن وأن تقول كلمة للوطن ولأبناء الوطن، نسأل ربنا أن يرحمه، حينما سمعت بموت محجوب وأنا قادم من جوبا وهناك مأساة كلكم تسمعون بها، ولكن حينما سمعت بموت محجوب قلت لمأساتي ان تنتظر قليلاً سأرجع لك دعني أرى مأساة محجوب، هو فقد جلل. والخازوق فينا هل سنكون قدر التحدي؟ هل سنتواصل في مدرسة محجوب (هتاف: ماشين في السكة نمد من سيرتك للجايين).
وأخيرا أرسل تعازي لكل أهل السودان شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ولكل العالم لكل افريقيا، هو فقد جلل ونأمل أن نكون قدر التحدي ونتواصل في مدرسة محجوب شريف.
الأستاذ إبراهيم الشيخ.. المؤتمر السوداني
عزائي لأسرة الراحل وأقول لهم كلنا محجوب شريف، وعزائي أيضا للحزب الشيوعي في هذا الفقد الجلل، وأقول صبرا فما زال الزمان كل يوم يختطف منكم درة وانا على يقين أن تعطوا وتقدموا المزيد من الرجال. بالأمس سرت في موكب الراحل وبلغت حتى الميدان ولكن حين حمل الجثمان في الطريق إلى داخل المقابر قررت أن أغادر شيء داخلي يرفض أن يعترف ان محجوب شريف قد رحل وان الارض يمكن أن تضمه ويوارى جسده هناك. واليوم قبل ساعات حين تم تكليفي من حزب المؤتمر السوداني ان امثلهم في هذا الحفل اصابتني الرهبة ولا تزال هذه الحالة تتلبسني، فأنا اقف في حضرة محجوب الشريف السيف في خاصرتي وخاصرة العبارة، وأجد أن محجوب اكبر وابقى من كل الكلمات. ولكن ان جاز لي ان اقول شيئا فسأبدأ وأقول، يا موت لو تركته، وليه مننا سرقته، ودة وقته؟ ما أحوجنا لمحجوب شريف الذي تسرب من بين أيدينا بالأمس هكذا فجأة دون مقدمات ودون أن نكون مهيأين لهذا الفراق المر والموجع. محجوب شريف هو الوطن يمشي على قدمين، هو الإنسان والمناضل الشريف الذي أعطى ولم يستبق شيئا، هو العفيف الشفيف الزاهد الغني الموفور كرامة الشامخ عزة، محجوب شريف مات واقفا كالأشجار، لم ينكسر، لم يساوم، لم يذل ولم يهان، انفق عمره كله حبا لأهله زوجته وبناته وأمه والحزب الشيوعي وكل أهل السودان. محجوب شريف علمنا معنى أن نعيش وننتصر، هزم المحالات والمستحيل والزنازين والمعتقلات والسجن والسجان. صارع الطغيان بقلم وريشة وقصيدة، باللحن والكلمة، فكان مهابا هو في سجنه والسجان في الخارج يرتجف مرعوبا من أغانيه بين الناس أمضى من الرصاص، أنزل الديمقراطية والحرية من عليائها وسماواتها وأخرجها من بطون الكتب ومن برامج الأحزاب الباردة ومن سفسطة المثقفين وترهات السياسيين وجعلها واقعا يمشي بين الناس، وحلما كالخبز والماء والهواء.
محجوب شريف غناء تشدو به الريح والناس ولياليهم ومنابرهم ومجتمعاتهم المدنية. جعل من حياته معنى وقيمة ورسالة ليست كرسالات الأنبياء الكاذبين في زمن انقطعت فيه الرسالات وتوقف الأنبياء كان محجوب شريف نبيا، نبي زمانه، بشر بالتعليم والماء والدواء، قصائده تضج بها المصانع والحقول، علمنا معنى حقوق الإنسان في لغة سهلة ممتنعة، تضج صدقا ووعدا وتمني. فجر الأحلام والأشواق في سودان الخير والنهضة والنماء والسلام والمستشقى والدواء والماء لكأني به كان يعلم أن موكب تشييعه سيكون مهيبا وضاجا بالناس وبالهتاف وبالدعاء وبالأناشيد فقرر من وقت مبكر ان يرد لهم الجميل قبل ان يرحل فكان الإسعاف وفطور الاطفال والمدارس وروشتة الدواء وهم الناس جميعا. حتى وهو في قبره رفض أن يكون مدينا لأحد، بل رحل عنا وكلنا مدينين له، بما علمنا وألهمنا وقدم لنا، سبقى فينا شريف ما حيينا، وإن كان لي من كلمة أخيرة أقول يا محجوب شريف ماك الوليد العاق لا خنت لا سراق، وأقول:
كشك الجرايد في الصباح
كيس الفواكه والملابس والكراريس والحليب
نكهة خبيز الدنيا عيد
عيد انسان عزيز
وطن سعيد
والشعب حر
وطن التعدد والتنوع والتقدم والسلام
حيث الفضاء الواسع حمام
حرية التعبير عبير
تفتح شهيتك للكلام.
ودعاؤنا الحار أن يغفر الله له ويرحمه ويلهم آله وذويه الصبر والسلوان.
الشاعر الكبير القدال ينشد آخر قصائد محجوب شريف
ومن ثم اعتلى المنصة صديقه الشاعر الكبير محمد طه القدال والذي صار مؤخراً الراوي المعتمد لقصائده حيث يحبذ محجوب أن يلقي شعره القدال، وقدم بقصيدة كتبها عن محجوب في يوم 13 أكتوبر الماضي ونصها:
واحد متلو مافيش لا حضر لا ريف
أعمق من بسيط والطف نسايم القيف
قاسم عمره توب للحق وفضح الزيف
محجوب عندنا الوطن العزيز وشريف
وقال: وفي 11 ديسمبر وأنا طالع منه من البيت قال لي انت عارف انا ما احب الشكوى والولولة لكن في سكاكين!
ما ح تشكي الجوة سدرك لا بتطاطي ولا بتكابر
لا السجون هدت مقامك لا الزنازين لا العنابر
للضعيف مرشوش براحك للضلول قولك مقابر
يا فصول فاتحة بتعلم حب وطن ممكون وصابر
ومن ثم قدم آخر ثلاثة قصائد، قائلا: من تحت كمامة الأوكسجين كان يملي مريم ومي وأميرة وأحيانا قاسم. أملاهم قصيدة (صحة وعافية للشعب السوداني) التي كتبها في 31 مارس وهو في مستوصف تقى التخصصي الذي كان فيه، ردا للجميل الذي يرى أن الشعب السوداني قد أسبغه إياه، وجدير بالذكر أنه أول أمس كان يلح أن هذه القصائد الثلاث يجب أن تكتب وتنشر في الأسافير، وينبغي أن تنشر لأنه كان يؤشر لي بيده مع إنه كان في لحظة ممتازة جداً من الصحة، كل زول يجد هذه الورقة ينبغي أن يطبع منها ويوزع، أقول هذا نيابة عن مريم ومي. ثم تلا القصائد الثلاث، الثانية (الأوكسجين..عيد ميلاد أميرة الجزولي) في 31 مارس ومدخلها: صفقوا وغنوا دقوا الطرمبيتة حبتني حبيتا. والثالثة قصيدة لحفيده حميد قاسم أمين ولكل الأطفال في الأول من أبريل 2014م ومطلعها (أنا ليك مشتاق مشتاق مشتاق.. تكبر سبّاق).
دكتور جمعة كندة من جبال النوبة
وتحدث الدكتور جمعة كندة من جبال النوبة قائلا:
ازرع جميلا ولو في غير موضعه فلن يضيع جميلا أينما زرعا
الأحباء المفجوعين من الشعب السوداني من أم درمان إلى جبال النوبة وإلى دارفور إلى حلفا وإلى الدمازين وليس بحدود السودان الجديد بل إلى نمولي. لدي اعتذارين الأول أنني لا استحق ان اكون أحد المتحدثين لأن أي كلمة أنطقها إن لم تنتقص من قامته فلن تزيده شبرا، والاعتذار الثاني أني فشلت فشلا ذريعاً في أن أقرب الشقة بين النظرية والتطبيق وأكون مثل والدي وأخي محجوب الذي كسر نظرية الفجوة بين النظرية والتطبيق، عاش القيم التي آمن بها بصورة لا تجعل هناك مثل وممارسة فكانت الممارسة هي نفس القيم.
اليوم يوم وطن مفجوع ومكلوم ولكن عزاؤنا وبالرغم من أن محجوبا قد مات والموت حق ولكن في ذات الوقت إنه لم يمت، مات الجسد وبقى وسيبقى إلى الأبد محجوب القيم، قيمة الشرف والعفة، قيمة الحرية والعصامية. لقد قدمت هنا كواحد من القادمين من جبال النوبة وكواحد من أصدقاء الأسرة، هذا التقديم خاطيء أنا واحد من أسرة المحجوب، أنا شقيق مي ومريم، ووالد حميد، أمي أميرة وأبنائي هم أحفاد المحجوب.
اليوم هو يوم الحرية فالمحجوب بن الشريف الشريف الحر رحل بجسده ولكنه حرر القيم، حرر نفسه من عبودية الجسد والماديات، والتي أثبت طيلة حياته أنه عاش من أجل القيم النبيلة من أجل الحرية والكرامة وعزة الوطن، من أجل ذلك انتم اليوم هنا لستم وحدكم الحزانى، سواء بقوالبكم الأسرية أو السياسية أو علاقات الدم أو العلاقات الأدبية لستم وحدكم، فالمناضلين من أجل الحرية في كل بقاع السودان حزانى معكم اليوم لأنهم كانوا يرون في محجوب شمعة تضيء من أجل الحرية. وتحدث عن فقدان أهل جبال النوبة لمحجوب وقد كان يشاركهم في كل مناسباتهم وجمعياتهم ويعتبر نفسه فردا منهم وكان يشاركهم في كل شيء حتى أكل الجراد. وقال إن المحجوب كان صاحب قيم عظيمة وإنه أعظم شخصية في عصرنا، وقال إنه لا مجال لشخص ولا جهة أن تزعم أنها تحتكر محجوب شريف، وقارن بين التأبين الذي أقيم للزعيم العظيم نيلسون مانديلا، وبين هذا التأبين ورأى بين المناسبتين شبه ولكن تأبين محجوب يتفوق فقد طالبت أسرة مانديلا أن تحتكر ذلك الاحتفال بينما أسرة المحجوب أتاحت الفرصة للجميع ليشاركوا، وقال إن محجوب رجل صاحب قيم ويجب علينا أن نعلي من هذه القيم، شاكرا إتاحة الفرصة له للحديث في هذه المناسبة العظيمة ولكن عزاءنا أن المحجوب قد زرع جميلا في كل بقاع السودان وعليه فسيحصد ذلك الزرع طال الزمن ام قصر فإن فجر الحرية لا محالة آتٍ.
الأستاذ ساطع الحاج الحزب الناصري
وتحدث الأستاذ ساطع الحاج من الحزب الناصري، وقال لا أدري وأنا اقف اليوم في هذا المنبر هل أمثل نفسي المكلومة أم الحزب أم جموع الغلابة والمطحونين أم كل هؤلاء، وفي هذا المنبر لا يمكن ان تمثل شخص فقط لأن هذا الرجل كان يمثل كل السودان، اسمحوا لي أن أقول خاطرة: آهٍ يا موت آه ألم تجد من كل الملايين التي تقف في صف انتظارك إلا أن تنتزع أفضلنا وأخيرنا وأطهرنا وأقوانا وأصلبنا. آهٍ يا موت آه، كم كنت أنانيا إذ جبيت لنفسك المحجوب المحبوب المرغوب وتركت لنا الحزن والفقد والدمع الغزير، أخذت من ساقبتها حلقتها وألسها وقادوسها وسندقيدتها، وأخذت من مركبنا باطوسها وجاغوسها وصاريها وشراعها ودفتها، وأخذت من رصيفنا منارها وفنارها ونبراسها، واخذت من البلد مرقها وضميرها ونخلتها ووردتها وكلمتها الندية، آه يا محجوب آه، يا القاومت الجبر والجبروت وضعوك في بيوت الأشباح احترمتك البيوت وخافت منك الأشباح، كنت صادقا مع نفسك وشعبك فقهرت سجانك وأرهبت المأمون العمره ما كان مأمون على صحتك. لقد حملك هذا الشعب البارحة على كتفيه.. رغم أنف كل بندقية، وطعنة شقية، لأنك رفضت أن تساوم، وفضلت حتى آخر لحظة في حياتك أن تدوس كل ظالم. ونحن نقسم وكلنا بنقسم ونعاهدك إنه: ح نبنيه البنحلم بيه يوماتي، وطن شامخ وطن عاتي وطن خير ديمقراطي (طالبا من الحضور ترديد مقطع القصيدة معه) ح نبنيه وح نبني في مكان السجن مستشفى وفي مكان المنفى كلية، فليرحم الله هذا الرجل الذي زغرد القبر لأنه ضم رفاة محجوب شريف.
الأستاذ محمد فاروق سلمان..
بسم الحق والحرية والعدالة والفقراء والبسطاء وباسم حلمه المفسح لكل الشعب السوداني، باسم الله، باسم حزبي باسمي أتيت هنا لست معزيا احد ولكن باحثا عن العزاء لي أنا شخصيا مع كل من مي ومريم وأميرة، مع الحزب الشيوعي ورفاقه بوابته للنضال التي اختارها الطريق الذي سلكه فقيدنا محجوب شريف والذي ينضم اليوم لكوكبة ممن عانوا التعذيب في بيوت الأشباح، ينضم للدكتور الشهيد علي فضل والاستاذ امين بدوي، محجوب شريف عاش هذه الفترة الاخيرة من حياته معلولا ولم يكن ذلك بسبب التدخين ولكن بسبب الفترة التي قضاها في ظلمات الإنقاذ الأولى في بيوت الأشباح. ليعاني كما عانى المناضل البطل الشهيد علي الماحي وكثير من السودانيين من اثار تلك الحقبة المظلمة من ظلمات النظام الذي ما زال قائما الى الآن. يبقى الأمل الذي ظل الأستاذ محجوب شريف يزرعه دوما بيننا باقيا براقا، يموت لا يخاف:
أموت لا أخاف
كيفما يختار لي مصيري
أموت لا أخاف قدر ما اخاف
أن يموت لحظة ضميري
هذا نداء لجميع الحاضرين هنا، ضميرنا يجب أن يكون واعيا وصاحيا، هذا صوت الشعب السوداني هذا صوت الإنسانية، أميرة، مريم ومي، تشاركتم الآن مع الشعب السوداني غيابه المادي، محجوب يعيش لم يرحل عنا، يعيش في وجدان كل مواطن سوداني، يعيش في خيال وحلم كل سوداني وفي حلم وخيال كل إنسان. في اليوم الذي يغيب عنا بجسد نهتف بصوته ونهتف لحلمه: حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب.
ختاما: يا دامع العينين والكفن
لا تبتئس الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل
نيرون مات ولم تمت روما بعينيها تقاتل
محجوب غاب عنا ولكن داخل كل منا اليوم محجوب شريف يناضل كما ناضل محجوب شريف. كلمة أخيرة محجوب شريف الإنسان قامت منظمة رد الجميل بكثير من الافعال الخيرة بمجهوده الشخصي أطالب كل أصدقائه ومعارفه أن تتحول لمؤسسة خيرية تضم كل اصدقاء ومحبي الخير للسودانيين المحرومين الفقراء والبؤساء وتكون الليلة انطلاقة حقيقية لنرد الجميل لشاعرنا وحبيبنا الأستاذ محجوب شريف. والتحية للجماهير التي اتت لتعبر اليوم انها اكثر حزنا من أي يوم مضى في هذه الأيام الحالكة المظلمة من تاريخ شعبنا، وقد ظل الأستاذ الاستاذ محجوب شريف دائما يضيء شمعة وضاءة من الأمل أن الليل زائل. كنا نتمنى أن نراك بيننا وأنت ترحل في هذه الأيام من أبريل الثورة التي غنيتها لنا، كنا نتمنى أن تغني ثورتنا القادمة وأن تكون بيننا استاذنا وحبيبنا وشاعرنا وصوتنا وضميرنا يا فخر امتي يا فخر السودان يا عزة اهل السودان يا ضمير أهل السودان الذي ستظل حيا دوما بيننا.
الأستاذة زينب بدر الدين .. لا لقهر النساء
وكان للنساء وجودهن في الأمسية تأكيداً لقيم المساواة والندية التي كانت جزء أصيلا من مشروع شاعر الشعب، فتقدمت الأستاذة زينب بدر الدين بكلمة "لا لقهر النساء" وقالت: لقد اعتذرت كثيرا جدا عن وضعي هذا الموقف ليس لأن الجمع غفير فالجموع لا أهابها ولكني أهاب الحديث عن محجوب شريف. كلنا لو قلنا كل الكلام لن نستطيع أن نوفيه حقه. محجوب شريف الشاعر الذي ألهب الحماس وقوى الثوار وصبر المعتقلين الذين ينشدون في داخل زنازين الحكام في كل العهود العسكرية: نغرّد ونحن في أسرك، وترجف وانت في قصرك. محجوب شريف مهما قدمنا ووصفنا لن نصف جماله لأننا بأشعاره استطعنا ان نصمد ونقاوم والدليل اننا ونحن نشيعه كنا نشيعه بما قدمه كل ما نقوله قاله وقدمه لنا. لا ننعي محجوب شريف وهو لا ينعى لأنه خالد وهل مات ترهاقا؟ يظل محجوب شريف ولآلاف السننين هو الرجل الصامد القوي لم يلن ولم ينكسر وما انباع ما اشتروه وما خاف. كل السجون من شالا لبورتسودان لكوبر لدبك لم تغير كلمة منه. هو من أعظم الرجال الذين دعموا النساء خلد أميرة الحبيبة والزوجة والأم وهذه أكبر اشارة لتخليده وتعظيمه للنساء: ابوك يا مريم ابوك يا مي، وتشرف بأنه أب للبنات فعظم البنات: مريم ومي بنياتي وحشتني ولعبتن بي.
محجوب شريف يوحشنا كلنا دخل كل بيت كشعاع الشمس متسرب في كل القصائد التي حفظها حتى الأطفال الصغار والشباب، وفرحانة جدا وانا ارى الشباب وهم ماشين في السكة بمدوا، لم تنقطع المسيرة. هو شاعر ملتزم هو وطني مستقيم، هو معلم محترم، وهو شيوعي ملتزم بشيوعيته. مبدع ليس شعرا فقط فرد الجميل واحدة من ابداعاته، فكرة الجميل بما تبقى من المبلغ الذي جمعوه له للعلاج رجع المبلغ ردا للجميل في شكل جمعية تدعم الآخرين. محجوب لسان الغلابة والمناضلين والنساء والمستضعفين ولسان هذا الشعب ولذلك سمي شاعر الشعب ومن يسأل يقول من دخل معه انتخابات ليسمى شاعر الشعب، المغتاظ من أن محجوب شريف صار في كل الدنيا صار يعرف بشاعر الشعب ليأتي لنا ببديله ويقول لنا ماذا قال وماذا عمل.
محجوب شريف خالد أبدا ونبي هذه الأمة، وللأنبياء صفات جميعها مطابقة لمحجوب شريف هو لم يأت برسالة سماوية بل برسالة أرضية، رسالة القيم التي أخذت من كل الرسالات السماوية، وهو الرجل الذي حمل على أكتاف شباب كانوا مصرين أمس ألا يتبدلوا وألا يحمل عنهم شخص آخر كانوا يبكون ويهتفون. لم يقف عند جيله ولا عند الجيل بعده ولن يقف عند كل الأجيال القادمة، هو الثورة والذي سوف يجعلنا نستمر ونقاوم وسوف يجعلنا نقضي على هذا الوحش بإرادة صنعها بأشعار وأقوال ومواقف، لا لن يستمر العسكر وإن كان هذا العسكر يرتدي البوت بي دقنه، (هتاف: يسقط يسقط حكم العسكر) وإن كان تسمى بأسماء أخرى، وليست صدفة أن التشييع أمس واليوم الاحتفال كله كان الهتاف ماك الوليد العاق لا خنت لا سراق. وهي رسالة مقصودة ووصلت. هي للعاقين الذين سرقوا هذا البلد. هؤلاء الشباب حينما هتفوا ليس لأنه شعر بل لأنها رمزية محددة: يا محجوب شريف ماك الوليد العاق لا خنت لا سراق ولن يستمر من يسرق هذه البلد ليه يوم وسوف نعيد كل الذي سرقه. شكرا والرحمة لمحجوب شريف، وكل ما نستطيع قوله لأميرة ومريم ومي وحميد ان لكم أعظم رجل مر على هذه البلد.
الأستاذ يحي الحسين حزب البعث السوداني
لو كان رد الجميل رسالة الاستاذ الشهيد محجوب شريف فهي مقبولة ونأمل أن ندفع بها للأمام بالمفاهيم التي أرادها لها محجوب شريف، إذا كان رد الجميل منا اليوم لأستاذ محجوب شريف فهو في رأيي غير مقبول ولن نستطيع رد الجميل لأنه جميل في اعناق الشعب السوداني كله جميعا ويستحق ان يحتفل به الشعب السوداني يوما ما لكي يرد بعض الوفاء للأستاذ محجوب شريف. ما قدمه الأستاذ محجوب شريف معروف، ونحن لا نستطيع الحديث عن الشعر فالذاكرة شاخت، وشعر محجوب ليس من الاشعار التي تذهب للمخ ولكن تجري مجرى الدم تستنهض هذا الشعب على مدى خمسة عقود مستمرة كل الشعب السوداني في دمه جزء من شعره. الشعراء كثر في كل دروب الشعر وحتى شعراء السياسة والساسة كثر فلماذا محجوب شريف؟ محجوب اقترن شعره بأخلاقيات رفيعة ومثل تفرد بها هذا المخلوق، هذه القيم لم يبثها في شكل تباه أو تفاخر وإنما بسلوك منضبط فبالرغم من أنه شاعر منضبط وصارم الالتزام إلا أنه مرتبط بقيم وأخلاقيات رفيعة قل أن تجدها في كافة أفراد الشعب السوداني وليس الشعراء فقط. هذه القيم نابعة من شخصية متفردة مشبعة بها وهو دائما من المثل التي انتهجها في تصريف هذه القيم ألا يتحدث مع شخص ويقول له افعل كذا وكذا وأحسبه حتى مع بناته لا يسلك مثل هذا السلوك وإنما بالقدوة، وهو حقا قدوة مشرفة للشعب السوداني ولليسار السوداني وللثوار السودانيين. إني لا أرى في كل هذه السنين التي عرفت فيها محجوب شخصا بمثل هذه المكارم البتة. اذكر قصة كانت بداية علاقتي بالأستاذ محجوب شريف عندما أقام نميري محاكم الطواريء في 1984م حكمت إحدى تلك المحاكم حكما جائرا وقاسيا على أحد زملائنا المحامين، بالسجن واودع السجن ولأنه مريض تم تحويله لمستشفى السلاح الطبي وكانت الحراسة حوله وغيره من المحجوزين شديدة جدا بجهاز الأمن والشرطة العسكرية وغيرها، قررت ان ازور هذا الزميل يوم صباح الجمعة وأحاول أن أواسيه ووجدت المنطقة مخفورة وعلمت من أحد الأطباء أنه اضافة لمرضه تعرض لحادث حركة واصيب بكسر في رجله وهو الآن تحت الجبس وفي غرفة خاصة، ذهبت لها ووجدت أمامها ثلاثة عساكر قلت لهم أريد أن أسلم على المريض هنا سألني احدهم ما علاقتك به قلت لهم قريبي فدخلت ووجدت معه الأستاذ الشهيد محجوب شريف يداعب فيه بالكلمة وهو يضحك وكانت معنوياته مرتفعة وهو من نفس مدرسة الأستاذ محجوب شريف ولديهم أدوية، الأستاذ محجوب لديه دواء شعره عنده ترياق ضد الإحباط واليأس والقنوط والذي يردده يشعر بتفاؤل كما كان هو متفائلا في المستشفى قبل ساعات من وفاته بان هذا الشعب سينهض وسيعيد كل ما سلب عنه. زوجة المحامي قالت كتبوا لنا خمسة أدوية لا توجد في السلاح الطبي وكان السودان حينها يعاني من أزمة طالت الدواء والجازولين والبنزين وأشياء كثيرة. استاذ محجوب حمل روشتة الدواء وخرج قال إنه ذاهب للبحث عنها وسألته هل معك عربية قال لا فاصطحبته معي، وبحثنا عن تلك الأدوية في أكثر من 12 صيدلية، 3 منها الأستاذ محجوب ذهب للمنزل وأيقظ الصيدلي كان يعرفهم معرفة شخصية واخذناهم للصيدليات، وفي النهاية استطعنا نتحصل على الأدوية فطالبونا بأدوية أخرى، وكنا نلف حول الأدوية من حوالي الساعة 7:30 صباحا حتى الخامسة عصرا، ومنذ ذلك اليوم بدأت علاقتي الحميمة بأخي محجوب شريف. انظروا مدى الإنسانية الرفيعة المزروعة في هذا الرجل. اعتقد ان الانتماء والالتزام الصارم إذا لم يكن مربوطا بهذه القيم وبهذه الإنسانية فليست له أية قيمة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال أدناكم مني منزلة يوم القيامة أكارمكم أخلاقا، العزاء لنا وللشعب السوداني ثم للأسرة الصغيرة.
الأستاذة عديلة الزئبق الاتحاد النسائي
ثم تقدمت الأستاذة "عديلة الزئبق" وقالت الحزن يعتصرنا بعد أن ودعنا بالأمس نجما تلألأ في سماء الوطن حينا من الدهر، لم يكن محجوب الشريف رقما أو فردا عبر الحياة ومضى بل كان مدرسة نهلت منها الأجيال قديمها وحديثها. غاب عنا ذلك النورس الذي ظل يرفرف فوق الرؤوس بين غياهب السجون والمنافي حيث قضى أنضر سنوات حياته دون أن يصيب شظاها خلايا الإنسان داخله وظل يغني في زنازينك ويغني وهو في أسرك وترجف وانت في قصرك. ظل يقاوم بطريقته الخاصة وهو يمد لسانه في وجه من ظنوا أنهم عندما فصلوه عن العمل في مدرسة الحكومة انهم فصلوه عن المهنة والعطاء، خاب فألهم إذ رأوا أن مدرسة محجوب تخطت الأسوار والحواجز وصارت نسيما يستنشقه كل من جالسه أو التقاه ولو على قارعة الطريق، وبعيدا عن المدارس التي أصبح التعليم يباع فيها ويشترى لمن استطاع اليه سبيلا، وبعيدا عن النتائج المزورة شيد محجوب مدرسة للقيم الرفيعة.
كان نصيرا للمرأة دون مواربة أو زيف، قصائده منحازة للمرأة، غنى للأم والابنة والموظفة والطبيبة وست الشاي. ولميري وعشة. كل هذا العطاء يكلله بقدر عالٍ من التواضع ونكران الذات، يقول: أخواني علوا السور أنا طوبة ما ختيت.
وتحدثت طالبته سارة إبراهيم التي ذكرت كيف كان معلماً محبوبا للفصل كله وكان أبو الفصل، وروت كيف أنها وقد كانت صغيرة جدا في السادسة من عمرها في حصة الرسم مرة رسمت رجلا يغسل العدة وامرأة تضربه بالسوط وكتبت عليها: نميري وزوجته بثينة، وكان حينها رئيسا لحكومة مايو، وقالت إن المعلمين وبخوها وقالوا لها إنه بسببها سوف يحضر الأمن وسوف تعاني المدرسة ما تعاني وكانت مرعوبة مما سمعته منهم وهم واقفين أمامها وهي ترفع رأسها لتنظر في وجوههم لقصر قامتها حينذاك وهي طفلة. وبينما هي تبكي جاء (بابا محجوب) وجلس على ركبتيه حتى يكون مستوى وجهه في نفس مستوى نظرها ولا تضطر للنظر للأعلى لمخاطبته، وهدأ من روعها وقال لها لن يحدث شيء مما قالوه، وطالبها دائما ألا تخاف من قول ما تريد والتعبير عن نفسها بحرية مؤكدة أنها تعلمت منه منذ ذلك اليوم فضيلة الشجاعة وعدم الخوف من إبداء الرأي.
قصائد وكلمات
وقدمت قصيدتان ألقتهما طلفتان، الأولى قصيدة للشاعر والدرامي المعروف طارق الأمين كان ألفها العام الماضي تحية لمحجوب شريف، والثانية من الطفلة سهى حيدر القادمة من سنجة خصيصا للتأبين، وكانت سهى حينما علمت بمرض الراحل أرسلت مال حصالتها للمشاركة في علاجه فكتب قصيدة يحييها فيها (سهى يا سهى) تحدثت وهي متأثرة للغاية وقالت إنها لا تتخيل أن تقف أمام بيته وهو غير موجود. كما تحدث أحد طلابه كذلك ذاكرا بصمته كمعلم وتربوي على حياته.
.كما قام الشاعر عثمان بشرى بقراءات شعرية لقصيدتين عن الفقيد واحدة كتبها أيضا قبل وفاته وقال: حينما قابلته سألني هل صحيح أنك نعيتني وأنا حي أرزق؟ فقرأت له القصيدة التي احتفى بها.
الأستاذتان مريم ومي.. بنيات محجوب شريف
أختتمت الأمسية بكلمة من أسرة الأستاذ محجوب شريف قدمتها ابنتاه مريم ومى حيث قامت الأستاذة مى بإلقاء شعرى للفقيد، وفي إشارة لبرقية من مستوصف تقى التخصصي الذي كان يرقد فيه الفقيد جاء فيه اعتذار من المستشفى عن أي تقصير قاموا به، قالت مي: ناس تقى ما قصروا حتى يعتذروا عن تقصير بل أدوا واجبهم على أحسن وجه، ونحن تشرفنا بمعرفتهم كلهم ممرضين ودكاترة وأخصائيين، ما قصروا ولكن أبوي قرر يرحل ونحن نحترم قراره ونتمنى نكون قدر المسئولية. وقالت إنه سيظل حيا وضميره حي مع الشباب الذين كانوا شايلين الجثمان معنا من هنا وحتى أحمد شرفي.
أما مريم فقالت إن هذا ليس تأبينا ولكنه رد جميل، وداع لجسد فان ولكنه يبقى تجاه كل القيم التي بذرها ابا ومعلما وصديقا وحبيبا لنا جميعا. وقالت إن رد الجميل علاقة مستمرة لا تتوقف مع توقف نبضات القلب عن الخفقان. وقالت إن حالة والدها الصحية كانت أعراضا جانبية لمقاومته الديكتاتوريات المدنية والعسكرية. وأن اعماله يوميا تبدا مع شاي الصباح ثم يتجول بهاتفه يجري اتصالاته ثم يحن علينا بونساته. وإن قصائده تحيي الإنسانية دون تمييز للون والعرق والدين، وإنه كان يتحرك ويعيش مبادئه، كان السياسي المحنك الجسور يجتهد في تقديم المساعدات في ظل دولة تحكم بالرصاص. وكان الثوري الذي يجعل من الكلمة رصيدا للتعبير من أجل العدل الاجتماعي.
وقالت إننا يجب أن نحول الحزن إلى طاقة إيجابية. وهناك مشاريع ابتدرها كثيرة تنتظر أن نواصلها. وهناك توثيق لدواوينه ينتظرنا، ولقصص الأطفال والمسرحيات التي كتبها، ومتابعة جمعية مرضى التليف الرئوي التي كان يدعو لها. وقالت مخاطبة روح والدها: أنت باق بأعمالك ورسائلك وشعبك. ثم قدمت الموسيقار عبد اللطيف عبد الغنى قائلة: يجب أن نغني كما أراد، وليتقدم الأستاذ عبد اللطيف عبد الغني ليغني، وليس هناك ماهو أفضل من أغنية الشعب حبيبى وشريانى لتوديعه.
وكان الجميع ينشد الأغنية وهم وقوف بينما سالت الدموع غزيرة وعلا صوت النحيب، وبعدها علا صوت الهتاف بقصائد محجوب، يا والدة يا مريم تحلق حولها الشباب والشيوخ رددوها مختلطة مع الأسى والأمل أن فراق محجوب الجسدي ليس إلا بداية لخلوده الأبدي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.