مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإِبْرَاهِيميَّةُ السِّياسِيَّةِ بَيْنَ التَّدَيُّنِ والذَّرَائِعِيَّةِ فِي فِكرِ التُّرابِي!
نشر في حريات يوم 04 - 11 - 2015

* لا بد أن الترابي رأى في المظهر العسكري للشمولية ما يعيق إقناع دافع الضرائب في الغرب بالتطبيع مع الإنقاذ .. فحلَّ مجلس الثورة!
* عِلة اجتهاد الترابي معاظلة النصوص الدينية لا لوجه الله تعالى وإنما تبريراً لترتيبات سلطوية!
* دعا الزعيم الإسلاموي لأن ينتسب المسلمون لإبراهيم، لا لمحمَّد، تقرباً إلى المسيحيين واليهود وتحسيناً للعلاقات مع الغرب!
* ليس الترابي عقائدياً بالدلالة الدينية وإنما ذرائعي على مذهب التربوي الأمريكي جون ديوي!
(1)
ما يُعرف ب "المشروع الحضاري" مصطلح دالٌّ على مخطط لعمليَّة كبرى أطلقها القسم الرَّئيس من حركة الإسلام السِّياسي في السُّودان، من فوق انقلاب الثَّلاثين من يونيو 1989م، بزعامة حسن التُّرابي، وبغرض إخضاع كلِّ جوانب الحياة السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة لما يتَّسق مع رؤية هذا القسم الأيديولوجيَّة.
بمثل تلك الآمال العراض ولج قادة هذا القسم عقد التِّسعينات من القرن المنصرم، متخفِّفين، أوَّل أمرهم، من أيِّ مخاوف، حيث لم تكن ثمَّة حدود، في البداية، لثقتهم في حركتهم وترتيباتهم. لكن ما أن راح ذلك العقد ينزلق، رويداً رويداً، نحو أواسطه، حتى أخذ الخوف مِن فشل "المشروع" يدبُّ في نفوس أصحابه. فالتَّحدِّيات التي لاحت، آنذاك، في أفقه، لم تكن، أصلاً، في حسبانهم، بل، على العكس، كان قد توطن لديهم اعتقاد جازم بأن سائر دول الغرب، والمحيطين العربي والأفريقي، دَعْ بقيَّة دول العالم، ستجد نفسها مضطرة، إن استتبَّ الأمر لنظام الحكم الجَّديد، للاعتراف به، وللتَّعامل معه، ولو من باب الأمر الواقع de facto على الأقل، وكان ذلك يكفيهم.
على أن الرِّياح غير المواتية التي قد تأتي أحياناً بما لا تشتهي السُّفن هبَّت تملأ أشرعة النظام، من كلِّ حدب وصوب، بعداء ما انفكَّ يرجُّه، ويزعزعه، ويدفع به دفعاً إلى الغرق! من ثمَّ كان لا بُدَّ لأساطينه، تحت وطأة إحساس خانق بخطر العزلة الخارجيَّة، فضلاً عن ضغط المعارضة الدَّاخليَّة، من التفكير في مخرج من المأزق الذي ألفوا أنفسهم بين فكَّيه.
(2)
اقتضى الأمر اجتراح خطة جديدة تنحو، من جهة، للتَّقارب مع الغرب، رغم كلِّ التَّنظير الذي ما فتئ ينصبُّ على التَّيئيس، بالمرَّة، من جدوى استمالته، كون اليهود والنَّصارى لن ترضى عنك حتَّى تتَّبع ملتهم، في استخدام ركيك للآية القرآنيَّة الكريمة؛ كما تنحو، من جهة أخرى، للموادَّة مع البلدان العربيَّة، بعد كلِّ الهجاء الذي طال قادتها عبر الصُّحف، وأجهزة الإعلام، وسائر المنابر العامَّة، في ما لا يشبه سوى إعلان الحرب. لكن، على حين شكَّل التَّقارب مع الغرب همَّ الحركة الأوَّل، لم تشكِّل علاقاتها مع العرب عُشر مِعشار ذلك الهمِّ، فقد قرَّ في عقيدتها السِّياسيَّة، بتبسيط مخلٍّ، أن ترميم ذات البّيْن مع الغرب كفيلٌ وحده باستتباع ترميمها مع العرب، ضربة لازب!
وبطبيعة الحال لم تكن لتغيب عن تقدير التُّرابي، كعرَّاب للنِّظام الإسلاموي وحركته الحاكمة، صنوف المعيقات التي قد تعترض مسار تلك الخطة، وضرورة التَّحسُّب الباكر لها. ومن أهمَّ تلك المعيقات مظهرُ الشُّموليَّة العسكري للنِّظام، وقتها، والذي رأى الرَّجل، ولا بُد، أن من شأنه عرقلة مسعى أيَّة حكومة غربيَّة، إنْ رغبت، في إقناع دافعي الضَّرائب بالتَّطبيع معه، لا سيَّما في ظلِّ "ديموقراطيَّة ليبراليَّة" تقوم على "المحاسبة" عبر صناديق الاقتراع، دورة إثر دورة، كآليَّة للتَّنافس الحزبي! من ثمَّ لم يهدأ للتُّرابي بال حتَّى تمَّ حلُّ "مجلس قيادة الثَّورة" في 16 أكتوبر 1993م، وتحويل معظم أعضائه إلى ولاة، ووزراء، وسفراء بالملابس المدنيّّة!
قد يحاجج بعض الإسلامويين بأن ذلك الإجراء ترتَّب، أصلاً، على اتِّفاق مسبق بين قادة الإسلامويين المدنيِّين والعسكريِّين قبل الانقلاب! لكن سرعان ما سيتَّضح أن هذه الحُجَّة مردود عليها بلسانين، أوَّلهما زعيم بأن التاريخ المتَّفق عليه، إن كان ثمَّة اتِّفاق أصلاً، هو منتصف العام 1992م، وليس أواخر العام 1993م؛ وثانيهما أن العسكريِّين، عندما سألوا التُّرابي كم سيبقون في الحكم بصفتهم العسكريَّة تلك، حدَّد لهم ثلاثين سنة!
مهما يكن من شيئ، فقد انطلق التُّرابي، بتلك العقيدة السِّياسيَّة، يسافر، ويحاضر، ويحاور، هنا وهناك. فجاءت، في السِّياق، أبرز زياراته للفاتيكان، ولواشنطن، ولأوتاوا، وإلى ذلك محاضرته المحضورة بجامعة قالا "القلعة" بمدريد، في أغسطس عام 1994م، عن الحركات الإسلاميَّة بشمال أفريقيا، فضلاً عن لقاءاته، في باريس، بحاخامات اليهود، والتي أثمرت، بلا شكِّ، في إنجاح اجتماع السَّاعتين الذي رتَّبته له المخابرات الدَّاخليَّة الفرنسيَّة، مع مديرها فيليب روندو، بقاعة كبار الزُّوَّار بمطار شارل ديجول، في حضور محي الدِّين الخطيب، الملحق الأمني بسفارة السُّودان هناك، وعطا المنَّان بخيت، السِّكرتير الأوَّل، وهو الاجتماع الذي فتح الطريق، في ما بعد، لصفقة تسليم كارلوس مقابل صور الأقمار الصِّناعيَّة التي مكَّنت الخرطوم من تسديد ضربة ناجحة، آنذاك، لمعسكرات الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، الأمر الذي لم يغفره جون قرنق للفرنسيِّين حتَّى بعد أن شغل منصب النَّائب الأوَّل لرئيس الجُّمهوريَّة، في عقابيل اتِّفاق نيفاشا عام 2005م. وغنيُّ عن الذِّكر، ولا بُدَّ، أن أكبر وأهم أجهزة الاستخبارات الغربيَّة لم تكن بعيدة، بالطبع، عن مشهد تلك التَّحرُّكات.
سوى أن مردود كلِّ تلك الخطوات التي اتخذت للتَّقارب مع الغرب، سعياً لفكِّ عزلة النِّظام الدَّوليَّة والإقليميَّة، لم يكن مُرضياً للكثير من أركان الحركة والنِّظام الإسلامويَّين، حيث لم يُحسب ذلك المردود، في اعتبارهم، مكافئاً لما بُذل في سبيله! مع ذلك فإن الغرب لم يرتو، على ما يبدو، بل واصل إلحاحه في المطالبة، وفق منهج العصا والجَّزرة، بإنفاذ المزيد من تلك الإجراءات، حتَّى بلغ الأمر، في خواتيم التِّسعينات، حدَّ المساس "الخطر" بموقع الرَّئيس نفسه، مِمَّا أفضى، عام 1999م، ضمن أسباب أخرى، مباشرة وغير مباشرة، إلى شقِّ الحركة والنظام، من فوق ما عُرف ب "مذكِّرة العَشرة"، ثمَّ إلى واقعة "المفاصلة" الشَّهيرة التي أطاحت بالتُّرابي نفسه، وبأحلامه الشَّخصيَّة، إلى خارج السُّلطة!
وتلزمنا الإشارة، هنا، إلى أن التُّرابي سعى، في ما بعد، كما ولم يقصِّر بعض خصومه داخل الحركة والنِّظام الحاكم في مجاراته بالمقابل، إلى إدارة ذلك الخلاف، لا بالاقتصار على طابعه السِّياسي العملي، فحسب، وإنَّما بدلق مختلف المدلولات الدِّينيَّة على سطحه، بما في ذلك التَّكفير والتَّكفير المضاد!
لكن لئن جرى جُلُّ ذلك، مع ذلك، في مستوى "السِّياسة العمليَّة"، كما أشرنا، فإن الانقلاب الأكبر، في الحقيقة، كان قد وقع في المستوى "الفقهوفكري"، قبل تلك "المفاصلة" بسنوات، حيث أن تفاقم عزلة النِّظام، واشتداد الضُّغوط عليه، وتزايد المخاطر الناجمة عن كلِّ ذلك، فضلاً عن شُحِّ وتباطؤ مردود التَّطبيع مع الغرب، قد أفضى إلى حَمْل التُّرابي على ظهر مغامرة "فقهوفكريَّة" غير مسبوقة بكلِّ المقاييس!
(3)
في البداية لم يكن الأمر مغامرة بهذا المعنى، بل جاء رافلاً في بردة البراءة الدِّينيَّة، من خلال خطاب راح الرَّجل يبثُّه لتقريب الإسلام، حسب ما أوضح بنفسه، إلى الذِّهن الغربي، المسيحي واليهودي، محاولاً تقديم الإسلام لهذا الذِّهن في مستوى ينفي عنه أيَّ انطباع بالتَّشدُّد في معاداة "الآخر الدِّيني"، على وجه الخصوص، وذلك بالتَّركيز على أنه جاء مصدِّقاً لما أنزل على عيسى، وموسى، وجميع الأنبياء قبلهما، حتَّى أباهم إبراهيم، حيث كان دينهم، أجمعين، هو الإسلام العام، أي الإيمان بربوبيَّة الخالق وحده، وعدم العبوديَّة لسواه.
غير أن المشكلة الكبرى التي شكلت تحدِّياً حقيقيَّاً لذلك الخطاب تمثَّلت في أن غالب الجُّمهور الذي استهدفه الرَّجل في الغرب، من مسيحيِّين ويهود، لا يعترف بالإسلام أساساً، فلا معنى للقول بأنه يعترف بموسى وعيسى، ما جعل من ذلك المدخل خطة غير ذات جدوى، أصلاً، فما الحل؟!
لم يجد الزَّعيم الإسلاموي، يومها، ما يواجه به ذلك التَّحدِّي، سوى خطة بديلة تكاد تكون بلا مثيل، ليس، فقط، في أدبيَّات حركة الأخوان المسلمين التي انحدرت منها حركته نفسها، وإنَّما في كلِّ تاريخ حركة الإسلام السِّياسي في المنطقة بأسرها، على تنوُّعها، ناهيك عن السُّودان. مستخلص تلك الخطة، ببساطة، أنه، طالما كان الإسلام يعترف بجميع الأنبياء، في تسلسل رجوعيٍّ حتَّى أباهم إبراهيم، فلماذا يصرُّ المسلمون على الانتساب الضَّيِّق إلى محمَّد، ولا ينسبون أنفسهم إلى إبراهيم، الانتساب الواسع، الجامع لهم مع المسيحيِّين واليهود؟!
(4)
في الإطار نشر التُّرابي مقالة توجيهيَّة شهيرة من جزئين، بعنوان "مرتكزات الحوار مع الغرب"، بمجلة "دراسات أفريقيَّة" المُحكِّمة، الصادرة عن "مركز البحوث والتَّرجمة بجامعة أفريقيا العالميَّة". ولم يكتفِ بذلك، بل امتدَّ تأثيره الذي لا يحتاج لإثبات، على صعيد الفكرة الرَّئيسة لمقالته تلك، كي يشمل الأستاذين الجَّامعيَّين: حسن مكي الذي نشر إلى جواره، في نفس العدد، مقالة أخرى بعنوان "حوار الرَّسول الكريم مع اليهود"، وأحمد علي الإمام الذي نشر مقالة ثالثة بعنوان "بشائر مستقبل العالم الإسلامي في وجه التَّحدِّيات الحضاريَّة المعاصرة".
وفي الجزء الثَّاني من مقالته المشار إليها، أورد التُّرابي المقتطف المطوَّل التالي: "غالب الأوربيِّين، وقد غفلوا عن دينهم، قد يستفزُّهم المسلم إذا خاطبهم من خلال المشترك الفكري للأديان الكتابيَّة، لأنهم، أصلاً، لا يعترفون بالإسلام، ولهذا نرى أن يكون الخطاب مدرجاً في سياق المقارنة من خلال الحدث الإبراهيمي لأنه هو الأصل المشترك للأديان جميعاً، ويمكن للمسلم ألا ينسب نفسه إلى محمد النَّبي، بل يمكن أن يقول، تلطفاً، إنه لا يريد أن يُسمَّى (محمَّديَّاً)، ليخاطبهم كأنه يريد التَّحدُّث عن هذا التَّقليد الدِّيني الواحد في السِّلسلة النَّبويَّة منذ إبراهيم، وأن تتابع الأنبياء جميعاً ليس إلا تجديداً في تنزيل ذات القيم والمعاني خطاباً لأقوام مختلفين، وفي ظروف وابتلاءات مختلفة. إن هذا هو منهج القرآن في الحوار بين المسلمين والكتابيِّين في سورة البقرة، إذ بعد أن بيَّن العلل التي طرأت على الدِّيانة الكتابيَّة بعد الرِّسالة، ردَّهم كافَّة إلى أصول الدِّين الإبراهيمي، وهو الإسلام. ومن هذا الأساس نحن ندعو إلى أن يتحوَّل الخطاب الإسلامي إلى هذا المشترك الرِّسالي الذي تبدأ به السِّلسلة النَّبويَّة، وكيف أنه لم يقتصر على المحليَّة الجُّغرافيَّة، ولا على الجُّغرافية الزَّمانيَّة، وإنَّما تحرَّك برسالته في كلِّ الشَّرق الأوسط، من العراق إلى فلسطين، فهناك زرع أبناءه وخلافته التي حملت سنَّته، ومن ثمَّ إلى أطراف مصر، ثمَّ إلى مكَّة حيث ترك هناك تراثه وخلافته أيضاً، وبعد ذلك كان إبراهيم عليه السَّلام أوَّل من بدأ يوسِّع دعوة الدِّين السَّماوي الكتابي، لا لقومه خاصَّة مثل الأنبياء من قبله، ولكنه أوَّل نبي وسَّع امتداد الجُّغرافيا على سياق خطابه العالمي، ففتح آفاقاً عالميَّة لرسالته. إننا بمثل هذا السِّياق العلمي في الطرح نستطيع أن ندخل على الغرب الذي يتأثَّر بالعالميَّة" (ع/12، يناير 1995م، ص 18 19).
ولم تغب فكرة الإبراهيميَّة، بنفس هذه الدَّلالة، عن المحاضرة التي ألقاها التُّرابي ضمن فعاليَّات المؤتمر العام لشباب الإسلامويِّين المسمَّى "الاتحاد الوطني للشَّباب السُّوداني"، والذي انعقد بقاعة الصَّداقة بالخرطوم في، أو حوالي، فبراير/مارس 1998م، بمشاركة وفود من مختلف بلدان العالم، بما فيها أمريكا وأوربَّا. ففي تلك المحاضرة بشَّر التُّرابي بدستور 1998م، كما دعا الشَّباب للتَّأسِّي بحركة الطلبة في باكستان وأفغانستان "طالبان"، وبحركات الشَّباب والطلاب في أوربَّا، وركَّز، بوجه مخصوص، على أطروحته المعروفة ب "تحالف أهل الإيمان"، حيث أطلق، في السِّياق، نداءه الشهَّير إلى الشَّباب، والذي تناقلته الصَّحافة وأجهزة الإعلام، يومئذٍ، على أوسع نطاق: "تمرَّدوا، فقد كان إبراهيم متمرِّداً"!
(5)
كان من الممكن، على أيَّة حال، استقبال كلِّ ذلك باعتباره اجتهاداً مشروعاً، ومناقشته، عقليَّاً، على هذا الأساس، في ما لو كان صادراً من التُّرابي لوجه الله تعالى، مثلما سبق للنَّاس أن استقبلوا اجتهاد الأستاذ الشَّهيد محمود محمَّد طه، اتفقوا أو اختلفوا معه، وبصرف النَّظر عن موقف من دبَّروا لاغتياله، لاحقاً، بسبب ذلك الاجتهاد، وفيهم جماعة التُّرابي نفسه.
لكن عِلة اجتهاد التُّرابي الكبرى، بخلاف اجتهاد الأستاذ الشَّهيد، إنَّما تكمن في معاظلته المفضوحة للنُّصوص الدِّينيَّة بما يأمل أن يسدَّ لديه حاجة ملحَّة لتبرير ترتيبات سلطويَّة أبعد ما تكون عن وجه الله تعالى؛ فهي حاجة يصحُّ وصفها، والحال هكذا، ب "الذَّرائعيَّة"، ليس في معناها كأداة بسيطة من أدوات المعرفة، بل كمذهب متكامل في الحياة والمعرفة يتعارض مع المُثُل والمبادئ العقيديَّة، ويكاد يمثِّل الإسهام الفكري الوضعي الأمريكي الأهمَّ خلال الرُّبع الأول من القرن الماضي، وهو المذهب الذي يدعو، حسب مؤسِّسه فيلسوف التَّربية جون ديوي (1859م – 1952م)، لإخضاع النَّظريَّات والأفكار كلها إلى غايات محدَّدة، إنْ خدَمَتها يؤخذ بها، وإلا فلا جدوى من ورائها، إذ لا قيمة لأيَّة نظريَّة أو فكرة، بالغاً ما بلغت قدسيَّتها، إلا بنتيجتها العمليَّة!
التُّرابي، والأمر كذلك، ليس "عقائديَّاً"، بالدَّلالة الدِّينيَّة، وإنَّما هو "ذرائعيٌّ"، بامتياز، في معنى مذهب جون ديوي، وعلى مَن يخالفنا الرَّأي إعادة قراءة هذه المقالة من أوَّلها!
***


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.