كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. كاظم حبيب : الذكرى السبعون لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني والموقف من التجديد والتغيير
نشر في حريات يوم 27 - 08 - 2016

الذكرى السبعون لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني والموقف من التجديد والتغيير
د. كاظم حبيب
صدر كتاب جديد بعنوان ""هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي السوداني؟ بمناسبة "الذكرى السبعون لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني (1946-2016)" ، تحرير الدكتور صديق الزيلعي ، شارك في كتابته بمقالات مستقلة 26 كاتباً شيوعياً وغير شيوعي أو مستقل، تناول بعضها تاريخ الحزب، كما في البحث المهم للسيد الدكتور محمد محمود، وبعضها الآخر حول الاقتصاد والصيرفة الإسلامية في السودان، كما في مقالة السيد الهادي الهباني، أو مناقشة سياسات الحزب في الماضي وعن فترات النضال المختلفة، كما في مقالة التجاني الطيب، والدعوة إلى تجديد الحزب وبناء حزب ديمقراطي جديد، كما في بحث الدكتور فاروق محمد إبراهيم، أو تطرق بعضهم إلى مناقشة ونقد بعض المسائل المبدئية التي يلتزم بها الحزب الشيوعي السوداني، ومنها قاعدة المركزية الديمقراطية، كما في مقال السيد صديق الزيلعي، ومقالات أخرى تناولت ذكريات شخصية مع بعض القادة الشيوعيين والحياة السياسية السودانية وحياة الطلبة بالخارج، كما في مقال الدكتور حامد فضل الله. كانت لي لقاءات مع ممثلي الأحزاب الشيوعية والعمالية في براغ حين كنت عضواً في هيئة ومجلس تحرير مجلة قضايا السلم والاشتراكية (مجلة الوقت)، ومنهم ممثل الحزب الشيوعي السوداني الرفيق د. محمد مراد الحاج، كما تسنى لي اللقاء مع الرفيق محمد إبراهيم نقد في موسكو، أطلعت فيها على عمل ونشاط الحزب الشيوعي السوداني وإنجازاته وإخفاقاته، ودوره في عملية التنوير الفكري والاجتماعي والنضال السياسي. لقد تكرم الصديق الدكتور حامد فضل الله بإعارتي الكتاب لمطالعته. فحفزني على الكتابة مرة أخرى عن اليسار العالمي وبالدول العربية وعن الأحزاب الشيوعية بالدول العربية، ومنها الحزب الشيوعي السوداني.
تميز تاريخ الحزب الشيوعي السوداني على مدى الأعوام السبعين المنصرمة بالروح النضالية العالية والاستعداد للعمل والتضحية بالغالي والنفيس لصالح استقلال السودان وحرية شعبه وازدهار اقتصاده وتقدم مجتمعه على أسس ديمقراطية وعلمانية ملتزماً من حيث الواقع بالشعار العام والسليم "الدين لله والوطن للجميع".
قبل تأسيس الحزب الشيوعي السوداني ظهرت بذور أولية للفكر الماركسي في العشرينات من القرن العشرين وتبلورت في نواتات وحلقات ماركسية منذ النصف الثاني من العقد الرابع من القرن الماضي، ولكنها اجتمعت لتشكل الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو)، في العام 1946 والتي أصبحت فيما بعد الحزب الشيوعي السوداني. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف نضال الشيوعيات والشيوعيين السودانيين، ولم ينقطع عن تقديم التضحيات الجسام، سواء باستشهاد مجموعة غير قليلة من قادته الشجعان والكثير من أعضاء الحزب وكوادره، أم بزجهم في السجون وقضاء سنوات كثيرة فيه. لست ناوياً في هذا المقال أن أتحدث عن تاريخ الحزب الشيوعي السوداني ولا عن البطولات التي اجترحها السودانيون من شيوعيين وديمقراطيين وتقدميين في النضال من أجل الشعب السوداني واستقلاله وحريته تقدمه، إذ إن هذه المهمة الكبيرة هي من اختصاص الرفاق والرفيقات في السودان ذاته أو خارجه، بل أحاول هنا أن أتناول المسألة المهمة التي طرحها محرر الكتاب واشارك اجتهاداً في الإجابة عن السؤال المهم والكبير الذي وضعه الكاتب عنواناً للكتاب في الذكرى السبعينية لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني، "هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي السوداني؟".
منذ أوائل العقد الأخير من القرن العشرين بدأت أتناول موضوع الأحزاب الشيوعية بالدول العربية وأحاول البحث في مدى إمكانية تجديد هذه الأحزاب التي ارتبطت عضواً بالأممية الشيوعية، الأممية الثالثة، والتي اعتمدت الماركسية-اللينينية كمنهج ودليل عمل ونضال فكري وسياسي. ونشرت بهذا الصدد أكثر دراسة موسعة نشرت في جريدة الطريق اللبنانية في أوائل التسعينات من القرن الماضي، كما نشرت مقالات أخرى ولقاءات صحفيه بشأن أوضاع الأحزاب الشيوعية والعمالية بالدول العربية، ثم خصصت مقالاً آخر عن الحزب الشيوعي العراقي في العام 2006 بعد أن توجه لعقد مؤتمره الثامن في أيار/مايس من العام 2007. إن متابعتي لنشاط ونضال الحزب الشيوعي السوداني والأسس الفكرية والتنظيمية التي يعتمدها في عمله بين الجماهير وفي داخل الحزب ومع الأحزاب والقوى الأخرى تسمح لي في أن أبدي بعض الملاحظات في هذا الصدد، والتي تنطبق تماماً على بقية الأحزاب الشيوعية في الدول العربية.
دأب بعض المفكرين والسياسيين العرب الإشارة الواضحة إلى إن الأحزاب الشيوعية قد انتهى أمر وجودها وستنتهي إن آجلاً أو عاجلاً. أختلف مع هذا الرأي تماماً وأؤكد إن الأحزاب الشيوعية بالدول العربية ستبقى قائمة ولن تحل أو أن تنتهي. ولكن إذا استمر وضعها على النحو الراهن، سوف لن يتسنى لها أن تلعب دوراً مهماً وفاعلاً، بل ستبقى هامشية في دورها في الحياة السياسية بالدول العربية بخلاف ما كانت عليه في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وبهذا فوجودها سوف لن يكون له الأثر الذي يسعى إليه الشيوعيون والشيوعيات وفق المبادئ التي يحملونها والشعارات التي يسعون إلى تحقيقها، وبالتالي فهم أمام واحدة من أثنين إما أن يلعبوا دوراً مهماً وفاعلاً ومؤثراً أو أن يبقوا هامشيين ومعزولين عن حركة الجماهير الواسعة وضعيفي التأثير عليها وعلى الحياة السياسية. فأن اختاروا الطريق الأول فما عليهم إلا التغيير وليس التجديد، وإذا اختاروا النهج الثاني، فهذا يعني أنهم غير جادين في عملية التجديد والتغيير بأي حال أو إنها مجرد أحاديث استهلاكية شكلية. وعملية الاختيار ليست إرادية بحتة، بل هي ضرورة موضوعية فرضتها التغيرات الهائلة الحاصلة على العالم كله والذي يستوجب التناغم والانسجام مع هذه العملية الموضوعية الجارية بالعالم.
من عمل في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية بوعي ومسؤولية أدرك دون أدنى ريب الجمود العقائدي الذي سقطت فيه الحركة الشيوعية العالمية والأزمة التي عانت منها الأحزاب الشيوعية على صعيد بلدانها، وخاصة بالدول الاشتراكية والتي قادت إلى ما هي عليه الآن، حيث اختفت المنظومة الاشتراكية، وضعفت الأحزاب الشيوعية إلى حد الهزال وعدم التأثير في الأحداث. ويمكن أن نتابع ذلك في الأحزاب الشيوعية والعمالية في دول الاتحاد الأوروبي مثلا، ومنها على نحو خاص الأحزاب الشيوعية في فرنسا وإيطاليا واسبانيا والبرتغال وغيرها من الدول الأوروبية، التي كان لها نفوذ واسع في الأوساط الشعبية وفي النقابات وفي البرلمان، ولم يعد لها هذا النفوذ والتأثير والدور الفاعل. ومن هنا ستشمل ملاحظاتي جميع الأحزاب الشيوعية بالدول العربية وبهذا القدر أو ذاك بسبب تماثلها من حيث الفكر والممارسة السياسية، رغم وجود بعض التباين في تفاصيل أوضاع هذه البلدان، ولكنها كلها في الهم شرق.
إن من يسعى إلى التجديد الحقيقي والتغيير الفعلي عليه أن يبدأ بنقد الذات من حيث الفكر والسياسة والممارسة، سواء مع المجتمع، أم مع القوى والأحزاب الأخرى أم مع رفاق الحزب والجماهير المحيطة به، أو في علاقته مع الأحزاب الشيوعية والعمالية في الدول الاشتراكية وخاصة مع الحزب الشيوعي السوفييتي في حينها. إن مثل هذه الخطوة تستوجب الجرأة والإقدام من جهة، وستكون الضوء الذي ينير طريق المناضلين وتجنب الزلل المحتمل في العمل والنضال القادمين. إن نقد الماضي صعب جداً، لأن فيه الكثير من الحنين (نوستالجيا) للنضال البطولي وللشهداء الذين سقطوا وللمكاسب التي تحققت، ولكن فيها الإخفاقات التي تعرض لها الحزب والوطن. أرى بأن المادة الدسمة التي قدمها لنا الدكتور فاروق محمد إبراهيم تشكل معلماً مهماً لمن يريد تطوير الأحزاب الشيوعية بالدول العربية إلى أحزاب جماهيرية واعية لطبيعة المرحلة والمهمات المرحلية التي تقع على عاتقها، وهذا بخلاف المقال النقدي الشديد الذي قدمه عضو قيادة الحزب الشيوعي السوداني الطيب الذكر الرفيق التيجاني الطيب الموجه للمقالة القيمة للدكتور فاروق محمد إبراهيم، وهي نموذج يعبر عن الجمود العقائدي في فهم الماركسية والواقع وطبيعة المرحلة والمهمات التي يفترض ان ينهض بها حزب يتبنى شعارات الحداثة والتقدم. لهذا وجدتني متفقاً تماماً مع البروفيسور فاروق محمد إبراهيم ومختلفاً مع الرفيق التيجاني الطيب..
إن من عمل في صفوف الأحزاب الشيوعية في الدول العربية يعرف تماماً ثلاث مسائل جوهرية تتسبب في فقدان الكثير من الديمقراطية الداخلية الضرورية لكل حزب شيوعي، وأعني بها، قاعدة المركزية الديمقراطية، التي تخنق الديمقراطية بكل معنى الكلمة وتصل إلى موقف استبدادي يقول "نفذ ثم ناقش"، وليس "ناقش ثم نفذ"، التي أشار إليها بشكل واضح وصريح الدكتور صديق الزيلعي في مقالته المهمة عن أخطار العمل بالمركزية الديمقراطية في الحزب الشيوعي السوداني. ومن المناسب أن أورد النص الذي نشره الزيلعي المنقول عن الرفيق محمد إبراهيم نقد التالي:
"النظام الداخلي يمثل الحد الأدنى الملزم والضروري لمقومات حياة الحزب الثوري. لكن الممارسة والتجربة الجماعية الواسعة والمتجددة، أغنى وأكثر تنوعاً وعمقاً. ولهذا السبب – تخضع اللائحة دورياً في المؤتمرات للتطور والارتقاء – تعديلاً وتدقيقاً، حذفاً وإضافة، إعادة صياغة وتجديداً، حتى في البنود الثوابت مثل المركزية الديمقراطية" "، وأعتقد بأن ما يقوله يصلح للكثير من تلك التي كانت ثوابت ويفترض ألا تكون.
ثم إن الأوضاع السرية في الحزب كانت تمنع من ممارسة الديمقراطية الداخلية، إضافة إلى القمع وغياب الحريات الديمقراطية بالبلدان كلها كانت تنعكس سلباً على حياة الحزب الداخلية. لقد اعتمد الحزب في بنيته الداخلية ونشاطه الداخلي وإزاء رفاقه قواعد صارمة منها "وحدة الإرادة والعمل" و"الطاعة الواعية" و"الضبط الحديدي" و"التنفيذ ثم الاستفسار والنقاش"، وتقود هذه المسألة إلى وضع نفسي معقد، إلى حالة من الازدواجية في شخصية المناضل، قَبِلَ الحزب بهذه الحقيقة أم رفض. وهذا يعني أن الحزب الشيوعي يفترض فيه أن يرفض ازدواجية الشخصية أو انفصامها أو التحدث بلسانين، وهذا يتطلب السماح بوجود منابر فكرية في الحزب، كما هو حال العديد من الأحزاب الشيوعية التي تحولت إلى أحزاب يسارية ديمقراطية لم تعرف المنابر سابقاً، ولكنها تمارسها اليوم وبنجاح. وهذا يتطلب التخلي عن مبدأ المركزية الديمقراطية و "الطاعة الواعية" وبقية القواعد الأخرى المخلة لفكر واستقلالية الإنسان والمقيدة لحرية الإنسان حقاً، والتحول نحو الديمقراطية بكل معنى الكلمة والتي تعني في كل الأحوال ممارسة مبدأ الأكثرية والأقلية، مع احتفاظ الأقلية برأيها والكتابة فيه دون أن يشوش ذلك على موقف الأكثرية في تنفيذ القرارات المتخذة بالأكثرية. لقد ابتدع لينين والحزب الشيوعي السوفييتي مصطلح "الديمقراطية البروليتارية"، والذي انتقدته بصواب وشدة الماركسية الكبيرة روزا لوكسمبورغ في كراسها الغني الذي كتبته عن الثورة الروسية في سجنها وقبل إعدامها، كما انتقدت مجلس السوفييتات في حينها.
وكلنا يعرف بأن الأحزاب الشيوعية بالدول العربية قد مارست وعلى امتداد الفترات المنصرمة، وبشكل خاص في فترات القادة الأوائل وما بعدهم، نهج عبادة الفرد، الذي بدأ به ستالين في عبادة شخصية لينين، لكي يُعبد هو الآخر أيضاً، وهكذا كان. وهذا يعني التصدي لمن ينتقد تلك الفترة، بحيث لم يجرأ أي شيوعي على انتقاد القادة الأوائل، إلا في فترات متأخرة، ولكنها كانت محفوفة بالمصاعب أيضاً. وهذا يعني أن على هذه الأحزاب أن تتخلى الآن أيضاً عن هذه المسألة التي اشعر بوجودها وتأثيرها السلبي على العمل الجماعي. وهي حالة شبيهة بولاية الفقيه الذي هو القائد الأعلى والمخول من الله في الحكم على الأرض وخليفة النبي محمد والأئمة من بعده، وهو أمر خطير ومجمد لعقل الإنسان وقدرته على التفكير والإبداع والنقد.
من تابع واقع الأحزاب الشيوعية في الدول العربية يعرف بأنها تمنع التكتل وتحرمه، ولكنها ابتليت بالشللية الممنوعة أيضاً، ولكنها مورست في العمل القيادي على نطاق واسع، سواء أكان في المكاتب السياسية أم في اللجان المركزية وفي مواقع أخرى. أؤكد بأنها ما تزال قائمة ومؤذية لعمل الأحزاب الشيوعية، وسبب ذلك غياب الديمقراطية أو نقصها الشديد، والخشية من إبداء الرأي.
غياب الحرية الفكرية في الأحزاب الشيوعية والتركيز في الماضي على الأربعة أو الثلاثة العظام، (ماركس، انجلز، لينين وستالين)، أو مع فهد (يوسف سلمان يوسف) السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي السابق والطيب الذكر، وعبد الخالق محجوب، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، وجورج حاوي بلبنان وخالد بكداش (1912-1995 بسوريا، توفي عن عمر بلع الثالثة والثمانين وكان مريضاً وعاجزاً عن العمل، ولكنه بقي سكرتيراً عاماً للحزب، مما أدى إلى أكثر من انشقاق في صفوف هذا الحزب. أما ليونيد بريجنيف فبقي سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي السوفييتي حتى وهو يتكئ على شخصين في سيره….الخ، إضافة إلى اتهام الكثير من الشيوعيين والماركسيين بالتحريفية والانتهازية …الخ، كلها ساهمت بعدم تطور الفكر الماركسي في أغلب الأحزاب الشيوعية والعمالية على الصعيد العالمي وبالدول العربية، كما إن التثقيف الفكري الوحيد الجانب، وإلى نشوء الإيمانية المطلقة بالنظرية الماركسية، وانتظار الجديد في الفكر والممارسة من الحزب الشيوعي السوفييتي قد حول الماركسية-اللينينية إلى دين جديد لا غير، نبيه ماركس أو لينين ومعهما بعض الأولياء الصالحين! واليوم ما أزال اسمع من يتحدث عن التحريفية، في وقت يفترض أن نعترف بأن القراءة الماركسية متباينة من شخص إلى آخر، ومن حزب إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى. ولهذا ليس هناك من محرف وآخر صحيح، بل أن التحليل الموضوعي وفق الظروف الملموسة، هو الذي يفرض نفسه على الواقع المعاش دون اتهام الآخرين بالتحريفية. فباب الاجتهاد الفكري والسياسي يفترض أن يبقى مفتوحاً على مصراعيه لأنه غير مملوك من أحد أو خاضع لحزب بعينه.
وغالباً ما ألتقي بشيوعيين يشكون من عدم نشر كتاباتهم لا لأنها ضعيفة، بل لأنها مخالفة لوجهة نظر القيادة، أو ما يطلق عليه بوجهة نظر الحزب خطأً!
إن لم تلعب الأحزاب الشيوعية دورها الفاعل في التخلص من هذه الظواهر القديمة وغيرها، ستبقى تعاني من الكثير من المعضلات وستبقى تتحرك على هامش الأحداث. إن متابعتي لعمل هذه الأحزاب في الوقت الحاضر لشيوعيين في القيادة والكوادر والقواعد تشير إلى ذلك، وإلى أن الحزب بحاجة ماسة إلى عملية تجديد وتحديث واسعتين وشاملتين، أو إلى تغيير حقيقي وفعلي.
وبالنسبة للحزب الشيوعي العراق قدمت له بعض المقترحات قبل انعقاد مؤتمره الثامن في العام 2007 التي يمكن أن تكون ذات فائدة للحزب الشيوعي السوداني وبقية الأحزاب الشيوعية بالدول العربية والتي أدونها فيما يلي:
– تمسك الحزب بالمجتمع المدني الديمقراطي واحترامه الكامل لحقوق الإنسان وحقوق المواطنة والحرية الفردية وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والتعددية الفكرية والسياسية والتداول الديمقراطي البرلماني للسلطة ورفض العنف والحركات الانقلابية واستخدام السلاح للوصول إلى السلطة.
إن الأحزاب الشيوعية التي تناضل ضد الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي وضد القهر السياسي والثقافي، تدرك بأن هذه المهمات وتحقيقها هي التي تقرب الحزب من هدف بناء العدالة الاجتماعية، بناء الاشتراكية، على المدى البعيد، باعتبارها ليست من المهمات الآنية لهذه الأحزاب.
لا شك في أن بعض الأحزاب الشيوعية بالدول العربية قد اتخذ بعض الإجراءات التصحيحية أو تخلى عن بعض القواعد التي التزم بها سابقاً، ومنها دكتاتورية البروليتاريا، كما حصل في الحزب الشيوعي العراقي، ولكني ما أزال أرى إنها بعيدة عما ينبغي ان يحصل في هذه الأحزاب لتتحول إلى أحزاب قادرة على المشاركة في طليعة العاملين لتغيير مجتمعاتهم والنظم الاستبدادية والطائفية القائمة في بلدانهم.
وأخيراً أحيي بحرارة الدكتور صديق الزيلعي على مبادرته في إصدار هذا الكتاب المهم بمناسبة "الذكرى السبعون لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني" وجرأته في طرح السؤال الحيوي "هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي السوداني ". أتمنى أن يجد صدى للمناقشة والتحليل وإبداء الرأي حول موضوعات الكتاب.
د. كاظم حبيب / برلين/العراق .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.