سعر الدولار اليوم السبت 31-1-2026.. تغيرات محدودة    خلال أحياء ذكرى الاستقلال، سفير السودان بلندن يتناول جهود القوات المسلحة في إعادة الأمان لعدد من الولايات    وزير الخارجية يقدم محاضرة في مركز الدراسات الدفاعية الهندي حول مبادرة الحكومة للسلام وتطورات الأوضاع    داليا البحيري تقر بشد وجهها.. وتسأل "تفتكروا هصغر كم سنة؟"    رغم نزيف باحثي الذكاء الاصطناعي.. "أبل" تحضر نسختين جديدتين ل"سيري"    الهلال يهزم صن داونز وينفرد بالصدارة ويضع قدما في دور الثمانية    جهاز ثوري يراقب الإجهاد والتوتر المزمن بدقة    من القمة إلى الهبوط.. هل سقط اتحاد جدة في بئر ريال مدريد المظلم؟    إنستغرام تطور خيار مغادرة "الأصدقاء المقربين"    (المريخ …. يتعافى)    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    لم تزدهم الحرب إلّا غالباً    *كش ملك .. هلال اماهور هلال الفرحة والسرور    الهلال السودانى يفوز على صن داونز بهدفين مقابل هدف ويتصدر مجموعته فى دوري أبطال أفريقيا    المقال الأخير ... السودان شجرة "البامبو"    سفير السودان بالقاهرة ينفي شائعة    البرهان يعلنها من الكلاكلة الخرطوم بصوتٍ عالٍ    رشا عوض ترد على هجوم الصحفية أم وضاح بمقال ساخن: (ام وضاح والكذب الصراح .. متلازمة البجاحة الفاجرة!!)    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    الذهب يهوي من قمته التاريخية    شاهد بالصور.. عرسان "الترند" هشام وهند يخطفان الأضواء ويبهران الجمهور بلقطات ملفتة من حفل زواجهما الضجة    شاهد بالفيديو.. قام بدفنها تحت الأرض.. رجل سوداني يضرب أروع الأمثال في الوفاء وحفظ الأمانة ويعيد لجيرانه مجوهرات ذهبية ثمينة قاموا بحفظها معه قبل نزوحهم    بنفيكا البرتغالي وريال مدريد الإسباني.. نتيجة قرعة الملحق لدوري أبطال أوروبا    نشر صور نادرة للعروس مع والدها الراحل.. شقيق الفنان محمود عبد العزيز يهنئ "حنين" بزواجها من المطرب مأمون سوار الدهب بتدوينة مؤثرة (يا محمود اليوم ده كان حقك تكون واقف تدمع وتضحك في نفس اللحظة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سوداني يدعو زوجاته للعشاء بأحد المطاعم العالمية ويتوعد بالزواج من الثالثة وردت فعل الزوجتين تثير ضحكات المتابعين    "إعلان إسطنبول" يؤكد الوقوف الصلب إلى جانب الشعب السوداني في مرحلتي الإغاثة وإعادة البناء والتعمير    والي الجزيرة يشيد بتدخلات الهلال الأحمر السوداني في العمل الإنساني    مبابي ينتقد لاعبي ريال مدريد: لا تلعبون بمستوى "فريق أبطال"    تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها    ارتفاع اسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    وزير الطاقة يعلن التوجه نحو توطين الطاقة النظيفة وتعزيز الشراكات الدولية خلال أسبوع الطاقة الهندي 2026    مصطفى شعبان يعود إلى الدراما الشعبية بعد الصعيدية فى مسلسل درش    مركز عمليات الطوارئ بالجزيرة يؤكد استقرار الأوضاع الصحية    اكتشاف علمي قد يُغني عن الرياضة.. بروتين يحمي العظام حتى دون حركة    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مُوغَابِي: أَنَا الدَّوْلَة! .. L'état, C'est Moi
نشر في حريات يوم 03 - 12 - 2017


(1)
أخيراً .. وبعد كثير مطل ومطاولة، وإرجاء ومساومة، مع الجَّنرالات، تارةً، مستغلاً حرصهم على ألا يبدو تحرُّكهم "انقلاباً"، ومع "رفاقه" في حزب "زانو"، تارةً أخرى، متجاهلاً قرارهم بإقالته من رئاستهم، ومع قادة الدُّول المجاورة، تارةً ثالثة، مستثمراً خشيتهم من أن يروا إقليمهم يغرق في الفوضى، ومع الجَّماهير، تارةً رابعة، وقد رابضت في الشَّوارع، ليل نهار، تطالبه، على بكرة أبيها، بالرَّحيل؛ أخيراً .. وبعد أن عِيلَ كلُّ صبرٍ، وضاق كلُّ صدرٍ، وبلغت الأرواح الحلاقيم، وحزم البرلمان أمره، وقرَّر عقد جلسة مخصوصة لإقالته، بل وحتَّى بعد أن كادت الجَّلسة تبدأ فعليَّاً، وتهيَّأ مويندا، رئيس البرلمان، لإعلان افتتاحها، عندذاك، فقط، تحرَّك موغابي، متثاقلاً، ليستلم مويندا خطاب استقالته الذي زعم فيه أنه يترجَّل طوعاً، ليضمن انتقالاً سلميَّاً للسُّلطة .. وكذَب! فقد ظلَّ يعصلج، حتَّى الثَّانية الأخيرة، كأيِّ مقامر محترف، قبل أن يرمي على الطاولة بشرطه الأساسي للهبوط من عرشه السَّامق، بعد إذ بقى متشبِّثاً به سبعة وثلاثين عاماً، حتَّى تيبَّست أصابعه، أن يُمنح، هو وبعلته غريس، حصانة من أيِّ مساءلة!
كان أهمَّ ما أهمَّ الجَّماهير، لحظتها، حصولها على وثيقة استقالته بأيِّ ثمن! فما لبثت، حين جاءها الفرج، أن انفجرت، مساء 21 نوفمبر الجَّاري، من أقصى البلاد إلى أقصاها، بالطبول، والكرنفالات، وأبواق السَّيَّارات، وصيحات الابتهاج، وحلقات الرقص الشَّعبي، وهطل عليها فرح لم تشهد له مثيلاً إلا لدى استقلالها قبل زهاء الأربعين سنة، وقال أحد النوَّاب بعينين ترقرق في مآقيهما الدَّمع: "إذا استمسك الشَّعب بما يريد، تحقَّق التَّغيير"!
هكذا، وكما يحدث لكلِّ المستبدِّين بعد سقوطهم، لم يرتفع صوت واحد يذكر موغابي بالخير، فلكأنَّ نفس هذا الشَّعب ما كان قد سعد، نفس هذه السَّعادة، يوم تبوَّأ نفس الرَّجل رئاسة البلاد عام 1980م، باعتباره، آنذاك، البطل الذي قاد معركة الاستقلال عن الاستعمار البريطاني! فكيف، تراها، تستقيم هذه المفارقة عقلاً؟!
(2)
السُّلطة قوَّة معنويَّة قد تنفلت من عقالها، إذا لم يتمَّ ضبطها جيِّداً، فتنحرف بتفكير البعض وسلوكهم عن جادَّة الاعتدال العقلي، والسَّويَّة النَّفسيَّة. ذلكم هو درس اللورد أكتون في نهاية القرن التاسع عشر: "السُّلطة مَفسدة، والسُّلطة المطلقة مَفسدة مطلقة
(Power tends corrupt and absolute power corrupts absolutely". to) فهل، تُراك، جرَّبت، مثلاً، أن تستدعي، من ذاكرة أواخر القرن 17، ومطالع القرن 18، لويس الرَّابع عشر، الخائض، أبداً، نزاعات لا تنتهي، وحروباً لا تضع أوزارها، المحبُّ للأعياد الباذخة، والاحتفالات المترفة، والمهرجانات المسرفة، في دولة تعاني الإفلاس، حتَّى لقد فشل كلُّ وزراء ماليَّته في توفير الأموال التي تلزمه، رغم أنه حكم أطول فترة في التَّاريخ الأوربِّي، متربِّعاً فوق الجَّميع، ومختزلاً فلسفة حكمه الإلهي المطلق، بكلمته الشَّهيرة "أنا الدَّولة والدَّولة أنا L'état, c'est moi"؟!
إذا جرَّبت فسترى أمامك، على الفور، أبرز ملوك البوربون ذاك في صورة موغابي، الزَّعيم الزيمبابوي النَّزق، المغرور، المفارق للوقار مثل فتى مراهق، المتوهِّم، وعمره يقارب القرن، أن الموت نفسه ليس بقادر على اقتلاعه من قمَّة سنام زيمبابوي، حيث ظلَّ مغروساً هناك، كمسمار صدئ، زهاء الأربعة عقود، لدرجة أنه لم يعُد يتصوَّر "الدَّولة"، ذاتها، بدونه، فلكأنَّ التَّفريق غير وارد، البتَّة، بين "السُّلطة" و "مَن يتولاها"!
ولا تسَلْ، بعد ذلك، عن الفروق بين الرَّجلين، على اختلاف زمنيهما، فهي كذرَّات رمل الصَّحاري، بلا عدٍّ ولا حد، إذ ارتقى الأوَّل بفرنسا، قبل ما يربو على القرنين، في مجال الثَّقافة على الأقل، من دولة متخلفة، إلى قمة النفوذ العالمي، حتَّى لقد سُمِّي "الشَّمس"؛ بينما انحطَّ موغابي بزيمبابوي، مطالع الألفيَّة الثَّالثة، من قمَّة الأمل في أن تصبح سلة غذاء أفريقيا، إلى سفح اليأس من أن تنجو من مصير التَّسول، حتَّى لقد تحوَّلت من بلد منتج، وحاضن لملايين المهارات والقوى العاملة، إلى بلد طارد بلغت أعداد الهاربين من جوعه وعطشه وجفافه غير المسبوق، إلى جنوب أفريقيا المجاورة وحدها، أكثر من مليون مهاجر؛ بلد تخنقه الفاقة، ويطحنه الفساد، ويتفاقم تضخُّمه بمعدَّلات فلكيَّة، ويرتفع دَّينه الخارجي بنسب خرافيَّة، وتبلغ نسبة البطالة فيه94%، وتتفشَّى فيه الأوبئة والأمراض الخطيرة كالإيدز والكوليرا!
أكثر التَّقارير دقَّة تشير إلى السَّنوات الخمس الأولى، فحسب، من حكمه، باعتبارها شهدت إنجازات نسبيَّة، حيث أضحت زيمبابوي الأفضل، مثلاً، في التَّعليم، أفريقيَّاً على الأقلِّ، بنسبة أميَّة لا تتجاوز 10%. أما العقود التَّالية فسادتها سياسات منحرفة، وترتيبات دستوريَّة وقانونيَّة عشوائيَّة، أوخمها مصادرة 95% من مزارع السُّكَّان البيض، عام 2000م، وإعادة توزيعها على السُّكان السُّود، بدعوى الإصلاح الزِّراعي، قبل التَّحقُّق من مقدرة هؤلاء على حسن إدارتها، كما في السَّابق، مع حرمان 4000 متضرِّر من اللجوء للقضاء، الأمر الذي بدا كمحاربة للعنصريَّة بعنصريَّة أبشع، وأدَّى إلى أعمال عنف، ومذابح، واضطهاد بحسب لون البشرة. وقابل الغرب تلك الإجراءات بعقوبات لم يكن موغابي قد تحسَّب لها، فضلاً عن تأثيرها السَّالب على الزِّراعة، حتَّى لقد تحوَّلت زيمبابوي من بلد يصدِّر المحاصيل، إلى بلد يعاني المجاعة!
(3)
أولاد الرَّئيس الوالغون في حياة الصَّعلكة بحانات جوهانسبيرج هم، بالتأكيد، بعض محن هذا البلد المنكوب! على أن أكبر هذه المحن هي غريس، عقيلة أكبر الرُّؤساء سنَّاً، والتي تصغره بنصف قرن، وأوَّل الهاربين، مؤخَّراً، من سفينته الموشكة على الغرق، تاركة العجوز يواجه مصيره وحده؛ غريس التي لم تكتف بجعل "مليكها العريان" يخطر، في أخريات أيَّام "ملكه"، مجرَّداً من كلِّ فضيلة، ومتوهِّماً، في الوقت نفسه، أنه يرفل في التِّبر، والخزِّ، والدِّيباج، والقصب، بل وبجعله، حتف أنف التَّاريخ، والسِّياسة، والاجتماع، والشَّعب الزِّيمبابوي، يمهِّد لخلافتها له بأن أقال نائبه منانغاغوا، رفيق كفاحه القديم من أجل الاستقلال، ليعيِّن محله مفوكو الموالي لغريس، في خطوة مفضوحة اعتبرت الأخطر، حيث أفضت بالجنرال شيوينغا، القائد العام للجَّيش، لأن يقول فوراً: "كفى enough is enough"، وأن يدفع بدبَّاباته، في 15 نوفمبر 2017م، لاحتلال الإذاعة، والبرلمان، والمحكمة العليا، ومقرِّ الحزب الحاكم، وأن يضَعِ موغابي نفسه قيد الإقامة الجَّبريَّة، وهي "العمليَّة" التي ظلَّ العسكر ينفون عنها صفة "الانقلاب"، معلنين أنها محض "وسيلة" لإزالة المجرمين من حول الرَّئيس!
وإذن، فمحاولة موغابي رفع زوجته إلى مقعد الرِّئاسة، كانت القشَّة التي قصمت ظهر بعيره! فهي سيِّدة بلا أيِّ تاريخ نضالي، أو حتَّى أبسط مؤهِّل أخلاقي، ولم يحملها إلى عضويَّة المكتب السِّياسي لحزب "زانو" الحاكم، أو تسنُّم رئاسة تنظيمه النِّسائي، سوى عشق موغابي لها، وزواجه منها، في حفل أسطوري عام 1996م، بعد أن قدَّموها له كموظفة آلة كاتبة في القصر الرِّئاسي! سيِّدة أقصى مواهبها جولات التَّسوُّق الباذخ في العواصم الكبرى، وترتيب الحفلات التي تنضح بالتَّرف، والمناسبات التي تضجُّ بالفخامة، والتي درجت فيها على تملق الزَّعيم العاشق، حدَّ المبالغة، كالحفل الذي أقامته في 2014م، ودعت الجَّماهير، خلاله، لإعادة انتخابه، حتى لو مات وصار جثة هامدة (!) وإحيائها، العام الماضي، عيد ميلاده الثَّاني والتَّسعين بحفل كلف مليون دولار، في بلد بات يتلقَّى المعونات!
مواطنو زيمبابوي يلقِّبونها ب "غوتشي غريس"، إشارة إلى الماركة العالميَّةGUCCI، وكناية عن ولعها بأغلى المقتنيات على حساب المال العام؛ ويتداولون في ذلك قصصاً عجيبة، كإنفاقها، خلال ساعات معدودات، أثناء رحلة تسوُّق بباريس، مبلغ 120 ألف دولار أمريكي، وسحبها، مطالع التِّسعينات، ما يربو على 6 ملايين دولار أمريكي من البنك المركزي دون وجه حق، وامتلاكها قصرين مبهظين، باعت القذَّافي أحدهما، ويُسمَّى "غريس لاندز"، بينما كلفها بناء الآخر 26 مليون دولار أمريكي. وفي 2010م أظهرت بعض تسريبات "ويكيليكس" اسمها كمتَّهمة بتجارة الماس غير المشروعة blood diamond!
أمَّا حصولها على الدُّكتوراه في علم الاجتماع، من جامعة زيمبابوي، عام 2014م، فتظلُّ القصَّة الأكثر طرافة، إذ حصلت عليها بعد شهرين، فقط، من التَّسجيل .. دون أن توجد أطروحتها في أيِّ مكان!
وفي الرَّابع من أكتوبر المنصرم قبض على الصَّحفي كنيث نيانجاني لإيراده خبراً اعتُبر "مسيئاً" لها، حول "تبرُّعها" بملابسها الدَّاخليَّة المستعملة لعضوات "رابطة المرأة" التي تترأسها في الحزب الحاكم!
وبالمناسبة، فإن زيمبابوي مصنفة في المركز/128، ضمن قائمة منظمة "صحفيون بلا حدود" لمؤشر حريَّة الصَّحافة العالمي للعام 2017م، والتي تضمُّ 180 دولة. وقد وصفت المنظمة الوضع الإعلامي هناك بكلمة واحدة .. "قمعي"!
(4)
أجبر موغابي، إذن، على التَّرجُّل مقابل حصانة ظلَّ يساوم من أجلها، حتَّى ورمت لهاته، له ولغريس. وفي الأثناء لم تعُد خافية علاقة منانغاغوا، أو "التِّمساح"، كما يلقِّبونه، ب "عمليَّة العسكر"؛ فرغم أن موغابي أزاحه، قبل أيَّام، إلا أن العسكر والنُّوَّاب استهدفوا بالإزاحة موغابي نفسه. وجاءوا بمنانغاغوا، مساء الخميس 23 نوفمبر، ليؤدِّي القسم نهار الجُّمعة 24 نوفمبر كرئيس للبلاد، دون أن يفتقد أحد مفوكو، نائب الرَّئيس الذي عومل كمحض جردل لجمع القمامة بركن القصر الرِّئاسي!
في الأثناء راح موغابي يتلظى في جحيم وحدته كجنرال هابط من إحدى روايات ماركيز! فحتَّى غريس هربت، الله وحده يعلم إلى أين. وتخلى عنه أقرب الأقربين في الجَّيش، مثلما تخلى عنه الرِّفاق في رابطة قدامى المحاربين. أمَّا أعضاء الحزب الذي يرأسه فقد عقدوا اجتماعاً، بدونه، وأقالوه من رئاستهم؛ بل ووَرْوَرُوا له بالأعين الحمراء، وطالبوه، الضُّحى الأعلى، بالاستقالة من رئاسة الدَّولة كلها، هم الذين ما كانوا ليجرؤوا، يوماً، على رفع أعينهم إلى عينيه!
وبمناسبة ترجُّله أعلن الاتحاد الإفريقي، باللغة المداهنة، ذاتها، التي اعتاد عليها، ترحيبه بقرار الاستقالة "بعد حياة كرّسها لخدمة زيمبابوي"، معتبراً ذلك خياراً "سيحفظه له التَّاريخ" .. فتأمَّل! أمَّا الجنوب أفريقي جاكوب زوما فقد أبدى "تفاؤلاً حذراً" بهذه الاستقالة! وأمَّا البوتسواني إيان خاما فقد صرَّح، عديل كدا، بأن موغابي لا يتمتع بأيِّ دعم دبلوماسي، وأنه "ينبغي ألا يبقي رئيس في السُّلطة لثلاثة عقود"!
حتَّى الصُّحف المحليَّة لم تخلُ من غمز "الشَّماتة" ولمزها. فعلى سبيل المثال عنونت "نيوزدي" عددها غداة الاستقالة: "وداعاً"! أمَّا صحيفة "الهيرالد" الرَّسميَّة فقد عنونته "وداعاً أيُّها الرَّفيق الرَّئيس"، بل ولم يفتها أن تكتب عن "أخطاء الماضي"!
وبدأت بريطانيا تتحدَّث عن مستقبل مستعمرتها السَّابقة بدون موغابي، معلنة أنها تريد لها أن تنضمَّ، مجدَّداً، إلى المجتمع الدَّولي، حيث يشكِّل "سقوط" موغابي "بارقة أمل"، وأن "الأولويَّة أن تكون لديها حكومة شرعيَّة منبثقة عن انتخابات حرَّة وعادلة". كذلك عبَّرت أمريكا عن أن هذه الاستقالة "فرصة تاريخيَّة" للتَّغيير، وإنهاء "عزلة" زيمبابوي الدَّوليَّة.
أمَّا الصِّين، "الشَّريكة" الأبرز لزيمبابوي، فقد أثارت "الغارديان" البريطانيَّة شكوكاً جديَّة في علاقتها بالإطاحة ب "صديقها" موغابي، حيث كشفت عن زيارة قام بها الجَّنرال شيونغا إلى بكين، في إحدى عتبات "الانقلاب"! واستنتجت أن العالم قد يكون شهد للتَّو أوَّل نموذج "انقلاب سرِّي" من النوع الذي كانت تفضّله "السي آي إيه" الأمريكيَّة، و"الإم آي 6″ البريطانيَّة، ولكن، هذه المرَّة، بملامح صينيَّة! وأسندت الصَّحيفة تحليلها إلى مصالح الصِّين الاقتصاديَّة ونفوذها السِّياسي في زيمبابوي منذ سنوات الصِّراع من أجل الاستقلال.
على أيِّ حال، وبصرف النَّظر عن تحليل "الغارديان"، فإن من الوارد، عقلاً، أن الصَّين التي اقتدت بالإمبرياليَّة الغربيَّة في استثمار اقتصاديَّات "البلدان النَّامية" لخدمة مصالحها، لا تستنكف من الاقتداء، أيضاً، بأساليب ومناهج المخابرات الغربيَّة في حراسة هذه المصالح، حتَّى لو اضطرَّت إلى .. صناعة الانقلابات!
(5)
مهما يكن من أمر هبوط موغابي "اضطراريَّاً"، وصعود "التِّمساح" على أسنَّة رماح العسكر، فإن ثمَّة من يعبِّرون عن الخشية، بحق، من ألا يتعدَّى ذلك ذهاب "قيصر" قديم، ومجئ "قيصر" جديد! فالتَّناوب الشَّكلاني الفوقي على سدة الحكم لا يعني، بالضَّرورة، مزيداً من الدِّيموقراطيَّة! كما وأن "الدَّولة العميقة" لن تتيح تحقيق تقدُّم طالما أن ثمَّة عناصر من الحزب الحاكم ما تزال في السُّلطة! وهذه الهواجس السِّياسيَّة ليست بعيدة عن الحقيقة لعدَّة أسباب:
أوَّلاً: رصدت منظمات دوليَّة معنيَّة بالدِّفاع عن حقوق الإنسان، مثل "هيومن رايتس ووتش"، و"منظمة العفو الدوليَّة"، جمهرة وقائع قتل، وتعذيب، واختفاءات قسريَّة وقعت في عهد موغابي، دون أن يكون ثمَّة ما يبرِّر استثناء منانغاغوا من المسؤوليَّة عنها، فقد كان، دائماً، أهمَّ أركان جهاز الأمن، ونائباً لموغابي، وساعده الأيمن، ومستودع سرِّه، ورفيق دربه في الحرب والسِّلم، وأقرب حلفائه ومعاونيه إليه.
ثانياً: لم يُرصد لمنانغاغوا خلاف مع موغابي سوى كونه منافس غريس الأخطر، والمهدِّد الأكبر لفرصتها في خلافته؛ وليس ثمَّة سبب، سوى هذا، لإقالته.
ثالثاً: "صفقة" استقالة موغابي مقابل تحصينه، هو ورفيقته، من المساءلة كانت "أوَّل الوهن" الذي ستدفع زيمبابوي ثمنه غالياً، طال الزَّمن أو قصر، بينما تمثَّل البديل الثَّوري الأكثر سداداً في قول كريس موتسفانغوا، الزَّعيم الشَّعبي، ورئيس رابطة قدامى المحاربين، مومئاً إلى موغابي: "إذا لم يقدم استقالته، فسنطلب من الزيمبابويين أن يدلوه على طريق الخروج!"، ما يعني ردِّ الأمر إلى الشَّعب، لا التَّعويل على الانقلاب.
رابعاً: الدَّعوات التي ارتفعت من عدَّة جهات "لاستدبار تجاوزات الماضي، وإجراء إصلاحات أساسيَّة في جهازي الجيش والشُّرطة اللذين كانا أداتَي الشُّموليَّة الرَّئيستين"، أثبتت الخبرات التَّاريخيَّة لعشرات البلدان عدم جدواها إن لم تقترن بمشروع متكامل ل "العدالة الانتقاليَّة" بهدف تصفية "تركة الماضي" المثقلة، بحيث يكون هذا "الإصلاح المؤسَّسي" أحد عناصرها، وليس هدفاً مفصولاً عن جماع هذا "المشروع المتكامل". بدون ذلك لا يمكن حتَّى مجرَّد التَّفكير في "استدبار تجاوزات الماضي".
خامساً: تدخُّل الجيش في الحياة السِّياسيَّة بهذا السُّفور يثير مشكلة في حدِّ ذاته. فرغم أن حزب "زانو" الحاكم أدان هذا التَّدخُّل، في بدايته، بل اعتبره "خيانة عظمى"، إلا أنه انتهى بموالاة الجنرالات، ومباركة خطوتهم! وللمفارقة، فإنه قد اعتبر التَّحرُّك العسكري "ضروري للدُّستور ووحدة الأمَّة"! كما عبَّر أحد قادته عن ندمه على موقفه الأوَّل الرَّافض للانقلاب، طالباً الصُّفح من الجنرال تشوينغا، بقوله: "ما زلنا صغاراً نرتكب الأخطاء"!
فكيف السَّبيل، بإزاء ذلك، للخروج بالبلاد، وحزب "زانو"، والحركة السِّياسيَّة الوطنيَّة من هذا الوحل اللبيك؟!
***
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.