الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    مجلس السيادة ينعى للشعب السوداني وفاة 21 شخصا من منطقتي ديم القراي وطيبة الخواض    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اَلْتَدْمِيْرُ اَلْإِسْلَاْمَوِيُّ لِلْتَعْلِيْمِ فِيْ اَلْسُّوْدَاْنْ!
نشر في حريات يوم 29 - 03 - 2018

أحداثٌ كثيرةٌ شَهِدَها قطاعُ التعليمِ مُؤخَّراً، ليس أغربها الأسئلة (المُعقَّدة) وتسريب الامتحانات المُتلاحق، أو فشل (8400) مُعلِّم في اجتياز امتحانات رُخصة مُمارسة التعليم، ولا قيام مُعلِّمة باغتصاب طفلة عمرها أربع سنوات، أو وصول الأُمِّيَّة الولائيَّة ل70%، وغيرها من صور التَراجُع والانحدار، لأنَّ الخراب الإسْلَامَوِي للتعليم (مُتجَذِّر)، وأكبر بكثير من أيٍ من الأمثلة السابقة رغم جَسَامَتِها، فهو تدميرٌ مُمَنْهَجٌ بدأوه منذ سَطْوِهِم على السُلطة، لاستدامة سيطرتهم ب(تجهيل) وإفساد السُّودانيين، وإضعاف تَرابُطهم الوجداني والاجتماعي.
في هذا الإطار، وبُناءً على ما أسموه مُؤتمر سياسات التعليم عام 1990، نَفَّذَ المُتأسلمون جريمتهم/خيانتهم الوطنيَّة والإنسانيَّة والأخلاقيَّة، مُتدثِّرين بالدِّين لشَرْعَنَة وتجميل تخريبهم غير المسبوق. حيث ادَّعوا بأنَّهم وضعوا (إطاراً) لإصلاح التعليم، استناداً للطبيعة البشريَّة والقيم (الدِّينيَّة)، وأعدُّوا مناهج دراسيَّة ذات مَسَاقَيْنْ أوَّلهما، (إلزامي) يُطبَّق دون استثناء، وتُسْتَوْحَى جميع معارفه من القرآن وكُتُب الحديث، والمساقُ الثاني (اختياري) يسمح بانتقاء بعض التخصُّصات، واشاعوا بأنَّ تلك التعديلات تُقلِّل تكلفة التعليم و(تُطيل) العمر الإنتاجي للمُواطن! وأصْدَرُوا مرسوماً رئاسياً، مطلع عام 1991، بمُضاعفة أعداد طُلَّاب الجامعات، وجَعْلُوا اللُّغة العربيَّة لُغَةُ التدريس الرئيسيَّة بدلاً عن الإنجليزيَّة! ثُمَّ قاموا بتغيير السُلَّم التعليمي وقَسَّموه لثلاثةِ مُستويات، أوَّلها مرحلةُ التعليم قبل المدرسي (3-6 سنوات)، والثاني هو مرحلةُ الأساس للأعمار (6-7 سنوات) وحتَّى (13-14 سنة ورُبَّما أكثر)، والمُستوى الثالث/الثانويَّة (15-18 سنة).
بالنسبة لتغيير السُلَّم التعليمي، فهو الثاني بعد استقلال السُّودان، إذ قامت حكومة نميري بتغييره عام 1969، وحَقَّقت بعض النجاح لعدَّة اعتبارات، أبرزها رَصَانَة الخدمة المدنيَّة وقُوَّة الاقتصاد السُّوداني آنذاك، مما ساعد على تشييد/بناء الفصول الدراسيَّة المُضافة (الخامس والسادس) في وقتٍ قياسي، وتجهيز المناهج التعليميَّة والتربويَّة وتقييمها وتقويمها وفق الأُسُس العلميَّة المُتعارف عليها والمُعتمدة عالمياً، وتأهيل وتدريب المُعلَّمين عليها وعلى كيفيَّة تدريسها، وساعد في ذلك، أنَّ وزارة التربية والتعليم كانت زاخرة بالكوادر (المُؤهَّلة) والمُبدعة آنذاك، واستطاعت التعاطي مع التغييرات الجديدة بسلاسةٍ واحترافيَّةٍ عالية. أمَّا السُلَّم التعليمي للمُتأسلمين، فقد جاء كارثياً بمعنى الكلمة، ولعلَّ أكبر (كوارثه) التي ما زالت مُستمرَّة حتَّى الآن، هي (جَمْعُ) التلاميذِ بأعمارهم المُتفاوِتة دون رقابة/حِماية، مما ساهم في انتشار الشذوذ الجنسي، استناداً لعددٍ من الدراسات/الإحصاءات الميدانيَّة (المُوثَّقة)، وسأفرد مساحة لاحقة لهذا الموضوع بحول الله. كما أسفر السُلَّم التعليمي الإسْلَامَوي عن عدد من الظواهر الخطيرة، كتعاطي المُخدِّرات والتدخين وغيرها من الانحرافات السُّلوكيَّة. ورغم ذلك، أضافوا سنةً (تاسعة) لمرحلة الأساس عام 2014، أي (زَادُوا الطِّين بَلَّة)، ثُمَّ أعلنوا عن (إعادة) المرحلة المُتوسِّطة بدءاً بالعام الدراسي 2015-2016، ولم يُنفِّذوا ذلك حتَّى الآن! بما يُؤكد أنَّ إعلانهم عن إرجاع المُتوسطة، كان لامتصاص احتجاجات التربويين (الشرفاء) والشارع العام، بعدما (ثَبُتَ) للجميع عدم استيفاء مُتطلَّبات المرحلة المُتوسطة، أو حتَّى الفصل التاسع الذي استحدثوه. حيث لم يقُمْ المُتأسلمين بتهيئة المناهج وتقييمها وتقويمها، وتدريب المُعلِّمين على كيفيَّة تدريسها، وقياس استجابة التلاميذ لمضامينها وغيرها من المُتطلَّبات! فضلاً عن غياب المدارس المُتوسِّطة (المُنفصلة) عن مدارس الأساس، أو (فَصْلَ) التلاميذ وفقاً لأعمارهم، تمشياً مع القواعد التربويَّة والشرائع السماويَّة والقوانين الوضعيَّة، وتخفيفاً (للتَحَرُّشات/التعدِّيات) الجنسيَّة المُتزايدة، نتيجة لبقاء (الأطفال) مع الصِبْيَة (المُراهقين) بلا رقابة!
اللافت، أنَّ هذه (الجرائم) الإسْلَامَوِيَّة، وعلى رأسها تغيير السُلَّم التعليمي، أتت كتوصياتٍ لمُؤتمرهم المشئوم عام 1990، علماً بأنَّ توصيات المُؤتمرات (لا تُنَفَّذ)، إلا بعد دراستها تفصيليَّاً بواسطة مُتخصِّصين في المجال المعني، وتقييم نتائج الدراسات وفقاً لمعايير مُحدَّدة بدِقَّة، ثُمَّ تقويمها وتطبيقها ومُعالجة اختلالات التطبيق، وهذا ما لم يفعله المُتأسلمون، الذين دمَّروا كل ما له علاقة برصانة التعليم، وجهاته (المرجعيَّة) المَعْنِيَّة بوضع ومُراجعة المناهج، وتدريب وتأهيل وتقييم وتقويم المُعلِّمين. وما يُؤكِّد التخريب الإسْلَامَوِي (المُتعمَّد) للتعليم، تَجَاهُلَهُم الواضح لعددٍ من التوصيات الهامَّة بذات (مُؤتمرهم)، وهي التوصيات المُتعلِّقة بالتنوُّع المعرفي/الثقافي والدِّيني، وتعزيز الجوانب الإيجابيَّة (الداعمة) للوحدة الوطنيَّة، وزيادة الاهتمام بمناطق التداخُل اللُّغوي وترقية تعليم اللُّغات الأجنبيَّة. فكل ما فعلوه، هو تطبيق المنهج المحوري لمرحلة الأساس دون استيفاء معاييره، عدا أُسلوب الدَمْجْ، أو ما يُعرف بمَزْج المُقرَّرات التعليميَّة، دون مُراعاةٍ لاحتياجات التلميذ ومرحلته العُمريَّة، مع إغفال الجوانب المُهمَّة المُشار إليها أعلاه!
أدَّت هذه الاختلالات لعدم تكامُل المواد الدراسيَّة، وإلغاء النَّواحى الإنفعاليَّة والحَرَكِيَّة للتلاميذ، وتَصَاعُد الأعباء الإداريَّة لمُديري المدارس خصماً على أدوارهم التربويَّة، وإسناد مُهمَّة التدريس (الحَسَّاسة) لمُجَنَّدي الخدمة الإلزاميَّة ولغير المُؤهَّلين تربوياً وأكاديمياً، ودونكم ما (وَثَّقَه) الإعلام الإسْلَاْمَوِي بشأن تَعَدِّي (بعض) المُعلِّمين (جنسياً) على الصغار! فضلاً عن غياب وسائل التعليم الحديثة، وعدم مُواءَمَة المناهج الدراسيَّة لأعمار التلاميذ، لغياب التقييم (القياس/التعيير) والتقويم. والأخطر من ذلك، ظهور فجوة تعليميَّة بين أبناء الأثرياء والفقراء، وذلك استناداً للتقرير المُفصَّل الذي أعدَّته مُنظَّمة الأُمم المُتَّحدة للطفولة (يونيسيف) عن الفجوة التعليميَّة في السُّودان (http://www.oosci-mena.org/uploads/1/wysiwyg/151119_Equity_educational_access_summary_AR_final.pdf). حيث شَكَّلَت الفجوة بين الخُمْس الأكثر غِنَىً والخُمْسْ الأكثر فقراً من السُّكان (20%)، ومن حيث الاستيعاب فى التعليم الابتدائي وصلت إلى 40%، وأنَّ 50% فقط من الأطفال الأكثر فقراً بالمدارس، مُقارنةً بخُمْسْ أطفال الأكثر ثراء. وبلغت الفجوة بين الخُمس الأكثر غِنىً والخُمس الأكثر فقراً، للذين لم يكملوا الثانوى حوالى 90%، منهم نحو 70% في الفئة العُمريَّة (15-19 عاماً)، هذا بخلاف التمايُز التعليمي الشَّاسع بين الأقاليم.
وبجانب تدمير المَسَاق التقني، مَارَسَ المُتأسلمون تدميراً آخَرَ للمرحلة الثانويَّة، شَمَلَ تذويب المدارس القوميَّة كَخُوْرْ طَقَّتْ وبورتسودان وحَنْتُوب وغيرها، والتي كانت (مَجَّانيَّة) وبمثابة (تكريم) للمُتفوِّقين و(تحفيز) للتَفَوُّق، حيث كان معيار القبول فيها (التفوُّق) وحده، بعيداً عن الاعتبارات الاجتماعيَّة/الطَبَقِيَّة والعقائديَّة والسياسيَّة والجَهَوِيَّة/القَبَلِيَّة، فشَكَّلت مراكزاً للإشعاع المعرفي واحتلَّت مكانةً مرموقة في تاريخنا المُعاصر. والأهمَّ من ذلك، مَثَّلَت المدارس القوميَّة عاملاً رئيسياً للتماسُك الداخليّ والترابُط الاجتماعي، لأنَّ طُلَّابها ينحدرون من كل أقاليم السُودان، وشَكَّلوا بعلاقاتهم الشخصيَّة جسراً للوحدة الوطنيَّة، وصَمَّام أمانٍ للسلام المُجتمعي والقبول المُتبادَلْ. فمدرسة حَنْتُوب، التي اعتبرها المُتأسلمون (إرثاً) استعمارياً (يُضعِف) العقيدة و(يَطْمِسُ) الهَوِيَّة، هي نفسها (حَنْتُوب)، التي احتَوَتْ حركتهم الإجراميَّة وعرَّابهم (الهَالِكْ) ورُفقائه، وانتقل تأثيرهم لبقيَّة المدارس القوميَّة الأُخرى، مُستفيدين من الرحلات الطُلَّابيَّة والمُنافسات المدرسيَّة (رياضيَّة/ثقافيَّة) التي كانت سائدة آنذاك. ولذلك، سَعَى المُتأسلمون لقَطْعِ التواصُلِ، وإضعاف الارتباط الوجداني بين أبناء الوطن، في واحدةٍ من أهمَّ المراحل العُمريَّة (نهاية الصبا وبداية المُراهقة)، و(ألزموا) الجميع بالدراسة في إقاليمهم بعيداً عن أقرانهم ببقيَّة السُّودان، بِحِجَّة نشر التعليم (جُغرافياً)، وهو هدفٌ يُمكن تحقيقه ولا يتعارض مع وجود المدارس القوميَّة، التي أدَّى (تذويبها) لتحجيم فوائد انتقال التلميذ من بيئته لبيئةٍ أُخرى، وعدم تجديد روحه وتفجير طاقاته ومواهبه وقدراته، وإكسابه معارف وخبرات جديدة، تمتزج بما تَعَلَّمه في بيئته التي وُلِدَ وترعرع فيها، لتُسفِر في المُحصلة عن شخصيَّة ناضجة وواعية، وهي (مِيْزَة) كانت مُلازِمَة لأجيالنا السابقة وافتقدتها أجيالنا الناشئة.
أمَّا المدارس الخاصَّة/النموذجيَّة (البديلة) للمدارس القوميَّة خصوصاً والحكوميَّة عموماً، فقد فَرَضَ المُتأسلمون أموالاً طائلةً وشروطاً مُتعسِّفة للالتحاق بها، واستقطبوا خِيْرَة/صَفْوَة المُعلِّمين، وأغروهم بشروط خِدْمة (استثنائيَّة) مُقارنةً بالمدارس الحُكُوميَّة العامَّة! وبعبارةٍ أُخرى، وَأَدَ المُتأسلمون (عدالة) التعليم التي كانت قائمة وتَمَتَّع (قادتهم) بها، وأضحى التعليمُ الثانويُّ (الرَّصين) بعد هذه الخطوات، حَصراً على أبناء ذوي الحُظوة السُلطَوِيَّة والماليَّة، وتَلَاشت معايير التفوُّق والمُثابرة، وهذه ضربةٌ إسْلَاْمَوِيَّةٌ (مُزدوجة/مُركَّبة) للسُّودان، استهدفت تفكيك وترابُط أبنائه من جهة، وتجهيلهم و(استعبادهم) كما يجري الآن من جهةٍ ثانية! فغالبيَّة طُلَّاب المدارس الحكوميَّة عَاجِزون، ويفتقدون المعارف الأكاديميَّة والمهارات الشخصيَّة الأساسيَّة، مُقارنةً بنُظرائهم بالمدارس النموذجيَّة/الخاصَّة، رغم (النِسَب) المِئَوِيَّة (المُدهشة) المُعلَن عنها سنوياً في نتائج الشهادة الثانويَّة، والتي لو كانت (نِسَبَاً) حقيقيَّة لتَغَيَّرَ واقعنا السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وما بلغنا القاع الذي نحياه الآن!
بالنسبة للتعليم العالي، تَظَاهرَ المُتأسلمون بزيادة أعداد طُلَّاب الجامعات التي ادَّعوا إنشاءها، مع تعريب المناهج بما في ذلك الكُلَّيَّات العِلْمِيَّة/التخصُّصيَّة، دون تهيئة مُتطلَّبات (التعريب) من كُتُبٍ ومراجعٍ ومُقرَّراتٍ دراسيَّة، وأعضاء تدريس قادرون على التعاطي والتفاعل مع هذه المُتغيَّرات والمُستجدَّات، ودراسة آثار ذلك كصعوبة تواصُل طلَّاب الدراسات العُليا (خارجياً)، وعدم مُواكبتهم للتطوُّرات المُتسارعة في مُختلف العلوم والمعارف، نتيجة لضعفهم في اللُّغة الإنجليزيَّة. ودَعَمَ المُتأسلمون تدميرهم، بسياساتٍ وظيفيَّةٍ (مُتعسِّفة/طَارِدَة)، أدَّت لاغتراب أعضاء التدريس (المُؤهَّلين) بصورةٍ أشبه بالنزيف، و(ضَيَّقوا) الخِنَاق على من تبقَّى منهم، وقاموا بتعيين مُنتسبي جماعتهم (غير المُؤهَّلين)، ليس فقط كأعضاء تدريس، وإنَّما كرُؤساء أقسام وعُمداء كليات في بعض الحالات! مع غياب البُنية التحتيَّة كافتقار المكتبات للمراجع الحديثة والرَّصينة، وتدهوُر معامل وحقول التجارب والأبحاث العمليَّة، لأن غالبيَّة الجامعات كانت مدارس/معاهد أو أُنْشِئَتْ (ارتجالاً)، وبصورة لا تَتَواءَم وطبيعة أنشطة/برامج التعليم العالي. بخلاف سلبيات التباعُد الجُغرافي بين كُلِّيات الجامعة الواحدة، وصعوبة إدارتها ومُتابعتها بالموارد البشريَّة والماليَّة المحدودة، وهذا في المُحصِّلة، يُؤكِّد (زِيف) كارثتهم المُسمَّاة (ثورة تعليم عالي)، والتي فضحها انهيار المُستوى العام للخِرِّيجين وغياب البحوث العلميَّة الرَّصينة، واحتلالنا لمواقع مُتأخِّرة في تصنيفات الجامعات المُعتمدة، كتصنيف ويبوميتركس (Webometrics) وغيره. وأخيراً وليس آخراً، حَاصَرَ المُتأسلمون الأنشطة السياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة، و(منعوها) في بعض الجامعات، وشَجَّعوا (الهَيَافَة) ونشروا المُخدَّرات، لتدمير وتشتيت الجهود الشبابيَّة التي كانت شرارات (فاعلة) للتغيير، ولاحقوا وقَمَعُوا العناصر الطُلَّابيَّة الواعية والمُثقَّفة والمهمومة بالوطن وقضاياه، وقتلوهم في بعض الجامعات كالخرطوم والجزيرة والنيلين والأهليَّة وغيرها.
رغم الاجتهاد في إبراز جرائم المُتأسلمين التعليميَّة و(توثيقها) للتاريخ، أُقرُّ بتقاصُري في هذه المُهمَّة، لأنَّ جرائمهم تحتاجُ كُتُباً ومَجَلَّدات، ومن الاستحالة (حَصرها) في مقالٍ واحد، وهي تحتاجُ لكُتُبٍ ومُجَلَّدات لبشاعتها وخباثتها. ويُمكن القول، بأنَّ حالة (اللامُبالاة) العامَّة الماثلة، والاستخفاف بالأخطار المُفزعة المُحيقة بالسُّودان وأهله، هي (نتائج حتميَّة) للجرائم الإسْلَامَوِيَّة (المُمَنْهَجَة) ضد النظام التعليمي والتربوي الذي كان سائداً في البلاد. فقد (حَرصُوا) على تجهيلنا وتخريج أجيال فاقدة للمعارف الأكاديميَّة والمهارات الحياتيَّة الأساسيَّة، وغير مُترابطة وجدانياً واجتماعياً، أو مُدركة لمضامين الوطنيَّة وأبعادها الحقيقيَّة، وأغرقوها في أزماتٍ مصنوعةٍ ومُتراكمة، لنُصاب بالإحباط ثُمَّ الاستسلام، في ما يَتَفرَّغون لاستكمال خِيانتهم وغدرهم بالسُّودان وأهله.
هذه هي (الحقائق) مُجرَّدة، وعلينا تَذَكُّرها وعدم نِسْيانِها، و(تعريف) أجيالنا الحديثة بها، والاتحاد والعمل (سَوِيَّةً) على إيقافها وحَسمها، بدءاً باقتلاع العصابة الإسْلَامَوِيَّة من الجذور، ومُحاسبتها ومُعاقبتها على جميع جرائمها المُتراكمة ضد السُّودان وأهله، ثُمَّ العمل على نهضة بلادنا عبر إعادة تأهيل قطاع التعليم، بشقَّيه التربوي/الأخلاقي والأكاديمي، بمُشاركة المُتخصِّصين لا سيما في علمي الاجتماع والنَّفس، ودعم ذلك بالقوانين والتشريعات المُساندة والضَّامنة للنجاح وبلوغ المرامي المرجوَّة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.