ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دكتور القراي : حول مقالات عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة الخامسة)
نشر في حريات يوم 27 - 11 - 2010


د. عمر القراى – 29 يونيو 2003
(23)
يقول د. عبد الله علي إبراهيم عن تطبيق الاستعمار للقانون الانجليزي على السودانيين (ولما كانت هذه القوانين الجنائية والمدنية “مستوردة” وتفترض خلو السودان قبل الاستعمار من اقباس العدالة والشرائع فانها قد اساءت الى السودانين في عزتهم وخلقهم إساءة مرة) [1] .. والحق ان الانجليز لم يكن لديهم بديل آخر !! فلقد استعمروا مصر قبل السودان ، وتعرفوا على الازهر ورجال الدين فيه، فلم يروا الا نموذجاً سيئاً في الفكر والممارسة .. وكانت تلك المؤسسة التي تمثل الاسلام تخضع للمستعمرين ، وتثبط من همم الثائرين ، ثم هي فوق ذلك تجنح الى تكفير المفكرين ، وتحارب الحداثة بافكار عتيقة ، متخلفة عن قامة العصر، وبعيدة عن قيم الانسانية التي يدعي الانجليز الحرص عليها ..
ولا يعني هذا إعذار الاستعمار، أو تاييده ، أو تبرأته من المصلحة والغرض ، في السيطرة ، ومحاولة عزل الأمة عن تاريخها واخلاقها ودينها، مما يخشى ان يؤدي الى الثورة ضده .. ولكننا انما أردنا التركيز على جانب آخر – هو المهم في التعليق على دراسة د.عبد الله- وهو ان مواقف رجال الدين ، وفهمهم المتخلف ، قد أعطى الانجليز عذراً مديداً أمام انفسهم ، وامام العالم لإقامة القوانين الجنائية والمدنية ، على القانون الأنجليزي ، وحصر القانون الشرعي في الأحوال الشخصية .. فالنقطة المهمة هنا ، والتي ما أحب ان ازايل مقامي هذا قبل توكيدها ، هي ان هوان الشريعة الاسلامية في صدر المستعمر ، وفي نفوس المثقفين الوطنيين الذين حكموا بعده ، انما مرده للصورة الشائهه للدين التي يقدمها من يطيب لهم ان يسموا برجال الدين !! ولما كان مشايخ الأزهر هم نموذج فقهائنا واساتذتهم فإننا سنخصص هذه الحلقة لمناقشة مواقفهم وآرائهم ..
(24)
في عهد الاستعمار الفرنسي على مصر، كون ديوان من العلماء والاعيان ، لمعاونة الحكومة ، ولقد اصدر هؤلاء العلماء بياناً للشعب المصري لتهدئة ثورته على المستعمر ، وتثبيط همته عن النضال !! جاء في ذلك البيان (نصيحة من كافة علماء الاسلام بمصر المحروسة ، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ونبرأ من الساعين في الارض بالفساد …) الى ان يقول (فعليكم الا تحركوا الفتنة ولا تطيعوا المفسدين ولا تسمعوا كلام من لا يقرأون العواقب ، لأجل ان تحفظوا أوطانكم وتطمئنوا على عيالكم واديانكم فإن الله سبحانه وتعالى يؤتي ملكه من يشاء ، ويحكم بما يريد ، ونصيحتنا لكم الا تلقوا بأيديكم الى التهلكة)!![2]
فبدلاً من ان يحث هؤلاء العلماء الشعب على مقاومة المستعمر ، دفاعاً عن أرضه ، وعرضه ، ودينه ، اذا بهم يدعونه للتخاذل والخنوع !! وحتى تجد هذه الدعوة العجيبية ، صدى في نفوس البسطاء ، يتوسلون لها بالمفاهيم الدينية نفسها ، في صورة من القدرية التي تسقط العمل بالواجب الديني المباشر .. فهم يؤكدون ان الله هو الذي أعطى الفرنسيين الحكم على مصر ، وهو سبحانه وتعالى يعطي حكمه من يشاء !! لذلك فان الجهاد ضد المستعمر يعتبر تهور ، بل هو عندهم يعد مفارقة دينية لمخالفته لقوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) مع ان التهلكة الحقيقية هي عدم مناهضة الظلم الذي يمثله الاستعمار ، وهي في هذه الآية بالذات تعني القعود عن الجهاد ، فاستعملها الفقهاء في عكس مقصدها ، تحريفاً للكلم عن مواضعه من اجل المكسب الدنيوي الزائل!! جاء في تفسير الآية وهي”وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة إن الله يحب المحسنين” (قال البخاري: حدثنا اسحق اخبرنا النضر اخبرنا شعبة عن سليمان سمعت ابا وائل عن حذيفة قال نزلت في النفقة … وعن اسلم ابي عمران قال حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا ابو ايوب الانصاري فقال ناس القى بيده الى التهلكة فقال ابو ايوب نحن اعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا .. صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه فلما فشا الاسلام وظهر اجتمعنا معشر الانصار تحبباً فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلىالله عليه وسلم ونصره حتى فشا الاسلام وكثر أهله وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع الى أهليناوأولادنا فنقيم فيهما فنزل فينا “وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة” فكانت التهلكة في الأقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. رواه ابوداؤود والترمزي والنسائي)[3]
واثناء الاحتلال الانجليزي لمصر، استعان الانجليز بعلماء الأزهر لتهدئة حركة المقاومة الشعبية ، وعن ذلك نقرأ (لم يكتف القوم باعلان الاحكام العرفية ولا باصدار القائد العام للجيوش البريطانية المنشور الذي اعترف فيه بما للخليفة من الاعتبار عند مسلمي القطر بل لجأوا من باب زيادة الحيطة الى الاستعانة بهيئة كبار العلماء بالديار المصرية فاستصدروا منها في 16/11/1914 رسالة الى الأمة تدعوها فيها الى السكون والتفادي عن الفتن ، واطاعة الحكومة. وكان على رأس كبار العلماء صاحب الفضيلة الاستاذ الأكبر الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر والشيخ بكري عاشور مفتي الديار المصرية . ولم يترك اصحاب الفضيلة العلماء آية من آيات الذكر الحكيم أو حديثاً من الأحاديث النبوية تحض على عدم المخاطرة وعدم القاء النفس الى التهلكة أو اتقاء الفتنة أو البعد عن تدخل المرء فيما لا يعنيه الا أتوا به في هذه الرسالة)!![4]
فاذا كان هذا التاريخ الملئ بالخزي ، هو تاريخ الانجليز مع علماء الأزهر ، فهل يمكن ان يحترموا ، أو يعتبروا قوانين الفقه ، الذي أفنى هؤلاء الاشياخ أعمارهم في اجترار متونه وحواشيه؟!
(25)
واستمر الأزهر يتملق الحكام بعد ذهاب الانجليز ، فلقد كان مثلاً ، يحتفل سنوياً بعيد ميلاد الملك فاروق !! ومما جاء في وصف أحدى مشاركاتهم في تلك المناسبة (فنهض الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر فألقى خطبة جمعت فأوعت في مناقب حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق) وكان مما قاله شيخ الأزهر في تلك الخطبة عن فاروق (انه مثال من مثل الخير العليا وصورة كاملة من صور الفضيلة المحببة للنفوس)!![5]
وكتبت مجلة الأزهر ، أيضاً ، بقلم رئيس تحريرها أحمد حسن الزيات ، قبل شهرين فقط من الإطاحة بفاروق (وبهدى صاحب الرسالة محمد صلوات الله عليه لسان الوحي ومنهاج الشرع ومعجزة البلاغة وبعطف صاحب الجلالة الفاروق ناصر الاسلام ومؤيد العروبة وحامي الأزهر ، أعز الله نصره وجمل بالعلوم والآداب عصره)!![6]
ولما قامت ثورة يوليو 1952 واطاحت بنظام فاروق ، كتب أحمد حسن الزيات نفسه ، في مجلة الأزهر نفسها، عن فاروق (وكان آية من آيات أبليس في الجرأة على دين الله ، انه كان كما حدثني أحد بطانته المقربين اليه انه اذا اضطرته رسوم الملك أن يشهد صلاة الجمعة خرج اليها من المضجع الحرام وصلاها من غير غسل ولا وضوء، واداها من غير فاتحة ولا تشهد . وكان يقول أخوف ما أخافه ان يغلبني الضحك وانا اتابع الإمام في هذه الحركات العجيبة . وبلغ من جرأته على الحرمات انه كان يغتصب الزوجة ويقتل الزوج ويسرق الدولة) !![7]
وهكذا تحول الملك فاروق ، من “الفاروق” الملك الصالح ، نموذج الفضيلة المحببة للنفوس ، الى الحاكم الظالم الفاسق الذي يخرج للصلاة من المضجع الحرام ، ويغتصب النساء ، ويقتل ازواجهن!!
وليس هذا الكذب والنفاق ، حظ مجلة الأزهر ، ورئيس تحريرها فحسب ، وانم هو وصمة عار ، في جبين كل الفقهاء والعلماء الراضين عن الأزهر ، والذين لم يسجل التاريخ ، لأي منهم ، أي إعتراض على هذه المؤسسة الدينية ، او على الحكام الظالمين الذين كانت تواليهم وتتملقهم ..
ولقد كان الهجوم على الملك فاروق ، بعد زواله ، تزلفاُ لنظام عبد الناصر.. فقد كتب الشيخ محمود شلتوت ، وكان من أبرز مشايخ الأزهر (فعلى المسلم السمع والطاعة فقد عرف انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وواجب المسلم لا يختلف ولا يقل نحو حكومته ما دام كل عملها في المصلحة العامة وما دامت لا تخالف أوامرها أوامر الله ولا أوامر الرسول لا فرق في ذلك بين حكومة علمانية أو حكومة دينية) !![8]
فالشيخ شلتوت ، لا يخلص هنا لفهمه الديني الذي يوجب تطبيق الشريعة وقوانينها، فيدعو الى طاعة الحكومة العلمانية ، ويزعم انها يمكن الا تخالف أوامر الله ورسوله !! فهل يمكن ان يكون قد قال ما قال ، اقتناعاً بنظام جمال عبد الناصر ، أم انه الخوف من بطشه والطمع في مودته ؟!
وكتب أحمد حسن الزيات ، في وصف الميثاق الوطني ، الذي وضعته حكومة عبد الناصر (ان ميثاقك الذي عاهدت الله الوفاء به وعاهدك الشعب على اللقاء عليه حروف من كلمات الله لم يؤلفها أحد قبلك في أي عهد لا في القديم ولا في الحديث لا في الشرق ولا في الغرب)!![9] ميثاق عبد الناصر حروف من كلمات الله !! وهذا يكتب في مجلة الأزهر دون ان يعترض العلماء والفقهاء والشيوخ ورجال الدين !!
ولقد زادت مجلة الأزهر في مدح الميثاق بقولها (وسينتشر ضوء ميثاقك المحكم الهادي في كل نفس ، وفي كل ارض ، انتشار كلمة الله ، لأنه الحق الذي وضعه الله في شرعه والنهج الذي سنه لجميع خلقه)!![10] ولوكانت هذه المجلة غير مجلة الأزهر ، لكان مجرد صمت شيوخ الازهر على مثل هذا الحديث ، عار يجلل هاماتهم أبد الدهر ، دع عنك أنها مجلتهم التي تصدر باسمهم و تتصدر الدعوة لتطبيق القوانين الاسلامية !!
وفي نفس العام ، حدثت مشكلة بسبب مقال آخر ، كتبه احمد حسن الزيات في مجلة الازهر، وذلك حين مدح الاشتراكية التي دعا اليها الرئيس جمال عبد الناصر ، وذكر انها أفضل من اشتراكية محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم !! وذلك لأن اشتراكية محمد تقوم على العقيدة ، بينما تقوم اشتراكية عبد الناصر على العلم الحديث !! ولقد احتج بعض مشايخ الأزهر على هذه المقارنة الجائرة ، فتدخل الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر لتهدئة خواطرهم والاعتذار عن زلة الزيات وتأكيد حسن مقصده !![11]
ولم يكتف فقهاء الأزهر، وحماة الاسلام من رجال الدين ، بتملق الحكام ، وانما جنحوا الى تكفير الكتاب والمفكرين ، ثم استعداء الحكومات عليهم لتخلصهم منهم ، وقد عجزوا عن منازلتهم في ميدان الفكر والحوار .. ومن أمثلة ذلك رد الشيخ محمد النواوي ، على هجوم الدكتور طه حسين ، على جمود الأزهر وتخلفه ، فقد قال (ان الأزهر حق الله لأنه يبلغ رسالة الله ورسالة الانبياء من قبل ، إصلاح عالمي ، وسلام إسلامي ، لأنه يعاون الحكم الصالح الذي يثمثل اليوم في حكومة الثورة) !![12]
ان هذا الفقيه يحذر المفكر ، من التعرض للأزهر لأنه “حق الله” و “لأنه يعاون حكومة الثورة” ، وهو بهذا يستعدي الحكومة ويشير لها بان د. طه حسين ضدها لأنه نقد الأزهر!!
ولقد سار الشيخ محمد علي عامر، على نفس المنوال، فقال (ما كنت أظن ان الدكتور طه حسين … يتمادى في التهكم بالأزهريين ، ويدأب على التهوين من شأنهم ، في الوقت الذي تمر به مصر الآن ، فيكتب عنهم بأنهم “لايتعلمون كما يتعلم الناس” ويصفهم بانهم “لا يعرفون من العلوم الا اسماءها” ويرد على بعض كتاب الأزهر ، فيقول عن الأزهر “انما عاش ولا زال يعيش في القرون الوسطى” وهو يعلم حق العلم بان الرئيس عبد الناصر وصحبه من رجال الثورة أغير الناس على الأزهر وأشدهم حرصاً على كرامته)!![13]
ولم يكتف علماء الأزهر بتكفير د. طه حسين ، وانما كفروا أيضاً الشيخ علي عبد الرازق ، وهو من خريجي الأزهر ، وطالبوه بارجاع شهادة “العالمية” التي منحوها له ، فأرسلها لهم وقد كتب معها “الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني” !! كما كفروا الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار .. واتهم الشيخ التفنتازي وبعض علماء الأزهر عمر لطفي المحامي بالالحاد لدعوته لإقامة الجمعيات التعاونية!![14] واتهم جماعة منهم على رأسهم الشيخ عليش الشيخ جمال الدين الأفغاني بالإلحاد لأفكاره العلمية ، كما كفروا قاسم أمين بسبب دعوته المناصرة للمرأة !! واتهموا محمد عبده بالزندقة لأنه أفتى بان لبس “البرنيطة” حلال!![15]
وفي عام 1992 أفتى بعض مشايخ الأزهر بكفر الكاتب د. فرج فودة ، فقام اثنان من الجماعات الاسلامية بالتنفيذ فاطلقا النار عليه أمام منزله واردياه قتيلاً!! وفي عام 1995 قام شاب بمحاولة اغتيال الكاتب المشهور نجيب محفوظ ، ولما قبض عليه إتضح اته لا يعرف نجيب محفوط ، ولم يقرأ له ، ولقد فعل ذلك بسبب فتوى قديمة افتاها الشيخ عمر عبد الرحمن !! وفي منتصف التسعينات رفع أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية الآداب بجامعة القاهرة دعوى ردة ضد د. نصر حامد أبوزيد ، ووجد من مشايخ الأزهر دعماً وتأييداً ، وإزاء حكم المحكمة لم يملك د. نصر حامد أبو زيد بدا من مغادرة مصر !! ومؤخراً افتى شيوخ الأزهر بردة د. نوال السعداوي الأمر الذي إعترضت عليه كافة منظمات حقوق الانسان ..
(26)
ولم يكن مستغرباً، بعد هذا التاريخ الحافل، ان يكفر الأزهر الجمهوريين ، ولكن الغريب، ان يعطي نفسه الحق بالتدخل في شئون السودانيين، فيوجه المسئولين الرسميين في الوزارات ، لا ليناقشوا الفكر الجمهوري وانما ليحرضوا السلطة لإيقافه !! ولو كان علماء الأزهر قد أقاموا الدين في مصر ، فخلت من كافة المفارقات ، وطبق حكامها الاسلام ، لبرء انشغالهم بالسودان من النفاق .. واعجب من موقف الأزهر موقف الفقهاء ووعاظ الشئون الدينية، الذين قبلوا بهذه الوصاية المصرية الجاهلة ، وطمأنوا اساتذتهم على انهم سائرون نحو القضاء على الفكر بالسلطة بعد ان قاموا بتكفيره !! ولقد تبع الأزهر، في ذلك علماء رابطة العالم الاسلامي ، التي يشرف عليها ملوك السعودية ، فلقد صمت هؤلاء عن الملك العضوض ، والفساد المتوارث، والبذخ باموال الشعب ، وهرعوا ليقيموا الدين في السودانيين بمصادرة فكر الجمهوريين!!
هذا هو موقف فقهاء الأزهر ، ووعاظ السلاطين ، فهم لن يعدوا قدرهم ، فما هو موقف المثقفين أمثال د. عبد الله علي ابراهيم ، الذين تلقوا تعليماً مدنياً ، بل وتبنوا في مرحلة من مراحل نضجهم الفكري والثقافي ، الآراء اليسارية التقدمية ؟! لماذا صمتوا على التكفير ومصادرة الرأي ، والتدخل الأجنبي لتصفية الخلاف الفكري باستعداء السلطة ، ثم جاؤا ليحدثوننا الآن عن سماحة الفقهاء وقوانينهم ؟!
ولقد استطاع الجمهوريون، الحصول على صور طبق الأصل، من هذه الوثائق، ونشروها على شعبهم في وقتها ، واني اذ أوردها هنا، مرة أخرى، أختم بها حديثي عن رجال الدين السعوديين و المصريين لنفرغ في الحلقة القادمة لرجال الدين السودانيين.
(صورة طبق الأصل)
بسم الله الرحمن الرحيم
” واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا”
رابطة العالم الاسلامي
الرقم (1-3) 7/2631
رابطة العالم الاسلامي
الامانة العامة
التاريخ 5 ربيع الأول1395
مكة المكرمة
[06:57:08 م] abdul.s.ali: حضرة صاحب المعالي الأخ الدكتور عون الشريف قاسم الموقر
وزير الشئون الدينية والأوقاف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أفيد معاليكم بأن من ضمن القضايا الاسلامية التي ناقشها المجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي في دورته السادسة عشرة (محمود محمد طه) السوداني الذي إدعى الرسالة وأنكر ختم الرسالة وانه المسيح المنتظر كما انكر الجزء الثاني من الشهادة الى آخر ما جاء في إدعاءاته الباطلة ..
وبعد مناقشة الموضوع من جميع جوانبه أصدر المجلس حكمه بالاجماع بارتداد المذكور عن الاسلام وتأييداً لما حكمت به المحكمة الشرعية العليا بالخرطوم وانه يجب على المسلمين ان يعاملوه معاملة المرتدين كما يجب مصادرة كتبه أينما وجدت ومنع طبعها.
أرجو من معاليكم التكرم بنقل هذا القرار الى حكومتكم الموقرة وبذل مساعيكم الحميدة لدى المسئولين فيها للمساهمة معنا في تنفيذها وخاصة قد صدر عن مجلس يضم نخبة من العلماء والزعماء الممثلين من معظم الشعوب الاسلامية في العالم.
وانتهز هذه الفرصة للاعراب عن صادق مشاعري وتقديري لتعاونكم الدائم مع الرابطة فيما يرفع شأن الاسلام والمسلمين.
وتفضلوا بقبول فائق التحية والاحترام.
التوقيع/ الأمين العام
أحمد صالح القزاز
أما خطاب الأزهر فقد كان كالأتي :
الأزهر
مجمع البحوث الاسلامية
مكتب الأمين العام
5/6/ 1972
السيد / وكيل وزارة الشئون الدينية والاوقاف بالسودان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
فقد وقع تحت يدي لجنة الفتوى بالأزهر الشريف كتاب الرسالة الثانية من الاسلام تأليف محمود محمد طه طبع في أمدرمان الطبعة الرابعة عام 1971 ص.ب 1151
وقد تضمن هذا الكتاب أن الرسول بعث برسالتين فرعية ورسالة أصلية . وقد بلغ الرسالة الفرعية. وأما الأصلية فيبلغها رسول يأتي بعده. لأنها لا تتفق والزمن الذي فيه الرسول. وبما ان هذا كفر صراح ولا يصح السكوت عليه. فالرجاء التكرم بإتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل على إيقاف هذا النشاط الهدام خاصة في بلدكم الاسلامي العريق. وفقكم الله وسدد خطاكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الامين العام
لمجمع البحوث الاسلامية
دكتور محمد عبدالرحمن البيصار
أما رد الشئون الدينية فقد جاء كالاتي :
(صورة طبق الأصل)
23/7/ 1972
النمرة وش دو /1/1/8/1
السيد الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار
الأمين لمجمع البحوث الاسلامية
الأزهر- القاهرة
تحية طيبة
بالاشارة الى خطابكم المؤرخ 5/6/1972/ والخاص بكتاب الرسالة الثانية من الاسلام تأليف الاستاذ محمود محمد طه ان موضوع مؤلفات الاستاذ محمود محمد طه ونشاطه الذي يقوم به موضوع دراسة دقيقة بواسطة هذه الوزارة وسلطات الأمن المختصة في جمهورية السودان الديمقراطية وسنتخذ فيه الإجراءات المناسبة بعد إكمال دراسة الموضوع من جميع جوانبه .
هذا وتجدر الاشارة الى ان المحكمة الشرعية العليا بجمهورية السودان الديمقراطية كانت قد أصدرت حكماُ غيابياُ بانه مرتد عن الاسلام وأمرته بالتوبه عن جميع الأقوال والأفعال التي أدت الى ردته وتجري الآن عمليه جمع هذه الحقائق للمساعدة في الدراسة واتخاذ الإجراءات اللازمة وشكراً .
محمد أحمد ياجي
وكيل وزارة الشئون الدينية والأوقاف[16]
-نواصل-
د. عمر القراي
——————————————
[1] – مقالاته باراي العام
[2] – راجع تاريخ الجبرتي
[3] – تفسير ابن كثير الجزء الأول ص217
[4] – أحمد شفيق باشا : حوليات مصر السياسية الجزء الأول
[5] – مجلة الأزهر –مايو 1939
[6] – المصدر السابق مايو 1952
[7] – المصدر السابق يوليو 1960
[8] – المصدر السابق ديسمبر 1960
[9] -المصدر السابق يونيو 1962
[10] – المصدر السابق يناير1963
[11] – المصدر السابق مارس 1963
[12] -المصدر السابق نوفمبر 1955
[13] – أحمد أمين : زعماء الإصلاح ص 110 .
[14] – مجلة الأزهر فبراير 1963
[15] – أحمد أمين : زعماء الاصلاح ص 111
[16] – الأخوان الجمهوريون : الدين ورجال الدين عبر السنين . أمدرمان 1975


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.