حشود عسكرية متبادلة بين السودان وإثيوبيا في "الفشقة" الحدودية    صعود طفيف.. سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 12 يونيو 2021 في السوق السوداء    وزير النقل المصري: انتهينا من دراسات الربط السككي مع السودان.. والتوقيع قريبا    لهجة جبريل وتيه المناصب    ميتة وخراب ديار    أوكتاف".. د. عبد الله شمو    رفع أسعار الوقود… هل يعجل بموجة ثورية جديدة في السودان؟    دمج الحركات في الجيش .. المعوقات والحلول    زيارة بنسودا الاخيرة للسودان: الأهداف والمرامي ورؤى القانونيين    (5) فصائل بالجيش الشعبي تُعلن دعمها لخميس جلاب    التجمع الاتحادي يواصل حراكه بالولايات استعدادا للمؤتمر العام    الصقور.. شوط الإبداع المتناهي    الشرطة القضارف يرفض آداء مباراة الأهلى شندي ويشترط    طالب بالالتفاف حول الكيان .. السوباط يكتب لجماهير الهلال ويعتذر للجميع    الهلال يرفع من نسق تدريباته بالجوهرة الزرقاء    اتحاد الكرة يجدد التزامه بتأهيل الملاعب    في ورشة تراخيص الأندية .. (الكاف) يؤكد مساعدة الأندية لمزيد من التطور    مع غيابها الكامل .. المواطن يتساءل أين الشرطة ؟    سلبٌ ونهبٌ بالأبيض واستغاثة بحكومة شمال كردفان    الحرية والتغيير تؤكد اختصاصها بترشيحات رئيس القضاء    قالت بأنها تنقل التراث كما هو الفنانة شادن: أنا متمسكة جداً بالشكل الاستعراضي!!    الملحن أحمد المك لبعض الرحيق: أستحي أن أقدم ألحاني للفنانين الكبار!!    السودان يوقع على مذكرة لتعزيز التعاون مع مصر    التربية والتعليم تتخوف من اضراب المعلمين في 16 يونيو الجاري    "المؤتمر السوداني" يعيب على الحكومة تجاهل رؤيته الاقتصادية "التفصيلية"    استيراد السيارات.. من يضبط القيادة؟    جريمة هزت الشارع المصري … اغتصاب سيدة عمرها 90 عاماً مصابة بالزهايمر    ما العلاقة بين فيروس كورونا ومرض السكري؟    ضبط عقاقير واجهزة طبية خاصة بوزارة الصحة تباع بمواقع التواصل    ظهور عصابات مسلحة ولجان المقاومة تتبرأ منها    9800 وظيفة تنتظر السعوديين.. بدء توطين مهن المحاسبة    اسم لمع في حياتنا الموسيقية والغنائية .. محمد حامد جوار.. "الكوندكتر" المدهش    الحداثة: تقرير لخبراء سودانيين يرسم صورة قاتمة لصناعة النفط في البلاد    «الصحة»: السمنة تؤدي لمضاعفات شديدة عند الإصابة بكورونا    حول تجربة تقديمها برنامج "بيوت أشباح".. نسرين سوركتي: أُصبت بدهشة وانكسار    شاعر الأفراح الوردية..كان يكتب الشعر ويحتفظ به لنفسه    محمد عبد الله موسى يجهز "الضحية"    د. برقو: مباراتا زامبيا إعداد جيد لمواجهة ليبيا    أين هم الآن.. أين هم الآن؟    بسبب سوء النتائج .. الشرطة القضارف يقيل كفاح صالح ويكلف زهير للمهام الفنية    "المتغطي بالبنك الدولي عريان"    مفاكهات    الاقتصاد العالمي يمضي على المسار الصحيح نحو نمو قوي متفاوت    لعلاج التعب والإجهاد تناول المزيد من الخضار والفواكه    رصد نجم عملاق "بسلوك غامض" يبعد عنا آلاف السنين    الصين تترك "بصمتها" وترفع علمها على المريخ    مسؤولون بإدارة ترامب "حصلوا على بيانات آبل الخاصة بنواب ديمقراطيين    اختراق ضخم يطال ملايين المستخدمين حول العالم.. وهكذا تعرف إن كنت منهم    زيارة علمية لما يدور في الوسائط    الشرطة تكشف ضبط شبكة تدير محطة وقود عشوائية بالصالحة    السجن لمواطنين وأجانب يديرون منظمة إجرام واحتيال    مجموعات مسلحة بالسواطير تهاجم منازل بالخرطوم    بايدن: ما زلت أنسى أنني رئيس    من ثقب الباب باربيكيو الخفافيش!    "يجوز الترحم على الكافر".. مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق في مكة يثير جدلا    عنك يا رسول الله ..    أخي مات بكورونا في الثلث الأخير من رمضان.. فهل هو شهيد؟    فاطمة جعفر محمد حامد تكتب: مشروعية الإعلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دكتور القراي : حول مقالات عبد الله علي ابراهيم في الدفاع عن الفقهاء وقوانينهم الدين .. ورجال الدين عبر السنين (الحلقة السابعة)
نشر في حريات يوم 27 - 11 - 2010


د. عمر القراى – 27 يوليو 2003
(30)
وبعد الاستقلال ، استمر تملق الفقهاء ورجال الدين للحكام العسكريين ، والثناء عليهم بغير حق ، مما يعتبر تضليلاً للشعب ودعماً للباطل .. وعن هذا الموضوع ، جرت الاسئلة التاليه ، في قضية بورتسودان التي اشرنا الى ملابساتها في الحلقة الماضية ، من الاستاذ محمود للشيخ ابراهيم جاد الله ، قاضي مديرية البحر الاحمر:
الاستاذ : بسبيل برضو من هجومنا على المحاكم الشرعية انت اوردت اننا بنهاجم الأزهر ، وفي الحقيقة لنفس السبب ، ولأن الأزهر اكبر مؤسسة او جامعة اسلامية في العالم الاسلامي ، وكان زعماها مطية للاستعمار- هل تعلم يا شيخ ابراهيم عن فتوى رجال الأزهر بتكفير الاخوان المسلمين ، واباحة دمهم ، عندما كان جمال عبد الناصر يعارضوه الاخوان؟
الشاكي : والله لا أذكر .
الاستاذ : هل تقرأ مجلة الأزهر ؟
الشاكي : كنت اقراها من وقت لآخر عندي منها اعداد .
الاستاذ : هل تذكر اسم رئيس تحرير الاعداد التي إطلعت عليها؟
الشاكي : حسن الزيات على ما اعتقد .
الاستاذ : هل قرأت في مجلة الأزهر على عهد احمد حسن الزيات مقارنة بين اشتراكية محمد واشتراكية جمال عبد الناصر؟
الشاكي : لا أعرف .
الاستاذ : اذا قيل ليك انت لا تعرف اشياء كثيرة عن الأزهر لماذا تعترض على الذين يعرفونه ويهاجمونه؟
الشاكي: أنا اعرف ان الازهر هو اشعاع الثقافة الاسلامية ، ثقافتنا الاسلامية نفسها اتتنا من الازهر . واعرف ان الازهر خرج رجالاً ناضلوا وحاربوا الاستعمار في شتى انواعه وقادوا الثورات ضده وبزوا مثقفين اوربا وآسيا امثال الافغاني ومحمد عبده ,الشرقاوي وعليش .. واشتركوا في الثورة العرابية ، ولذا لا اقبل الهجوم على الأزهر.
الاستاذ: هل جمال الدين الافغاني أزهري؟
الشاكي: ثقافتو متعددة لكن انتهى به المقام في الأزهر ثقافتو نفس ثقافة الأزهر.
الاستاذ : نجي للشئون الدينية ، هل تذكر متى وكيف واين نشأت الشئون الدينية؟
الشاكي : نشأت في عهد الحكومة الوطنية سنة 1953 أو 54 نشأت لترعى المعاهد الاسلامية وتوسعت فيما بعد الى ان اصبحت ليها وزارة خاصة في هذا العهد اسندت اليها اختصاصات أخرى.
الاستاذ : قبل ان تصبح بصورتها الحاضرة هل تذكر نواتها بدأت كيف؟
الشاكي : نواتها المعاهد الدينية .
الاستاذ : هل تذكر ان قاضي القضاة كان يرعى نشاط كبير من النشاط الذي تقوم هي عليه اليوم؟
الشاكي : نعم جزء كبير منو.
الاستاذ : الوعظ والارشاد بالذات ؟
الشاكي: جزء كبير منو.
الاستاذ : هل تذكر احد رجالات الوعظ والارشاد الذين كان صوتهم عالي؟
الشاكي : اذكر الشيخ الغبشاوي وحسن طنون.
الاستاذ : في ايام الحكم الحكم العسكري هل تعرف شئ عن طنون الذي هو كبير وعاظها؟
الشاكي : كان يؤيد الحكم الموجود آنذاك.
الاستاذ : هل تذكر مواقف معينه لحسن طنون ايام الحكم العسكري ؟
الشاكي : لا أذكر – فقط اذكر انه يؤيد الحكم في ذلك الوقت .
الاستاذ : هل تذكر انه كان يقول طلعت فريد يذكره بعمر بن الخطاب وان الابراهيم ابراهيمان ابراهيم عبود وابراهيم الخليل؟
الشاكي : سمعت انو قال طلعت يذكره بعمر بن الخطاب .
الاستاذ : هل كان قاضي القضاة بيعلم كلام حسن طنون او يجب ان يعلم ؟
الشاكي : اذا كان هو الرئيس المباشر المفروص انو يعلم.
الاستاذ: هل قاضي القضاة ما بيعتبر مسئول عن الوعظ والارشاد اللي يباشروا طنون؟
الشاكي : بين قاضي القضاة والشئون الدينية كان مجرد تعاون.
الاستاذ : عندما يباشر حسن طنون وعظوا بالصورة دي ما بتفتكر انه بزيد في تضليل الشعب باسم الدين؟
الشاكي : اذا كان يشبه شخص بعمر بن الخطاب دا تصرف ما متمشي مع الحق.
الاستاذ : حسن طنون كان النواة اللي اتبلور حولها والوعظ والارشاد عندما ظهرت الشئون الدينية اللي اخذت من القضاء الشرعي جانب الوعظ والارشاد هل دا صحيح ؟ انو كان من اوائل وعاظ الشئون الدينية؟
الشاكي : كان من الاسماء اللامعة.
الاستاذ : اذا كانت هذه الصورة صحيحة لماذا تعترض على من يهاجم الشئون الدينية؟
الشاكي : انا اعترض على ذكر الاسماء ، وحسن طنون ليس كل الشئون الدينية وهناك في الشئون الدينية من يخالفه الرأي.
الاستاذ : نحن برضو ما بنحب ذكر الاسماء لكن الشخصية لما تصبح شخصية عمومية ، ما بتصبح ملك نفسها. الا تعتبر الشئون الدينية مسئولة عنه وهو واعظ تابع لها؟[1]
(31)
لم تكن مواجهة الجمهوريين ، للقضاة الشرعيين والفقهاء ورجال الدين ، سببها مواقفهم المخزية اثناء وجود الاستعمار والحكومات العسكرية فحسب ، بل لان دورهم في عهد الديمقراطية قد كان اسوأ .. اذ استغلوا في تصعيد الفتنة ، لخدمة القوى السلفية ، التي كانت تصادر الديمقراطية باسم الدين ..
ففي عام 1965 تآمرت الاحزاب الطائفية ، على الحزب الشيوعي السوداني ، فعدلت الدستور بتغيير المادة 5 (2) والتي كانت تعطي حق التعبير ، وحق التنظيم لجميع الاشخاص .. ثم حلت الحزب الشيوعي وطردت النواب الشيوعيين المنتخبين من الجمعية التأسيسية !! ولقد حدث ذلك بسبب ان طالباً ، تحدث في ندوة بمعهد المعلمين العالي ، وتعرض بالسب للنبي الكريم .. ولقد نفى الحزب الشيوعي ان تكون لهذا الطالب اي علاقة بالحزب .. ثم ظهر ان الطالب يعاني من مرض نفسي !! وكل ذلك لم يؤثر في القضية ، حتى بعد ان رفع الحزب شكوى للقضاء ، وحكم القضاء بعدم دستورية حل الحزب الشيوعي !! وذلك لان السيد رئيس الوزراء ، آنذاك ، الصادق المهدي ، لم يستجب لحكم المحكمة العليا ، واصر على ابعاد الشيوعيين ، فاستقال السيد بابكر عوض الله رئيس القضاء مما احدث الازمة الدستورية ..
في هذا الجو من التوتر ، كانت القوي السلفية التي يوجهها رجال الدين ، تعمل في اتجاهين: اتجاه قانوني ، يحاول تبرير حل الحزب الشيوعي ، باعتباره اجراء ديمقراطي ، طالما ان الاغلبية قد وافقت عليه !! وكان يقود هذا الاتجاه د. الترابي ، وقد اخرج فيه كتاباً اسماه اضواء على المشكلة الدستورية .. واما الاتجاه الثاني فهو يتجه الى تعبئة جماهيرية ضد الشيوعيين ، بالتحريض عليهم ، والاعتداء على دورهم ، وهي حملة يقودها الوعاظ والائمة ، وجاراهم فيها ايضاً القضاة الشرعيين ..
ولقد واجه الجمهوريون كل هذه التيارات ، فقدم الاستاذ مجموعة محاضرات تحت عنوان “اسبوع مناهضة حل الحزب الشيوعي” !! ووزع الجمهوريون منشورات تخاطب الشعب ، وتواجه الطائفية دراء للفتنة وتتصدى للفقهاء والقضاة الشرعيين .. ومن ذلك مثلاً:
إن من الشيوعية على البلد لخطراً ، وإن من الطائفية على البلد لخطراً . وخطر الشيوعية على البلد ليس خطراً ماثلاً الآن ، والخطر الماثل هو خطر الطائفية .. إن الطائفية بتزييفها للدين، واستغلاله في مصالحها ، وضد مصالح الشعب ، هي صديق للشيوعية في ثياب عدو ، هي اكبر عون على نشر المذهبية الشيوعية من حيث لا تدري .. والشيوعيون السودانيون ، في هذه المرحلة من مراحل تطور البلاد ، يمثلون خطراً كبيراً على مصالح الطائفية ، ولذلك لا تستطيع الطائفية ان تحتمل وجودهم ، وهي لذلك تحب ان تستغل هذا الحادث المشؤوم ، لتقرنه بالحزب الشيوعي ، ولتجد المبررات لحله .. وهي تستخذم الحماس الديني ، عند الجماهير ، لتخفي حقيقة غرضها وراء الدين كعادتها دائماً .. اللباس الديني دائماً ستار ، يخفي المطامع السياسية والمطامع الدنيوية .
ان خوف رجال الطائفية ، من الشيوعيين ، قد جعلهم يتصرفون تصرفاً غير مسئول . فانك حين تقرأ بيان وزير الداخلية ، تشعر بالتحريض والاثارة للجماهير بصورة محزنة . وقد كان واجب الوزير ان يخبر الشعب ، بان سلطات الامن لن تتساهل مع أي انسان يحاول ان يأخذ القانون في يده . وان الحادث فردي ، وان المجرم معتقل ، ويجب ان يترك الناس الفرصة للقضاء ليأخذ مجراه ، وان المتهم لم تثبت له علاقة بالحزب الشيوعي فقد أعلن الحزب الشيوعي عدم انتسابه له وتبرأ من فعله وادانه ادانة تامة – هذا ما كان يجب ان يقوله رجل مسئول ، مثل وزير الداخلية .. ثم ان الصحف طلعتنا بتصريح للسيد اسماعيل الأزهري ، لا يمكن ان يصدر عن رجل في مثل منصبه ، ومسئوليته ، فان صح هذا التصريح ، فإن بلادنا في خطر ، أعظم مما يظن أكثر الناس تشاؤماً .. فقد نشرت الرأي العام ، انه قال بعد حديث يخاطب فيه المتظاهرين “انتظروا ساعات قليلة فان لم تضع الحكومة والجمعية التأسيسية حداً لهذا الفساد فسأنزل معكم اقود المظاهرات في تطهير هذا البلد” .. فان صح هذا القول ، فان نكبة هذا البلد جد عظيمة .. أما جماعة الاخوان المسلمين ، فانها تستغل هذا الحادث المؤسف ، استغلالاً سياسياً بشعا ،ً يأباه الدين وتأباه الخصومة النظيفة .. وهي بعملها هذا ، لعبة في يد الطائفية تمثل لها مخلب القط ..
ان المؤامرة التي تدار اليوم ، وتحاك ضد الحزب الشيوعي باسم الدين الاسلامي ، وباسم الدفاع عن حرمة رسوله الكريم ، تلك الحرمة التي جلت عن كيد الكائدين ، ونيل النائلين على مدى العصور، انما هي مؤامرة ضد االشعب السوداني- ضد حريته وضد تقدمه وضد ديمقراطيته .. فان سكت عنها الاحرار والمثقفون اليوم ، بان جاز عليهم هذا التباكي على الدين ، فإن حلقاتها ستطبق عما قريب على كل حر، وكل مفكر يطمح الى منازل الكرامة والشرف.
أيها الشعب السوداني ، انك تعيش في هذه الايام احلك ساعاتك ، وتمر بتجربة لا تستطيع ان تجتازها بسلام ، الا اذا حكمت عقلك ، ونبذت تلك التبعية العمياء لكل ناعق وكل مشئوم من الدعاة .. إن الله متوليك وحارسك .. إن الله لا يهدي كيد الخائنين .[2]
وحتى تطفأ الفتنة ، كتب بعض المواطنين في الصحف ، ان على الشاب ان يعلن توبته ، ويعتذر للمسلمين عن ما قال .. ولكن رجال الدين لم يرضوا عن ذلك واصدرت الهيئة القضائية الشرعية العليا بياناً يقول بان الشاب قد سب النبى صلى الله عليه وسلم وان من يسب النبى لا تقبل توبته !!
وعن هذا الموضوع ، جرى الحوار التالي ، بين الأخ بدر الدين السيمت ، وبين الشاكي الشيخ ابراهيم جاد الله:
بدر الدين: هل عندكم في الشريعة ان باب التوبة يقفل؟
الشاكي : أبداً .
بدر الدين: هذا بيان عن الهيئة الشرعية العليا صدر في نوفمبر 1965 يقول “ان المرتد يستتاب ثلاثة أيام والا قتل ما لم تكن ردته إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم فان التوبة لا تقبل فيها” ومعنى هذا هو قفل باب التوبة وهو اوسع الابواب لأنه باب الرحمة التي وسعت كل شئ . ما رايك في ان الهيئة الشرعية قد قفلت باب التوبة؟
الشاكي : في بعض الاشياء التوبة لا تقبل انا لا يحضرني نص يثبت ذلك .
بدر الدين: هل توافق على الاستثناء الذي اوردته الهيئة الشرعية؟
الشاكي : انا اوافق على استثناء الهيئة الشرعية لانها لا بد هي تكون مستندة الى نص لكن انا لا يحضرني النص .
بدر الدين: أيه رايك في الآية ” قل ياعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفرالذنوب جميعاً” ؟
الشاكي : القرآن فيه خاص وعام وفيه ان الله لا يغفر ان يشرك به وهذه الآية تفسيرها عام
بدر الدين: بعض الذنوب عندك لا تغفر؟
الشاكي : نعم
بدر الدين: والقرآن يقول ” ان الله يغفر الذنوب جميعاً “؟
الشاكي : القرآن فيه محكم وخاص وعام.
(القاضي يسجل الآية ويسأل الشاكي عن تفسيرها)
الشاكي : الآية تفسيرها عام لأن هناك استثناء مثل الآية “ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” .
(ممثل الاتهام يطالب بتسجيل هذه الآية)
بدر الدين: البيان صدر في سنة 65 ورد عليه الاستاذ في نفس السنة:
إن الهيئة القضائية الشرعية العليا كما يطيب لها ان تسمي نفسها ومن جاراها في اصدار هذا البيان الردئ لا يعرفون عن السياسة شيئاً ولا يعرفون عن الدين ما يكفي ونحن لا نناقشهم في السياسة وانما نناقشهم فيما يدعون معرفته .. يقول هذا البيان الردئ إن المرتد يستتاب ثلاثة أيام فان تاب والا قتل ما لم تكن ردته إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم فان التوبة لا تقبل فيها .. ومعنى هذا هو قفل باب التوبة وهو اوسع الابواب لانه باب الرحمة التي وسعت كل شئ . يقول الله تعالى “ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” وهذا باب واسع واوسع منه قوله تعالى “والذين لا يدعون مع الله الهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً الا من تاب وآمن وعمل صالحاً فاؤلئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً” واوسع ابواب التوبة على الاطلاق لانه يستمد من الاطلاق قول تعالى “قل ياعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفور الرحيم” .. إن رجلاً يقفل باب التوبة باسم الدين لا يحق له ان يتحدث عن الدين . ان جهل رجال الدين بالدين لهو الذي جعل شبان هذا الجيل شيوعيين فان اردتم ان تعرفوا من المسئول عن نشر الالحاد والانحراف عن الدين في هذا البلد فانما هم رجال الدين والطائفية. ايها القضاة الشرعيون انكم ببيانكم الردئ الممعن في الرداءة والجهل تحرضون على الفتنة وقتل الابرياء ولقد عهدناكم دائماً تسيرون خلف السلطة مما افقد الشبان احترامكم وساقهم ذلك خطأ وجهلاً الى عدم احترام الدين.[3]
هل تعتبر هذا البيان رد فعل لمحكمة الردّة ؟
الشاكي : لم احصر هجوم محمود على القضاة الشرعيين في سبب واحد هو صدور الحكم عليه بالارتداد عن الدين.
بدر الدين: سؤالي محدد هل هذا رد فعل لمحكمة الردّة ؟
الشاكي : إعتبره رد فعل لمسألة أخرى غير محكمة الردّة .[4]
(32)
وفي اتجاه الدعم القانوني ، لحل الحزب الشيوعي كتب د. حسن الترابي (وليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه للتفريق بين نص ونص على اساس ان هذا قابل للتعديل ، والآخر غير قابل ، ولا ما يسند الزعم بان لفصل الحقوق الاساسية خاصية تميزه في هذا الصدد عن سائر الفصول ، فكلها تستوي في قوة مفعولها ، وايما قانوني تعلل بمجرد الاهمية النسبية لهذا الفصل أو ذاك في تقديره الشخصي ، فانما هو متكلف لا شاهد له من الدستور ، ومغالط لا حجة له من القانون ، ومتعبط يتجنى على القانون . ولو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور لكان فصل الحريات من اضعفها لانه يخضع للتشريع) !![5]
ولقد كتب الاستاذ محمود كتاباً في الرد على كتاب د. الترابي جاء في مقدمته (بين ايدينا الآن كتاب اخرجه الدكتور حسن الترابي باسم “اضواء على المشكلة الدستورية” وهو كتاب من حيث هو ، لا قيمة له ولا خطر ، لأنه متهافت ، ولأنه سطحي ، ولانه ينضح بالغرض ، ويتسم بقلة الذكاء الفطري . ولكن خطره انما يجئ من مؤلفه ، فأنه دكتور في القانون الدستوري ، وهو قد كان عميداً من عمداء كلية الحقوق السابقين ، وهو زعيم جبهة الميثاق الاسلامي ، وهو عضو في الجمعية التأسيسية ، وهو من مؤلفي الأزمة الدستورية ، وهو مع ذلك من مستشاري مجلس السيادة الذين على هدى نصيحتهم يرجى لهذه الازمة الدستورية العجيبة ان تحل .)[6] ..
وفي الرد على النقطة التي اثارها كتاب د. الترابي واقتطفناها اعلاه رجع الاستاذ الى تعريف الديمقراطية عند الاغريق واستشهد بخطبة بركليس المشهورة بخطبة الجنازة ثم قال:
هذا ما قاله بركليس قبل الفين واربعمائة سنة ، ومنه يتضح ان الديمقراطية اسلوب حكم ، ومنهاج حياة ، بها تتنسق جميع العلاقات بين الناس ، وهي تقوم ، فوق كل اعتبار ، على احترام كرامة الانسان ، وحيثما يجد هذا الاعتبار اعترافاً فتطبيقاته تكون مستويات السلوك في المجتمع ، وهي تكون اتفاقاً متبادلاً اكثر منها قسراً ، وصدقاً وليس زيفاً .. ويجب ان يكون واضحاً ان الديمقراطية ليست اجهزة الحكم الديمقراطي ، فنحن لا نكون ديمقراطيين لمجرد ان عندنا جمعية تأسيسية لتضع لنا الدستور ، ولا نكون ديمقراطيين لمجرد ان عندنا هيئة تشريعية ، وهيئة تنفيذية ، وهيئة قضائية ، تحتفظ كل هيئة باستقلالها وتعمل ، مع ذلك ، في تناسق مع بعضها .. ولكننا نكون ديمقراطيين اذا كانت عندنا جميع هذه الهيئات ، وهي تعمل لتكفل لنا اسلوباً من الحكم يحقق كرامة الانسان …. وتعد المساواة بين كافة الناس مظهراً من أهم مظاهر المذهب الديمقراطي .. فالناس من حيث هم ناس ، مهما فرقت بينهم فوارق الجنس ، او اللون ، أو اللغة ، أو الدين ، او القومية ، او الطبقة . فان هناك شيئاً اساسياً مشتركاً بينهم ، هو العقل .. والقدرة على التفكير .. والناس بهذه النظرة ليسوا اعضاء في طائفة اجتماعية او طبقة اقتصادية ، او قومية معينة ، لان “الذي يتساوون فيه بصفة اساسية يأتي مما يشتركون فيه لا مما يفرق بينهم” . وفي اعلان الاستقلال الامريكي ينعكس الايمان بان جميع الناس متساوون من ناحية إمتلاكهم حقوقاً اساسية معينة ، لا نزاع فيها: مثل “حق الحياة” و “الحرية” و “السعي وراء السعادة” .. وفي راي واضعي هذا الاعلان ان المساواة التي يحصل عليها الانسان عند الميلاد ليست منحة وانما هي حق .. وانما قام نظام الحكم الديمقراطي ليجعل كل هذه الحقوق الاساسية مكفولة . والدستور الذي هو لازمة من لوازم الحكم الديمقراطي هو القانون الاساسي ، وانما سمي قانوناً اساسياً لانه ينصص على هذه الحقوق الاساسية ، وانما سميت الهيئة التي تضع الدستور جمعية تأسيسية لانها تضع القانون الاساسي ، وواضح ان الحقوق الاساسية انما سميت حقوقاً اساسية لانها تولد مع الانسان .. الحياة والحرية: هي حقوق لانها لا تمنح ولا تسلب في شرعة العدل .. وهي اساسية لانها كالغذاء وكالهواء والماء ..
ويمكن اذن ان يقال ان الدستور هو “حق حرية الرأي” وان كل مواد الدستور الاخرى ، بل وكل مواد القانون ، موجودة في هذه العبارة الموجزة كما توجد الشجرة في البذرة .. فان النخلة بكل عروقها ، وفروعها ، وساقها ، موجودة في “الحصاية” تراها عين العقل . فاذا وجدت “الحصاية” الظرف المناسب ، من التربة ، والماء ، خرجت منها النخلة ، بكل مقوماتها واصبحت ماثلة تراها عين الرأس ايضاً ، بعد ان كانت معدومة في حقها .. وكذلك الدستور هو موجود بالجرثومة في الحق الاساسي “حق حرية الرأي” وما الجمعية التأسيسية الا الظرف المناسب الذي يجعل شجرة الدستور ، بفروعها ، وعروقها ، وساقها تنطلق من تلك البذرة الصغيرة ، كما انطلقت النخلة من “الحصاية”.
هذا فهم للديمقراطية وللدستور وللحقوق الاساسية يفهمه كل مثقف استطاع ان ينفذ من قشور الثقافة الغربية الى اللباب ، ولكن الدكتور الترابي وقف مع القشور حين ظن ان “ليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه في التفريق بين نص ونص على اساس ان هذا قابل للتعديل والآخر غير قابل”
ولو كان الدكتور الترابي قد نفذ الى لباب الثقافة الغربية لعلم ان المادة 5 (2) من دستور السودان المؤقت غير قابلة للتعديل ، وهذه المادة تقول “لجميع الاشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات في حدود القانون” وهي غير قابلة للتعديل لانها جرثومة الدستور، التي انما يكون عليها التفريع .. وهي الدستور ، فاذا عدلت تعديلاً يمكن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي فان الدستور قد تقوض تقوضاً تاماً .. ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي الا على اساس الديمقراطية المزيفة .. وهي ما يبدو ان الدكتور الترابي قد تورط في تضليلها.
المادة 5 (2) هي دستور السودان المؤقت وهي دستور السودان المستديم ، وهي دستور كل حكم ديمقراطي ، حيث وجد هذا الحكم الديمقراطي ، وعمل الجمعية التأسيسية في وضع الدستور انما هو تفريع عليها ، ليجعل تحقيقها أكمل وأتم .
وهناك قولة قالها الدكتور الترابي هي احدى الكبر في شرعة العقل المفكر ، والثقافة الصحيحة ، وتلك هي قوله “ولو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور لكان فصل الحريات من اضعفها لانه يخضع للتشريع” فعبارة “لانه يخضع للتشريع” تدل دلالة قوية على ان الدكتور يجهل اموراً ما ينبغي ان تجهل في امر الحرية ، وفي امر التشريع .. واول هذه الأمور ان الحرية لا تضار بالتشريع ، وانما تزدهر بالتشريع ، اللهم الا اذا كان هذا التشريع يقوم على نزوات الحكم المطلق ، الذي يسمي نفسه ديمقراطية ، زوراً وبهتاناً .. وهذا ما يبدو ان الدكتور يعنيه .. وهذه احدى مشاكل تفكير الدكتور .. وعبارة “في حدود القانون” التي وردت في عجز المادة 5 (2) هي روح المادة .. لان القانون هو الذي يعطي الحرية معناها ، ويميزها عن الفوضى .. فالتشريع صديق الحرية وليس عدوها ، وكل تشريع غير ذلك لا يسمى تشريعاً ، الا من قبيل تضليل الناس .. فالتشريع في النظام الديمقراطي طرف من الدستور وهذا هو المعني بدستورية القوانين .. فكل تشريع يعارض الحرية ليس تشريعاً دستورياً.[7]
(33)
لقد كانت هذه بعض نماذج ، من مواجهة الاستاذ محمود ، والجمهوريين ، للفقهاء ورجال الدين ، سواء ان كانوا يدعون التقدمية ، والديمقراطية ، أمثال د. الترابي أو كانوا يتمسكون بالفقه مثل القضاة الشرعيين .. ولم تكن تلك المواجهة ، بسبب محكمة الردّة ، لانها كانت سابقة لها .. وانما هي بسبب الدفاع عن الشعب السوداني ، وحريته وكرامته . ولقد اتخذت قضية حل الحزب الشيوعي السوداني ، انموذجاً لفساد الاحزاب الطائفية ، وجبهة الميثاق الاسلامي ، والفقهاء والقضاة الشرعيين ، الذين ساقوا البلاد الى فتنة ، حين ضاقوا بالديمقراطية ، التي كانوا يدعونها..
ولقد وقف كثير من المثقفين ، مع حملة الجمهوريين ، في مناهضة حل الحزب الشيوعي .. ورأوا في فساد هذه الاحزاب الطائفية ، والجماعات الاسلامية ، ما يبرر العبارات الشديدة ، التي كانت ترد في نقد الجمهوريين لهذه الجماعات ، خاصة اؤلئك الذين تضرروا مباشرة ، مثل كثير من الشيوعين والديمقراطيين..
اما د. عبد الله علي ابراهيم ، فانه حتى بعد محكمة الردّة ، وبعد شكوى القضاة الشرعيين ، للجمهوريين ، في قضية بورتسودان ، لم يكن يوافق على هجوم الجمهوريين ، على القضاة الشرعيين بعبارات شديدة !! ولذلك قال (وقد كتبت مرة في جريدة الميدان السرية في منتصف السبعينات التمس من الجمهوريين ان يلطفوا عباراتهم في نقد القضاة)!![8]
-نواصل-
د. عمر القراي
—————————–
[1] – الاخوان الجمهوريون : وقائع قضية بورتسودان – الكتاب الثالث 1975
[2] – بيان الاخوان الحمهوريين بتاريخ 16/11/1965
[3] – محمود محمد طه : بيان عام 15/11/ 1965 صدر بالرونيو ثم نشر في السودان الجديد والميدان .
[4] – الاخوان الجمهوريون : قضية بورتسودان الكتاب الاول –الطبعة الثانية اغسطس 1975
[5] – د. الترابي : اضواء على المشكلة الدستورية ص 16
[6] – محمود محمد طه : زعيم جبهة الميثاق الاسلامي في ميزان : 1- الثقافة الغربية 2- الاسلام ص 2
[7] – المصدر السابق ص 11 – 14
[8] – مقالات د. عبد الله علي ابراهيم في سودانايل .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.