أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يحدث في سجن كوبر.. المطبخ أو طعام الأثيم
نشر في حريات يوم 01 - 01 - 2012


أبوذر علي الأمين ياسين ……
كان المشهد بالنسبة لي مدهشاً!!، وأنا أشاهد (النبطشي) يضع جردل الفاصوليا تحت الماسورة ويضيف إليها مباشرةً الماء. فسألته بإستغراب، ماذا تفعل يا رجل؟، فرد علي بِلا إهتمام، “بصلح في المونه دي”. أعدت له السؤال، بتصلح فيها ولا بتخرب فيها؟، بعد أن أرسل ابتسامة صفراء رد قائلاً ” والله الصبة دي كان ما أدينها موية زول بقدر ادخل فيها معلقة مافي، بعدين ياخ ما في زول في السجن دا عندو (دربكين)!، وبعد دا انشاء الله يدوروها، أصلو يوم الفاصوليا دا بَرجِع الجرادل زي ما جِبتها امكن ينقص ربعها بس”.
مرت أيام وربما أسابيع ليصادفني مشهد آخر وجدت فيه أربعة من المساجين يشكلون تماثيل من الفاصوليا، كانت دهشتي هذه المرة ممزوجة باستنكار لمن يعبث بالطعام نعمة الله للبشر التي تسوجب الشكر لله!، وكنت قد عبرت عن ذلك لهم صراحةً. فردوا علي بما يعني أن الله برئ مما تفعله ادارة السجن بالنعمة والطعام، وأن كل الاصناف يذهب أكثر من نصفها للزبالة، ولا يلجأ إليها إلا من انقطع عنه المصروف ثم يهجرها فور حصوله على شئ من المال يقيه نكد طعام السجن. أشاروا إلى كوم من الفاصوليا على الارض بجوارها عدد كبير من الطير (ود ابرق، وعشوشة، ودخان عزبات، وببغاء استرالي أصفر واحد فقط بين جمهور الطيور) قالوا لي انظر ماذا يأكل الطير؟، فأجبت يأكل الرغيف (الخبز)، ولماذا لا يأكل الفاصوليا؟، حرت أنا في الإجابة، فعجل أحدهم بالرد علي بجدية مفرطة، ربما كانت طريقته في الاجابة سببها، استنكاري لتماثيلهم وتمثيلهم بالفاصوليا،كان شاباً من المسيرية، لكنه رد قائلاً ” طعام السجن هو طعام الأثيم ناس المطبخ والادارة نحن عندهم أقل من الغنم والبقر والخرفان، ما بنستحق ناكل حتى، عشان كدا بيجيبوا لينا الفاصوليا الضاربة، والعدس الضارب، والفول الضارب” ثم رماني بسؤال مفاجئ، انت شفت الرجلة؟، فأجبته نعم ولكني لم أجربها لأن منظهرها فظيع ومقذذ (تطبخ بسيقانها كاملةً)، ضحك وقال لي “أها الرجلة دي والله ذي أبو اللصيق!”، ثم سألني بتعرف أبو اللصيق؟. أجبت لا، قال ” ما ود خرطوم، ابو اللصيق دي قشة عندنا بيسعاها البقر” ثم واصل بحماس ” ياخ انت شفت ولا سمعت بي طيرة عملت ذَنِب!!؟، ياخ أكل السجن دا عقاب لينا، الحكومة دي ما حسبانا ناس بناكل ونشرب زيهم، الله ذاتو بيأخر الحساب ويكرمك في اكلك وشرابك وعيشتك، لكن ديل أعوذ بالله منهم، ربنا ما جعل فيهم رحمة ولا شفقة على زول”. تدخل في الحوار شاب من أبيي وهو منهمك في إكمال هيئة تمساح من الفاصوليا، ” يا أستاذ دا كلام بتاع مساجين ساكت مايهمك، بعدين مسيرية دا ذاتوا بيعبدوا حصين انت ما تشوف حصان فاصوليا بتاعو دا” ثم ارسل ابتسامة ذات مغزى وأضاف ” هاآآآآي تقول لي بقر ما أنا هندي”، انصرفت عنهم بعد أن عرفت أنهم كانوا يتجادلون مع (ود أبيي) كما يسمونه حول عبادتهم للبقر، ولم ينسى صاحبنا قضيته
. بعد ذلك عرفت أن كل السجناء يعرفون ويتندرون بأن الطير وحتى الحمام لا يأكل طعام السجن حتى الفول منه، وأن ذلك مشهورٌ بينهم.
الطعام في السجن وجبتان، فطور وهو دائماً فول، وغداء يتنوع بين أربعة أصناف، عدس، وقرع، وفاصوليا، ورجلة. في صباح كل يوم يوزع الخبز على السجناء (لكل سجين ستة أرغفة)، وكذلك الخضار (بالتحديد السلطة)، والخضار عبارة عن عجور أو تبش، التبش (مشهور وسط السجناء بالدردقو)، وجرجير، وشئ من ليمون قليل. والخضار دائماً قليل للدرجة التي تثير المشاجرات بين السجناء، كنا عشرة ننظم (ميز) طعامنا معاً وكانت دائماً حصتنا من الخضار ربع عجورة، وبصلة واحدة ومرات اثنتين، وحفنة جرجير، وبعض ليمونات. أما اللحمة فكانت تأتي مسلوقة قطع صغيرة أكبر قليلا من قطع الشية التي تعودنا عليها بمنازلنا. ولكني ومنذ أن تركت (قسم المنتظرين) لم أرى لحمة بعد أن تحولت لقسم (الرضا) المشهور بين المساجين وعسكر السجن باسم (كولمبيا). لاتوجد ضمن ترتيبات غذاء السجن وجبة عشاء.
ليس بالسجن قاعة للطعام!!، بل يوزع الطعام على الاقسام بالجرادل (جرادل الزنك) التي اختفت من المنازل والسوق منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، اذ كان جردل الزنكي من ضمن ما أتت عليه ثورة (البلاستيك) فأصبح جردل الزنكي من الآثار النادرة حتى ضمن محلات بيع الأناتيك التي يشتهر بها سوق أمدرمان. يُحضر النبطشي في الصباح الشاي بالجردل (دائما الشاي احمر)، وعند مدخل القسم ينادي بصوت عالٍ ” هووووووي الشاي الشاي… الشاي أب عطرون” بقسم المنتظرين كان للنبطشي نداءاً طريفاً ” الشاي الشاي.. الشاي باللبن المنزوع.. الشاي الشاي .. بدون نعناع..كبايتك كبايتك” يتدافع السجناء فالشاي أكثر منتجات السجن اقبالاً وقبولاً وسط السجناء. لن تجد للعطرون أثراً، فطعم الشاي هو طعم الشاي، لكن السجناء يصرون على أن العطرون فيه. ويعتقد السجناء أن العطرون أساسي فالادارة تضعه لتضعف النزوع وتقتل الرغبة الجنسية عند السجناء، ونفس الاعتقاد سائد عن الفول السوداني الذي يوزع بانتظام بين السجناء.
تبدأ معاناة السجناء وتلاحظها أول ما تلاحظها في ملحمة شاي الصباح. (الأواني) إدارة السجن تملك جردل الشاي، بل تخصص عدد معلوم من الجرادل لكل قسم، تنقل بها كل الوجبات بما فيها الشاي. لكن إدارة السجن لا تقدم لك ما تتعاطى به الشاي أو ما تعد عليه وجباتك!. لكن الإدارة تسمح لك بامتلاك أواني للشراب والأكل وحتى للإعداد الاكل، لكنها تمنع الأواني الزجاجية بحجة أنها خطرة، وأنها يمكن استخدامها كسلاح ضمن مشاجرات السجناء، أو حتى أداة انتحار. لكن في سجن كوبر أنت لن تعرف القانون أو اللائحة أبداً، بل عمداً غير مسموح لك بذلك!!. طيلة الفترة التي قضيتها بالسجن لم أشهد حدثاً أو أسمع عن مشاجرة أو حادثة انتحار كان الزجاج أداتها. ورغم المنع وأحياناً مصادرة الادوات الزجاجية وأغلبها (كبابي الشاي)، إلا أن الحصول عليها من دكان السجن ممكن، ولكنه مستحيل عبر أحد زائريك، فإذا احضر لك أي أدوات زجاجية تصادر، أو يجبر زائرك على تفريغها على أكياس البلاستك قبل أن يدخل لمقابلتك. فكل المعلبات الزجاجية من قبيل التناك، المربى، وغيرها تجبر على تفريغها على الاكياس قبل الدخول لمكان الزيارة. لكن ذات الشئ لا ينطبق اذا ما جلبتها من دكان السجن. السجناء يعانون لآن القليل منهم يمتلك المال أو له من يجلب له أواني الشرب والأكل، لكن الاغلبية يعانون كونهم من ولايات عديدة وبعيدة، لكنهم يبتكرون ويحيلون كل شئ لإتمام الغرض. شرب الشاي توظف فيه الكرستالات الفارغة فتحول إلى كبابي لشرب الشاي وتناول الماء، وتخزين الطعام. الحقيقة إن (الكرستال) الفارغ يمتلك السجن!، فهو أداة الزينة التي ينشئها السجناء على الممرات وحول الزروع. وهي أداة إعادة تعبئة الزيوت والجاز، ويبتكر منها السجناء ويصنعون (الشيشة) خاصة من الكبيرة منها. لم يخالف ذلك سوى أثنين حولوا (ابريقاً) لشيشة، واشتهُرت بين السجناء بالشيشة (الاسلامية)، وكانت موضع تندر وقفشات السجناء، فمنهم من يطلق عليها شيشة المشروع الحضاري، وآخر يصدر فتوى بعدم جواز إعادة استعمال الابريق في الوضوء أو التطهر وأن ماؤه غير طهور، وآخر يبادر صاحبيه وهم يهمون بتحضيرجلسة الشيشة بسؤال “شنو ياخوانا خلاص دايرين تتوضؤ؟”، واحد فقط من أهلنا الرزيقات كان مصراً أن يطلق عليها شيشة (مؤتمر وطني)، ويبرر لذلك بأنها جاءت مخالفة لكل معهود وغريبة وأنها غير مسبوقة وكان يقول لصاحبيه،” والله ما سبقكم زول على جنس دا، والله انتو سواتكم دي ياها ذاتها سوات ناس المؤتمر الوطني”. أما أنا فكنت أطلق على الفكرة (تدنيس المقدس)، فالسودانيون الابريق عندهم محدد الاستخدام، ولا يجوزون تبديل ما تعارفوا عليه بسهولة، فما بالك إذا بالغ أحدهم وحوله إلى شئ لم يخطر لهم على بال، بالتأكيد سيكون لذلك بالتحديد وقع تدنيس المقدس.
كنت أتسامع من السجناء أنه كانت هناك (لجنة طعام) مكونة من السجناء عبر اقسام السجن، ولكن طيلة فترتي بالسجن لم تكن هناك لجنة طعام ضمنها سجناء أو كلها سجناء!، كان هناك النبطشية الذين ينحصر دورهم في استلام الطعام على الجرادل وتوزيعه كُلٌ على قسمه. المشكلة أنك لن تعرف القانون أو اللائحة ابداً. لكنك ستجد من يقول لك أن الطعام محدد بلائحة السجن أصنافاً وأوزان!!.
الجرادل أول ما تقع عينك عليها لن تطيق أن تأخذ منها طعامك!!، فقد استهلكت وأصبح (الوسخ عليها) كأنه جزء منها لا يغسله ماء ولا يُزيله صابون ولو غسلتها سبع مرات احداهم بالتراب. وتُترك على حوش القسم مكشوفة ليأخذ السجناء منها طعامهم، وكثيراً ما يَزيِلون عنها الذباب. واذا اشتكى أحد السجناء عوقب (حالة واحدة باقية بخاطري) اذ أتي صاحبها مهزوماً مكسور الوجدان، وقد كان يعتقد أنه يهدي الإدارة (نصيحة) فهُدد بالعقاب الشديد لمجرد الشكوى من الذباب!!.
اللحمة تقدم مرة واحدة في اليوم، أو هذا هو المفترض. عبارة عن قطع صغيرة تزن بالكاد ثلاثين جرام وفي الغالب أقل من ذلك. وتوزع على السجناء وهم جلوس لحظة (تمام المساء) لكل منهم قطعة لحم مسلوق وغير مستو وماسخ. ورغم ذلك تأخذ عزتها في أن يحرم منها السجناء لأنها توظف لتصليح المواسير والحمامات أو لنظافة مجاري المستراحات، وحتى للذين يقومون بنظافة القسم من السجناء، كل ذلك بقيمة بيعها.
عمال النظافة هؤلاء يقومون ببيع نصيبهم من لحمة السجناء التي هي أجرهم عن النظافة مرة أخرى للسجناء ولكن الذين يتمتعون باللحمة قليلون بقسم المنتظرين خاصة وأن القسم مكتظ كما أنهم يواجهون عنت ومشقة في الحصول على المال فليس مسموح لهم حتى بالخروج لدكان السجن، كما أنهم مثل غيرهم تمنع عنهم الموبايلات التي هي مصدر مصاريفهم التي تأتي في شكل رصيد يعاد بيعه أو استخدامه في شراء حاجاتهم من دكان السجن أو أصحاب اللحمة التي هي أجر عمال النظافة بالقسم. إدارة السجن لا تضطلع بأي نوع من أنواع الصيانة بالسجن. يقوم بذلك السجناء أما بدفع مبالغ عينية يجمعونها من بعضهم البعض، أو ببيع حصتهم من اللحمة. رغم كل ذلك لن تعرف أبداً كم من الوزن قرر لك القانون أو لائحة السجن من اللحم كل يوم!!؟. لكن عجائب السجن لا تنقضى، في المنتظرين كنا نشتري اللحم طاذجاً غير مطبوخ، كان يأتينا به أحد السجناء العاملين بمطبخ السجن كل يوم، فلم نعاني إلا بعد أن أكمل صاحبنا ذاك مدته وخرج، ولم ننجح في ايجاد بديل بعد ذلك، كما أننا زهدنا في اللحمة بعد أن تحولنا محكومين لقسم الرضا، فكان يأتينا اللحم معداً جاهزاً من الأهل وكثيرٌ من الزوار، كما أننا كنا نستعين بدجاج دكان السجن بين الفينة والأخرى.
السمك بالسجن (ممنوع)!، والسبب الذي يُدفع به لك، هو أن السمك يسبب التسمم للنزلاء أو السجناء. لكن يمكنك أن تستمتع بساندوش سمك من دكان السجن ولن يمنعك أحد، فهنا السمك غير ممنوع ولا يسبب التسمم!!؟. ذات يوم كنا موعودين بغدا سمك اعدته زوجة أحد رفقاء العنبر والميز، وانتظرنا ذلك بلهفه، ولكن عندما أتت للسجن رفض الحراس ادخال السمك، وحاول صاحبنا حتى مع الادارة لكن الرفض كان هو الرد، كان ذلك اليوم هو اليوم الذي عرفنا فيه أن السمك ممنوع، ولأن التسمم هو دافع المنع. يومها عانينا مرتين أننا لم نحظى بوجبة السمك، ولم نعد طعاماً بديل، ولم يكن لنا من مخرج سوى سلطة الطماطم والدكوة
. لكن ماذا تقول اللائحة أو القانون لن تعرف أبداً.
بالسجن هناك ما يعرف ب(التعيين الخاص)، وهو عبارة عن (بيض ولبن وزبادي وشوربا اللحم)، أو هذا ما عرفناه ورأيناه، اذ يقول السجناء أن الاصناف أكثر من ذلك لكني وللحق لم أرى سوى هذه الاصناف الأربعة. والتعيين الخاص يحدده لك طبيب السجن بحسب مرضك، أو هذا هو المفترض، لكن الذي يحدث أنه كل من يريد ذلك يمكنه الحصول عليه (بطريقة يعرفها السجناء) وقد ساعدت كثيرين في ذلك كنت أرى أنهم من المستحقين الذين أهملهم الطبيب، المهم سنفصل عن التعيين الخاص وحوله بالكتاب!!؟. وبحسب السجناء أيضاً كان التعيين الخاص يصرف على السجناء (المستحقين) على مدار الشهر، ولكن طيلة فترة بقائي بالسجن كان التعيين يصرف ابتداءاً من منتصف الشهر أو خلال آخر عشرة أيام منه. وهنا أيضاً لن تعرف القانون أو اللائحة التي تنظم (التعيين الخاص) ولن تعرف الأصناف، ولا ما اذا كان مستحق طيلة أيام الشهر أي بلا توقف أم لا سبوعين فقط أو أيام من الشهر، خاصة اذا كان التعيين الخاص مُرتبط (بالمرض) فإنه يستوجب استدامة تقديمه للمريض حتى يشفى؟!!، كل المستحقين للتعيين الخاص يصرفون ذات الاصناف، يبدو أنه لا قيمة لنوع المرض الذي تعاني منه، فطبيب السجن سيضمك لقائمة التعيين الخاص على كل حال. ذلك ما يجري ويحدث في سجن كوبر.
مطبخ السجن لا يستخدم طهاة (طباخين) محترفين، بل يعتمد على توظيف السجناء وكما عرفت بلا مقابل. وهؤلاء هم سر رداءة طعام السجن!!. الفول يأتي للسجناء صلب القشرة عليه تراب كثيف. السجناء يتصارعون على ماء الفول لتلافي باقي اشكالاته، وبعضهم ينزع عنه قشرته حتي يستطيع أن يتعاطاه. وكل طعام السجن يتطلب منك إعادة معالجته بشكل أو آخر. الرجلة لاتعالج بل تطبخ بسيقان كاملة، ومعظم السجناء يطلقون عليها (ملاح برسيم)، أما القرع فمسلوق شديد الاصفرار وبلا محسنات أو بهار، يعالجه السجناء بإعادة طبخه على النار. أما الفاصوليا فهي والرجلة أمقت الأطعمة بالسجن وغالباً ما تبور وينفر منها الجميع إلا من اضطر لمسقبة أو نفاذ المصاريف.
العاملين بمطبخ السجن، وبعض السجناء (الشفوت) كما يطلق عليهم، يجلبون الزيت، والسكر، والثوم، وكثيراً من أنواع البهارات ويبيعونها للسجناء، والاقبال على هذه البضائع كبير كونها جيدة، واسعارها لا تقارن باسعار دكان السجن ولاحتى باسعار السوق العادي، ذلك أن دكان السجن يضاعف الاسعار لكل السلع. ولكن كيف يجلبون سلع المطبخ هذه؟، وكيف يدخلونها السجن رغم التفتيش الدائم عليهم؟، هذا حديث سنوفره لتفاصيل أدق على الكتاب.
على العموم هذه هي اللوحة التي يرسمها ما أطلق عليها زميلنا الميسري – طعام الأثيم- وهي تُفصح وببلاغة أن الطعام بالسجن جزء من العقاب، بل أكثر من ذلك أحد أدوات العقاب. أما ماقررته لائحة السجن أو قانونه حقاً لك من الطعام فلن تعرف به ابداً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.