تيسير حسن إدريس… قمت بإرجاء طرح هذا المقال حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود من “هجليج” هب إعلام نظام الإنقاذ خاصة أولئك الصحفيين الذين حاولوا في الآونة الأخير إيهام القراء عبر بعض المقالات التي هاجموا فيها النظام بأنهم مستقلو الرأي وقلبهم على الوطن والمواطن وما دروا أن الكل كان يعلم أن مقالاتهم تلك كانت بدفع من جهات معلومة داخل السلطة نفسها ظلت تزودهم بالوثائق والمستندات وليس لله ولا من أجل المصلحة الوطنية بل في إطار تصفية الحسابات المحتدمة بين أجنحة المؤتمر الوطني والتي تتصارع على ما تبقى من الكيكة التي تقلصت وصغرت في حين تكاثرت الأفواه الشرهة، فلا داعي إذن للاندماج في دور البطولة الزائفة والاسترسال في أداء المسرحية “البايخة” التي ظن بعض إعلامي الإنقاذ أنها قد أعجبت النظارة بينما الجميع كان يعلم حقيقة الأمر ويتعامل مع صراع الديكة الجاري بمنطق اللهم أجعل كيدهم في نحرهم أو (فخار يكسر بعضه) كما يقول أهل الشام. فسيل المقالات عن الوطنية التي انبرى فريق منهم يدبجها مترعة بالأوصاف المعتادة والتهم المستهلكة التي غدت أكليشيهات جاهزة -عملاء ،خونة وطابور خامس- والتي يدفع بها ويبرزها الحزب الحاكم في وجه معارضيه في كل منعطف خطر وزنقة أو كارثة جديدة يدخل فيها الوطن أملا في لجم الأفواه قد أضحت مادة شيقة للتندر وإطلاق النكات الساخرة فشعب السودان ليس ببغاء عقله في أذنيه ليتلاعب بوجدانه صبية المؤتمر الوطني بالتباكي على ضياع أرض الوطن وهيبته وكأن “هيجليج” هي أول أرض تحتل في عهدهم الميمون متناسيا عمدا وعن قصد وعجز أجزاء عزيزة أخرى من تراب الوطن احتلت منذ عشرات السنين حتى تغيرت معالمها وتجنس أهلها بجنسية المحتل وحملوا وثائقه الثبوتية دون أن نسمع مثل تلك الموشحات المترعة بالوطنية وكأن (حلايب والفشقة وشلاتين وأبو رماد) لم تك في يوم قريب أرضا سودانية!! وليعلم أدعياء الوطنية أن خيانة الوطن الذي يتباكون على حاله اليوم قد بدأت منذ ثلاثة وعشرين عاما يوم انقض تنظيمهم بالليل على السلطة الشرعية وخان المواثيق والعهود والدساتير وادعى أنه أتى لإنقاذه وصون تراب الوطن وعزة وكرامة أهله واتضح بعد ذلك أنهم ما أتوا إلا لشيء في نفس يعقوب فضحته الأيام والسنوات العجاف من حكمهم التي استشرى فيها الفساد وعم البلاد. ولقد قلنا وقالت جميع القوى المعارضة من أول لحظة تم فيها الهجوم أن دخول دولة الجنوب لمنطقة هجليج عمل أخرق ومدان وأن حرب الموارد الدائرة بين النظامين اللذين فقدا البوصلة ستقود الدولتين إلى التهلكة وسيدفع بسطاء الشعبين فاتورة سياسة التنصل من المسئوليات والهرب إلى الأمام التي يمارسها نظامي الخرطوم وجوبا والأجدى للطرفين الجلوس وحل القضايا العالقة بديلا عن المماحكة والتناطح ومن ثم الولولة ولقد حدث ما حذرت منه القوى المعارضة بالحرف وهاهي حقول هجليج التي بنيت من مال ودم هذا الشعب تدمر وعلى نفس الشعب المنهك والمنكوب أن يدفع مرة أخرى ومن دم قلبه فاتورة إعادة التشغيل؟!!. ولكن لا الآذان تسمع ولا العقول تعي ويسدر الظالم في غيه حتى إذا ما دارت عليه الدوائر طفق بسذاجة “عنزة” يلوم الآخرين ويتهمهم بالعمالة وعدم الوطنية فأدعياء الوطنية لم يتوقفوا لحظة أمام أنفسهم بصدق ليسالوا عن سبب ما وصلنا إليه من ضعف وهوان حتى بتنا مطمعا لدول الجوار بلا استثناء حتى تلك التي تحت سن الرشد!! مما يدل على أن المداد “الوطني” الغزير الذي أريق وأمطر قطاع عريض من الشعب تخوينا لم يكن لله ولا للوطن بل كان ببساطة هجمة استباقية أراد من خلالها المؤتمر الوطني وحكومته التنصل كالعادة من المسئولية واستباق القوى المعارضة باللوم سترا لعورته التي تبدت في الإهمال والتراخي المريب والتقاعس عن حماية تراب الوطن بما في ذلك المناطق الإستراتيجية المهمة مثل هجليج التي تحوي حقول النفط المتبقي بعد أن ذهب الجنوب بجل النفط واستعصم السلام بالبعد عنا!! لقد كان الأجدر بهؤلاء الذين دبجوا المقال تلو الآخر في دمغ الآخرين بالتخاذل والعمالة إن كانوا صادقين أن يصبوا ولو جزءًا يسيرًا من وابل نيران تلك الحملة “الوطنية” العظمى على رؤوس أقطاب هذا النظام ووزير دفاعه وهم خير من يعلم أن أجزاء أخرى من تراب هذا الوطن المنكوب محتلة منذ زمان ولم يحرك أحد ساكنا ، لقد رمت أبواق النظام كل من خالفها الرأي بدائها وانسلت وأرادت عنوة أن تعلن بلسان النظام أنه الوحيد القيم على أمر الوطن والمتحكم في مصيره وعلى من تبقى من شعب السودان الفضل أن يتبعه أصم أبكم كالقطيع حتى لو جر إلى سقر وبئس المصير وإلا فليرق كل المداد والعضلات تبش ومن لم يمت بالسيف مات بغيره.. إذن فالهجمة الإعلامية المضرية وكل ما رأينه من حمية وطنية كانت وفق إستراتيجية إعلامية مدروسة ومتفق عليها وإطارها العام (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) !! ستظل تلك هي قناعة جل أهل السودان التي تسندها وتؤيدها كثير من الشواهد والذي يرد نزع وتغيير هذه القناعة التي رسختها الحملة المسعورة فعليه البيان بالعمل فأجواء الإثارة والحمية الوطنية التي ألهبت مشاعر الجماهير تساعد رهط الوطنية على “الرمي لقدام” وبدل عن أن ينفس الرجرجة والدهماء تلك الشحنة في التعدي السافر على دور العبادة وحرق كنائس الإخوة المسحيين فليدفع بهم في الاتجاه الصحيح نحو تحرير مجمل الأراضي المحتلة من حلايب مرورا بشلاتين وأبو رماد حتى الفشقة التي طال بها النوى والشوق لسماع أهازيج النصر والعرضة والهجيج وعندها سنبصم بالعشرة ونراجع أنفسنا أما محاولة اختزال الوطن والوطنية في هجليج فقط التي كان الجميع يعلم أنها عايدة لحضن الوطن لا محال بينما هناك مساحات شاسعة محتلة منذ عشرات السنيين فتلك قسمة طيزى وممارسة للوطنية بالقطاعي محزنة ومخزية ومنزوعة الفحولة نربأ بأنفسنا منها تيسير حسن إدريس 23/04/2012م [email protected]