شاهد بالفيديو.. مطربة سودانية تشعل حفل غنائي بوصلة رقص فاضحة أعلى المسرح وتصف نفسها بالفرسة "الملهلبة"    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    لجنة أمن ولاية الجزيرة تقف على ضبط 1880 قندول بنقو    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل لعام 1959 (6 – 12)
نشر في حريات يوم 25 - 11 - 2012


د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
أوضحنا في المقالات الأربعة الأولى السابقة مسار المفاوضات بين مصر والسودان حول مياه النيل. كما ذكرنا فقد جرت الجولتان الأولى والثانية من المفاوضات في شهري سبتمبر ونوفمبر عام 1954، إبان الفترة التي تولى فيها السيد ميرغني حمزة مسؤولية الري من يناير عام 1954 حتى ديسمبر عام 1954. وقد جرت الجولتان الثالثة والرابعة من المفاوضات في شهري أبريل ويونيو عام 1955 بعد شهور قلائل من تولّي السيد خضر حمد مهام وزارة الري خلفاً للسيد ميرغني حمزة. وكما شرحنا في المقالين السابقين فقد انتهت الجولات الأربعة من المفاوضات بالفشل.
أوضحنا أيضاً الموقف التفاوضي للطرفين والذي وصلا إليه في يونيو عام 1955 إثر انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات. فمصر كانت مصرةً على أن يتحمّل السودان نصف فاقد التبخر في بحيرة السد العالي بسبب أن السد العالي سيكون لمصلحة مصر والسودان، وأن يكون توزيع فائض المياه بناءاً على معادلة السكان بعد خصم الحقوق المكتسبة للبلدين وفاقد التبخر في بحيرة السد العالي، وأن يتم إنشاء خزان الروصيرص بعد اكتمال السد العالي.
رفض السودان هذه المقترحات الثلاثة وتلخّص موقفه (بعد قبوله لقيام السد العالي) في أن لا علاقة لنصيب السودان ببناء السد العالي أو التبخر فيه لأن التبخر في السد العالي أمرٌ يخص مصر وحدها. كما أصرّ السودان على قسمة المياه المتاحة بعد خصم الحقوق المكتسبة مناصفةً بين الدولتين كما اقترح السيد كوري (عضو لجنة مشاريع النيل لعام 1920) مما سيجعل نصيب السودان في حدود 20 مليار متر مكعّب. ورفع السودان سقف مطالبه في مجال التعويضات. فقد طالب السودان بالتعويض الكامل لأهالي حلفا الذين ستغمر مياه السد أراضيهم وبدفع تكلفة توطينهم في الموقع الذي سيُرحّلون إليه، وكذلك بالتعويض عن الآثار والمعادن التي سيتم إغراقها بواسطة السد العالي، وبمدّ السودان ببعض الكهرباء التي سيتمّ توليدها من السد العالي.
تناول المقال الخامس عودة السيد ميرغني حمزة وزيراً للزراعة والري والطاقة الكهربائية في الحكومة القومية في فبراير عام 1956، ومواصلته في ذاك المنصب في الحكومة الإئتلافية لحزبي الأمة والشعب الديمقراطي (ما عُرِف بحكومة السيدين) في يوليو عام 1956. وقد تعرّض المقال للمشاكل في مصر والسودان التي أوقفت التفاوض حتى ديسمبر 1957 حين عُقدت الجولة الخامسة للمفاوضات والتي انتهت كسابقاتها بالفشل.
2
كما ذكرنا في المقال السابق فقد عاد الوفد السوداني من القاهرة في 7 يناير 1958 خاوي الوفاض بعد فشل الجولة الخامسة لمفاوضات مياه النيل. وقبل أن يتم التقييم لما تم ّ في هذه الجولة ويضع السودان خطته ومقترحاته للمرحلة القادمة انفجرت الخلافات حول مثلث حلايب. وكما ذكرنا في المقال السابق فقد تمّت خلال الجولة الخامسة من المفاوضات إثارة مسالة المنطقة شمال حلفا (والتي تشمل قرى سره ودبيره وفرس) وأصرّت مصر على فتح هذا الملف ومناقشته باعتبار هذه المناطق أراضي مصرية، غير أن السودان رفض ذلك. ولكن مشكلة حلايب كانت أكبر وأخطر من منطقة شمال وادي حلفا.
تبلغ مساحة مثلث حلايب حوالي 20,580 كيلومتر مربع (حوالي ضعف مساحة منطقة أبيي كما حدّدتها محكمة التحكيم الدولية)، ويقع المثلث شمال خط 22 شمال مطلاّ على البحر الأحمر. وقد أخذ اسمه من مدينة حلايب. برز الخلاف حول تبعية المثلث بصورةٍ حادة في 29 ينايرعام 1958 حين أرسلت الحكومة المصرية مذكرة تحتجّ فيها على نيّة السودان عقد انتخابات في منطقة حلايب باعتبار أنها تتبع لمصر بموجب اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899. وقد قامت مصر بإرسال فرقة عسكرية إلى منطقة حلايب بعد إرسال تلك المذكرة. وأعقبت مصر تلك المذكرة بمذكرةٍ أخرى في 9 فبراير عام 1958 تُعلن فيها نيتها إجراء استفتاء رئاسة الجمهورية في تلك المنطقة أيضاً.
أعلن السودان رفضه التام للمذكرة المصرية وللاستفتاء الذي قررت مصر إجراءه في حلايب وأعلن أن المنطقة تابعةٌ للسودان بمقتضى اتفاقية الحكم الثنائي والتفاهمات التي تلتها، وبحكم الإجراءات العملية والإدارية التي قام بها السودان في المنطقة خلال فترة الحكم الثنائي.
في 18 فبراير عام 1958 غادر السيد محمد أحمد محجوب وزير الخارجية الخرطوم إلى القاهرة لمناقشة مشكلة حلايب مع الحكومة المصرية. عند وصوله القاهرة عرضت عليه الحكومة المصرية مقترح الاّ تُجرى انتخابات سودانية أو استفتاء مصري في حلايب، ولكنّ الحكومة السودانية رفضت هذا الحل الوسط وأصرت على تبعية حلايب للسودان. وفي 20 فبراير عام 1958 رفع السودان شكوى رسمية لمجلس الأمن الدولي. اجتمع المجلس في 21 فبراير ووقتها تراجعت مصر، بناءاً على بيانٍ تلاه مندوبها السيد عمر لطفي، عن قرارها بعقد الاستفتاء وسمحت في نفس الوقت للسودان بإجراء انتخاباته في حلايب، وأعلنت مصر أيضاُ تأجيل مناقشة الخلاف حول حلايب إلى ما بعد قيام الانتخابات السودانية. عليه فقد قرر مجلس الأمن حفظ شكوى السودان والاجتماع لاحقاً بناءاً على طلب أيٍ من الطرفين وموافقة أعضاء المجلس. وقد اعتبرت الحكومة السودانية هذه النتائج انتصاراً كبيراً لها في ذلك النزاع.
ويبدو أن مصر اتخذت هذا القرار حتى لا تعطي حزب الأمة قضيةً تساعده في الانتخابات، وأيضا لتساعد حليفها حزب الشعب الديمقراطي في تلك الانتخابات. مما يُلاحظ أن مسالة تبعية المنطقة شمال حلفا لم تأخذ حتى جزءاً يسيراً من الاهتمام الذي حظيت به حلايب من أي من الطرفين، وذلك يُعزي لمساحة ولعدد السكان مثلث حلايب الكبيرين، وربما أيضاً لأن الطرفين كانا على علم أن منطقة شمال وادي حلفا ستغرق تحت بحيرة السد العالي عندما يتم بناؤه، كما ذكرنا من قبل.
وهكذا تمّت معالجة الخلاف حول حلايب ولكن تلك المعالجة كانت مؤقتة، وكان بالضرورة أن يؤثّر هذا الخلاف وتصعيده ومناقشته بواسطة مجلس الأمن على مجمل العلاقة بين مصر والسودان، وعلى المسائل الأخرى المعلّقة بينهما، خصوصاً مفاوضات مياه النيل.
3
بدأت الانتخابات في السودان كما كان مُقرراً لها في 27 فبراير عام 1958 وانتهى الاقتراع في 8 مارس، وأُعْلِنتْ النتيجة في 10 مارس. أحرز حزب الأمة 63 مقعداً، والحزب الوطني الاتحادي 44 مقعداً، وحزب الشعب الديمقراطي 26 مقعداً، والأحزاب الجنوبية 40 مقعداً. وهكذا لم يستطع أي حزبٍ أن يحرز الأغلبية من مقاعد البرلمان البالغة 173 مقعداً. واتفق حزبا الأمة والشعب الديمقراطي على استمرار تحالفهما وتشكيل الحكومة القادمة. ويُلاحظ زيادة الدوائر الانتخابية من 97 دائرة عام 1953، إلى 173 دائرة عام 1958. كما يُلاحظ أن دوائر الخريجين الخمسة قد تمّ إلغاؤها. وكان قد فاز في تلك الدوائر في انتخابات نوفمبر عام 1953 السادة خضر حمد ومبارك زروق وابراهيم المفتي من الحزب الوطني الاتحادي، والسيد حسن الطاهر زروق من الجبهة المعادية للاستعمار، والسيد محمد أحمد محجوب الذي خاض الانتخابات كمستقل (انضم السيد محمد أحمد المحجوب لحزب الأمة في عام 1956).
اجتمع البرلمان في يوم 20 مارس عام 1958 وانتخب السيد عبد الله خليل رئيساً للوزارة ب 103 صوتاً مقابل 44 صوتاً للسيد اسماعيل الأزهري، وكان واضحاً من هذا التصويت أن تحالف حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي سيستمر، على الأقل إلى حين، في حكم السودان. وضح أيضاً أن السيد إسماعيل الأزهري لم يحصل على أكثر من أصوات حزبه.
شكّل السيد عبد الله خليل الحكومة الائتلافية بين حزبي الأمة والشعب الديمقراطي في 27 مارس عام 1958، واحتفظ السيد ميرغني حمزة، رغم عدم فوزه في الانتخابات، بحقيبتي نائب رئيس الوزراء والري، وأضاف اليهما الداخلية. وقد فاز في دائرة أم درمان الغربية السيد حسن عوض الله الذي نافس السيد ميرغني حمزة في تلك الدائرة. خسر الانتخابات أيضاً رئيس حزب الشعب الديمقراطي السيد علي عبد الرحمن في دائرة الخرطوم بحري التي فاز فيها السيد نصر الدين السيد، واستمر السيد علي عبد الرحمن وزيراً للداخلية في الحكومة الجديدة رغم عدم فوزه. واعتبر الكثيرون استمرار السيدين ميرغني حمزة وعلي عبد الرحمن كوزراء رغم فشلهما في الانتخابات صفعةً كبيرةً للديمقراطية الوليدة في السودان. استمر السيد زيادة أرباب وزيراً للمعارف والعدل، والسيد محمد أحمد محجوب وزيراً للخارجية، كما كانا في الحكومة السابقة.
كانت الحكومة قد انشغلت بتداعيات أحداث حلايب والتي لم تتطابق آراء الحزبين الحاكمين حولها. فقد اتخذ حزب الأمة موقفاً متشدّدا، بينما كان حزب الشعب الديمقراطي يرى (بحكم علاقته الوطيدة بمصر) عدم تصعيد الخلاف واللجوء للتفاوض. ثُم طغت على الأحداث مسألة المعونة الأمريكية والخلاف الحاد بين حزب الأمة الذي رأى قبول المعونة، وبين حزبي الشعب الديمقراطي والوطني الاتحادي اللذين اعترضا بشدّة عليها بحجة أنها الغطاء الاقتصادي لمشروع ايزنهاور الأمني في الشرق الأوسط. وقد احتدم هذا الخلاف عندما زار السيد ريتشارد نيكسون نائب رئيس الجمهورية الأمريكي السودان لمناقشة هذه المسائل، واجّجت هذه الزيارة المظاهرات والإضرابات ضد الحكومة. لهذه الأسباب لم تلتفت الحكومة إلى مسألة مياه النيل حتى بداية يوليو من عام 1958.
4
نصّت اتفاقية مياه النيل لعام 1929 (والتي وقّعتها بريطانيا نيابةً عن مستعمراتها الأربعة – السودان وكينيا ويوغندا وتنجانيقا – مع مصر) على أن انسياب مياه النيل من 19 يناير وحتى 15 يوليو من كل عام (زمن الانخفاض) تكون موقوفةً على استعمالات مصر ولا يحقّ للسودان استعمال مياه النيل في هذه الفترة الّا لاستعمالات الري عن طريق الطلمبات وفي نطاقٍ محدود. ويكون من حق السودان استعمال مياه النيل من 16 يوليو وحتى 18 يناير (زمن الفائض) لري مشروع الجزيرة وللبدء في حجز المياه في بحيرة خزان سنار ولكن بكمياتٍ محددة وبزيادةٍ تدريجية ونقصان تدريجيٍ في تواريخ معيّنة.
غير أن أكثر النصوص إثارةً للجدل في اتفاقية مياه النيل لعام 1929 هي الفقرة الرابعة (ب). وتنصّ تلك الفقرة على ألا تُقام أو تُجرى أي أعمال للري أو توليد الطاقة أو تُتخذ إجراءات على النيل أو فروعه أو على البحيرات التي تغذيه سواءٌ الموجودة في السودان أو في الأقاليم الخاضعة للإدارة البريطانية، والتي قد تضرّ بأي شكلٍ بمصالح مصر، سواءٌ بتقليل كمية المياه التي تصل إليها، أو بتعديل وقت وصولها أو تخفيض منسوب المياه، إلاّ بالاتفاق مع الحكومة المصرية.
في 10 يوليو عام 1958 أرسلت الحكومة المصرية مذكرةً إلى الحكومة السودانية تحتجّ فيها بشدّة على فتح بوابات خزان سنار لري مشروع الجزيرة وجزءٍ من امتداد المناقل في الرابع من يوليو عام 1958، اثني عشر يوماً قبل التاريخ المنصوص عليه في اتفاقية مياه النيل لعام 1929. وأوضحت المذكرة أن هذا خرقٌ للاتفاقية وقد نتج عنه ضررٌ للمزارعين المصريين. ردّ السودان أنه سبق أن أخطر مصر بنيته بدء ري امتداد المناقل رغم أن اتفاقية مياه النيل لعام 1929 ليست ملزمةً للسودان لأنها وُقّعت خلال الحقبة الاستعمارية بين بريطانيا ومصر، وأن السودان ليس طرفاً فيها.
وهكذا برزت بوضوحٍ ولأول مرة مسألة إلزامية اتفاقية مياه النيل لعام 1929، واستمر الطرفان في تبادل المذكرات حول هذه الاتفاقية لبعض الوقت. ففي 14 يوليو عام 1958 أرسلت الحكومة المصرية مذكرةً إلى مجموعةٍ من الدول شملت الحكومة الأمريكية تشرح الخطوات التي اتخذتها الحكومة السودانية لري مشروع الجزيرة والمناقل ذاك العام، وتناقش المذكرة لماذا تعتبر الحكومة المصرية هذه الخطوات خرقاً لاتفاقية مياه النيل لعام 1929، والتي هي ملزمةٌ للسودان. واستمر تبادل المذكرات حول اتفاقية عام 1929 خلال شهري أغسطس وسبتمبر عام 1958. مصر كانت تصر على إلزامية الاتفاقية على السودان، بينما كان السودان يرفض رفضاً قاطعاً إلزامية الاتفاقية كما أكّدت مذكرة وزارة الخارجية السودانية إلى السفارة المصرية في الخرطوم في 13 سبتمبر عام 1958. وقد أرسلت الحكومة السودانية صوراً منها لعددٍ من الدول. أشارت المذكرة السودانية إلى رغبة الحكومة السودانية في مواصلة التفاوض رغم الخلاف حول اتفاقية عام 1929. في هذا الوقت واصلت الصحف المصرية هجومها العنيف على الحكومة السودانية متهمةً إياها بالتبعية للغرب.
5
في سبتمبر عام 1958 قامت الحكومة السودانية بتعيين الخبير القانوني الهولندي الدكتور فان سانتين لإعداد دراسةٍ ورأي قانونيٍ حول وضعية ومدى إلزامية اتفاقية مياه النيل لعام 1929 على السودان. كان رأي السيد فان سانتين المبدئي أن اتفاقية عام 1929 ليست لها صفةٍ إلزامية لأنها لا تمثّل أكثر من ترتيبات إدارية محلية بين شريكي الحكم في السودان مما يُفقدها صفة الاتفاقية الدولية، وأضاف أن حكومة السودان لم تعترف بهذه الاتفاقية عندما نال السودان استقلاله في الأول من يناير عام 1956. حاول السيد فان سانتين الاطلاع على الوثائق البريطانية في لندن وجامعة دارام، ولكنّ بريطانيا اعتذرت أنها لاتريد أن تكون طرفا في النزاع بين مصر والسودان. غير أن السودان قرّر أن يتوقف عن السير في الطريق القانوني بعد أسابيع قليلة من وصول الفريق ابراهيم عبود إلى السلطة، وأنهى تعاقد الدكتور فان سانتين، كما سنناقش في المقال القادم.
6
ازداد الوضع التفاوضي حول مياه النيل بين مصر والسودان اضطراباً وارتباكاً وتعقيداً عندما وصل إلى الخرطوم في 20 سبتمبر عام 1958 السيد عباس الدابي القائم بأعمال سفارة السودان في القاهرة حاملاً معه ما اعتبره عرضاً مصرياً يتضمّن: اعتراف السودان باتفاقية مياه النيل لعام 1929، إرجاء بناء خزان الروصيرص حتى اكتمال بناء السد العالي، أن يتحمل السودان نصف فاقد التبخر في بحيرة السد العالي وأن يُعطي السودان 13 مليار متر مكعب (بالإضافة إلى حقوقه المكتسبة والتي تساوي أربعة مليار) ليكون نصيبه 17 مليار، وأن تكوّن لجنة سودانية مصرية مشتركة لدراسة وتقدير تعويضات أهالي وادي حلفا. وقد قرر مجلس الوزراء السوداني دراسة العرض المصري وتقديم عرضٍ مُعدّلٍ تجاهه بدلاً من رفض العرض. لكن مصر سارعت لِتُعْلِن أن تلك كانت أفكاراً للنقاش بين السيد زكريا محي الدين والسيد عباس الدابي، وليست عرضاً رسمياً للتفاوض. وقد عرّض ذلك الإعلان الحكومة السودانية والقائم بالأعمال السوداني في القاهرة إلى حرجٍ كبير، واعتبرت الحكومة السودانية الإعلان المصري سحباً لعرضٍ تمّ تقديمه رسمياً للسودان.
7
وهكذا زادت شقة الخلافات بين مصر والسودان توسّعا، فبعد شكوى السودان لمجلس الأمن حول نزاع مثلث حلايب، قامت مصر بالكتابة لمجموعةٍ من الدول حول ما ادّعت أنه خرقٌ للسودان لاتفاقية مياه النيل لعام 1929. وكرد فعلٍ لذلك أعلن السودان عدم إلزامية اتفاقية عام 1929 بمذكرة رسمية لمصر، وعيّن خبيرأ قانونياً دولياً لمساعدته في هذا الخلاف. توالت الأحداث وسحبت مصر عرضها للقائم بالأعمال السوداني بالقاهرة، واصفةً إياه بأفكارٍ للنقاش وليس عرضاً للتفاوض.
بعد سحب مصر لعرضها في نهاية سبتمبر عام 1958 وصلت المفاوضات إلى طريقٍ مسدود وتوقف الطرفان عن الحديث عن تقاسم مياه النيل. ظلّ ذلك الجمود سيّدَ الموقف حتى وقع انقلاب 17 نوفمبر عام 1958 وتغيّرت بمقتضاه الخارطة السياسية والتفاوضية السودانية تغييرأ جذريأ، كما سنناقش في المقال القادم.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.