مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخُرطُوم.. كُل سنة وإنتِ حُرَّة
نشر في كورة سودانية يوم 27 - 03 - 2025


محمد عبد الماجد
الخُرطُوم.. كُل سنة وإنتِ حُرَّة
نحمد الله أنّنا من قلب الخُرطُوم ومن عاصمة الصُّمود أبداً، كان لنا أن نشهد انتصار (الشعب) السوداني العظيم في ثورة ديسمبر المجيدة، والتي جاءت تلك الحرب من أجل طمس ملامحها وتدمير مكاسبها، ثم كان لنا أن نشهد انتصارات (الجيش) في ربوع العاصمة وهو ينشر الأمن والطمأنينة ليلاقي النيل الأبيض بإسهابه السَّهل، غريمه النيل الأزرق بانسيابه القوي في مقرن الخُرطُوم في سَلامٍ وحُبٍ وحَنانٍ، بعد أن فقد المقرن حتى حميمية اللقاء.
عشنا أيّاماً في الخُرطُوم لم يكن فيها النيل هو النيل الذي نعرف، بعذوبة مياهه، وإلفة شواطئه، وحنين الناس على ضفافه، يحملون بشرى، وبشرة سمرتنا في وجوههم. وما كانت الخُرطُوم خرطوماً، عندما كان ابن ال17 عاماً يقف على حافلته صائحاً السوق العربي.. السوق العربي الخرطوم.. وهناك من يعجز من أن يغالب أشواقه وهو يسمع أم درمان المحطة الوسطى.. وأم درمان مدينة أشواق، خُلقنا لنكون في حضرتها دراويشَ، وكل البيوت فيها ميدان المولد القديم، كل البيوت فيها ميدان الخليفة عبد الله.. وكلنا فيها (هلال.. مريخ.. موردة).. ما كان يطربنا غير أن نسمع منه منادياً للركاب: إستاد الهلال، إستاد الهلال، وقد كان يدفعنا حُبنا للهلال أن نستقل الحافلة المتجهة لإستاد الهلال حتى إذا كنا نريد الذهاب إلى الحاج يوسف أو الكلاكلة اللفة.. قبلتنا فيها دائماً إستاد الهلال.
وآخرٌ يصيح على مركبته: بحري.. بحري المحطة الوسطى، حيث تمثل بحري عندنا النجاة والحنين الذي لا ينتهي ولا ينقطع عنها، ومن هناك يأتي صوتٌ أكثر حِدّةً السوق الشعبي، يُقاطعه من هو أكثر منه بدانةً سوق ليبيا.. سوق ليبيا.
وبين هذا وذاك يدفعنا تنافسٌ حميمٌ عندما نسمع كلمة (نفر)، فنتسابق على مقعد واحد، يحمل عشرة أشخاص، لأنّ النوايا كانت طيبة.
كل هذا الحنين يعُود من جديد ليعيد للخُرطُوم شغفها المفقود، و(شليلها) الرائح.
قبل ذلك، نسعد لعودة النظام والقانون وانتهاء الفوضى ومن دخل الخُرطُوم فهو آمنٌ.
عادت الخُرطُوم، فعادت للأشياء طبيعتها، فرحة طفلة كانت تدس ابتسامتها في ثنايا الدروس، وحكمة رجل كان يَتَوَكّأ على كتف غيره، وقلق شاب كان ينتظر حافلة الحاج يوسف.
عادت الخُرطُوم، فرجع لضل المقيل امتداده الطبيعي بعد أن (شفشفوا) حتى الضل، وأصبح ضل المقيل بلا ضُل!!
عادت الخُرطُوم، فعادت للشاي أبو لبن (قنانته)، ولأُم فتفت (بصلتها) المفقودة، و(شطّتها) الحَارّة، ولصينية الغداء (لَمّتها) التي كانت قد تفرّقت بين النزوح واللجوء، ومن بقي منا حَرد الغداء أو حَرده الغداء، عندما كان لا خيار لنا غير العدس!!
عادت الخُرطُوم، فعادت لأغنيات عثمان حسين ألحانها للأيام (عشرتها) ولحبنا (قصتنا)، ولحكاوينا (شجنها)، ولفراشنا (حيرته)، ولدنيانا (ربيعها)، ولقبلتنا (سكرتها)، ولنيلنا سليل الفراديس (فردوسه المفقود) عدنا مرةً أخرى نترافع ب(كيف لا اعشق جمالك)، و(لا وحبك لن تكون أبداً نهاية)، و(ريدتنا ومحبتنا)، و(أنا مالي والهوى)، و(حارم وصلي مالك).
عادت الخُرطُوم، فعاد (الدافوري) بغلاطه وجدله، وقوون مغربيته عادت (الإعلانات) قبل المسلسل تنتظر، ورجع (عالم الرياضة) من إذاعة أم درمان من جديد يترقّب، وأصبح الدعاء يُستجاب، فليس بيننا وبين السماء حجابٌ في سماء الخُرطُوم الصافية.
عادت الخُرطُوم، فصلوا ركعتي الرغيبة في خشوع وطمأنينة، حاضراً في سكنات الفجر تنفلاً، وعادت الأخلاق التي نعرف، ليقوم الشاب عن مقعده في الحافلة لمن يكبره سناً، وليُعلن في الحفل عن فاصل للبنات وفاصل للأولاد، وليعود بين الناس من يقدم صدقته في الخَفَاء، الذين لا تعرف شمائلهم ما قدمت إيمانهم.
الخُرطُوم تعود الآن لنسمع كابليها وهو يغني (وحاة عينيا سُكّر)، ويغني حسن عطية بعنجهيته المعروفة لزهور الخُرطُوم وللمقرن (في المقرن نشوف الأزهار صفوف والنيل حولها كالعابد يطوف)، وكذا يفعل العميد أحمد المصطفى وهو يغني للقيا في الشاطئ عند الملتقى، وسيد خليفة يغنينا لجمال الخُرطُوم، أما أحمد الجابري فقد اختار أن يغني لملك الطيور في حديقة الحيوان.
أنت في الخُرطُوم ابتسم.
ها هي الخُرطُوم تعود إلينا بعد أن فقدت براءتها واُغتصبت سلامتها، فعادت الآن مُعافيةً من أي سُوءٍ. عادت الخُرطُوم في جنون النور الجيلاني عندما كان يغني منها لجوبا ولكدراوية ومرت الأيام حبيبي ولسه ظالمنا الزمن، وجانا العيد وانت بعيد، وكان الحوت محمود عبد العزيز يمارس فيها أقصى حالات الفنون ما بين مفرحته ومذهلته ومدهشته.
إنها الخُرطُوم يا سادة نسير فيها بترجمان احتراماً وتقديراً.
الحمد لله أننا شهدنا انتصار الشعب وانتصار الجيش وفي توافق الشعب والجيش انتصارٌ للوطن، فأخرجوا من تلك الانتصارات إلى سودان حُر، يسع الجميع، لا يضام فيه أحدٌ ولا تظلم على أراضيه حتى بغاث الطير.
في أواخر شهر رمضان قبل الماضي، رمضان 1444ه، عندما كان الناس يترقّبون هلال شوال، وكانت الدنيا قبائل عيد، أُطلقت أول رصاصة في حرب السودان في العاصمة الخُرطُوم، رصاصة لم يقصد منها غير الخراب والدمار، وفي رمضان الجاري 1446ه يبدو أنها سوف تكون الرصاصة الأخيرة التي نسمع صوتها في الخُرطُوم أو هي فعلاً كذلك.. حيث بدأت الحرب اللعينة في صراع على (القصر الجمهوري) الرئاسي، وانتهت بصراعٍ على (منزل المواطن) المسكين، السوداني المغلوب، حيث دخلت الحرب بيت أيِّ سوداني، دخلت الحوش والغُرف والمطابخ، ولم تسلم منها حتى الحمامات، فقد كانت الحرب، حرباً على كل شئ، حرباً كان الهدف منها النهب والسلب، والإذلال وهذا في اعتقادي كان أخطر ما فيها، ظهر ذلك في سلوكهم مع المواطنين وفي نهبهم لثروات السودان، ذهبه ومحاصيله الزراعية وثروته الحيوانية، وبنيته التحتية التي لم تسلم فيها حتى أسلاك الكهرباء، إلى أن وصلوا إلى أثاثات المنازل وعِدّة المطبخ، (لم تفلت منهم ملعقة شاي واحدة)، دخلوا صندوق الرسائل وتطبيق بنكك، وفوري وسرقوا حتى رقم الحساب، كل هذه الثروات نُهبت جهاراً نهاراً.. اتّجهوا إلى البنوك والصرافات الآلية لسرقة العُملات والودائع، ووصلوا لجيب المواطن السوداني المغلوب على أمره، لتجريده من حَق الدواء وهو في طريقه للصيدلية لشراء حُقن الملاريا أو حبوب الضغط.
لقد شهدناهم في البدء، ينهبون الغث والسمين من ذهب وسَيّارات وموبايلات وأموال، فانحدروا إلى أن أصبحوا في آخر أيامهم بعربة مقاتلة وسبعة مسلحين يأتون ويُفجِّرون من أجل سرقة نص كيلو سكر أو ربع كيلو عدس، فما كانت هنالك ذلة وضعف لهم أكثر من ذلك!!
شاهدناهم عندما كانوا يذلون المواطن ويضربونه وينالون منه بازدراءٍ وعُنفٍ، وشاهدناهم وهم يخرجون من البيوت والأحياء أذلةً، مُنكسرين، هاربين، يتسلّلون خِيفةً، بعد أن دخلوا القُرى والمُدن والبيوت فأفسدوا فيها أيّما إفساد.
كأن قصاصنا منهم يؤخذ جبرةً وعزةً، بعد أن انتقل إليهم الخوف والذُّعر والهلع، بعد أن كانوا يسببون ذلك الرُّعب للمواطن المُسالم والذي لا حول له ولا قوة غير إيمانه ويقينه، ولا شك أنّ في ذلك كل القوة.
بعض الروايات تتحدث عن أن ملتقى البحرين الذي جمع بين العبد الصالح وسيدنا موسى عليه السلام كان مقرن النيلين، والله أعلم، نحسب فينا عبيداً صالحين، وقد شاهدنا من يتلف عربته ومن يشلِّعها حتى يصرف الجهة الباغية والمتفلتة من سرقتها وأخذها غصباً كما حدث في سفينة المساكين التي خرقت خوفاً من الملك الظالم:
(فَ0نطَلَقَا حَتَّىٰۤ إِذَا رَكِبَا فِي 0لسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيًۡٔا إِمۡرࣰا) [سُورَةُ الكَهۡفِ: 71].
كان أهل السودان بهذا العلم والحكمة والصلاح، كأنهم يعيدون التاريخ.
(أَمَّا 0لسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي 0لۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاۤءَهُم مَّلِكࣱ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبࣰا) [سُورَةُ الكَهۡفِ: 79].
أخطر من ذلك أنهم عملوا لتدمير نسيجنا الاجتماعي وسلمنا الداخلي، بعيداً عن البيوت والسيّارات والأموال والجوالات السيارة، فما سلمت منهم حتى النوايا الطيبة والدواخل السليمة.
حاولوا طمس تراثنا وإرثنا وثقافتنا، حيث أُتلفت المتاحف وطُمست الإذاعات والتلفزيون القومي، وقابل ذلك مطابع جديدة، تصدر العُملة السودانية والأرقام الوطنية وشهادات البحث.
كانوا ضد أي شئ قومي، العاصمة (القومية)، حيث لا ذنب لها غير (قوميتها).. دمّروا الإذاعة (القومية) والتلفزيون (القومي) والمسرح (القومي) والنشيد (القومي) والزي (القومي) والعُملة (القومية) والمطار (القومي) والمتحف (القومي)، لم تسلم منهم (قومية) واحدة، كل ما يربط السودان بالوحدة والقومية قصدوا تدميره، بما في ذلك الهلال والمريخ، ومنقو قول لا عاش من يفصلنا.
الحرب على نسيجنا الاجتماعي كانت أخطر، والضرب على وحدتنا كانت أعنف، ما فقدناه في هذه الحرب ثقافياً أكثر كثيراً مما فقدناه مادياً.
هكذا بدأت الحرب، يرفع فيها الدعم السريع شعار الحكومة المدنية والمواطن يُحرم حتى من أداء صلواته في الجامع، كانوا يرفعون شعار الديمقراطية ويصادرون تلفونك إن وجدوا فيه تعليقات عن الحرب أو لم يجدوا، فيخترعوها لمُصادرة هاتفك الجوال، في الوقت الذي كانت قوات الدعم السريع تنادي بالحريات ويدّعي حميدتي أنّه يقاتل من أجلها، كان حقك في الحرية في الدخول لمنزلك أو الخروج منه مسلوباً.
من المُفارقات أنّ حميدتي ظنّ أنّ نصرة الهامش تتمثل في تدمير المركز، وأنّ عودة الديمقراطية مُمكنة بالدبابة، وما كانت الدبابة إلّا لإجهاض الديمقراطية!!
الذي يغيظ في هذه الحرب، أنّ حميدتي ظلّ طوال الحرب يُنادي بالحريات، في الوقت الذي تسلب فيه قواته حرية الدخول في شبكة الإنترنت، وكان حميدتي يدعو للسلام، في الوقت الذي يمنع بين الناس حتى التحية بالسلام، مُفارقة أن ينادي حميدتي بوحدة السودان، وأن يُحذِّر من تقسيم السودان وهو الذي يفعل ذلك، يُحذِّر من الحرب الأهلية وتقوم حربه على عناصرها.
ونحنُ في هذا التاريخ والخُرطوم تعود، ونؤكد ولا نساوم ولا نجامل ولا نركب الموجة، كما يفعل الذين كانوا يركبون أيِّ موجة قوية، مازلنا نتمسّك بموقفنا وندعو له وهو (لا للحرب)، لا للحرب مليون مرة، هذا هو مبدأنا الذي لن نتزحزح عنه، سوف نظل ندعو للسلام، ولا نزايد عليه رضي من رضي وغضب من غضب، فنحنُ ليس كتّاب سلطة ولا سعاة مناصب، لا نبغي غير مصلحة الوطن والله على ذلك شهيد، نؤكد مجدداً بعزيمة أقوى مع كل الابتلاءات والجراحات التي أصابت الجميع، أنّ أعظم ما يمكن أن نبني به السودان هو (العفو)، وأنّ سبيلنا للخلاص هو (السلام)، وأنّ بناء الوطن وعماره لن يكون بالكراهية ولا بخطاب الاستعراض الميداني الفارغ الذي لم يقصد أهله إلّا رفع أرصدتهم في البنوك، والحساب مكشوف.
نقولها في هذا التوقيت الصّعب، لا للحرب وننقل فرحة هذا الشعب بانتصارات جيشه بأمانة وصدق ودون مُهادنة أو أمر تحرُّك.
لا نخترع ذلك من سلة المهملات، ولا نأتي به من بنات أفكارنا، هذا هو ما يدعو له ديننا الحنيف إن كنا فعلاً نعرف قيمة هذا الدين وندرك ماهيته.
كفى أنّ أعظم دعوة في هذه الأيام الكريمة هي (اللهم إنك عفو تحب العفو فأعفُ عنا)، هكذا طالب المصطفى صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين السيدة عائشة.
كلما كان الضيم كبيراً والظلم أعظم، كان العفو أجمل.
يقول تعالى: (خُذِ 0لۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِ0لۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ 0لۡجَٰهِلِينَ) [سُورَةُ الأَعۡرَافِ: 199].
لا تغرنكم هذه الحسبة السياسية، تخيّلوا أنّ من أزواجنا ومن أولادنا يمكن أن يخرج العدو لا تحسبوها حسبة (عنصرية)، يقول تعالى مثمناً من العفو أيضاً: (يَٰۤأَيُّهَا 0لَّذِينَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَ ٰ⁠جِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوࣰّا لَّكُمۡ فَ0حۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُوا۟ وَتَصۡفَحُوا۟ وَتَغۡفِرُوا۟ فَإِنَّ 0للَّهَ غَفُورࣱ رَّحِيمٌ) [سُورَةُ التَّغَابُنِ: 14].
في القرآن الكريم تكررت عبارة (غفور رحيم) 66 مرة وتكررت عبارة (غفور حليم) 16 مرة، وتكررت عبارة (غفور شكور) 3 مرات، وجاءت عبارة (الغفور ذو الرحمة) مرة واحدة، وقد يكون فاتت عليّ بعض الإحصاءات والله أعلم، غير أنّ الكثير من الآيات كانت تدعو للرحمة والمغفرة وهي من صفات الله عز وجل وهي أسماء من أسمائه الحسنى، فماذا بعد ذلك.
اللهم أحفظ السودان، أراضيه وأهله، وحدته وأمنه، شعبه وجيشه، ولا للحرب، نعم لسودان موحد وجيش واحد.
يبقى لنا أخيراً أن نشهد للقوات المسلحة أنها عملت من أجل وحدة أراضي السودان، ووحدة شعبه في صبر وحكمة، وأن تمهُّلهم الذي كنا نلومهم عليه، ما كان منهم إلّا حُسن تدبير وتخطيط من أجل حفظ الدماء وحقنها، وهو المطلوب، عملوا بكدٍّ وجهدٍ من أجل أن ينأوا عن (العنصرية) التي كان الطرف الآخر يدفعهم إليها، وكانوا لا يستجيبون إلا ممن هم ملكيين أكثر من الملك، لهذا كانت القوات المسلحة، ولهذا ننادي بقوميتها التي عُرفت بها القوات المسلحة رغم كل الظروف من المحافظة عليها.
يبقى شهداء الوطن أفضل منا جميعاً، لذا فلا كلمات يمكن أن توفِّيهم حقّهم، هم أحياءٌ عند ربهم يرزقون.
نسأل الله أن ينعم على كل المناطق والأراضي في دارفور وغيرها بالأمن والجيش، وأن يكون لهم من الفرح ما كان للخُرطوم التي دفعت ثمناً غالياً في هذه الحرب اللعينة.
…..
متاريس
في ليلة مباركة، نحسب تنزّل الملائكة فيها بأمر ربهم صعدت روح صديق أحمد، الذي كان كأنه ينتظر عودة الخُرطوم وتحريرها بالكامل لتنتقل نفسه المطمئنة إلى الرفيق الأعلى.
صديق أحمد الذي غنى مشتهيك أنا يا بلد:
مشتهيك أنا يا بلد
وليك راجع لا محالة
بعد ما حرّرت نفسك
من قيودك في بسالة
بعد أن طهّرت أرضك
من نواميس العَمَالة
صديق أحمد رحل بعد أن تحقّق له ذلك.. اللهم أرحمه وأغفر له وأسكنه فسيح جناتك.. اللهم أعتق رقبته من النار فقد رحل في ليلة مباركة تُعتق فيها الرقاب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
…..
ترس أخير: أقفلوا القوس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.