لم يعد بمقدور المواطن (المسكين) أن يحدد ساعة وصوله للعمل وميقات عودته للمنزل، لأنّ الأمر لم يعد في يده.. فأزمة المواصلات الطاحنة التي تعيشها العاصمة سلبت قدرة الناس على ضبط الوقت.. وسط صمت غريب من المسؤولين في ولاية الخرطوم حيال ما تشهده مواقفها من ندرة في المركبات حوّلت المواقف إلى ساحة معركة بين المواطنين. سيناريو المُعاناة يبدأ من الصباح الباكر حيث المشهد المعتاد في كل موقف يَتجمّع فيه الآلاف لانتظار المركبات العامة التي غالباً ما لا تأتي.. فالأزمة متكرّرة ولأسباب بعضها مفتعل وآخر حقيقي.. غير أن غياب الإرادة الحقيقية لإيجاد حلول هو السبب الذى فاقم أزمة المواصلات وكتب الشقاء على مواطني الولاية. للأسف فإن العين تطبعت على المشهد المسيئ للسلطات المعنية في الخرطوم، حشود تنتظر حضور مركبة (يعافر) على ركوبها العشرات من أجل الظفر بمقعد.. دفع بالأيدي وركل بالأرجل واختلاط للحابل بالنابل.. سحق للضعيف.. وبهدلة للمريض.. وذلة للمتقدمين في العمر.. و(مرمطة) لحياء بناتنا في وحل ممارسات ما أنزل الله بها من سلطان.. كل هذا والسبب المواصلات..! جحيم الذهاب إلي العمل أو الدراسة يضيع على مواطني الخرطوم جهداً ووقتاً تحتاجه الدولة التي من المفترض أن تكون حريصة على زمن الإنتاج.. هذا الوقت للأسف يقضيه جل المواطنين في رحلة البحث عن مركبة تقلهم إلى مكان العمل.. هؤلاء المنهكون المتعبون لا أظن أنّ هنالك طاقة تسعفهم لتقديم عمل مفيد أو استيعاب درس أو محاضرة قبل أن تبدأ رحلة العودة التي تحمل أصنافاً أخرى من العذاب. رحلة العودة للمنزل تأخذ سحابة اليوم وجزءاً غير قليل من الليل وهي أشبه بالمهمة المستحيلة.. الكثيرون يرابطون عند مداخل (المواقف).. دفع بالأيدي وركل.. فساحة المركبات غالباً ما تتحول إلى حلبة مصارعة واستعراض عضلات تتنوع فيها فنون (القتال والمُعافرة). لم يخرج علينا مسؤول حتى يوم أمس بتبرير واضح لما يحدث من أزمة في المواصلات دخلت أمس يومها الثامن.. هل تكمن المسألة في ارتفاع أسعار الإسبيرات أم في ضعف حجم المركبات العامة قياساً بعدد المواطنين.. هل نحن أمام تمرد مقصود بهدف رفع التعرفة من جديد.. وأين بصات ولاية الخرطوم.. وأين المقترحات البديلة لحل أزمة المواصلات عبر الاستعانة بالسكة الحديد.. وفوق هذا كله لماذا الصمت؟ وما هي خيارات الولاية في التصدي للأزمة الراهنة..؟ ظروف منعتني أمس من حضور المؤتمر الصحفي للدكتور عبد الرحمن الخضر إذ تزامن مع التزام سابق.. وكنت أود أن استمع لرؤية الرجل في هذه القضية المهمة ذات الانعكاسات الخطيرة على دولاب العمل ومستويات التحصيل بالنسبة للطلاب، إلى جانب مردوداتها السياسية والأمنية السالبة إذا ما تفاقمت إلى أكثر من هذا النحو.. الوالي أوضح أن ما تم في جانب المواصلات بداية لمشروع كبير تحتاج فيه الولاية ليد العون.. وأكد استمرارية عمل الحافلات نسبةً لأهميتها.. وجدد فتح الباب للآخرين بالاستثمار في مجال النقل. سيدي الوالي هذا حَديثٌ يراهن على المستقبل أكثر من كونه يجيب على الأسئلة الراهنة.. الأمر يتطلب إيجاد حلول إسعافية تصل بنا إلى الإستراتيجيات الكبيرة بلا خسائر فهلاّ فعلت؟!.