كثيرةٌ هي البلدات (مُدنٌ وقُرى) التي يقوم هيكلها على هياكل أصغر، تحتوى البلدةُ الواحدة بلداتٍ أصغر... ولكنّ قليلاً من هذه البلدات المُتجمّعة يأتي اسمها تعبيراً عن حالة التجمّع، من بين هذه البلدات بودابست العاصمة المجريّة التي تتكوّن من بلدتي(بودا) و(بست)، وفي السودان رومي البكري بالولاية الشمالية ريفي دنقلا التي تَشَكّلت من قريتين، قرية (رومي) وقرية (البكري)! من الأعمال الايجابيّة في تجارب الحُكم المحلي تجميع القرى، تُجَمّع عددٌ من القرى في بؤرة مركزيّة فتصوّب التنمية سهامها في اتجاه البؤرة... أنا واحدٌ من الشاهدين على مشروع تجميع قُرىً لم يكتمل في محافظة نهر عطبرة بولاية كسلا أيّام كان محافظها واسع الأفق عالي الهِمّة العقيد وقتها العبد لله حسن عمر العوض! قريتا (رومي) و(البكري) توحّدتا إلى (رومي البكري) بالفطرة قبل أن يصدر قرارٌ اداري بتوحيدهما... ولو أنّ رحّالةً ذهب إلى هناك باحثاً عن العلامات الفاصلة بين (رومي) و(البكري)، من أين تنتهي رومي لتبدأ البكري، فلن تهتدي رحلته وبحثه لا للبداية ولا للنهاية! قُرى الشمالية ومجتمعاتها تستمدُّ بعضاً من قوّتها من أبنائها الذين يخرجون منها للبطش في أرض الله الواسعة... لكنّ الحبل السُرّي بين الخارجين وقريتهم لا ينقطع أبداً... حتّى نهار هذا اليوم لم يُصْنع ذلك المَقَص الذي يقطع الحبل السُرّي بين رومي البكري وأبنائها! قَدّمَ لي المهندس الصحفي الفاتح وديدي اصدارة تتلوّن بالجمال وتتزيّن بالحبل السُري الذي يربط رومي البكري بأبنائها، وتحمل اسم (النهضة)، مجلة نصف سنويّة تخرج ببنات أفكار أبنائها وآهاتهم ومذكّراتهم وذكرياتهم وطموحاتهم، لذلك فهي تحمل بين صفحاتها بطاقة ثبوتيّة بأنّها بنت الأرض والبيئة والزمان وأنّها بنتٌ شرعيّة لرومي البكري! لا أظننا نختلف على أنّ عنوان كلٌ منّا مهما تعاظم شأنه في بلاد الله هو بيته الريفي، الأرض التي أنبتت نباته، وأهالي رومي البكري وجمعيتهم الخيريّة ومجلتهم هُمُ الدليل... قريتان تزوّجتا في الحلال فولدتا عبقرية المكان... رومي البكري جدّدت نظرية أنّ زواج قريتين ينجب مدينة، مثلما فعلتْ ذلك قبلها قِطعة الأرض الهنغاريّة بودابست!!